الألغام البرية في القانون الدولي

الألغام البرية في القانون الدولي مع دراسة لحالة العلمين

تعتبر مشكلة الألغام البرية من أكثر المشكلات التي تواجه الإنسانية، فمنذ استخدام هذه السلاح وهو يسبب خسائر فادحة دون أن يقدم أي ميزة عسكرية تستحق هذه الخسائر، وبسبب الطبيعة غير التمييزية والآثار الخطيرة للألغام، فقد خلف هذا السلاح آلف الضحايا من الأبرياء إما قتلى أو مصابين مشوهين، ولازال هذا السلاح حتى اليوم يحصد الكثير من الضحايا حتى بعد انتهاء الحروب.

وللوقوف على مدى خطورة هذا السلاح فسوف نبين ماهية الألغام وأنواعها، ومدي الخطورة التي سببتها الألغام، ومدي مشروعية استخدام هذا السلاح وفقا للقانون الدولي الإنساني، وأهم الاتفاقيات التي عملت من أجل حظر وتقييد استخدام هذا السلاح، وأخير نبين ما خلفته الحرب العالمية الثانية من حقول ألغام شاسعة على منطقة العلمين المصرية والأشرار التي لحقت الدولة المصرية جراء هذه الألغام

أولا: تعريف الألغام وأنواع الألغام البرية:

ثانيا: الأثار الخطيرة المترتبة على استعمال الألغام المضادة للأفراد:

ثالثا: مدي مشروعية استخدام وزراعة الألغام:

رابعا: الاتفاقيات الدولية التي تقيد استعمال الألغام:

خامسا: منطقة العلمين الملغومة:

أولا: تعريف الألغام وأنواع الألغام البرية:

1- تعريف الألغام:

عرف الدكتور أحمد أبو الوفا الألغام على أنها: ” الأداة أو الجهاز الذي يحتوي على شحنة ناسفة قوية جدا تنفجر إذا مر عليها إنسان أو شيء أو عند مروره بالقرب منها، ويوضع عادة بطريقة مستترة بحيث لا يلاحظه أحد”.[1]

كما عرفها البروتوكول الثاني المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام بأنها: ” ذخيرة موضوعة تحت أو قرب الأرض منطقة سطحية أخرى، ومصممة بحيث يفجرها وجود، أو قرب، أو مس شخص ،أو مركبة”.[2]

2- أنواع الألغام البرية:

الألغام البرية نوعين إما ألغام برية مضادة للأفراد أو ألغام مضادة للدبابات والعربات:

أ- الألغام البرية المضادة للأفراد:

إن الألغام البرية المضادة للأفراد غالبا ما تكون صغيرة الحجم، ويتم إخفائها بحيث يكون من الصعب الكشف عنها، كما توجد بعض الألغام التي لا تستطيع أجهزة الكشف عن الألغام تحديدها، وهو ما يذيد من خطورة هذه الألغام، فمجرد الاقتراب من هذه الألغام أو الضغط عليها تنفجر، فتسبب قتل أو إصابة الأفراد الموجودين حول هذه الألغام.

وتُعد الألغام البرية المضادة للأفراد من أسهل أنواع الأسلحة في عملية تصنيعها ونقلها وزرعها، ويتم استخدام هذه الألغام في العمليات العسكرية لمنع تقدم جنود المشاة، وتختلف أنواع هذه الألغام، حيث توجد ألغام الشظايا، والألغام الواثبة، والألغام الكيمائية.

ب- الألغام البرية المضادة للدبابات:

بالنسبة للألغام المضادة للدبابات فتكون كبيرة الحجم ومزروعة على عمق كاف بحيث يتم تدمير أو تعطيل أي مدرعة أو عربة قد تعبر فوقها، ويتم استعمال هذه الألغام لإعاقة تقدم الدبابات والعربات العسكرية، وتنفجر هذه الألغام إذا تم الضغط عليها بواسطة ثقل كبير، وبالتالي من النادر أن ينفجر الغم بمرور شخص عليه، غير أنه قد يتم ربط الألغام المضادة للدبابات بألغام مضادة للأفراد.

ثانيا: الأثار الخطيرة المترتبة على استعمال الألغام المضادة للأفراد:

إن وجود حقول من الألغام على أراضي دوله ما يؤدي لعواقب وخيمة، سواء من الناحية البشرية أو من الناحية الاقتصادية، فالفائدة العسكرية التي تحققها هذه الألغام تكون ضئيلة إذا ما قورنت بالآثار الخطيرة التي تتسبب بها الألغام.

