نظرية العقد الاجتماعي

نظرية العقد الاجتماعي

نخصص هذا المقال لمناقشة موضوع يتسم بكونه ذو طبيعة فلسفية وسياسية أكثر منه قانونية، ونقصد بذلك الموضوع فكرة أو نظرية العقد الاجتماعي، فهذه النظرية تعد من أهم النظريات التي فسرت علاقة الفرد بالدولة وأساس سلطتها عليه، ورسخت الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الحاكم ومن يحكمهم، وقد تبلورت تلك النظرية في الفترة السابقة على القرون الوسطى، حيث بدأت على يد بعض الفلاسفة ومنهم أفلاطون، ومرت بالعديد من التطورات على يد العديد من الفلاسفة حتى وصلت إلى جان جاك روسو الذي كان له الفضل الأكبر في وضع الشكل النهائي والتحديد الكامل لتلك النظرية، والتي أصبحت هي نقطة الانطلاق التي انتهت عندها سيطرة الحكم الكنسي، وبدأت حقبة جديدة تتمثل في العلاقة المتكاملة بين الفرد والدولة.

وقد تكون تلك النظرية متشابكة بعض الشيء مما يجعلها غامضة وعسيرة الاستيعاب والتفسير لدى البعض بشكل متفاوت، وهو ما حدا بنا إلى التعرض لها في هذا المقال في محاولة منا لإزالة ذلك التشابك والغموض، وعرض النظرية بشكل مبسط وبعيد عن التكلف، وذلك بتفكيك هذه النظرية إلى عناصرها الأساسية وتناول كل عنصر منها بشكل مستقل ومبسط، بحيث يكون ظاهر هذه النظرية ومضمونها سائغاً ومستساغاً لدى من يطالع هذا المقال.

أولاً: التعريف بمصطلح العقد الاجتماعي

ثانياً: أسباب نشأة نظرية العقد الاجتماعي ومضمونها

ثالثاً: أسس نظرية العقد الاجتماعي

رابعاً: العقد الاجتماعي لدى توماس هوبز

خامساً: العقد الاجتماعي لدى جون لوك

سادساً: العقد الاجتماعي لدى جان جاك روسو

سابعاً: رأي المفكرين الإسلاميين في نظرية العقد الاجتماعي

أولاً: التعريف بمصطلح العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي أو (Social Contract) هو مصطلح يستخدم للإشارة إلى نظرية تعتبر هي أساس نشأة العلمانية الحديثة لدى الغرب، والتي كانت نتاجاً لمحاولات متعددة قام بها المجتمع الغربي خلال عصوره المظلمة، ونتيجة لذلك كان تعريف هذا المصطلح محل خلاف بين المفكرين ورجال السياسة وعلماء الاجتماع، نظراً لتعريف كل منهم لهذا المصطلح وفقاً لوجهة نظره واتجاهاته الفكرية، وهو ما أفرز العديد من التعاريف للعقد الاجتماعي والتي لا يمكن حصرها، إلا أننا يمكن أن نتعرض لأهمها وأبرزها على النحو التالي:

– العقد الاجتماعي هو مصطلح يطلق على مجموعة الاتفاقات الرئيسية في الحياة الاجتماعية والتي بموجبها يقوم الفرد بوضع إمكانياته رهن إرادة المجتمع[1].

– بينما رأى البعض أن العقد الاجتماعي يمثل اتفاق يحرر من قبل الحكماء والعقلاء والشخصيات البارزة من مختلف المجالات، ويستهدف ذلك الاتفاق التأسيس لمجتمع يقوم على المساواة والعدالة، ويمثل عقد اجتماعي سياسي يبين نشأة وشكل المجتمع، أو عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكومين يوضح العلاقة التي تربط فيما بينهما[2].

– وذهب الجانب الأكبر منهم إلى تعريف العقد الاجتماعي بأنه التجريد العقلاني الذي يتم إقامته وتأسيسه على افتراضيات قوامها أن الإنسان يمتلك إرادة حرة، وأن المجتمع ما هو إلا تعاقد يتم إبرامه بين تلك الإرادات، وأن ما تكتسبه الدولة من شرعية لا تستمدها من الإرادة السماوية ولكن من خلال ما تم إبرامه من تعاقد، ولا نبالغ في زعمنا بأن هذا الرأي هو الرأي الأقرب للصواب، حيث جاء متوافقاً بشكل كبير مع مضمون نظرية العقد الاجتماعي وهدفها الذي تعمل من أجله كما سنرى تباعاً.

