جريمة الشروع بالقتل

جريمة الشروع بالقتل

جاءت شريعتنا الإسلامية الغراء – واقتدى بها في ذلك القانون الوضعي – لتحمي الضروريات الخمس للإنسان والتي من لا يصلح أي مجتمع إلا بقيامها واستمراريتها، ومن أحد أهم تلك الضروريان حياة الإنسان، والتي لم تكتف الشريعة الإسلامية بحفظها وحمايتها من الخطر فقط، ولكنها أسبغت لها الحماية حتى من مجرد التهديد بإيقاع هذا الخطر وتحقيقه على حياة الإنسان، وهو ذاته ما فعله المشرع عندما جرم الشروع في الجرائم التي تستهدف حياة الإنسان.

فالشروع في حد ذاته يعد من قبيل التهديد بإيقاع الخطر والاعتداء، إلا أنه يمثل جريمة ناقصة توافرت فيها جميع مقومات الجريمة الكاملة إلا أن الجاني لم يستطع تحقيق نتيجتها، وعلى الرغم من ذلك وعلى الرغم من عدم تحقق النتيجة الإجرامية لجريمة الشروع في القتل، إلا أن المشرع قرر عقوبة جنائية عليها لما يمثله السلوك الذي اتخذه الجاني من خطورة إجرامية لديه، وقدرة وإمكانية على ارتكابه لمثل تلك الجريمة التي تهدد حياة الآخرين، ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسوف يكون محل تعرضنا في هذا المقال.

أولاً: نظرة عامة على الشروع

ثانياً: أركان جريمة الشروع في القتل

ثالثاً: عقوبة جريمة الشروع بالقتل

رابعاً: أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

أولاً: نظرة عامة على الشروع

1- تعريف الشروع

بالرجوع إلى تعريف فقهاء القانون للشروع في الجريمة سنجد تعاريف متعددة وإن اختلفت في ظاهرها إلا أنها تتفق في مغزاها ومضمونها، ولعلنا لن نتمكن من ذكر تلك التعاريف بشكل حصري، ولذلك نستعرض أهمها وأبرزها في النقاط التالية:

– الشروع هو النشاط أو السلوك الذي يقوم به الجاني مستهدفاً ارتكاب جريمة محددة، وتلك الجريمة كانت ستتحقق وتتم لولا تدخل خارجي لأحد العوامل التي لا يد للجاني فيها أو إرادة، ويمنع ذلك التدخل الخارجي اكتمال وقوع تلك الجريمة[1].

– كما عرف الشروع بأنه البدء في ارتكاب وتنفيذ سلوك يستهدف منه ارتكاب جريمة تصنف جناية أو جنحة، ويتوقف أو يخيب هذا الفعل عن تحقيق تلك الجريمة بسبب لا علاقة لإرادة الجاني به[2].

ولم يختلف تعريف المشرع الأردني للشروع عن المضمون العام الذي تلاقت عليه التعاريف الفقهية له، حيث حدد ماهية الشروع بنص (المادة 68) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته وذلك بقوله إن (الشروع هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة، فإذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي …..).

وهو ما يتبين معه من خلال هذا التعريف أن الشروع محدد بحيث لا يكون إلا في بعض الجنايات والجنح، ولا يتصور أبداً وجود حالة شروع في المخالفات.

2- خصائص وطبيعة جرائم الشروع

يقصد بجرائم الشروع الجرائم التي يقرر فيها القانون عقوبة لمن يشرع في ارتكابها مثل جريمة الشروع في القتل ، فهناك جرائم لا يتصور العقل ولا المنطق أن يكون هناك شروع فيها كما هو الحال في جرائم القتل الخطأ أو القتل غير العمدي، فهذه الجرائم تقع دون إعداد أو تحضير بل تتم بشكل مباشر، حيث أن مناط الشروع هو استهداف الجاني لتحقيق هدف معين من سلوكه الإجرامي، وفي حالة عدم تمكنه من تحقيقه يعاقب على الشروع، في حين أن الجرائم غير العمدية لا يكون الجاني فيها مستهدفاً لتحقيق أي هدف إجرامي، وبالتالي لا يوجد ما يعاقبه القانون على الشروع فيه[3].

