مبدأ تساند الأدلة في الحكم الجزائي
القاضي الجنائي لديه مساحة من السلطة التقديرية تفوق تلك المسندة للقضاة في باقي أفرع القانون، ورقابة الطعن على تلك الأحكام الجنائية يكون في نطاق تطبيق القانون ومراقبة الاستنتاج السليم دون قصور في التسبيب أو فساد في الاستدلال، ومن أوجه الطعن في الأحكام الجنائية هو تغافل القاضي لمبدأ تساند الأدلة، وهذا المبدأ هو محور حديثنا في هذا المقال، وسيكون ذلك العرض من خلال النقاط الآتية:
ثانيًا: مبدأ تساند الأدلة أحد دعامات حيادة القاضي الجنائي
رابعًا: صور الأخلال بمبدأ تساند الأدلة
خامسًا: مبدأ تساند الأدلة وقاعدة يفسر الشك لصالح المتهم
سادسًا: الاستثناء الوارد على المبدأ
أولًا: مفهوم المبدأ
مبدأ تساند الأدلة يمكن تصويره باعتبار الحكم الجنائي كعمل قضائي عبارة عن بنيان يكمل الجزء فيه الكل ويحوي فيه الكل الجزء بتناسق وتناغم دون تناقض، فالحكم يكون نتاج واقعة إجرامية (الوقائع) ومجموعة من المعطيات (الأدلة) تؤدي للتوصل للعنصر البشري المتسبب في الفعل (المتهم).
والحكم كعنوان للحقيقة لابد أن لا يخطأ لا في وصف الواقعة ولا في معالجة المعطيات ما يتعلق منها بالنفي أو الإثبات للوصول للمتسبب الحقيقي في الفعل الإجرامي، ومعالجة الأدلة يكون بتفنيدها تفنيدًا يقبله العقل والمنطق بحيث يؤدي تتبعها بالشكل الذي أورده الحكم إلى النتيجة التي توصل إليها الحكم دون أن يكون هناك تناقض في الأدلة.
أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة، ومتآزرة، يشد بعضها بعضا ويكمله، فهي عبارة عن بنيان متكامل ومتماسك، وأي خلل يحدث فيه من شأنه أن يهدم البناء كله من أساسه، وعلى القاضي أن يستمد اقتناعه منها مجتمعة، ومن ثم كان عليه أن ينسق بينها، وإذا قام التناقض بينها كان هادماً لها٠[1]
ثانيًا: مبدأ تساند الأدلة أحد دعامات حيادة القاضي الجنائي
كما بينا في المقدمة أن القاضي الجنائي له نطاق واسع من السلطة التقديرية في مناقشة الأدلة المعروضة عليه والسند في ذلك نص المادة (147/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إذا نصت على ( تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الأثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية).
إلا أن المشرع وضمانًا لحيادية القاضي أقر مجموعة من المبادئ التي يلتزم بها القاضي الجنائي وقد وردت بذات المادة سالفة الذكر (147/1-3-4) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على :
- المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي.
- اذا نص القانون على طريقة معينة للإثبات وجب التقيد بهذه الطريقة.
- اذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه من الجريمة المسندة اليه.
وبالإضافة لتلك المواد المكتوبة فقد أظهرت الممارسات العملية ضمانات أخرى وفقًا لقواعد العدالة والتي تضمن حيادية القاضي في استخلاص النتائج من المعطيات المقدمة له وكذلك أن تكون النتائج التي تم الوصول إليها تم الوصول إليها بأدلة متساندة لا تناقض فيها ولا تهميش.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 3202 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-12-07 (وفي ذلك نجد أن المشرع منح محكمة الموضوع سلطة واسعة في وزن البينات وتقديرها بمقتضى أحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية دون معقب عليها في ذلك من محكمتنا شريطة سلامة النتائج التي توصلت إليها وأن استخلاصها للوقائع سائغاً ومقبولاً ومستمداً من بينات قانونية مقدمة في الدعوى ولها أصل ثابت فيها).، وفي هذا الحكم نجد أن المحكمة قد رسخت مبدأ مقالنا حيث أورد وأن يكون استخلاص الوقائع سائغ مقبول والذي يؤدي بالتبعية إلى أن يكون هناك تساند في الأدلة التي أعتمد القاضي عليها في تخريج حكمه بحيث لا يطرح أدلة مهمه ولا يرتكز على أدلة ضعيفة أو بينها تضاد.