ثانياً: أسباب نشأة نظرية العقد الاجتماعي ومضمونها

في إطار مبسط لفكرة العقد الاجتماعي وما تحتويه من مغزى ومضمون يمكننا أن نصف تلك الفكرة بأنها الأساس والمصدر الذي نبعت منه فكرة الدولة واستندت إليه في نشأتها وظهورها، حيث بدأ مضمونها ذا يتضح ويتبلور في صورة واضحة الملامح بالتزامن مع نشأة النهضة في أوروبا، فتقوم هذه الفكرة على افتراض وجود اتفاق مفترض بين أفراد أي مجتمع يستهدفون من خلاله تحويل حياتهم من الطبيعة الفطرية إلى الطبيعة المنظمة، هذه الطبيعة التي تشكلت بعد ذلك في واقعنا الحالي في صورة المجتمع السياسي المتمثل في الدولة.

وقد كان ظهور مثل تلك الفكرة وغيرها من الأفكار الأخرى التي حاولت أن تؤسس وتقنن العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وتؤطر أسباب خضوعه لها والانصياع لسيادتها أهمية كبيرة في وضع نهاية للحكم القائم على فكرة أنه يستند إلى سلطة إلهية، إلا أن تلك الأفكار الأخرى لم يكتب لها النجاح الذي حققته فكرة العقد الاجتماعي.

ويرجع ذلك إلى أن العالم الأوروبي خلال فترة العصور الوسطى كان يرزح تحت وطأة الاستبداد الذي يمارسه الحكم الملكي، والذي كان يستند فيه إلى ما هو ممنوح إليه من سلطة إلهية، وكان ذلك سبباً رئيسياً لاتجاه الفلاسفة والمفكرين إلى فصل سلطة الحكم عن سلطة الكنيسة، والمناداة بمبدأ جديد يتمثل في أن الإنسان لا يلزمه سند روحي كي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة.

وعلى إثر تلك الظروف وتحديداً في غضون القرن السابع عشر ظهرت نظرية العقد الاجتماعي باعتبارها نظرية وفكرة ذات طبيعة سياسية تتواكب مع تغيرات هذا العصر، ويمكن اتخاذها كدستور يحكم العلاقات التي تنشأ في ظل الحياة السياسية المتطورة، وتحديد العلاقة بين الأفراد والدولة استناداً ليس إلى سلطة إلهية مزعومة ولكن لسلطة يمنحها الشعب إلى الدولة من خلال العقد المفترض إبرامه بينها وبينه، حيث يمنحها الشعب جزء من حرياته التي يتمتع بها في شكل قيود وضوابط توضع على تلك الحريات، بينما تمنح الدولة للشعب مجتمع يتمتع فيه بحقوق تجعل من هذا المجتمع مكاناً صالحاً لحياته ومعيشته.

ثالثاً: أسس نظرية العقد الاجتماعي

تستند نظرية العقد الاجتماعي في قيامها إلى دعامتين رئيسيتين يتشكل منهما أساس هذه النظرية:

– الدعامة الأولى هي فكرة وجود حالة بدائية عاش فيها البشر في مستهل وجودهم على الأرض، وكانت تتسم حياته في تلك الفترة بالفطرة والتشتت.

– الدعامة الثانية هو نشوء إحساس لدى البشر بضرورة تطوير تلك الحياة لتصبح قادرة على الوفاء بمتطلباتهم وتحقيق احتياجاتهم بمختلف أنواعها، مما حدا بهم للاتفاق فيما بينهم على إبرام عقد اجتماعي يتولى بموجبه كيان آخر بتنظيم شؤونهم وتوفير حياة هادئة مستقرة لهم مقابل تنازلهم لهذا الكيان عن بعض الحريات المقررة لهم، وهذا الكيان هو ما أصبح يعرف بالدولة، وكان ذلك هو أساس نشأة فكرة الدولة من منظور نظرية العقد الاجتماعي، وانتقال الأفراد من حياتهم الفطرية البدائية إلى تكوين مجتمع منظم.