كما تعتبر جرائم الشروع من الجرائم ذات النتائج كما هو الحال في جريمة الشروع في القتل، حيث أنه لا يمكن أن يكون هناك شروع في الجرائم التي تتمثل نتيجتها في ارتكاب الفعل أو السلوك الإجرامي الممثل للركن المادي لها فقط، ويقصد بالأخيرة الجرائم التي تسمى بالجرائم الشكلية التي تتحقق نتيجتها بمجرد ارتكاب السلوك الإجرامي لها، كما هو الحال في جريمة حيازة سلاح بدون ترخيص، حيث أنه بمجرد حمل الشخص للسلاح – وهو الركن المادي لتلك الجريمة – تتحقق النتيجة الإجرامية المعاقب عليها قانوناً، وهو ما لا يوجد معه مجال للحديث عن الشروع في تلك الجرائم.

وتتسم جرائم الشروع بأنها وإن كانت تعد جريمة إلا أنها جريمة غير كاملة، وعدم الاكتمال هنا يرجع إلى أن الفاعل قد ارتكب الفعل الممثل للسلوك الإجرامي لجريمة القتل مثلاً، كما توافر لديه القصد الجنائي لقتل المجني عليه وإزهاق رزحه، إلا أن ركن النتيجة الإجرامية لا يتحقق فلا يتوفى المجني عليه لسبب لا يد للفاعل فيه، كما لو وجه الفاعل سلاحه الناري صوب المجني عليه، وأطلق عليه النار مستهدفاً وقاصداً قتله، إلا أن المجني عليه يظل حياً لأي سبب كما لو دفعه شخص آخر عن مسار الطلق الناري فيتفاداه أو يصيبه إصابة غير قاتلة، فتنتفي النتيجة الإجرامية وبالتالي يعد ذلك شروع في القتل وليس قتل عمد.

وهو ما يقودنا إلى الخاصية الثالثة للشروع وهي أن جرائم الشروع يجب أن تكون من جرائم القصد، أي الجرائم التي يكون لدى فاعلها تعمد وقصد لإحداث النتيجة الإجرامية لها، وبالتالي فالشروع لا يمكن أن يتحقق في جرائم الخطأ والتي لا يشترط فيها التعمد كما هو الحال في جريمة القتل الخطأ، حيث إن الفاعل في تلك الجرائم لا يتعمد إحداث النتيجة الإجرامية التي تحققت، وبالتالي لا يمكن أن يعاقب على الشروع في جريمة لم يستهدف من حيث الأصل تحقيق نتيجتها.

وأخيراً – وليس آخراً – فهناك نوعين من الجرائم التي لا يمكن أن يتحقق فيهما الشروع، أولهما هو الجرائم السلبية والتي يكون الفعل الإجرامي فيها هو فعل سلبي أي بالامتناع، كما هو الحال في جريمة الامتناع عن تلبية طلب قانون والمجرمة بنص المادة (184) من قانون العقوبات، حيث يلزم في قيام الشروع أن تكون الجريمة محل الشروع ذات سلوك مادي ملموس وليس سلوكاً سلبياً متمثل في الامتناع، وثانيهما هو الجرائم متعدية القصد والتي تتحقق فيها نتيجتين، الأولى هي النتيجة المقصودة من قبل الجاني والثانية هي نتيجة لم تتجه نية وقصد الفاعل إلى إحداثها، وعلى سبيل المثال لتلك الجرائم جريمة إحداث عاهة دائمة، فإن كان الشروع ممكناً بالنسبة للنتيجة الأولى فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتصور الشروع بالنسبة للنتيجة الثانية لكونها من حيث الأصل نتيجة غير متوقعة.