وكذلك الحكم رقم 239 لسنة 1995 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 11/6/1995(لا يجوز لمحكمة الاستئناف ان تستبعد شهادة الشهود بداعي ان شهاداتهم انصبت على كيفية وقوع السرقة، وعليها مناقشة هذه الشهادات مع باقي البينات الأخرى وفقا لقاعدة تساند الأدلة.)، ومن هذا الحكم نرى أن محكمة النقض قد أخذت على المحكمة مصدرة الحكم عدم إتمامها للوسيلة المتاحة لها للوقوف على عنوان الحقيقة واعتبرت أن غض الطرف عن تلك الوسيلة من أسباب تعييب الحكم.
كما يقتضي وضوح التدليل ألا يقع في أسباب الحكم أي تناقض، والتناقض الذي يعيـب الحكم هــو الذي يقــع بيــن أسبابه مع بعضها البعض أو بين الأسباب والمنطـوق، أما تناقض الحكم مع باقي أوراق الدعوى الخاضعة لتقدير المحكمة فلا يعيب الحكم[2]
ثالثًا: مفهوم الدليل
الأدلة عامة تعتبر مجموعة من المعطيات المعلومة التي تؤدي إلى فهم الواقعة وتكيف الفعل الإجرامي التكييف الصحيح وتوقيع مواد الاتهام على مرتكب الفعل الإجرامي، والأدلة في العمل الجنائي أكثر اتساعًا منها العمل المدني، وفي النطاق الجنائي الأدلة نوعان.
الدليل الجنائي: هو الوسيلة التي تصل إلى وجدان القاضي في اتهام محل شك، ليعبر بها عن قناعة في ثبوت الواقعة الإجرامية على المتهم أو عدم ثبوتها، بما يؤدي إلى إدانته أو براءته.[3]
الدليل العلمي: الوسيلة العلمية التي تستعمل فيها الكيمائيات والإلكترونيات والتكنولوجيا الحديثة وما يستجد منها، في محل شك يقدم للقاضي ليعبر بها عن قناعته في ثبوت الواقعة الإجرامية أو عدم ثبوتها بما يؤدي إلى إدانة المتهم أو براءته.[4]
ومن التعريفان السابقان يتضح أن لكل من الدليلين ما يميزه عن الأخر والاثنان يستخدمان في الدعوى الجنائية، فالدليل الجنائي مثل الأقوال سواء كانت أقوال المتهم أو الشهود وكذلك القرائن المستنبطة من الوقائع، أما الدليل العلمي فهو ما يتدخل فيه جانب تقني لترجيحه أو نفيه مثال على ذلك تقرير الطب الشرعي يعد دليلًا علمي حيث إن المحقق فور وقوع جريمة قتل يحيل الجثمان للطب الشرعي ليبدي الرأي العلمي فيه بتقرير يكمل أوراق القضية.
وفي مجال حديثنا عن مبدأ تساند الأدلة في الحكم الجزائي يمكنا القول أن مع الوضع في الاعتبار أن الأدلة كافة لابد أن يساند بعضها البعض إلا أن الأدلة العلمية من وجهة نظرنا تعد في مرتبة أعلى من الأدلة الجنائية ذلك لأن القاضي تضيق سلطته التقديرية لأضيق الحدود عند مناقشة الأدلة العلمية طالما أنها كانت صحيحة.