رابعاً: العقد الاجتماعي لدى توماس هوبز

اتسم فكر توماس هوبز (Thomas Hobbes) بأنه فكراً ذو طبيعة مادية، وكان رأيه متجهاً إلى أن الحياة الإنسانية في بدايتها – أي قبل خضوعها للنظم والضوابط الاجتماعية – كان أساسها هو التباري والمنافسة والصراع من أجل الحصول على أقصى ما يمكن للإنسان أن يتحصل عليه من ملذات الحياة، ومنبع ذلك التنافس هو خشيته من الموت ورغبته في المحافظة على حياته، فيظل هذا التنافس والصراع قائماً منذ بداية حياة الإنسان وحتى نهايتها، ويكون الإنسان في خلال تنافسه مهتماً بالحصول على مبتغاه أياً كانت الوسيلة التي يستخدمها في ذلك، فالإنسان بطبعه أناني النزعة، ولذلك فقد كانت حياته الأولى ما هي إلا صراع مع الآخرين حباً في المجد وتفضيلاً للذات[3].

ولذلك وباعتبار أن كل إنسان يعد الأكثر حرصاً على أن تتحقق مصالحه وأهدافه الشخصية، فقد أدرك الجميع أن هناك حاجة ملحة وضرورية إلى الوصول بالمصالح الشخصية لكل فرد إلى مرحلة تصبح فيها تلك المصالح هي مصالح مشتركة بين الجميع، فلا يصبح هناك صراعاً – إلا في إطار الحد المقبول – نظراً لتوحد المصالح والأهداف فلا يصبح الصراع غير ذي موضوع، باعتبار أن من يحقق هدفه يحقق أهداف الجميع، وبالتالي فإن الخوف من الآخر كان سبباً إلى اللجوء إلى فكرة الاتفاق التعاقد، حتى يكون كل إنسان مستقراً ومطمئناً وآمناً في حياته.

وبانتقال الإنسان من مرحلة الأنانية والصراع إلى مرحلة التعاقد فقد أصبح على عاتقه التزامات أنشأها هذا التعاقد ويلزم عليه أن يوفي بها، وكان حريصاً على ذلك بسبب خوفه من أن مخالفته لالتزاماته تلك سيقابلها مخالفة لها من الآخرين، وبالتالي سيعود لحياة الخوف من تعارض مصالحه مع مصالح الآخرين بما ينتج عنه عودة الصراع والمنافسة وبالتالي الخطر على حياته مرة أخرى، وهو ما انتهى معه (هوبز) إلى أن الشعور بالخوف ليس أساس ظهور فكرة التعاقد فقط، بل هو أيضاً أساس التزام الأشخاص بهذا التعاقد وما يفرضه عليهم من التزامات.

وبالتالي فإن تعاقد الجميع يكون مع هيئة مختارة تتولى الحكم، ويتنازل كل فرد من هذه الجماعة عن حقوقه المطلقة لتلك الهيئة الحاكمة، والتي تقوم بمزاولة سلطتها في السبل التي تحقق صالح الجماعة التي اختارتها، وفي سبيلها لذلك فهي تتصرف باعتبارها نائبة عن جميع من كان طرفاً في التعاقد.

وهو ما ننتهي معه أن فكرة العقد الاجتماعي من وجهة نظر (هوبز) تتمثل في اتفاق الجماعة على منح جانب من حقوقهم وحرياتهم المطلقة لمن يتم اختياره للحكم، والذي يتصرف بالنيابة عنهم، وقد رأى أن هذا التنازل لا يرتبط بأي تأقيت، بل هو تنازل دائم ومؤبد لا يمكن الرجوع عنه، ولكن ذلك لا يمنع من وجود بعض من هذه الجماعة ممن قد يرون أنهم لم يختاروا طوعاً إبرام هذا التعاقد، وذلك رغبة منهم من الفرار من التزاماتهم التي يفرضها عليهم التعاقد، وهو من وجهة نظر (هوبز) ما يستلزم اقتران هذا التعاقد بقوة تجعل من تنفيذه أمراً واجباً على الكافة، وبدون وجودها لن يكون هناك جدوى من التعاقد لأنه سيكون دون قيمة فعلية على أرض الواقع، وجعل (هوبز) الشخص صاحب تلك القوة هو الدولة ووصفها بالتنين[4].