3- التمييز بين الشروع والأعمال التحضيرية

نصت (المادة 69) من قانون العقوبات على ما يلي نصه (لا يعتبر شروعاً في جريمة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية وكل من شرع في فعل ورجع باختياره عن أفعال الجرم الإجرائية لا يعاقب إلا على الفعل أو الأفعال التي اقترفها إذا كانت تشكل في حد ذاتها جريمة)، ومن المتعارف عليه فقهاً وقانوناً أن ارتكاب الجاني لجريمته يمر بثلاث مراحل رئيسية وهي مرحلة التفكير ومرحلة التحضير ومرحلة التنفيذ، فإذا ما ربطنا بين مراحل ارتكاب الجريمة ونص (المادة 69) عقوبات سيتبين لنا أن:

– مرحلة التفكير في الجريمة هي المرحلة التي تبدأ فكرة الجريمة في الترسخ داخل ذهن الجاني، وبوجه عام فإن تلك المرحلة لا يعاقب القانون الجاني عليها، حيث أن بقاء الجريمة في مرحلة التحضير واستمرار كونها مجرد فكرة ليس إلا في ذهن الشخص، ومجرد تفكير الشخص وتصميمه على ارتكاب جريمته دون أن يتم ترجمة هذه الفكرة إلى سلوك مادي لا توجد عقوبة قانونية عليه، فالقانون لا يعاقب على النوايا إلا عند ارتباطها بفعل مادي، وهو ما يخرج تلك المرحلة عن إطار الشروع المعاقب عليه، حيث أن تفكير الجاني في قتل المجني عليه والإصرار على ذلك دون اتخاذ أي خطوة تتعدى التفكير فقط لا يمثل أي جريمة أو شروع فيها.

– أما المرحلة التي تلي التفكير فهي مرحلة التحضير لارتكاب الجريمة، ويقصد بها المرحلة التي يعد الجاني فيها عدته المتمثلة في أدوات ووسائل تنفي جريمته، كشراء السلاح الذي سيتم استخدامه في الجريمة، أو وضع الخطة التي سيتمكن الجاني من خلالها الوصول للمجني عليه وقتله، وجميع تلك الأعمال لا تدخل في عداد الشروع المعاقب عليه، خاصة وأنه لا يوجد ما يؤكد أن القيام بتلك التحضيرات سيرتكب جريمته بشكل مؤكد، فمن الممكن أن تتوقف الجريمة عند مرحلة التحضير ولا يتخذ بعدها أي خطورة أخرى، وبالتالي لا تكون هناك جريمة أو حتى شروع إذا كانت المرحلة التحضيرية هي آخر ما وصل إليه الجاني في جريمته.

– ونأتي إلى المرحلة الأخيرة من مراحل الجريمة وهي مرحلة تنفيذ الجريمة على أرض الواقع، وهذه المرحلة تبدأ عندما يتخذ الجاني أولى خطواته في تحويل الفكرة التي تم التحضير لها إلى واقع مادي ملموس، وتعتبر هذا الحالة هي حالة الشروع التي تحدو بالقانون إلى التدخل وتوقيع عقوبة على الجاني نظراً لقيام الخطر الذ يهدد المصلحة التي يسبغ عليها القانون حمايته، ففي جريمة الشروع في القتل لا يعد الفعل شروعاً كما هو الحال في توجه الجاني إلى محل سكن المجني عليه فقط، بينما يكون ذات الفعل شروعاً متى كان لدى الجاني سلاحاً نارياً في طيات ثيابه أو كان يصوبه على المجني عليه.

