محاكمة المتهم الفار من وجه العدالة
إن الدعوى الجزائية ليست كالدعوى المدنية يمكن أن يمثل أمام المحكمة وكيلاً عن المدعى عليه، فعلى المتهم في الدعوى الجزائية سواءً كانت جنحة معاقب عليها بالحبس أو جناية لا بد أن يمثل المشتكى عليه الظنين أو المتهم بشكل شخصي أمام المحكمة والأصل أن يصدر الحكم بحقه بشكل وجاهي، إلا في حال تغيب عن المثول أمام المحكمة رغم تبليغه وفقاً للاصول القانونية، فيصدر الحكم بحقه بشكل غيابي ويعتبر فاراً من وجه العدالة، فإن كان يعتقد المتهم أن هروبه من القضاء يوقف إجراءات التقاضي بحقه ويؤخر سير التحقيق فهو مخطىء، فالعدالة القضائية تقتضي أن يحاكم المتهم غيابياً واعتبره فاراً من وجه العدالة، فمتى يكون المتهم فاراً من وجه العدالة حسب التشريع الأردني، وما هي الإجراءات التي تتخذ بحقه، سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة1961 وتعديلاته.
المتهم الفار من وجه العدالة
هو المتهم المشتكى عليه ( الجاني ) الصادر بحقه قرار بالإتهام من قبل النيابة العامة، والمتبلغ لهذا القرار حسب الأصول القانونية، والممتنع عن المثول أمام القضاء، ولم تتمكن الجهات المختصة من القبض عليه.
قرار الإتهام
بعد إنتهاء مرحلة التحقيق الإبتدائي يقرر المدعي العام الظن على المشتكى عليه بجناية ويرسل ملف الأوراق للنائب العام، فإذا وجد النائب العام أن الفعل يؤلف جرماًجنائياً يقرر اتهام المشتكى عليه، ويعيد إضبارة الدعوى للمدعي العام لإحالتها إلى المحكمة المختصة، سنداً لنص المادة 130/ج والمادة 133/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وعليه هل قصد المشرع بالحديث عن قرار الإتهام أن الفار من وجه العدالة هو المتهم برتكاب جناية فقط دون الجنح ؟
حسب حرفية النص القانوني نجد أن المشرع قصد المتهم الفار من وجه العدالة هو المشتكى عليه بجناية، فالنصوص القانونية جاءت ربطت قرار الاتهام بصدوره عن النائب العام في الجنايات ثم أن قرار الظن بجنحة يصدر عن المدعي العام ويحال مباشرةً إلى المحكمة المختصة دون ضرورة عرضه على النائب العام، كما أن المادة 243 /1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصت على :
اذا قرر النائب العام اتهام شخص لم يقبض عليه او لم يسلم نفسه ……
وعليه يفهم أن الأحكام القانونية التي نص عليها المشرع والخاصة بالمتهم الفار من وجه العدالة تطبق في حالة المتهم الفار من وجه العدالة لإرتكابه جناية، وهذا لا يعني أن المشتكى عليه الفار من وجه العدالة والمرتكب لجنحه لا تتم محاكمته، بل تتم محاكمته غيابياً أيضاً، إلا أن الأحكام القانونية الخاصة بالمتهم الفار من وجه العدالة لارتكابه جناية لا تطبق عليه.
تبليغ المتهم الفار من وجه العدالة قرار الاتهام
قبل أن يقرر المدعي العام إرسال ملف الدعوى مرفقاً بالأوراق الازمة إلى المحكمة المختصة بمحاكمة المتهم، يتم تبليغ المتهم بقرار الاتهام وذلك بإرساله إلى موطنه، بالإضافة لمذكرة القبض التي صدرت مع قرار الاتهام.
مذكرة قبض المتهم الفار من وجه العدالة
تصدر مذكرة القبض عن النائب العام مع قرار الاتهام، وتخول هذه المذكرة أي فرد من سلطات الأمن القبض على المتهم الفار وتسليمه للنيابة العامة، سنداً لنص المادة 243/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها:
يصدر مع قرار الاتهام مذكرة إحضار وإلقاء قبض تتضمن منح السلطة لكل فرد من سلطات الامن القاء القبض عليه وتسليمه الى النيابة
الحالات التي يعتبر فيها المتهم فاراً من وجه العدالة
نص المشرع الأردني على عدة حالات يعتبر فيها المتهم فاراً من وجه العدالة وهي :
1_ حالة فرار المتهم من المثول أمام المحكمة بموجب قرار الاتهام الصادر بحقه من النائب العام، وعدم تمكن الجهات الأمنية من القبض عليه.