مثال: في أحدى الدعاوى الجزائية المنظورة قام أحد الشهود بإدلاء شهادته بأن المتهم كان بمكان وقوع الحادث في الساعة العاشرة صباحًا وفي الجلسة التالية قدم محام المتهم تسجيل فيديو للمتهم بأحد البنوك في ذات الساعة التي شهد الشاهد بوجود المتهم فيها في مكان الحادث، وقامت المحكمة من التأكد من صحة الفيديو الذي قدمه محام المتهم، فلأي دليل يتوقع أن يرتكز القاضي في حكمه؟ . الإجابة أنه سيعتمد على الدليل العلمي لأن سلطته في تقديره أقل من سلطته في تقدير شهادة الشاهد التي يمكن ألا يطمئن إليها دون معول عليه من محكمة النقض.
رابعًا: صور الأخلال بمبدأ تساند الأدلة
كما أنه من شأن كل من الخطأ في الإسناد وفساد الاستدلال أن يؤدي إلـى القصور في الاستدلال، ومن أمثلة الخطأ في الإسناد أن تذكــر المحكمة في أسباب حكمها أقوالاً لشاهد معين لا سند لها في الأوراق، أما فساد الاستدلال فيتحقق حينما تستند المحكمة في حكمها إلى دليل مستمد من إجراءات باطلة كتفتيش قضت ببطلانه[5]، فيكون الإخلال بمبدأ تساند الأدلة من رؤيتنا بإحدى الصورتين أما بالتمسك أو بالترك، وسنبين ذلك من خلال السطور القادمة.
1- التمسك
أما فيما يتعلق بالتمسك فلا إشكال فيه حيث يظهر حين تتمسك المحكمة بأدلة باطلة تكون من جملة الأدلة التي ارتكزت عليها في تأسيس الحكم، وعليه فإن هذا الدليل الباطل لا يستبعد هو فقط حال نقض الحكم، بل إنه يؤثر في جملة الأدلة الأخرى التي كونت في جملتها عقيدة القاضي في تأسيس حكمه.
وبالتالي يصير الحكم المعتمد على مجموعة من الأدلة أحدها فاسد يصير هذا الحكم حكما باطلاً، وإن كانت ثمة أدلة أخرى صحيحة يمكن أن يعتمد عليها، ذلك أنه لا يعرف ما كان للدليل الفاسد من نصيب في تكوين اقتناع القاضي فيجوز أنه كان له الدور الأساسي في ذلك.[6]
2- الترك
الترك كأحد صور الإخلال بمبدأ تساند الأدلة لا يقل أهمية وخطورة عن التمسك ذلك أن غض المحكمة الطرف عن أدلة مهمة بالقضية يؤدي بالتبعية لصدور حكم لا يكون عنوان للحقيقة، ذلك لأن المحكمة في تقديرها للأدلة لا يجب عليها أن تطرح ما يكون مؤثرًا في تكوين العقيدة الصحيحة التي يستند عليها في تسبيب الحكم وإصداره، وفي الأسطر القادمة سنتعرض لتطبيق قضائي يبين لنا خطورة ترك المحكمة لبعض الأدلة دون التعرض لها ومناقشتها.
لما كان ذلك ، وكان بطلان القبض – على ما أثبته الحكم المطعون فيه – وإن اقتضى استبعاد الأدلة المستمدة منه وعدم الاعتداد بها في الإثبات . إلا أنه ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من الأخذ بعناصر الإثبات الأخرى التي قد ترى من وقائع الدعوى وظروفها أنها مستقلة عنه وقائمة بذاتها . وكان من بين ما أوردته المحكمة في أسباب حكمها أن اعترافا قد صدر من المطعون ضده بإحرازه لفافة المخدر الأولى بقصد التعاطي وكانت المحكمة قد قضت بالبراءة من غير أن تبين رأيها في هذا الاعتراف ودون أن تقول كلمتها فيه أو تناقش مدى صلته بالإجراء الذى أبطلته مقتصرة على القول بأنها تطرح هذا الاعتراف معتبرة إياه غير معروض عليها إذ لم تورده النيابة العامة بقائمة أدلة الثبوت وهو قول منها غير سديد ذلك أن القاضي الجنائي حر في أن يستمد اقتناعه من أي دليل يطمئن إليه طالما أن لهذا الدليل مأخذه الصحيح من الأوراق ، ومن ثم يكون الحكم قاصراً قصوراً يعيبه ويستوجب نقضه[7].