1- خطر استعمال الألغام من الناحية البشرية:

إن استعمال الألغام لها عواقب خطيرة على البشرية، لما تسببه هذه الألغام من معاناة للمصابين من جراء الانفجار، فإذا لم يتعرض الأفراد للموت فإنهم يتعرضون لإصابات خطيرة بسبب الشظايا المتناثرة أثناء انفجار اللغم، فقد يفقد المصاب أحد طرفيه أو كليهما كما قد يصاب أيضا بالعمى أو تشويه أجزاء من جسمه، وأيضا قد يصاب بالعجز لإصابة العمود الفقري، وغيرها من الإصابات الخطيرة التي تؤدي إما للموت أو العجز، كما يخضع هؤلاء المصابين للعديد من العمليات الجراحية التي تذيد من ألم المصابين، ويحتاجون إلى تلقي العلاج والمساعدات الطبية قد تستمر لأوقات طويلة.

وإلى جانب الألم الجسدي الذي يتعرض له ضحايا الألغام فإنهم يتعرضوا أيضا لألم نفسي، بسبب موت ذويهم، وأيضا الألم النفسي للمصابين بسبب الإعاقة التي قد تلازمهم طوال حياتهم، وقد تتسبب الألغام في ضرر مادي لضحاياها في حالة فقد سبل كسب معيشتهم بسبب ما تعرضوا له من إصابة، ويكون الأمر أكثر ضررا إذا كانت ضحية هذه الألغام هو رب أسرة أو عائلها، فالمدنيين هم غالبا أكثر الضحايا المعرضين لخطر الألغام وخاصة العاملين في تربية ورعي الأغنام والماشية وأيضا المدنيين الذين يعيشون على الترحال من مكان لآخر.

فالألغام تظل عادة في مكانها طوال عشرات السنين وتستمر في بث الزعر بعد نهاية الأعمال العدائية بوقت طويل، وعلى ذلك فهي تعتبر استمرارا للحرب رغم توقفها، فالألغام التي زرعت أثناء الحرب العالمية الثانية لا تزال تصيب الضحايا، وبالنظر لقسوة الإصابات التي تحدثها الألغام المضادة للأفراد وآثارها المدمرة أو طبيعتها العشوائية، مما جعل منها إرثا قاتلا لأصحاب الأرض وخاصة المدنيين.[3]

2- خطر استعمال الألغام من الناحية الاقتصادية:

غالبا ما تقوم الدول المحاربة أثناء زرع الألغام باستهداف الأماكن الهامة والحيوية والطرق التي يمكن لعدوها استخدامها، وهو ما أدي إلى أن تتسبب حقول الألغام في عرقلة التنمية الاقتصادية في هذه المناطق، فالأراضي المزروع بها ألغام لا يستطيع أحد الاقتراب منها، ولا يمكن الاستفادة منها بأي وجه، ولا يمكن إقامة أي مباني عليها أو زراعتها أو التنقيب فيها عن الموارد أو حتى السر في طرقها.

كما أن الدول المزروع على أراضيها ألغام تتكبد نفقات طائلة في تقديم المساعدات الطبية والإنسانية لضحايا الألغام، وأيضا تتكبد نفقات كبيرة لتقديم مساعدات للنازحين واللاجئين الذين تضررت حياتهم بسبب الألغام المزروعة على أراضيهم، كما أن الدولة تحتاج أموالا طائلة إذا ما أرادت إزالة هذه الألغام واستصلاح أو إعمار هذه الأراضي، وإعادة بناء البنية الأساسية فيها.

كما تقف هذه الألغام مانعا أمام الدولة في إقامة المرافق العامة مثل الخدمات الطبية والتعليمية في هذه المناطق الموجود بها ألغام، كما أن وجود الألغام تمنع الدولة من مد شبكات الموصلات والاتصالات والكهرباء، كما تعيق الألغام الدولة من إعادة إعمار الأماكن المنكوبة.

