جريمة استغلال حاجة القاصر
إن الهدف من تشريع القوانين داخل البلاد هو فرض النظام والحد من الجرائم الكثيرة المنتشرة في المجتمعات، ومن أكثر الجرائم دناءة وخسة هي جريمة استغلال حاجة القاصر، لما يوجد بها من استغلال لضعف القاصر لجبره على القيام بأفعال تضره أضرارًا جسيمة قد تصل لتدمير مستقبله وحياته إلى الأبد، وسوف نوضح بالإيجاز الغير مخل المقصود بتلك الجريمة، الأركان اللازمة لوقوعها، العقوبة المفروضة على الجاني وأخيرًا دور المجتمعات في الحد من هذا النوع من الجرائم.
أولًا: المقصود بجريمة استغلال حاجة القاصر
ثانيًا: أركان جريمة استغلال حاجة القاصر
ثالثًا: عقوبة جريمة استغلال حاجة القاصر
رابعًا: مشاركة المجتمع المدني للحد من جرائم استغلال القُصر
أولًا: المقصود بجريمة استغلال حاجة القاصر
يقصد بجريمة استغلال حاجة القاصر استغلال الجاني لظروف المجني عليه وغصبه على القيام بأفعال ضاره بمصلحته لأغراض مادية[1].
وهو ما عرفته المادة 418 من قانون العقوبات الأردني التي نصت على: “كل من استغل احتياج شخص دون الثامنة عشرة من عمره أو معوق نفسيًا أو عقليًا أو استغل ضعفه أو هوى في نفسه فأخذ منه بصورة مضرة به سندًا يتضمن اقتراضه نقدًا أو استعارة أشياء أو تنازل عن أوراق تجارية أو غيرها أو تعهد أو إبراء يعاقب أيا كانت طريقة الاحتيال التي استعملها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مائتي إلى خمسمائة دينار”.
وهو ما أكدته أيضًا محكمة التمييز بصفتها الجزائية في الحكم رقم 487 لسنة 1998 الصادر بتاريخ 10 / 8 / 1998 الذي جاء به ” بعد التدقيق والمداولة نجد أن الحكم المميز نفعًا للقانون قد أدان المستدعي الثاني المحكوم عليه خ. وزوجته إ. بالجرم الجنحوي المسند إليهما وهو استغلال شخص قاصر دون الثامنة عشرة من عمره خلافًا لأحكام المادة 418 عقوبات كما يتبين أن المجني عليه هو حفيد المحكوم عليه خ. وأن هذا الحكم قد أصبح مكتسبًا للدرجة القطعية…. وتأسيسًا على ما تقدم فإننا نقرر نقض الحكم المميز استنادًا للسبب الأول ورده بالنسبة للسبب الثاني وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى بالنظر لأن هذا النقض قد جاء لمصلحة المحكوم عليه وذلك على مقتضى نص المادة 4 / 291 من قانون أصول المحاكمات الجزائية”.
وبشكل عام فإن الاستغلال يكون أحد الأشكال التالية:
- استغلال القاصر في تجارة البغاء مثل القيام بالأعمال المنافية للآداب وتصويرها أو القيام بأي عمل من أعمال البغاء المتعارف عليها، وهو ما جاء في الفقرة الأولى من نص المادة 292 من قانون العقوبات التي نصت على:
“1- أ- من واقع أنثى (غير زوجة) بغير رضاها سواء بالإكراه أو بالتهديد أو بالحيلة أو بالخداع عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة، ب- وتكون العقوبة الأشغال عشرين سنة إذا كانت المجني عليها قد أكملت الخامسة عشرة ولم تكمل الثامنة عشرة من عمرها”.
- استغلال القاصر في أعمال البغاء الغير تجارية مثل الزواج المبكر، الزواج المدبر، زواج العوض، زواج الصفقة، الزواج بالإذعان، زواج الاستيلاء أو الزواج المؤقت، وقد أكدت على ذلك المادة 294 من قانون العقوبات التي جاء بها: “1- من واقع أنثى (غير زوجة) أكملت الخامسة عشرة ولم تكمل الثامنة عشرة من عمرها عوقب بالاشغال المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات، 2- وإذا أكملت المجني عليها الثانية عشرة ولم تكمل الخامسة عشرة من عمرها فيكون الحد الأدنى للعقوبة خمس عشرة سنة”.