إلا أننا نجد أن (هوبز) يميل بصورة واضحة إلى تفضيل الحكم المستبد المستند إلى الدكتاتورية، فيمنح الحاكم السلطة المطلقة والتي يحكم فيها وفقاً لأهوائه وإرادته دون معقب، فلا يكون هناك قانون يخضعه أو رقيب يراقبه، وذلك باعتباره لم يكن طرف في التعاقد الذي تم بين أفراد الجماعة، وبالتالي لا يعد ملتزماً بأي التزام يفرضه هذا التعاقد، وهو ما جعل نظرية العقد الاجتماعي من وجهة نظره وإن كانت صالحة لإقامة مجتمع، إلا أنها تؤسس لمجتمع تسوده الدكتاتورية والاستبداد، وهو ما كان سبباً لنقد تلك النظرية، بجانب أيضاً كونها تفترض أن مصلحة الحكام ورعيتهم واحدة، وهو ما لا يتصور تحققه إلا في حالات حروب والأزمات التي يتكاتف الجميع لمواجهتها، بينما في وقت السلم تدب الخلافات التي يكون محورها تضارب المصالح بين أفراد الطبقات المختلفة.

خامساً: العقد الاجتماعي لدى جون لوك

جاء جون لوك (John Locke) معارضاً لوجهة نظر (هوبز) والتي يرى فيها الإنسان كائناً أنانياً ووصفه لحياته بأنها حياة تتسم بالتوحش ويحكمها قانون الغلبة للأقوى، حيث رأى (لوك) أن الحياة البدائية لم تكن محكومة بأهواء الإنسان وبحثه عن ملذاته، ولا بالخوف المتولد لديه من خشية وقوعه تحت اعتداء من الآخر، بل كانت في نظر (لوك) حياة يسودها الخير والمساواة، وأن السبب في اتجاه الجماعة إلى إبرام التعاقد كان منبعه رغبتهم في الحفاظ على تلك الحياة واستمرارها على ذات المنوال، وهو تعاقد لم يبرم بين أفراد الجماعة وبعضهم البعض كما سبق وأن رأى (هوبز)، بل هو تعاقد تم إبرامه بين الجماعة والحاكم، وتم بموجبه تنازل أفراد الجماعة عن جزء من حقوقهم بالقدر الذي يكفي لقيام سلطة الحاكم، وذلك نظير أن يعمل هذا الحاكم للمحافظة على حقوق الأفراد التي لم يتم التنازل عنها.

مما يمكننا معه أن نتبين أن (لوك) يتفق مع (هوبز) في أن العقد الاجتماعي – الذي نتج عن رغبة الأفراد فأبرموه فيما بينهم – هو أساس قيام المجتمع السياسي، إلا أن الاختلاف الأساسي كان حول طبيعة الحياة البدائية للإنسان، فـ (لوك) اعتبر أن الحرية التي يمتلكها الإنسان تجعله حراً من أي سيادة طبيعية للغير عليه، وبالتالي فإن سلطة الحاكم على الرعية ليست سلطة في معناها الحقيقي بقدر ما هي واجب طبيعي يكلف به الحاكم، كما أنها ليست سلطة دائمة أو مؤبدة بل هي مؤقتة ومحددة بوقت معين ومعلوم، فهي تكون أشبه بسلطة الأب على أبنائه وليست سلطة سيد على عبيده، وبالتالي متى تم إساءة استخدام تلك السلطة أو وقع أي إهمال أو تقصير في استخدامها، فيكون الجزاء هنا لدى (لوك) هو فقدان تلك السلطة[5].

فالحاكم في نظر (لوك) يكون طرفاً في التعاقد، وبالتالي لا مجال أمامه للتملص من التزاماته التي يتحملها بموجب هذا التعاقد، والتي تتمحور حول حماية الأفراد وما يمتلكونه من حقوق، وتحقيق المساواة والعدالة فيما بينهم، وبالتالي إذا وقعت أي مخالفة من قبل الحاكم لالتزاماته الناشئة عن التعاقد فإن هذا التعاقد يعد منفسخاً، وهو ما أعطى معه (لوك) للأفراد الحق في أن يقوموا على هذا الحاكم ويقاوموه متى وقع منه أي تجاوز يتعدى حدود السلطات التي منحها له ذلك التعاقد.