2_ حالة المتهم المقبوض عليه في السجن قبل المحاكمة أو أثنائها، سنداً لنص المادة 255/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الإجراءات التي يتخذها المدعي العام قبل إحالة قرار الاتهام إلى المحكمة
قبل أن يحيل المدعي العام قرار الاتهام المرسل إليه من النائب العام إلى المحكمة المختصة يقوم بإتخاذ مجموعة من الإجراءات وذلك سنداً لنص المادة 243/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وهذه الإجراءات تتمثل بما يلي[1]:
1_ تنظيم لائحة اتهام، وفق نص المادة 206/2 [2]من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
2_ وضع قائمة بأسماء الشهود يرسلها مع صورة عن قرار الاتهام لتبليغها إلى الموطن الأخير للمتهم الفار من وجه العدالة.
3_ ارسال الدعوى، بعد التبليغ إلى المحكمة لمحاكمة المتهم الفار من وجه العدالة.
الإجراءات التي تتخذها المحكمة
بعد وصول ملف الدعوى مرفقاً بقرار الإتهام والاوراق التي نظمها المدعي العام، يقوم رئيس المحكمة بإصدار قرار الإمهال، وهو قرار يمنح فيه رئيس المحكمة المحال إليها قرار الاتهام المتهم فرصة لتسليم نفسه إلى القضاء قبل اعتباره فاراً من وجه العدالة، فمجرد مرور المهلة المحددة بنص القانون وهي عشرة أيام دون أن يسلم المتهم نفسه يعد فاراً من وجه العدالة وتتخذ بحقه إجراءات مغايره عن الإجراءات المتبعة في المحاكمات العادية، وتتمثل هذه الإجراءات بوضع أمواله وأملاكه تحت إدارة الحكومة ما دام فاراً، ويحرم من التصرف فيها، ويمنع من إقامة أي دعوى، وكل تصرف يقوم به وكل التزام يتعهد به بعد ذلك يعتبر باطلاً، سنداً لنص المادة 243/4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
قرار الإمهال
وبالعودة إلى قرار الإمهال الصادر عن رئيس محكمة الجنايات، فإن هذا القرار يجب أن يحتوي على عدة بيانات وهي :
أن يذكر بقرار الإمهال أن المدة الممنوحة للمتهم لتسليم نفسه هي عشرة أيام، وأن يذكر في القرار نوع الجناية المنسوبة إليه، والأمر بالقبض عليه، وأن كل من يعلم بمحل وجود المتهم يجب أن يخبر عنه، سنداً لنص المادة 243/3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
نشر قرار الإمهال
بمجرد صدور قرار الإمهال عن رئيس محكمة الجنايات، يُبلغ المدعي العام بهذا القرار وبدوره يقوم المدعي العام بإحالته للجهات المختصة لوضع إشارة الحجز على أموال المتهم المنقولة وغير المنقولة، كما يتم نشر قرار الإمهال في إحدى الصحف اليومية المحلية الأكثر انتشارا ويعلق على باب السكن الأخير للمتهم وعلى باب قاعة محكمة البداية، سنداً لنص المادة 244 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الهدف من تشريع نصوص قانونية خاصة بالمتهم الفار من وجه العدالة
نص قانون أصول المحاكمات الجزائية على نصوص قانونية خاصة تنضم محاكمة المتهم الفار من وجه العدالة، حيث هف المشرع إلى تشديد إجراءات محاكمة المتهم الفار من وجه العدالة للتتسم بالصرامة والشدة عن تلك المتخذة بإجراءات المحاكمة العادية، فكما سبق وأن ذكرنا يعامل المتهم الفار من وجه العدالة معاملة أكثر شدة فيحرم من حقه باللجوء إلى المحاكم كما يحرم من حقوق التملك والتصرف بأمواله المنقولة وغير المنقولة وأي تصرف مالي يصدر عنه يعد باطلاً.