- السخرة المتمثلة في استغلال القاصر في القيام بالأعمال المنزلية أو الزراعة أو البناء أو الخدمة العسكرية الإجبارية.
- استغلال القاصر في التسول، وقد جاء ذلك في نص المادة 389 من قانون العقوبات الأردني:”ب- كل من استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعًا إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأية وسيلة أخرى، سواء أكان متجولًا أو جالسًا في محل عام، أو وجد يقود ولدًا دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك….”
وقد جاء ذلك في الحكم رقم 1475 لسنة 2017 لمحكمة صلح جزاء عمان الصادر بتاريخ 24 – 9 – 2017 :” عملاً بأحكام المادة 177 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه عن جرم تسخير قاصر للتسول خلافًا لأحكام المادة 1 / 389 / ب من قانون العقوبات وعملاً بأحكام المادة ذاتها الحكم عليه بالحبس أسبوعًا والرسوم”.
ثانيًا: أركان جريمة استغلال حاجة القاصر
يستلزم لقيام أي جريمة مجموعة من الأركان اللازمة لتحققها، وغياب أي ركن من هذه الأركان يؤدي لانعدام الجريمة، وهذه الأركان تنقسم لقسمين الأول هو الأركان العامة والثاني هو الأركان الخاصة، وفيما يلي شرح تفصيلي لكل ركن منهما[2].
أ- الأركان العامة لجريمة استغلال حاجة القاصر
تنقسم الأركان العامة بدورها إلى قسمين الأول هو الركن المادي والثاني هو الركن المعنوي.
1- الركن المادي لجريمة استغلال حاجة القاصر
الركن المادي لأي جريمة هو عبارة عن القيام بأفعال جرمها القانون أو الامتناع عن أفعال أمر بها القانون، وهو يتكون بدوره من ثلاثة أركان هم: السلوك الإجرامي، نتيجة السلوك الإجرامي والعلاقة السببية بينهما.
والسلوك الإجرامي بشكل عام يكون إما إيجابيًا أو سلبيًا، ويكون إيجابي في حالة ارتكاب فعل جرمه القانون، وسلبي في حالة الامتناع عن فعل أمر به القانون، وفي حالة جريمة استغلال حاجة القاصر فإن السلوك الإجرامي يكون إيجابي وذلك من خلال استغلال الجاني لحاجة القاصر المادية أو المعنوية لإجباره على القيام بأفعال تعود بالنفع على الجاني وتلحق الضرر الجسيم بالقاصر[3].
أما نتيجة السلوك الإجرامي فيقصد بها بشكل عام الضرر الناتج عن السلوك الإجرامي والذي يمثل اعتداء على حق من الحقوق الواجب حمايتها بقوة القانون، وتتمثل نتيجة السلوك الإجرامي في جريمة استغلال حاجة القاصر في اعتداء الجاني على أموال القاصر المحمية بقوة القانون، وهو ما أكدته نص المادة 418 من قانون العقوبات الأردني
وجدير بالذكر أنه لا يشترط لتحقق الركن المادي لجريمة استغلال حاجة القاصر أن يحصل الجاني على أموال القاصر بشكل مباشر منه، بل يتحقق هذا الركن أيضًا إذا حصل الجاني على هذه الأموال من شخص آخر بناءً على طلب القاصر، فمثلًا لو طلب القاصر من الشخص المودع لديه ماله أن يعطي هذا المال للجاني، فإن الركن المادي للجريمة يتحقق، فلا يلزم أن يعطي القاصر بنفسه المال للجاني.
وأخيرًا فإنه يقصد بالعلاقة السببية كعنصر أساسي لقيام الركن المادي الصلة التي تربط بين كل من السلوك الإجرامي ونتيجة هذا السلوك، لذا يلزم لتحقق الركن المادي في جريمة استغلال القاصر أن توجد علاقة سببية بين سلوك الجاني المتمثل في استغلال حاجة القاصر وبين نتيجة هذا السلوك المتمثلة في حصوله على أمواله، فيلزم أن يُثبت أن الجاني حصل على أموال القاصر بعد أن قام باستغلاله لا قبل ذلك وإلا فالجريمة لا تقع.
2- الركن المعنوي في جريمة استغلال حاجة القاصر
يلزم لقيام أي جريمة أن يتوفر بها الركن المعنوي والذي يقصد به القصد الإجرامي أي أن يتوجه الفاعل بكامل إرادته لارتكاب الفعل الإجرامي، ويتكون هذا القصد من عنصرين هما العلم والإرادة، والعلم هو الإدراك الكامل بالأفعال المؤدية للجريمة، أما الإرادة فهي القدرة على القيام بالسلوك بالإجرامي اللازم لتحقيقها.