خامسًا: مبدأ تساند الأدلة وقاعدة يفسر الشك لصالح المتهم
تحدثنا أن القاضي الجزائي لابد وأن يسبب حكمه على مبدأ تساند الأدلة إلا أن الواقع العملي يبين لنا أن نطق عمل هذا المبدأ يكون في أحكام الإدانة دون البراءة، ذلك لأن الأصل في الإنسان البراءة فلا يكفي مجرد تساند الأدلة لتكوين عقيدة إتهام لدى القاضي ليحكم بناء عليها على المتهم.
فلابد أن تكون تلك الأدلة يقينية لإدانة المتهم وتوقيع الجزاء عليه، وقررت ذلك المادة (147/4) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على (اذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه من الجريمة المسندة اليه.)، فالشك يفسر دائمًا في صالح المتهم.
وكذا جاء بالحكم رقم 1755 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2019-06-12 (ورداً على كافة أسباب التمييز وحاصلها تخطئة محكمة الاستئناف بتطبيق القانون في معالجة نقطة النقض باعتبار أن المميزين هما مالكا البضاعة واعتمادها على شهود شركة التخليص والتي جاءت متناقضة باعتبار أن المميز جهاد كان حاضراً بتنظيم البيان ومتابعة إجراءاته وعدم الأخذ بشهود الدفاع وأن البينات الخطية والشخصية في ملف الدعوى تؤكد عكس ما توصلت إليه محكمة الاستئناف وتفسيرها للركن المعنوي للجرم وتخطئتها بتوافر الركن المادي لدى المميزين وأن قرارها مشوب بعيب القصور في التعليل والتسبيب.
وبهذا نجد أن القناعة الجزائية تستمد من مجمل الأدلة المقدمة في الدعوى كون أدلة الإثبات الجزائي تقوم على مبدأ تساند الأدلة كما أنها تبنى على أدلة يقينية قاطعة مانعة.)
سادسًا: الاستثناء الوارد على المبدأ
وتقابل قاعـدة تسانــد الأدلة قاعــدة أخرى تـرد كاستثناء عليها وهي جواز الاستغناء ببعــض الأدلة عن بعضها الآخـر، فإذا كان الدليل الباطل الذي لا أصل له في الأوراق أو المتناقض مـع غيره ليــس مـن شأنه أن يؤثــر فـي قناعة قاضي الموضوع لو أنه كان قد فطـن إلى بطلانه، فإن مثــل هـذا الدليــل لا يضعف من قوة الأدلة الأخرى؛ بحيث أنها تكفــي بذاتها وبما بينها مــن تساند لما رتبه الحـكم عليها مــن إدانة فاعلها، وبالتالي لا يتبع حتماً بطلان ما عــداه من أدلة أخرى، ولا يضعف من قوة تساندها[8].
فلا يطعن في مبدأ تساند الأدلة في الحكم الجزائي أن يمارس القاضي سلطته التقديرية في موازنة الأدلة المعروضة عليه إما بالتمسك ببعض الأدلة أو بترك بعضها طالما كانت تلك الممارسة لها واجهتها المقبولة منطقُا وعقلًا، أما مخالفة المبدأ يكون حال عدم اتباع القاضي في ممارسته لتلك السلطة للمنطق السليم للوصول للحقيقة.
سابعًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 356 لسنة 1999 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 1999-08-15
اذا كانت محكمة جنايات الكرك قد توصلت في قرارها الذي أيدته محكمة الاستئناف ، من ان المتهمين قد قاما بالاشتراك بسرقة كمية من الدجاج من بركس دجاج المشتكي بعد تمزيق شبك الشباك المرتفع متر ونصف المتر عن سطح الأرض ، وتوصلت إلى ان كافة أركان جريمة السرقة الموصوفة خلافا لأحكام المادة (404) عقوبات متوافرة وذلك من خلال البينات التي قنعت بها وساقتها النيابة علامة بحق المتهمين ، فتكون هذه المحكمة قد مارست صلاحيتها التقديرية المستندة من حكم المادة (147) من الأصول الجزائية من حيث الأخذ بالأدلة وتساندها وبالقرائن الظرفية ، وهي أسباب متعلقة بمسائل موضوعية تستقل بتقديرها محكمة الموضوع بلا معقب عليها من المرجع الأعلى .