وبالتالي فإن الدولة في نظر (لوك) هي كيان تم إيجاده من حيث الأصل للحفاظ على مصالح الأفراد وحماية حقوقهم وحرياتهم، وبالتالي لا مجال للحديث عن تعسف يقع من تلك الدولة على الأفراد الذي يقع على عاتقها واجب حمايتهم، فكانت نظرية العقد الاجتماعي في نظره هي وسيلة يمنح من خلالها الأفراد قدر بسيط من الحقوق إلى حكومة لا يكون فيها الحاكم نائباً عنهم إلا بالقدر المناسب لحماية مصالحهم وحقوقهم.

سادساً: العقد الاجتماعي لدى جان جاك روسو

رأى جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) أن حياة الإنسان البدائية كانت حياة يعمها الخير والمساواة والحرية، إلا أن تطور الحياة ونشأة الملكية الخاصة لكل فرد والنزاعات التي أعقبت ذلك كانت سبباً حدا بالأفراد إلى الاتفاق على تعاقد يبرمونه فيما بينهم، ويكون طرفي هذا التعاقد هو الجماعة بأكملها من جهة كطرف، وجميع الأفراد بشكل مستقل بحيث يكون كل منهم ممثلاً بصفته الشخصية وكل فرد منهم يمثل طرف مستقل في التعاقد، ويكون فحوى هذا التعاقد متمثلاً في نزول كل فرد عن حقوقه الطبيعية للمجموعة التي يتم اختيارها والاتفاق عليها لتمارس الإدارة والحكم، على أن يظل الأفراد محتفظين بحقوقهم وحرياتهم المدنية، وهو ما يترتب عليه تقييد السلطة الممنوحة للحاكم، بحيث يحترم رغبة الجماعة وإرادتها.

وكانت وجهة نظر (روسو) أنه من الأفضل أن نوحد قوانا لتكون هناك قوة عليا تضبط الجماعة وتحكمها، ويتم ذلك في نسق يحدده قانون عادل يكفل الحماية والعدالة والمساواة، ويكون الحاكم هنا ليس بمثابة نائب عن الأفراد أو الجماعة، ولكن باعتباره وكيلاً عنهم يمارس وكالته تلك في الإطار والحدود التي تضعها له الوكالة المتمثلة في التعاقد[6].

ولا يعد تنازل الأفراد عن حقوقهم وحرياتهم بمثابة فقدانهم لها، بل تظل مملوكة لهم بحيث يحق لهم استردادها مرة أخرى وإعادة منحها لمن يرون جدارته بممارسة سلطة الحكم، وهو ما يؤسس عند (روسو) لدولة يحكمها التعاقد ولا تمارس سلطاتها جبراً أو ضد إرادة الأفراد، فتكون الدولة في هذا النموذج هي الدولة التي تعد مثالاً للحرية الفعلية.

ولعل ذلك هو ما يميز نظرية العقد الاجتماعي لدى (روسو) عنها لدى كل من (هوبز) و(لوك)، حيث يعتبر (روسو) هو الوحيد الذي تعامل معها بشكل متفرد، حيث استهدف تحقيق المثل العليا المتمثلة في الحرية والديمقراطية والمساواة، وهو ما جعل (روسو) يعد رائد مرحلة سيادة الشعب، الذي تكون له السلطة والقوة الحقيقية، ويكون القانون هو أثر من آثار الإرادة العامة للشعب.

سابعاً: رأي المفكرين الإسلاميين في نظرية العقد الاجتماعي

لاقت تلك النظرية نجاحاً كبيراً في المجتمع الأوروبي نظراً لما مثلته من حد فاصل حال بين الشعوب وبين الاستبداد والطغيان الذي ساد فترة الحكم في تلك الآونة وأسست لمجتمع سياسي أفضل بكثير، كما رسخت لشكل من أشكال الديمقراطية المثالية، وكانت أهدافها بمثابة أهداف لا تختلف معها أي شريعة من الشرائع السماوية إلا نادراً، إلا أن المفكرين الإسلاميين ارتأوا أن هناك العديد من العيوب الخطيرة التي تشوب تلك النظرية خاصة بعد أن تم تنفيذها بشكل فعلي وعلى أرض الواقع، ويمكننا أن نورد أهم تلك العيوب في النقاط التالية:

– تحرض تلك النظرية من وجهة نظر (هوبز) على اتباع نظام الحكم الاستبدادي والدكتاتوري، حيث تمنح كامل السلطات للحاكم، وهو ما يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية، ويستدل على ذلك من قوله تعالى في الآية رقم (45) من سورة (ق) (وما أنت عليهم بجبار).