وقد أوضح نص (المادة 69) عقوبات مسألة هامة وجوهرية في الشروع، حيث قرر النص أن الجريمة التي تتوقف عند حد الشروع ولا تكتمل لسبب يرجع إلى الجاني الذي ينكل عن إتمام جريمته بإرادته فإنه لا يعد شروعاً معاقب عليه، وهو أمر يتفق مع المنطق والواقع حيث أن توقف الجاني عن إتمام جريمته بإرادته قد ينجم عن صحوة ضمير أو توبة، وبالتالي فلا يعاقب على الشروع ولكنه يعاقب على الأعمال التحضيرية متى كانت أياً منها تشكل في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون، كما هو الحال في جريمة الشروع في القتل حيث أن توجه الجاني إلى منزل المجني عليه وفي طيات ثيابه سلاح ناري ثم نكوله عن استخدامه ومغادرته لمنزل الجاني لا يعد شروعاً في القتل، ولكنه لا يمنع من أن الجاني قد ارتكب جريمة حيازة سلاح بدون ترخيص متى كان السلاح الذي معه غير مرخص.

ثانياً: أركان جريمة الشروع في القتل

1- تعريف القتل والشروع فيه

يعرف القتل في نظر فقهاء القانون وشراحه على أنه الجريمة التي يكون الهدف الرئيسي لها هو إزهاق للروح[4]، وأيضاً الاعتداء الذي يرتكبه شخص على آخر فيتسبب في وفاته، وغيرها من التعاريف التي تتمحور حول وقوع اعتداء من شخص على آخر فيتسبب في وفاته وإزهاق روحه إلى بارئها.

أما في شأن تعريف الشروع بالقتل فنجد أن المقصود به هو قيام مرتكب الجريمة بسلوك أو نشاط يتعدى كونه عمل من الأعمال التحضيرية لارتكاب جريمة القتل المنشودة[5]، بحيث يكون الجاني في الشروع قاصداً قتل المجني عليه وإزهاق روحه، ويتخذ كافة السلوكيات والإجراءات ويهيئ الظروف التي تؤدي إلى تحقيق النتيجة الإجرامية لهذا الجريمة، إلا أن تلك النتيجة لا تتحقق بسبب تدخل عامل خارجي يحول دون تحققها.

2- أركان الجريمة

من خلال نص (المادة 68) من قانون العقوبات الأردني والتي ذكرناها آنفاً يتبين لنا أن الشروع بوجه عام لا يتحقق إلا بتحقق ثلاث أركان أساسية، وهذه الأركان تتمثل في:

– أن يكون الجاني قد بدأ في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة التي تؤدي إلى ارتكاب جناية أو جنحة.

– أن يتوافر القصد الجنائي لدى الجاني.

– عدم إتمام الجاني للأفعال اللازمة لتحقق الجريمة بسبب يخرج عن إرادته.

وقد قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية بشأن أركان جريمة الشروع بالقتل في حكمها رقم 238 لسنة 2004 والصادر بجلسة 1/4/2004 بأن (….. وحيث أن قيام المطعون ضده بطعن المغدور في الأماكن التي أشرنا إليها تشكل الركن المادي لجريمة الشروع بالقتل، وحيث أن استظهار نية الجاني في إزهاق الروح – وهي القصد الجنائي المطلوب توفره في جريمة القتل والشروع فيه – تثبت بالاستنتاج والقرائن وكيفية ارتكاب الفعل والوسائل المستعملة وموقع الإصابة وجسامتها ……. وحيث أن الطعن كان في أماكن خطرة وقاتلة من جسم المجني عليه وهو ما يؤكد توافر نية القتل، إلا أن النتيجة وهي إزهاق روحه لم تحصل لأسباب خارجة عن إرادة المتهم وهي إسعافه والتدخل الجراحي، وعليه تكون أركان جريمة الشروع بالقتل قصداً وهي الركن المادي والقصد الخاص قد توافر بجانب المتهم).

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أركان جريمة الشروع بالقتل والتي تتمثل في الركن المادي والقصد الجنائي وعدم تمام الجريمة لأسباب لا يد للجاني بها.