الحكم رقم 57 لسنة 1999 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 1999-04-25
لا يجوز لمحكمة الجنايات الكبرى أن تصرف النظر عن سماع شهادة شاهد النيابة أو الاكتفاء بتلاوة شهادته التحقيقية وان وافق على ذلك الدفاع والمدعى العام أو صرح وكيل الدفاع بعدم رغبته بمناقشة الشاهد لان الاستماع للشهود هو من واجبات المحكمة حتى يتسنى لها تقدير البينات كافة طبقا لمبدأ تساند الأدلة وشفوية الشهادة باستثناء الأحوال المنصوص عليها بالمادة (162) من القانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بغياب الشاهد أو مرضه أو مغادرته للبلاد ، وحيث أن محكمة الجنايات استندت في حكمها على شهادة الشاهد رغم أنها لم تستمع بداعي أن شهادة الشاهد تتعلق بالجنح التي اعترف المتهم بارتكابها، مع أن شهادة الشاهد تتعلق بكافة ظروف الحادث فيكون قرارها مخالفا للقانون مستوجب النقض.
الحكم رقم 2712 لسنة 2021- محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-10-25
وأمام وجود الاختلاف بين الشهادتين الأولى والثانية والتناقض الوارد فيها وحتى تحكم المحكمة بالإدانة يجب أن تكون البينات متساندة ومتوافقة وفقاً لمبدأ تساند الأدلة التي يمكن أن تستند إليه المحكمة لتشكيل قناعتها وبالنتيجة يرتاح لها ضميرها للحكم بالإدانة لا سيما وأن المتهم ثبت من خلال ملف الدعوى أنه كان مصاباً وتعرض لإصابة في المشاجرة الأولى التي حدثت قبل المشاجرة الثانية موضوع هذه الدعوى والتي ثبت لدى المحكمة هذه الواقعة من خلال ملف الدعوى وحيث إن حكم الإدانة يبنى على الجزم واليقين وليس على الشك والتخمين مما يقتضي معه إعلان براءة المتهم من الجرائم المسندة إليه لعدم قيام الدليل القانوني بحقه.
الحكم رقم 2131 لسنة 2021 -محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-09-16
أما بخصوص ما ورد في شهادات الشهود كل من إياد محمد ناجي كممجي والنقيب رشيد عبد الله عبد الكريم الخلايلة والطبيب الشرعي رائد ضامن جديع المومني فلم يرد فيها ما يجرم المتهمين ويربطهم بالتهم المسندة إليهم حيث إن ما ورد في شهاداتهم لا يثبت من خلاله بأن المتهمين قاموا بضرب المشتكية ورميها من الطابق الثالث حيث إن ما ورد في شهادة الشاهد إياد جاء ليؤكد بأن المتهم أحمد شارك في إسعاف المشتكية وإنقاذ حياتها مع الدفاع المدني وأكد بأنه لم يشاهد أي من المتهمين يخرج من العمارة أو أنه كان متواجدا في موقع الحادث ولم يسمع أي صوت قبل خروجه من منزله وأن ما جاء في شهادة النقيب رشيد والتي انصبت على تقرير الكشف على موقع الحادث وتدوين ملاحظاته ومشاهداته في مسرح الجريمة حيث جاءت تعزز ما ورد في إفادات المتهم أحمد في كافة مراحل التحقيق والمحاكمة التي ذكر فيها المتهم أحمد بأنه قام بخلع باب المنزل العائد للمشتكية وقيامه بإسعافها أما ما ورد في شهادة الطبيب الشرعي فانصبت على وصف الإصابات التي تعرضت لها المشتكية نتيجة سقوطها وعليه فإن كافة البينات المقدمة من قبل النيابة العامة جاءت خالية من أي دليل يقيني وجازم يربط المتهمين أحمد وعبد الله ومحمد بالتهم المسندة اليهم ومن ثم فإن ما استندت إليه النيابة العامة في إسنادها للتهم المسندة للمتهمين لم تسانده أدلة قانونية مقنعة وجازمة وإنما أدلة قوامها الشك والغموض وبالتالي فإن ذلك كله وما ورد في شهاداتهم يعزز قناعة المحكمة باستبعاد بينات النيابة العامة وخاصة شهادة المشتكية التي لا يمكن الاطمئنان والارتكاز إليها والتعويل عليها في بناء حكم جزائي بالإدانة أو التجريم.