إن بث الألغام في مساحات شاسعة من الأراضي يؤخر في استغلالها للزراعة أو البحث عن الموارد الطبيعية فيها، وهذا ينعكس على اقتصاد الدولة، فمثلا حوالي 27% من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة في لبيا لا تستخدم، لأنها لا زالت مزروعة بالألغام والتي يرجع عهدها إلى خمسين عاما، كما يوجد شريط طويل من الأراضي مساحته حوالي 135 كيلومترا مربعا غني بالنفط غير مستخرج بسبب الألغام.[4]

ثالثا: مدي مشروعية استخدام وزراعة الألغام:

إن استخدام سلاح الألغام أو زراعتها يخضع كغيره من الأسلحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والأعراف الدولية التي تعالج شرعية استخدام الأسلحة أثناء النزعات المسلحة، وبالتالي تخضع استخدام أسلحة الألغام لفكرتين هامتين هما الاعتبارات الإنسانية واعتبارات الضرورة العسكرية.

1: الاعتبارات الإنسانية:

تقوم فكرة الاعتبارات الإنسانية على محاولة توفير حماية لحقوق الإنسان الأساسية أثناء النزعات المسلحة، من خلال مبدأين هما حظر الأسلحة التي تتسبب في إصابات مفرطة لا داعي لها، ومبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين.

أ: مبدأ حظر الأسلحة التي تتسبب في إحداث إصابات مفرطة:

يُعد هذا المبدأ من المبادئ التي تسعي إلى التخفيف من قسوة الحرب، حيث تحاول التأكيد على الجانب الإنساني، من خلال توفير حماية للإنسان في ألا يتعرض لإصابات أو آلام مفرطة لا داعي لها، سواء كان مقاتلا في ساحة الحرب أم مدنيا غير مساهم في الحرب، حيث تلتزم الأطراف المتنازعة بعدم استعمال الأسلحة أو الوسائل التي من شأنها تهديد سلامة الإنسان دون أن يكون هناك أي داعي لذلك.

إن مبدأ الآلام المفرطة التي لا داعي لها يقتضي استعمال الوسائل الإنسانية التي من شأنها تحقيق الانتصار أو الهدف العسكري بأقل خسائر ممكنة، فإذا كان من الممكن تحقيق الهدف أو الانتصار العسكري بأسر المحارب فلا مبرر لقتله، وإذا ما توافرت في سبيل تحقيق الميزة العسكرية وسيلتان كانت آثار إحداهما أقل من الأخرى وجب اختيار الوسيلة الأقل فالآلام غير المبررة التي تصيب المقاتل بدون وجه حق لا تحقق أي ميزة عسكرية.[5]

ومن أجل التخفيف من كوارث الحرب وقسوتها وما ينتج عنها من آلام ومعاناة، فقد أكد إعلان سان بطرسبورغ سنة (1868) على أهمية هذا المبدأ حيث ورد في ديباجته أن: ” يجب أن يكون الغرض الشرعي الوحيد الذي تستهدفه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية، ويكفي لهذا الغرض عزل أكبر عدد ممكن من الرجال عن القتال، وقد يتم تجاوز هذا الغرض إذا استعملت أسلحة من شأنها أن تفاقم دون أي داع آلام الرجال المعزولين عن القتال أو تؤدي حتما إلى قتلهم”.

 وتعتبر الألغام البرية من الأسلحة التي تتعارض صراحة مع مبدأ حظر الأسلحة التي تسبب في إحداث إصابات مفرطة، فلقد نتج عن استخدام الألغام البرية معاناة وآلاما شديدة القسوة لضحاياها، فالألغام الأرضية تؤدي إلى إصابات خطيرة وأضرار جسدية مبالغ فيها، فلقد خلفت الألغام الأرضية معاناة وألم لضحاياها دون أن يسفر استخدام هذه الألغام إلى تحقيق أهداف عسكرية تستحق هذه المعاناة، كتحقيق أهداف الحرب أو تحقيق النصر، وهو ما يذيد من خطورة هذه الأسلحة، ويعد تجاوزا صارخا للاعتبارات الإنسانية.

ب- مبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين:

يعتبر مبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين من المبادئ الهامة في القانون الدولي الإنساني وقاعدة عرفية دولية، تسعي لبسط حماية واسعة للمدنيين غير المساهمين في العمليات العسكرية، من خلال إلزام القادة العسكريين بالتمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، فلا يجوز توجيه الضربات العسكرية لغير الأهداف العسكرية، دون توجيه أي ضربات عسكرية ضد الأعيان المدنية أو استهداف المدنيين الأبرياء.

وقد نص البروتوكول الأول الملحق باتفاقية جنيف لعام 1977 على هذا المبدأ حيث ورد به أنه: ” تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية”.