والحقيقة أن المشرع يهدف من وراء تنظيم محاكمة المتهم الفار من وجه العدالة بنصوص قانونية، إلى حرمان هذا المتهم من أن يستفيد من نظام تقادم الدعوى، إذ حين يحاكم غيابياً ويصدر بحقه حكم بالإدانة، ويفرض عليه عقوبة، فإنه سوف يخضع لنظام تقادم العقوبة، فيما لو استمر فاراً من وجه العدالة، والمعروف أن تقادم العقوبة أطول بكثير من تقادم الدعوى، من حيث المدة [3].
بعض من قرارات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بكون المتهم فاراً من وجه العدالة
الحكم رقم 1972 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: يحاكم المتهم الفار من وجه العدالة وبفراره يحرم من تقديم اي بينة دفاعية ويحاكم غيابياً.
وجدت المحكمة وبما لها من سلطه في وزن وتقدير البينة المقدمة أن النيابة أثبتت قيام المتهمين بارتكابه التهمة المسندة إليه بكل أركانها وعناصرها القانونية من خلال بينات النيابة التي جاءت قوية ومتماسكة كما أنه لم يحضر أو يقدموا أية بينة دفاعية من شأنها دحض تلك التهمة أو مجرد التشكيل فيها رغم صدور قرار الإمهال بحقهم من قبل المحكمة مما يقتضي تجريمهم بالتهمة المسندة إليهم.
الحكم رقم 61 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: حالة فرار المتهم الصادر بحقه مذكرة إخلاء سبيل بالكفالة، فبعد إخلاء سبيله وتبليغه موعد المحاكمة حسب الأصول يمتنع عن الحضور، فيجب أن يحاكم بمثابة الوجاهي .
عــــــــن السبـــــــــــــب الأول :- ومفاده تخطئة محكمة الاستئناف برد الاستئناف شكلاً لعدم تقديم معذرة مشروعة .
وفي ذلك نجد أن المتهم أحيل إلى المحاكمة وهو
(غير مقبوض عليه) وجرى تبليغه قرار الإمهال بالنشر في صحيفتي الأنباط الصادرة بتاريخ 8/8/2018 وفي جلسة 19/8/2018 جرت محاكمته غيابياً وبتاريخ 14/10/2018 تم توديعه من مركز أمن الشميساني إلى محكمة جنايات عمان التي قررت إحالته إلى مدعي عام عمان للتحقيق معه وسؤاله عن التهمة المسندة إليه ورفعت الجلسة ليوم الثلاثاء الموافق 23/10/2018 حيث قام المدعي العام باستجوابه وتوقيفه بتاريخ 14/10/2018 وفي موعد الجلسة المقررة في 23/10/2018 لم يحضر المتهم حيث كان نزيل السجن وقررت محكمة جنايات عمان الإفراج عن المتهم أيوب بالتاريخ ذاته وتبليغه على عنوانه وفي جلسة 8/11/2019 كررت قرارها السابق بالتأكيد على تبليغ المتهم ورفع الجلسة ليوم 13/11/2018 حيث ورد في محضر هذه الجلسة على الصفحة (11) من محاضر المحاكمة لم يحضر المتهم المفرج عنه بتاريخ 23/10/2018 كالسابق.
وفي ضوء ما تقدم نجد أن هناك مخالفة للإجراءات التي أوجب القانون اتباعها ارتكبتها محكمة الدرجة الأولى حيث إنها لم تصدر قراراً بإجراء محاكمة المتهم بمثابة الوجاهي في جلسة 8/11/2018 والتي لم يحضر فيها بعد الإفراج عنه وإنما ذكرت أنه لم يحضر كالسابق دون وجود قرار بمحاكمته بمثابة الوجاهي وحيث إن محكمة جنايات عمان لم تقرر إجراء محاكمة المتهم بمثابة الوجاهي مما يشكل معذرة مشروعة للمتهم (المميز) تبرر غيابه عن حضور جلسات المحاكمة خلافاً لما انتهت إليه محكمة الاستئناف مما يجعل قرارها المميز مخالفاً للقانون لورود هذا السبب عليه ويتعين نقضه.
لذلــــك ودون الحاجة لبحث باقي الأسباب نقرر نقض القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2021، ص 519.
[2] ينبغي ان تتضمن لائحة الاتهام اسم المتهم وتاريخ توقيفه ونوع الجرم المسند اليه وتاريخ وقوعه وتفاصيل التهمة والمواد القانونية التي يستند اليها الاتهام واسم الشخص الذي وقع عليه الجرم.
[3] د. محمد سعيد نمور، مرجع سابق، ص 518.