ثامنًا: خاتمة
ناقشنا في هذا المقال مبدأ تساند الأدلة في الحكم الجزائي، وبينا أن هذا المبدأ يعد عصب تكوين الحكم الجنائي فهو نتاج المعطيات المعروضة بالقضية ( الأدلة ) والعمل الذهني للقاضي في فهم تلك المعطيات ( السلطة التقديرية للقاضي ) لإنتاج حكم قضائي عنوان للحقيقة، وللوصول إلى ذلك لابد أن يتمسك القاضي بكل الأدلة التي تفيد للوصول للحقيقة ولا يترك منها ما يساعدها في الوصول إليها، كذا لابد أن تكون الأدلة التي استند عليها القاضي في تكوين عقيدته مجتمعة عبارة عن كيان واحد لا تضاد أو تضارب فيه.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] بن صالح بن رشيد الربيش، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، قسم العدالة الجنائية، التشريع الجنائي الإسلامي، سلطة القاضي الجنائي في تقدير أدلة الإثبات بين الشريعة والقانون وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية ” بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في قسم العدالة الجنائية ” عبد الله .1423هـ/1424، صـ93
[2] إيناس محمد مؤمن العبيدي، خديجة الهادي محمد قدح، كلية القانون/ جامعة مصراتة، ضوابط وحدود القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي في التشريع الجنائي الليبي، مجلة البحوث القانونية ـ العدد 11ـ 2020م صـ10
[3] د. محمود مصطفي: ” الإثبات في المواد الجنائية”، مطبعة جامعة القاهرة، ط1977 ،ص 3 .
[4] د. عادل حافظ غانم:” الوسائل العلمية الحديثة لكشف الجريمة ومشروعيتها وحجيتها “، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، عدد 4 ،يناير سنة 1969 ،ص23 .
[5] إيناس محمد مؤمن العبيدي، خديجة الهادي محمد قدح، كلية القانون/ جامعة مصراتة، ضوابط وحدود القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي في التشريع الجنائي الليبي، مجلة البحوث القانونية ـ العدد 11ـ 2020م، صـ11
[6] ينظر في شرح قانون الإجراءات الجنائية، محمود نجيب حسني صـ779،780 نقلًا عن ، بن صالح بن رشيد الربيش، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، قسم العدالة الجنائية، التشريع الجنائي الإسلامي، سلطة القاضي الجنائي في تقدير أدلة الإثبات بين الشريعة والقانون وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية ” بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في قسم العدالة الجنائية ” عبد الله .1423هـ/1424، صـ94
[7] الطعن رقم ١٨٠٨٤ لسنة ٦٨ قضائية، الدوائر الجنائية – جلسة ٢٠٠٨/٠١/٠٣ ،مكتب فنى (سنة ٥٩ – قاعدة ٤ – صفحة ٣٦ )، محكمة النقض المصرية
[8] إيناس محمد مؤمن العبيدي، خديجة الهادي محمد قدح، كلية القانون/ جامعة مصراتة، ضوابط وحدود القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي في التشريع الجنائي الليبي، مجلة البحوث القانونية ـ العدد 11ـ 2020م صـ12