وتعتبر الألغام البرية من الأسلحة العشوائية التي تتعارض مع فكرة الاعتبارات الإنسانية، حيث إنها تصيب الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين دون أي تمييز، فالألغام تظل جاهزة للتفجير لفترات زمنية طويلة، كما أنها مصممة لإصابة أي شخص قد يقترب منها دون تمييز بين إذا كان مدنيا أو عسكريا، ولا يمكن تجنب تهديد هذه الألغام إلا من خلال إزالتها، وبسبب صعوبة توجيه الألغام أدى لأن يكون أكثر ضحايا هذا السلاح هم المدنيين الأبرياء، حتى بعد انتهاء الحروب، ومازالت هذه الألغام تشكل خطرا على حياة المدنيين حتي يومنا هذا.

إن استعمال الألغام البرية، يعد خرقا لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، الأمر الذي يؤكده عدد الضحايا الكبير من المدنيين، الذين يقتلون أو يشوهون نتيجة انفجار الألغام، سواء في زمن النزاعات المسلحة أو بعد انتهائها، وأكبر دليل على عدم تمييزها بين المدنيين والمقاتلين، هو أن الضحية هي التي تفعل عملية الانفجار بالضغط على الألغام، ولا تنفجر نتيجة توجيهها نحو هدف محدد.[6]

وبسبب ما تشكله الأسلحة التقليدية وخصوصا الألغام من تجاوزا للاعتبارات الإنسانية فقد جاء بالمادة (3) من اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949 أن: ” يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية: الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر”.

2- اعتبارات الضرورة العسكرية:

يقصد باعتبارات الضرورة العسكرية وجود حالة عاجلة أو حرجة حقيقية أثناء المعركة، سواء كانت محتملة أو غير محتملة، توجب على الطرف المحارب لكسب المعركة وتحقيق النصر، القيام بأعمال عسكرية عنيفة، كاستعمال طرق ووسائل قتال غير عادية، تتجاوز المتعارف والمسموح به في الحرب، كضرب جسر مدني لمنع عبور إمدادات العدو أو ضرب أهداف عسكرية بالقرب من أعيان مدنية أو ثقافية.[7]

فوفقا لقاعدة الضرورة العسكرية يمكن للقادة العسكريين استخدام أي أسلحة تمكنهم من تحقيق النصر وإعاقة تقدم أعدائهم، غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة، بل قد وضع لها القانون الإنساني حدود حتى يمكن التمسك بها، فلا يجوز للقادة العسكريين التذرع بوجود ضرورة عسكرية لتوجيه ضربات عسكرية ضد المدنيين، فمثل هذه الأفعال تشكل تجاوز صريح لقاعدة الضرورة، فيجب على القادة العسكريين اتخاذ كافة الاحتياطات عند استخدام الأسلحة التي من شأنها أن تهدد حياة المدنيين أو تحلق بهم أي خسائر.

أ- شروط الضرورة العسكرية:

وقد حدد الفقه الدولي الإنساني عدة شروط تقيد قاعدة الضرورة التي يلجأ إليها القادة العسكريين عند توجيه الضربات العسكرية أو استعمال أسلحة معينة قد تتسبب في إحداث خسائر مدنية، فيشترط لقيام حالة الضرورة العسكرية أن يكون هناك حالة حرب قائمة أو ما يهدد أمن الدولة أو القوات المتحاربة، فلا يمكن اللجوء لحالة الضرورة في حالة السلم أو توقف القتال.

كما أن حالة الضرورة تكون مؤقتة واستثنائية، وبالتالي لا يجوز أن تمتد هذه الحالة بعد انتهاء الهدف من منها، كما لا يتم اللجوء لحالة الضرورة إلا في الحالة التي لا يكون هناك أي خيار آخر أما القادة العسكريين سوى استخدام هذه الأسلحة أو توجيه هذه الضربات، كما يشترط أيضا أن يكون الهدف من اللجوء لحالة الضرورة تحقيق أهداف عسكرية مشروعة، فلا يجوز اللجوء للضرورة لاستعمال أسلحة محرمة دوليا أو أن يكون الغرض من الهدف العسكري هو استهداف المدنيين.