ويتحقق الركن المعنوي في جريمة استغلال حاجة القاصر من خلال علم الجاني أن المجني عليه قاصر، وأن يعلم بحاجته ويستغلها لتحقيق مراده، مع ضرورة علمه بالتأثير السلبي لهذا الفعل على القاصر حتى تكتمل أركان تحقق الركن المعنوي، فمثلًا لو جهل الفاعل بأن المجني عليه قاصر فلا يعد مرتكب لجريمة استغلال قاصر لعدم توفر ركن العلم، وأيضًا لو لم تكن إرادة الفاعل متجهة لارتكاب أفعال الاستغلال بهدف الحصول على منفعة من القاصر فلا يعد ذلك جريمة استغلال حاجة القاصر. وفي حالة تحقق القصد الإجرامي من قبل الفاعل تعد الجريمة قائمة وتستوجب العقاب حتى وإن رد الجاني أموال القاصر أو المنفعة التي حصل عليها منه.
ب- الأركان الخاصة لجريمة استغلال حاجة القاصر
يلزم لتحقق جريمة استغلال حاجة القاصر أن تتوافر ثلاثة عناصر هي: أن يكون المجني عليه قاصرًا، إلحاق الضرر بمصلحة القاصر أو بالغير وأخيرًا أن يكون محل الجريمة مالًا أو سندًا.
1- أن يكون المجني عليه قاصرًا
أوجب المشرع ضرورة أن يكون المجني عليه قاصرًا لتحقق جريمة استغلال حاجة القاصر، وقد حدد المشرع المقصود بالقاصر في الفقرة الأولى من المادة 418 من قانون العقوبات الأردني التي نصت على: “كل من استغل احتياج شخص دون الثامنة عشرة من عمره أو معوق نفسيًا أو عقليًا……..”.
2- إلحاق الضرر بمصلحة القاصر أو بالغير
فلا يكفي لتحقق أركان الجريمة أن يكون المجني عليه قاصرًا وحصول الجاني على أمواله تحت الاستغلال، فيلزم أن يلحق ضرر بمصلحة القاصر أو بمصلحة غيره وهو ما أكده المشرع في المادة 418 من قانون العقوبات الأردني حيث جاء بها:
” كل من استغل احتياج شخص دون الثامنة عشرة من عمره أو معوق نفسيًا أو عقليًا أو استغل ضعفه أو هوى في نفسه فأخذ منه بصورة مضرة به سندًا يتضمن اقتراضه نقدًا أو استعارة أشياء أو تنازل عن أوراق تجارية أو غيرها أو تعهد أو إبراء…..”، وعليه فإن تبين أن شخص ما قد استغل حاجة القاصر وحصل على أمواله للحفاظ عليها وردها إليه حين يبلغ فإنه في هذه الحالة لا يعد مرتكبًا للجريمة لانتفاء شرط إلحاق الضرر بالقاصر أو بغيره.
والضرر إما أن يكون ماديًأ مثل الأضرار المتعلقة بالأموال سواء بخسارة تلحق بالمجني عليه أو بتفويت كسب له، وإما أن يكون معنويًا مثل الأضرار المتعلقة بالشرف والاعتبار والأفعال المتسببة في الآلام النفسية للإنسان بشكل عام.
3- أن يكون محل الجريمة مال أو سند
يلزم لقيام الجريمة أن يكون محلها هو المال أو السند وهو ما أكده المشرع الأردني في المادة 418 من قانون العقوبات التي نصت على: “كل من استغل احتياج شخص دون الثامنة عشرة من عمره أو معوق نفسيًا أو عقليًا أو استغل ضعفه أو هوى في نفسه فأخذ منه بصورة مضرة به سندًا يتضمن اقتراضه نقدًا أو استعارة أشياء أو تنازل عن أوراق تجارية أو غيرها أو تعهد أو إبراء……”، مما يعني أن المشرع الأردني قد حدد محل الجريمة هنا بوجود سند يقترض به الجاني من المجني عليه (القاصر) مبلغ مالي أو أن يستعير منه أشياء منقولة، أو يجعل القاصر يتنازل له عن أوراق مالية، أو يتحايل عليه ليتعهد بالتزام أو ليبرء الجاني من التزام ما[4].