(أ) الركن المادي

يختلف الركن المادي في جريمة الشروع بالقتل عن نظيره في جريمة القتل، فهو يتكون في جريمة القتل التامة من ثلاث عناصر رئيسية وهي فعل الاعتداء والنتيجة الإجرامية وهي الوفاة وعلاقة السببية التي تجمع بينهما، لكن الأمر يختلف في شأن جريمة الشروع بالقتل والتي يتكون الركن المادي لها من فعل الاعتداء فقط، فكما أوضحنا سلفاً أن الشروع هو جريمة لا تتحقق نتيجتها بسبب لا إرادة لمرتكبها في حصوله، وبالتالي لا يوجد بجرائم الشروع نتيجة إجرامية وبدوره لا توجد علاقة سببية لتربط فعل الاعتداء بأي نتيجة، وبالتالي يقوم فعل الاعتداء بشكل مستقل بدور الركن المادي في جريمة الشروع بالقتل.

ويتمثل فعل الاعتداء الممثل للنشاط الإجرامي في جريمة الشروع بالقتل ذات فعل الاعتداء الممثل للنشاط الإجرامي في جريمة القتل العمد، ودعونا لا ننسى أن جريمة الشروع بالقتل ما هي إلا جريمة قتل عمد لم تتحقق نتيجتها الإجرامية حيث لم يتوف المجني عليه، وبالتالي فهما يتفقان في الركن المادي.

ويعتبر فعل الاعتداء في جريمة الشروع بالقتل هو كل فعل وسلوك مادي واعتداء يرتكبه الجاني مستهدفاً به إزهاق روح المجني عليه، ويكون ذلك الفعل أو السلوك أو الاعتداء قد صدر إرادياً عن الجاني ومنصباً على حياة المجني عليه بغرض إزهاقها[6].

ويختلف الأمر باختلاف نوع الأداة أو الوسيلة المستخدمة في ارتكاب فعل الاعتداء، حيث يمكن أن تكون تلك الوسيلة أو الأداة مميتة وقاتلة بطبيعتها كالسلاح الناري، وقد تكون مميتة وقاتلة استناداً إلى طريقة استعمالها كما هو الحال في العصي والحجارة[7].

ويجب أن يكون الجاني قد بدأ بالفعل في تنفيذ الاعتداء على المجني عليه، وهو ما أوضحناه سلفاً عند الحديث عن الأعمال التحضيرية للجريمة، فيجب أن يكون الجاني قد بدأ في تنفيذ الجريمة، وقد اختلف الفقه الجنائي حول معيار تحديد نوعية السلوك الذي يمارسه الجاني، وهل هو يدخل في إطار تنفيذ الجريمة أم هو مجرد عمل من أعمالها التحضيرية، وكان نتاج ذك الاختلاف أن ظهر اتجاهين في هذا الشأن:

الاتجاه الأول: يطلق عليه الاتجاه المادي والذي يأخذ بمعيار الأفعال والسلوكيات المادية التي يقوم بها الجاني، فيعد فعله بدءاً في تنفيذ الجريمة والشروع فيها متى كان الفعل الذي يرتكبه الجاني يعد مكون من مكونات ركن الجريمة المادي.

الاتجاه الثاني: ويطلق عليه الاتجاه الشخصي – وهو الاتجاه الذي أخذ به القانون الأردني – والذي يستند إلى معيار الخطورة الإجرامية لدى الجاني، حيث يكون الفعل من الأعمال التنفيذية للجريمة متى كان هذا الفعل يدل على خطورة الجاني وإصراره على القيام بجريمته وإتمامها.

(ب) الركن المعنوي (القصد الجنائي)

يتمثل هذا الركن في نية الجاني وقصده ارتكاب الجريمة كاملة وتحقيق نتيجتها، أي أن يكون الجاني عند ارتكابه لفعل الاعتداء المكون للركن المادي للجريمة قاصداً وعازماً على تحقيق نتيجتها المتمثلة في إزهاق روح المجني عليه، وهو ما جعل البعض يرى أن القانون في حالة الشروع يوقع العقوبة على الجاني عقاباً له على ما اتجهت نيته إلى تحقيقه من جرم وليس ما قام بارتكابه من جرم، مما يتبين معه أن القصد الجنائي لجريمة الشروع بالقتل يتمثل في قيام النية والقصد لدى الجاني لارتكاب جريمته بشكل تام وكامل، حيث أن الشروع في القيام بأمر ما يستلزم بالضرورة وجود النية لإتمامه بالكامل[8].