ب- تطبيق شروط الضرورة العسكرية على استعمال الألغام:

وبتطبيق شروط قاعدة الضرورة العسكرية على استخدم أسلحة الألغام البرية، نجد أنها تفتقد هذه الشروط، فالألغام من الأسلحة العشوائية التي يكون من الصعب تحديد أهدفها العسكرية أو توجيهها، كما أن استخدام الألغام يتناقض مع شرط استثنائية وعدم استمرار حالة الضرورة، حيث إن الألغام تبقي مزروعة وجاهزة للتفجير لأزمنة طويلة وهو أيضا ما قد يقف عائقا أمام إحلال السلام بين الدول المتحاربة.

كما أن استعمال أسلحة الألغام تتنافي مع شرط عدم وجود خيار آخر غير استخدام هذه الأسلحة، وذلك لأن الفائدة التي تعود من استخدام الألغام تكاد تكون منعدمة إذا ما قورنت بالأضرار والخسائر التي تترتب على استعمال هذه الألغام، كما أن الألغام مصممة لإحداث إصابات بالغة الخطورة، كما أن أغلب ضحايا هذه الألغام هم المدنيين، وهو ما يذيد من كونها أسلحة شديدة الخطورة يجب حظرها دوليا ومنع استعمالها وتصنيعها.

وبالرجوع إلى الشروط الواجب توافرها لقيام الضرورة العسكرية، تبين بلا أي شك أن المبادئ الدولية التي أقرها القانون الدولي لا تتوافق ولا تنسجم مع الآثار التي تتسبب بها الألغام البرية، فالآثار التي تخلفها الألغام الأرضية، تجسد تجاوزا لمفهوم الضرورة العسكرية، مما يدعو إلى حظر وتقييد استعمال هذا السلاح على أقل تقدير وفقا لمبدأ الإنسانية الواجب عدم إغفالها بحجة الضرورة العسكرية.[8]

رابعا: الاتفاقيات الدولية التي تقيد استعمال الألغام:

بسبب ما تعانيه البشرية من أضرار بسب انفجار الألغام، فقد سعى المجتمع الدولي إلى منع استعمال الألغام وتقييدها، من خلال إبرام العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، في محاولة لدفع هذا الخطر الذي يهدد حياة العديد من الأبرياء، ومن بين هذه الاتفاقيات سوف نتحدث عن اتفاقية

1- اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980:

تتناول اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 حظر وتقييد أنواعا معينة من الأسلحة التقليدية، التي يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، وقد اُلحق بهذه الاتفاقية ثلاث بروتوكولات، إلا أن البروتوكول الثاني هو الذي تناول تنظيم أحكام الألغام، كما تناول تنظيم الأسلحة التي تتشابه مع الألغام كالأشراك والخدع الحربية، باعتبار أن هذه الأسلحة هي الأخرى تم تصميمها للتنكيل بكل ما يقترب منها دون تمييز، وأيضا لما ينتج عنها من عواقب خطيرة.

وقد حظر البروتوكول الثاني للاتفاقية استخدام الألغام لما تسببه من معاناة لا ضرورة لها، كما حظر استعمال الألغام ضد المدنيين أو الأعيان المدنية أو حتى استخدامها للرد الانتقامي، كما قد اعتبر البروتوكول أن أي نصب للألغام يعتبر استعمال عشوائي محظور، كما أن البرتوكول الثاني قد قرر مسؤولية طرف النزاع الذي يقوم بزراعة الألغام كما يتعهد بإزالتها أو تدميرها.[9]

أما بالنسبة للألغام المبثوثة عن بعد، فقد حظر البروتوكول الثاني استخدامها، إلا أنه أجاز استخدامها إذا توافرت شروط معينة، وهي أن يتم وضع هذه الألغام داخل منطقة محدد بعلامات ويجب أن تكون العلامات ذات طابع مميز دائم، وأن يتم رصد مناطق الألغام بواسطة أفراد عسكريين، وأن تحميها أسيجة أو أي وسائل أخرى وذلك لصد المدنيين عنها، وأن تكون على واضحة للعيان لأي شخص يوشك أن يدخل المنطقة المحددة، كما ألزم الطرف واضع الألغام بإزالة هذه الألغام قبل مغادرة المنطقة، أو أن يقوم بتسليم هذه المنطقة إلى قوات دولة آخري تقوم على حمايتها وصيانتها وتكون مسؤولة عن هذه الألغام وتلتزم بإزالتها.[10]