والسند هو عبارة عن إقرار بدين أو الإبراء من دين يترتب عليه إنقاص ثروة المجني عليه بالمقدار المحدد في الإقرار مثل عقود البيع، الإجارة، سندات الأسهم والمخالصات.
وأكدت على ذلك محكمة صلح جزاء الزرقاء في الحكم رقم 1846 لسنة 2021 الصادر بتاريخ 22 – 3 – 2021 حيث جاء به: “….. تجد المحكمة بأن أفعال المتشكى عليه المتمثلة بقيامه بجعل المشتكي الحدث التوقيع على شيك واستغلال ضعفه واحتياجه وتهديده بتقديم الشيك ضده في المحكمة إنما تشكل كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليه ويتوجب إدانته به. وعليه وتأسيسًا على ما تقدم تقرر المحكمة ما هو آت: عملاً بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه بجرم الاحتيال بحدود المادة 418 من قانون العقوبات والحكم عليه بذات المادة بالحبس مدة ستة أشهر والرسوم والغرامة 200 دينار والرسوم ونظرًا لإسقاط المشتكي لحقه الشخصي عن المشتكى عليه والذي تعتبره المحكمة من الأسباب المخففة التقديرية فتقرر المحكمة تخفيض العقوبة الصادرة بحقه لتصبح الحبس مدة ثلاثة أشهر والرسوم والغرامة 100 دينار والرسوم”.
ثالثًا: عقوبة جريمة استغلال حاجة القاصر
العقوبة هي وسيلة رادعة تقوم بها الدولة لحماية المجتمع من الجرائم والمجرمين، وهي عبارة عن حكم قضائي يُحكم به على الجاني جزاء لما قام به من تعدي على العدالة وحرمان المجني عليه من حقه بعد ما قام به من سلوك إجرامي يستوجب العقاب لمنعه من ارتكاب المزيد من الجرائم هو وغيره من أفراد المجتمع.
وقد فرض المشرع الأردني عقوبة الحبس من ستة أشهر حتى ثلاث سنوات وغرامة من 200 دينار حتى 500 دينار على مرتكب هذه الجريمة، وهو ما جاء في الفقرة الأخيرة من نص المادة 418 من قانون العقوبات الأردني: “…… يعاقب أياً كانت طريقة الاحتيال التي استعملها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مائتي إلى خمسمائة دينار”، فقد اعتبر المشرع الأردني أن جريمة استغلال حاجة القاصر بمثابة جنحة.
رابعًا: مشاركة المجتمع المدني للحد من جرائم استغلال القُصر
للمجتمع المدني دور كبير وهام للحد من جرائم استغلال القُصر بمساعدة الحكومات، فدعم الحكومات للمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والناشطين الحقوقيين من شأنه أن يسرع من مكافحة تلك الجرائم.
فتكاتف المجتمع ككل قادر على منع حدوث هذه النوعية من الجرائم من البداية، بالإضافة للقدرة على حماية الضحايا وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى القضاء، ويكون ذلك من خلال القيام بمجموعة من الأنشطة المختلفة والتي لها أثر مباشر في الحد من تلك الجرائم، ومن هذه الأنشطة:
1- توعية الجمهور بالقضايا الهامة التي يمكن أن يشاركوا في الحد منها مثل جرائم استغلال القٌصر.
2- استخدام الرأي العام في مناصرة أصحاب الحقوق.
3- الاستعانة بالجهات الرقابية لمراقبة المسؤولين عن القُصر ومعرفة مدى التزامهم بتنفيذ تعهداتهم.
4- الترابط الشبكي بين كل منظمات المجتمع المدني للوصول لأقصى درجة من الاستفادة.
5- تقديم خدمات مباشرة للضحايا متمثلة في الدعم الطبي، النفسي والقانوني إن لزم الأمر.
إعداد/ سمر محمد.
[1] مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية / العدد الرابع / السنة العاشرة / 2018 / ص 59.
[2] د. عبد المهيمن بكر، جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال في قانون العقوبات المصري، المطبعة العالمية، القاهرة، 1966.
[3] مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية / العدد الرابع / السنة العاشرة / 2018 / ص 64.
[4] د. محمد عودة الجبور، الجرائم الواقعة على الأموال في قانون العقوبات الأردني دراسة مقارنة، دار وائل للنشر، عمان، 2010.