وبالتالي نتبين أن القصد الجنائي المطلوب قيامه في جريمة الشروع بالقتل هو ذاته القصد الجنائي المطلوب توافره في جريمة القتل التامة، والمتمثل في استهداف الجاني لإزهاق روح المجني عليه وقتله، وهو ما يخرج جريمة القتل الخطأ خارج نطاق الشروع باعتبارها جريمة لا يتوافر فيها الركن المعنوي المتمثل في التعمد والقصد الجنائي.

ويمكن إثبات قيام القصد الجنائي لدى الجاني من خلال ما يقوم بارتكابه من سلوكيات وأفعال في سبيل تنفيذ جريمة القتل، وكافة الظروف والوقائع التي تحيط بالجريمة، وما إذا كان الجاني من معتادي الإجرام أم لا، وغيرها من المسائل الموضوعية التي يترك تقديرها لقاضي الموضوع[9].

ويترتب على ذلك أن من يطلق عيار ناري مستهدفاً شخص آخر لإيذائه فقط دون قتله، ولكنه أخطأ في إصابته فلا يعد ذلك شروعاً بالقتل، ولكن تعتبر جريمة تعمد إيذاء أو تعمد جرح، أما إذا ثبت أنه كان يستهدفه بغرض أن يرديه قتيلاً فنكون أمام جريمة شروع بالقتل.

(ج) عدم تحقق النتيجة الإجرامية لسبب لا يد للجاني فيه

حتى تكتمل أركان جريمة الشروع بالقتل فيلزم ألا تتحقق النتيجة الإجرامية للجريمة، أي أن يخيب مسعى الجاني ولا يتمكن من إزهاق روح المجني عليه، واشترط المشرع في ذلك الشأن أن يكون عدم اكتمال الجريمة وعدم قدرة الجاني على قتل المجني عليه راجعاً إلى سبب لا علاقة للجاني به ولا يد له فيه.

وهذه الحالة ينطبق عليها أكثر من صورة، فقد يكون الجاني قد قام بكافة الأعمال اللازمة لتنفيذ جريمته، ولكن النتيجة الإجرامية لم تتحقق، كما هو الحال في أن يقوم الجاني بتصويب السلاح الناري تجاه المجني عليه، ثم يقوم بإطلاق النار عليه بالفعل إلا أنه يصيبه في موضع غير قاتل فيتم إنقاذ حياته، وهذه الصورة يطلق عليها فقهاء القانون الجريمة الخائبة، حيث يقوم فيها الجاني بإتمام جميع أركان الجريمة، إلا أن نتيجتها الإجرامية لا تتحقق لسبب لا يد للجاني فيه.

وهناك أيضاً صورة أخرى تتمثل في الحالة التي ينفذ فيها الجاني بالفعل بعض من الأفعال المكونة للركن المادي لجريمة القتل، إلا أن سبب أجنبي لا يد للجاني فيه توقف الجاني عن ارتكاب باقي الأفعال الأخرى المتممة للركن المادي، ويطلق الفقه القانوني على تلك الصورة الجرائم الموقوفة، ومثال على ذلك أن يخرج الجاني سلاحه الناري من ملابسه، ثم يصوبه تجاه المجني عليه مستهدفاً قتله، إلا أنه يتم القبض عليه قبل أن يتمكن من الضغط على الزناد وإطلاق النار.