كما أن البروتوكول قد أضفي حماية خاصة من آثار حقول الألغام والمناطق الملغومة، التي يمكن أن تتعرض لها البعثات الإنسانية أو الدولية أو قوات وبعثات حفظ السلام أثناء قيامها بمهام حفظ السلام، أو المراقبة أو بمهام مماثلة في أية منطقة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وأية بعثة تابعة للأمم المتحدة وتؤدي مهامها في منطقة نزاع، ويجب على الدولة واضعة الألغام اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتوفير حماية للبعثات أو قوات حفظ السلام، وأن توفر لهم أيضا ممرا آمنا.[11]

ويعاب على هذا البروتوكول عدم تضمنه لأية آلية للرقابة أو الفحص، واكتفى فقط بإلزام الأطراف المتعاقدة على الاستشارة والتنسيق فيما بينها، بشأن كل مسألة تتعلق بتنفيذ بنود البروتوكول، حيث لهذا الغرض تنظم الدول الأطراف مؤتمرا في كل سنة، بدون وضع أية إجراءات للتحقق من مدى التزام الدول الأطراف ببنود البروتوكول.[12]

ولمحاولة سد ثغرات البروتوكول الثاني وزيادة القيود على استخدام الألغام، تم تعديل هذا البروتوكول في عام 1996، حيث تم حظر استخدام الألغام في النزاعات المسلحة غير الدولية، وتم حظر نقل الألغام، وإضافة عقوبات لمن يخالف أحكام البروتوكول، وأيضا نص على تدابير جديدة لتوفير حماية أوسع لأفراد البعثات الدولية وقوات حفظ السلام، كما نص على حظر بيع وشراء الألغام للمنظمات غير الحكومية أو الدول التي ليست طرف في الاتفاقية.

2- اتفاقية أوتاوا 1997:

جاءت اتفاقية أوتار من أجل إنهاء المعاناة والإصابات الناتجة عن الألغام التي تقتل أو تشوه العديد من الأفراد، من خلال حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام، فهذه الاتفاقية سعت إلى محاولة منع الدول من استخدام الألغام مطلقا في أي نزاع، وقد ألزمت الاتفاقية الدول المنضمة لها بألا تقوم تحت أي ظروف باستعمال الألغام، أو إنتاجها أو محاولة تطويرها أو حيازتها، أو نقلها سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما تلتزم الدول بالامتناع عن مساعدة أو تشجيع على القيام بأنشطة محظورة على دولة طرف بموجب هذه الاتفاقي.

كما أن الاتفاقية ألزمت الدول الأعضاء بتدمير ما لديها من مخزون الألغام على ألا يتعدى ذلك أربع سنوات من بدء نفاذ الاتفاقية بالنسبة إلى تلك الدولة الطرف، أما بالنسبة للحقول الملغومة أو المناطق الملغومة الخاضعة لسيطرتها، على ألا يتعدى ذلك عشر سنوات من بدء نفاذ الاتفاقية بالنسبة إلى تلك الدولة الطرف، كما يجب على الدول الأعضاء تحديد جميع المناطق الخاضعة لسيطرتها التي يعرف أو يشتبه في أنها مزروعة بالألغام المضادة للأفراد، وتقوم بوضع علامات حول الحدود الخارجة لكل حقول الألغام وتضمن رصدها وحمايتها بسياج تكفل استبعاد المدنيين من دخولها، إلى أن يتم تدمير جميع الألغام المضادة للأفراد الموجودة فيها.

كما أن اتفاقية أوتاوا تعمل على تعزيز التعاون والمساعدة بين الدول الأعضاء، حيث يجوز لكل دولة طرف، أن تتلقى المساعدة من الدول الأعضاء، متى أمكن ذلك، وتتعهد كل دولة طرف بتسهيل تبادل المعدات والمواد والمعلومات التي تتعلق بتنفيذ هذه الاتفاقية.

ومن أجل تدعيم المساعدة والتعاون بين الدول الأعضاء في الاتفاقية يجب على الدول الأعضاء التي تستطيع تقديم المساعدة أن تقدم مساعدتها بشأن رعاية وتأهيل ضحايا الألغام، وبرامج للتوعية بمخاطر الألغام وكيفية إزالتها، كما يجب على كل دولة في وضع يمكنها من تقديم المساعدة بتوفيرها من أجل تدمير مخزون الألغام المضادة للأفراد.

وتتعهد كل دولة بتقديم المعلومات لقاعدة البيانات المتعلقة بإزالة الألغام، وأيضا المعلومات المتعلقة بشتى وسائل وتكنولوجيات إزالة الألغام وقوائم الخبراء أو وكالات الخبراء ومراكز الاتصال الوطنية بشأن إزالة الألغام.