– قيام هذه النظرية بشكل رئيسي على افتراضات لا يمكن الجزم بصحتها، خاصة وأن العقد أو التعاقد المبرم بين الأفراد هو فرض خيالي وليست حقيقة واقعية، كما أنها غير منطقية حيث تفترض وجود قوة قانونية ملزمة للتعاقد في ظل مجتمع بدائي لا يمكن أن يتصور وجود مثل تلك القوة القانونية فيه.

– اختلاف هذه النظرية مع الدين الإسلامي فيما يتعلق بمصدر التشريع، ففي ظل هذه النظرية يستمد التشريع وجوده من الدولة، في حين أن التشريع لله سبحانه وتعالى وحده.

– تفصل تلك النظرية الدين بشكل تام عن السياسة، وإغفالها الكامل لما يمثله الدين في حياة الفرد والمجتمع، بل وقد اعتبرت النظرية أن الدين يعد عائق يحول دون العودة للحالة السوية.

– الحرية التي أقرتها تلك النظرية هي حرية مطلقة، وهذا الأمر يخالف الحقيقة حيث أن الحرية الحقيقية لها حدود وضوابط تحكمها، فلا يعتبر من قبيل الحرية أن يقوم الفرد بعمل ما يريد وقتما أراد، وإلا أصبحت الحرية فوضى، وبالتالي يكون مفهوم الحرية التي ابتنت عليه النظرية هو مفهوم مخالف للواقع والحقيقة.

ثامناً: الخاتمة

على الرغم مما حققته نظرية العقد الاجتماعي من نجاح في المجتمع الأوروبي، وما لاقته من أوجه نقد في نظر الفقه الإسلامي، وما حققته من فوائد منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي، فإننا لو تبحرنا في قرآننا الكريم سنجد ما يؤطر لعلاقة الفرد بالدولة، وبالتالي فإننا نرى أن نظرية العقد الاجتماعي قد لاقت نجاحاً كاملاً في العالم الغربي نظراً لكونها تتوافق مع ظروفه وأوضاعه، ولكنها قد لا تتوافق مع أوضاع بعض المجتمعات الأخرى التي تختلف في أوضاعها ومعتقداتها عن المجتمع الغربي.

وبعد أن ألقينا نظرة عامة على موضوع (نظرية العقد الاجتماعي) نرجو أن تكون تلك النظرية قد أصبحت أكثر وضوحاً وبساطة، ونود أن نختتم مقالنا هذا بالتأكيد على أن ما يعتنقه الفكر الغربي من أفكار ونظريات ليس بالضرورة أن يكون متناسباً ومتوافقاً لتطبيقه في كل مكان.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – أحمد مختار عمر – معجم اللغة العربية المعاصرة – ط1 – عالم الكتب – مصر – 2008 – ج2 – ص 1527.

[2] – عمر محمود – نظرية العقد الاجتماعي: مفهومها وموقف الفكر الإسلامي منها – مجلة الدراسات التاريخية والاجتماعية – كلية الآداب والعلوم السياسية – جامعة نواكشوط – موريتانيا – ع (43) – جوان 2020 – ص 324، وانظر ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد ).

[3] – إسماعيل زروخي – دراسات الفلسفة السياسية – الطبعة الأولى – دار الفجر – مصر – 2011 – ص 192. مقال كيفية كتابة العقد وفق الأنظمة السعودية ، ومقال كيفية مراجعة العقود وتدقيقها من ناحية قانونية ومقال كيفية كتابة وصياغة العقد التجاري.

[4] – عبد الفتاح غنيمة – نحو فلسفة السياسة: النظم والنظريات والمذاهب السياسية وأصولها وتطورها التاريخي – دار الفنون العلمية – مصر – 1986 – ص183.

[5] – أميرة حلمي – الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس – ط5 – دار المعارف – مصر – 1995 – ص 65 وما يليها.

[6] – عبد الفتاح غنيمة – المرجع السابق – ص 179.

Scroll to Top