أما إذا كان السبب الذي حال دون تحقق النتيجة عائداً إلى الجاني نفسه، كما لو كان الجاني قد أعاد تفكيره مرة أخرى فقرر عدم استكمال الأفعال المكونة لجريمة القتل وأوقف نشاطه الإجرامي بإرادته قبل تحقيقه للنتيجة الإجرامية، فإن تلك الحالة لا تعد شروعاً معاقب عليه، وإن كان ذلك لا يمنع من مسؤولية الجاني الجنائية عن الأفعال التي ارتكبها بالفعل متى كانت في حد ذاتها تشكل جريمة أخرى يعاقب عليها القانون.

ولا مجال بالطبع للحديث عن الشروع بالقتل متى تحققت النتيجة الإجرامية التي استهدف الجاني تحقيقها وهي إزهاق روح المجني عليه، فإذا توفى المجني عليه بالفعل أصبحت الجريمة هي جريمة قتل عمد.

ثالثاً: عقوبة جريمة الشروع بالقتل

فرق المشرع بين عقوبة الجاني في جريمة الشروع بالقتل في صورتها الخائبة وعقوبته في جريمة الشروع بالقتل في صورتها الموقوفة، حيث أنه قد نص في (المادة 68/1) من قانون العقوبات الأردني على العقوبة المقررة على الشروع في الجريمة الموقوفة التي لا تتم جميع الأفعال المكونة للركن المادي لها بأن (فإذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة اسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي الا اذا نص القانون على خلاف ذلك: الأشغال المؤبدة أو المؤقتة من سبع سنوات إلى عشرين سنة إذا كانت عقوبة الجناية التي شرع فيها تستلزم الإعدام، وخمس سنوات من ذات العقوبة على الأقل إذا كانت العقوبة الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد).

وهذه المادة تخضع لها جرائم الشروع بالقتل التي يكون الركن المادي لها قد تمت بعض الأفعال المكونة له دون البعض الآخر، فتكون عقوبة الجاني في تلك الصورة من الشروع الأشغال المؤبدة أو المؤقتة التي تتراوح من سبع سنوات وحتى عشرين سنة في حالة أن تكون الجريمة عقوبتها الإعدام، وهذه الحالة هي حالات القتل القصد الذي نصت عليه المادة (328) عقوبات، وتكون العقوبة خمس سنوات فقط إذا كانت عقوبة جريمة القتل هي الأشغال بنوعيها المؤبدة والمؤقتة.

في حين نجد المشرع قد حدد عقوبة الشروع في الجريمة الخائبة بنص (المادة 70) من قانون العقوبات، والتي نصت على أنه (إذا كانت الأفعال اللازمة لإتمام الجريمة قد تمت ولكن لحيلولة أسباب مانعة لا دخل لإرادة فاعلها فيها لم تتم الجريمة المقصودة، عوقب على الوجه التالي: 1-الأشغال المؤبدة أو الأشغال عشرين سنة إذا كانت عقوبة الجناية التي شرع فيها تستلزم الإعدام، وخمس عشرة إلى عشرين سنة من العقوبة نفسها إذا كانت العقوبة الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد، واثنتي عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة من العقوبة نفسها إذا كانت العقوبة الأشغال أو الاعتقال المؤبد مدة عشرين سنة).

وفي تلك المادة تناول المشرع العقوبة الخاصة بالجريمة الخائبة والتي تتم فيها كافة الأفعال المكونة للركن المادي للجريمة، إلا أن النتيجة الإجرامية لها لا تتحقق لسبب لا يد للجاني فيه، ونجد أن المشرع في تلك الصورة من صور الشروع بالقتل قد جعل العقوبات أشد من المقررة للشروع في حالة الجريمة الموقوفة، ويرجع ذلك إلى أن الخطورة الإجرامية لدى الجاني في الجريمة الخائبة أشد وأخطر من الخطورة الإجرامية لدى الجامي في الجريمة الموقوفة، خاصة وأن الجاني في الجريمة الخائبة قد استنفذ كافة الأفعال التي تلزم لإزهاق روح المجني عليه، وهو ما يوضح مدى إصراره الشديد على إزهاق روح المجني عليه، وبالتالي تكون العقوبة الأشد – وبحق – للشروع من نصيبه.