إن معاهدة أوتاوا كانت متميزة جدا، حيث تمكنت من معالجة موضوع الألغام البرية المضادة للأفراد بشكل شبه كامل تقريبا، ومن مختلف الجوانب، فبالإضافة إلى أنها حظرت استخدام وإنتاج وتخزين ونقل الألغام، فقد ألزمت الدول بأحكامها، ووضعت ألية لمراقبة امتثال الدول لالتزاماتها، وقد لاقت هذه المعاهدة ترحيبا واسعا على المستوى الدولي، حيث وقعت عليها ما يزيد عن مائة وعشرين دولة، كما تم اعتمادها لواسطة الجمعية للأمم المتحدة.[13]

خامسا: منطقة العلمين الملغومة:

منطقة العلمين المصرية هي من أكثر المناطق في العالم تحتوي على ألغام، حيث إنه في الحرب العالمية الثانية أثناء المعركة الدائرة بين قوات الحلفاء والقوات الألمانية على منطقة العالمين، تمكنت قوات الحلفاء من إجبار القوات الألمانية على التراجع والانسحاب، وحتى تمنع القوات الألمانية قوات الحلفاء من الحاق بها وتكبديها خسائر قامت بزرع أكثر من عشرين مليون لغما، على مساحة تقدر بحوالي 270 ألف هكتار.

1- الأضرار الناتجة عن زرع منطقة العلمين بالألغام:

إن الألغام الموجودة في منطقة العلمين لازلت تسبب في معاناة وآلام للمدنيين المصرين الذين لم يكن لهم أي شأن بالحرب القائمة على هذه الأرض سوى أنهم أبناء هذه الأرض، حيث إن الألغام في منطقة العلمين قد حصدت أرواح مئات المصرين، بالإضافة إلى إصابة ألاف من المصريين، وأغلب ضحايا هذه الألغام هم البدو ورعاة الأغنام والماشية الذين يعيشون على الترحال في الصحراء الغربية بمصر.

كما أن الألغام الموجودة في منطقة العلمين منعت استغلال مساحة تذيد عن 250 ألف هكتار، ومنعت استغلال موارد هذه المنطقة حيث إن هذه المنطقة تعد منطقة جيده للزراعة وغنية بالمياه الجوفية، وهو ما أدى إلى خسائر اقتصادية تحملها الدولة المصرية، كما منعت الدولة من إيصال المرافق والبينة الأساسية في هذه المنطقة من مواصلات واتصالات ومرافق التعليم والصحة وهو ما أدى لتعرضها للإهمال.

كما تكبدت الدولة المصرية أموالا طائلة في تقديم المساعدات الطبية والاقتصادية والاجتماعية الملائمة لضحايا الألغام، وأيضا قد تكبدت نفقات باهظة من ميزانيتها من أجل محاولة تطهير منطقة العلمين وإزالة ما بها من ألغام، حيث يقدر تكلفة الألغام ما يزيد عن 500 مليون دولار.

كما أن كمية الألغام الكبيرة الموجودة في منطقة العلمين تمثل تهديدات بيئية خطيرة، حيث إن تآكل غطاء الألغام البرية المتواجدة في باطن الأرض الناتجة على طول المدة الزمنية، يتسبب في تسرب المادة المتفجرة إلى باطن التربة التي تترك آثارا سامة، فضلا عن تلف وتدهور الثروة النباتية التي تعد مصدرا للتغذية والكلأ والطب التقليدي.[14]

2- القواعد التي تحكم الألغام في منطقة العلمين:

 من القواعد التي تحكم الألغام هي أن بقاء الألغام في الأراضي المصرية يشكل انتهاك مستمرا للالتزام دولي، كما أن مرور أكثر من سبعين عاما على واقعة زرع الألغام لا يسقط حق مصر بالتقادم، لأن مصر لم تتوان عن إثارة حقها على المستوى الدولي وكافة المستويات الأخرى، كما أن القول بتقادم حق مصر يتعارض مع المبدأ الدولي الذي يقضي بأنه لا يمكن للشخص أن يستفيد من عدم الوفاء بالتزاماته القانونية.[15]

ولما كانت أكثر من دولة مشتركة في زرعة الألغام في منطقة العلمين فإن من حق مصر مطالبة هذه الدول مجتمعة أو على حدة بإزالة هذه الألغام، باعتبار أن هذه الدول مسئولة عن الفعل الضار الذي أصاب منطقة العلمين، وأيضا تلتزم هذه الدول بإزالة الألغام بناء على المبدأ الذي يقضي بأن من يتسبب في خلق وضع ضار عليه وضع نهاية سريعة له، كما أن الدول التي زرعت منطقة العلمين بالألغام استخدمت طرق عشوائية في وضع هذه الألغام، وهو ما يعد خروجا على مقتضيات الواجب العسكري.

وبالنسبة لحق مصر في الحصول على تعويض عن أضرار الألغام المتروكة في أراضيها، فإن أحكام التحكيم ترفض التعويض عن أضرار الحرب التي تشكل أساسا نتيجة عرضية وضرورية لعمل مشروع من أعمال الحرب، أو أحد الحوادث العادية للمعركة، وذلك توافر الشرط الزمني– أن يتم أثناء العمليات الحربية – والشرط الموضوعي – أن تحتم ذلك الضرورة العسكرية القهرية -، وهذين الشرطين غير متوفرين بالنسبة لألغام منطقة العلمين، لانتهاء العمليات الحربية، وعدم وجود ضرورة عسكرية.[16]

إعداد/ مصطفى كامل.

[1] أنظر الدكتور أحمد أبو الوفا، المسئولية الدولية للدول واضعة الألغام في الأراضي المصرية، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 57، سنة 2001، ص 36.

[2] المادة الثانية من البروتوكول المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى، البروتوكول الثاني، عام 1996.

[3] أنظر دكتور محمد مخادمة، حظر استخدام الألغام المضادة للأفراد في القانون الدولي، أبحاث اليرموك سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2003، ص 280.

[4] أنظر أستاذ عبد ربه محمد عبد ربه العساف، والمشرف دكتور غسان هشام الجندي، تقييد استخدام الألغام البرية في القانون الدولي، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، ص59.

[5] أنظر أستاذ أنس جميل اللوزي، وإشراف دكتور عبد السلام هماش، مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي، رسالة لنيل درجة الماجستير في القانون العام، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، 2014، ص 87.

[6] أنظر أستاذ وقاص ناصر، وإشراف الدكتور بن طيفور نصر الدين، الحماية الدولية لضحايا الألغام المضادة للأفراد، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أبو بكر بلقايد، 2017/2018، ص 70.

[7] أنظر دكتور عامر عبد الحسين عباس، مبدأ الضرورة الحربية في القانون الدولي الإنساني، مجلة كلية القانون جامعة الكوفة، العدد 55، سنة 2019، ص 589.

[8] أنظر دكتور حطاب عبد النور، أحكام القانون الدولي العام في حظر وتقييد استخدام الألغام، 2018، ص 54 ،55.

[9] أنظر ما ورد بالفقرات (2، 3، 5، 7، 8) بالمادة (3) من البروتوكول الثاني لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980، البروتوكول المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى.

[10] أنظر الفقرة (2) من المادة (5) من البروتوكول الثاني لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980، البروتوكول المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى.

[11] أنظر المادة (12) من البروتوكول الثاني لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980، البروتوكول المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى.

[12] أنظر أستاذ وقاص ناصر، وإشراف الدكتور بن طيفور نصر الدين، الحماية الدولية لضحايا الألغام المضادة للأفراد، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أبو بكر بلقايد، 2017/2018، ص 115.

[13] أنظر دكتور محمد مخادمة، حظر استخدام الألغام المضادة للأفراد في القانون الدولي، أبحاث اليرموك سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2003، ص 288.

[14] أنظر دكتور فيصل ذكي، ودكتور جمال الدين أحمد حواش، ودكتورة آمال حسن محمد حسين، إطار قانوني مقترح لمواجهة مشكلة وجود الألغام في الأراضي المصرية، مجلة العلوم البيئية، جامعة عين شمس، المجلد 40، الجزء 2، عام 2017، ص 311.

[15] أنظر دكتور عثمان عبد الرحمن عبد اللطيف محمد، الألغام الأرضية والمسئولية الدولية بين الفانون الدولي العام والشريعة الإسلامية دراسة مقارنة، مجلة الشريعة والقانون، العدد 47، يوليو 2011، ص 239.

[16] أنظر الدكتور أحمد أبو الوفا، المسئولية الدولية للدول واضعة الألغام في الأراضي المصرية، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 57، سنة 2001، ص 94.

Scroll to Top