رابعاً: أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

– حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2680 لسنة 2021 تمييز جزاء والصادر بجلسة 11/11/2021 والمتضمن أن (نجد أن قيام المتهم (لمميز) بطعن المجني عليه بواسطة الأداة الحادة التي كانت بحوزته في صدره نفذت إلى التجويف الصدري من الجهة اليسرى وأدت إلى إحداث استرواح هوائي وعولج المجني عليه بتركيب درنقة صدرية للاشتباه بإصابة الحجاب الحاجز وأن هذه الإصابة شكلت خطورة على حياته وبالتالي فإن هذه الأفعال التي أقدم عليها المتهم (المميز) قد استجمعت كافة أركان وعناصر جناية الشروع بالقتل وفقاً لأحكام المادتين (326) و(70) من قانون العقوبات على اعتبار أن النية الجرمية هي أمر باطني يضمرها الجاني في نفسه، إلا أن المحكمة تستطيع استخلاصها من خلال ظروف الواقعة الجرمية ومن حيث الأداة التي استخدمها ومكان الإصابة وطبيعتها والتي جميعها تشير إلى توافر نية القتل لدى المتهم (المميز) إلا أنه ولحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها والمتمثلة بإرادة الله والإسعاف الفوري للمجني عليه والتداخل الجراحي الذي أجري له الأمر الذي حال دون تحقق النتيجة التي أرادها المتهم (المميز) وهي القتل، وحيث إن محكمة الجنايات الكبرى توصلت إلى هذه النتيجة فيكون قرارها المطعون فيه قد صادف صحيح القانون وأن الأسباب لا ترد عليه من هذه الجهة).

خامساً: الخاتمة

بعد أن تعرضنا لجريمة الشروع بالقتل في قانون العقوبات الأردني لا يسعنا سوى أن نثني على التنظيم الذي حدده القانون لجريمة الشروع بالقتل، فعلى الرغم من أن المشرع لم يورد النص صراحة على عقوبة الشروع بالقتل باعتباره جريمة مستقلة، إلا أن تحديد عقوبة الشروع بوجه عام، واستناده في تحديد مقدار العقوبة وفقاً لجسامة الفعل المرتكب كركن مادي للشروع، وتمييزه بين عقوبة الشروع في الجريمة الخائبة وعقوبة الشروع في الجريمة الموقوفة يعتبر تنظيماً موفقاً للغاية، ويمكنه من خلاله مواجهة تلك الجريمة بالعقوبات التي تتناسب مع ظروف كل حالة.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – رمسيس بهنام – النظرية العامة للقانون الجنائي – منشأة المعارف – مصر – 1995 – ص 583.

[2] – عبد الحميد الشواربي – نظرية الشروع في ضوء الفقه الإسلامي – الطبعة الأولى – دار الفكر الجامعي – مصر – 1988 – ص29.

[3] – يسر أنور – شرح قانون العقوبات: النظرية العامة – الطبعة الثانية – دار النهضة العربية – مصر – 1987 – ص386 وما يليها.

[4] – عيسى العمري وآخر – فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة – الطبعة الثانية – دار الميسرة – الأردن – 2003 – ص20.

[5] – محمود أبو زيد – المعجم في علم الإجرام والاجتماع والقانون والعقاب – دار غريب – مصر – 2003 – ص 72 وما يليها.

[6] – طلال أبو عفيفة – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2012 – ص 242.

[7] – عبد الرحمن توفيق – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص: الجرائم الواقعة على الأشخاص – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2012 – ص 80.

[8] – يسر أنور – المرجع السابق – ص 385.

[9] – سمير الشناوي – الشروع في الجريمة – رسالة دكتوراة غير منشورة – جامعة القاهرة – مصر – 1971 – ص 317.

Scroll to Top