التقادم في جرائم الفساد

التقادم في جرائم الفساد

أصبحت جرائم الفساد ظاهرة عالمية ذات انتشار واسع ومعقد، ولقد أصبحت قضية مكافحة الفساد من القضايا الرئيسية بالنسبة لجميع دول العالم المتقدمة منها والنامية على حد سواء، فالفساد بمخلف صورة أصبح ظاهرة منتشرة في المجتمع الدولي ككل، ولكن بدرجات متفاوتة من حيث مدي خطورتها على النظام الإداري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي القائم، وإيمانا من المجتمع الدولي بخطورة جرائم الفساد وآثاره المدمرة على الدول والشعوب فقد وضعت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 58/4 في 31/10/2003، وانضمت لها العديد من الدول العربية ( مصر، الأردن، فلسطين، اليمن، الجزائر، العراق، المغرب، لبنان)، لما لهذه الجرائم من أهمية خطيرة على المجتمع فإننا سوف نتناول في هذا المقال تعريف الفساد وصورة، ومفهوم التقادم وأثارة وأنواعه.

أولا: ماهية الفساد وصورة:

ثانيا: مفهوم التقادم بصفه عامة وموقف المشرع الأردني من تقادم جرائم الفساد:

ثالثا: موقف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من التقادم:

رابعا: الدافع من عدم تقادم جرائم الفساد:

أولا: ماهية الفساد وصورة:

1ـ ماهية الفساد:

 جاء تعريف صندوق النقد الدولي للفساد بأنه: ” علاقة الأيدي الطويلة المتعمدة التي تهدف إلي استحصال الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة أفراد يجمعهم علاقات مشتركة”.

ـ كما عرفه البنك الدولي بأنه: ” استخدام الوظيفة لتحقيق منافع خاصة أو الاستغلال السيء للوظيفة العامة والرسمية من أجل تحقيق مصلحة خاصة”.

وذهبت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة جرائم الفساد بأنه: ” هو القيام بأعمال تمثل أداء غير سليم للواجب، أو هو إساءة استعمال الموقع أو السلطة بما في ذلك أفعال الإغفال توقعاَ أو سعياَ للحصول على مزية يوعد بها أو تعرض أو تطلب بشكل مباشر أو غير مباشر أو أثر قبول مزية ممنوحة بشكل مباشر سواء للشخص ذاته أو لصالح شخص أخر”.

ويمكن القول بأن الفساد بمعناه العام أعم وأشمل من الفساد المالي والإداري فهو يقع من أفراد لا ينتسبون لمؤسسات الدولة إلا أن أفعالهم تعد فساد يعاقب عليه القانون، لذا وبغض النظر عن نوع الفساد سواء أكان إداريا أو ماليا فالمهم أن ينتج عنه ضرر للأموال العامة للدولة.

2ـ صور الفساد:

 للفساد صور عديدة تختلف من دولة لأخرى باختلاف الظروف التي تمر بها كل دولة، ومن أهم جرائم الفساد:

 أ ـ الرشوة:

 وهي تعد من أكثر أنواع الفساد انتشارا، وتتمثل في قيام مسؤول أو موظف حكومي في أحد أجهزة الدولة بأخذ مبلغ مالي أو أي شيء ذو قيمة من شخص أخر أو من جهة أخري مقابل تحقيق مصلحة خاصة لهم، وقد تكون الرشوة شيء مادي أو نقدي أو أيه منافع أخري بشكل مباشر أو غير مباشر، والرشوة لا تقتصر علي القطاع العام فقط بل في القطاع الخاص أيضا، وهو ما نصت عليه المادة رقم (170) من قانون العقوبات الأردني من معاقبة المرتشي بأن: ” كل موظف أو شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالتعيين أو بالانتخاب وكل شخص كلف بمهمة رسمية كالمحكم والخبير والسنديك طلب أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداَ، عوقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة تعادل قيمة ما طلب أو ما قبل من نقد أو عين” .[1]

ب ـ استغلال المنصب العام:

هو أن يقوم موظف ما باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية أو مادية سواء كان هذا الاستغلال بقيامة بعمل يفرضه القانون أو بالامتناع عن عمل فرضه عليه القانون، هذا وقد ألزمت المادة (19) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كل الدول الأعضاء في الاتفاقية باتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة لتجريم الاستغلال الوظيفي سواء كان بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل.

ج ـ جريمة غسيل الأموال:

عرفتها المادة رقم (2/ أ) من قانون مكافحة غسيل الأموال الأردني بأنها: ” كل فعل ينطوي على اكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو نقلها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو التلاعب في قيمتها أو حركتها أو تحويلها أو أي فعل يؤدي إلى إخفاء أو تمويه مصدرها أو الطبيعة الحقيقية لها أو مكانها أو كيفية التصرف بها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع العلم بأنها متحصلة من جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة (4) من هذا القانون”.

د ـ تهريب الأموال:

وهي ما تعني قيام موظف عمومي بتهريب الأموال التي حصل عليها بطرق غير مشروعة إلى البنوك أو أسواق المال في دول أخري لاستثمارها في تلك الدول، سواء من خلال ودائع بنكية أو شراء عقارات أو أسهم في بعض الشركات الأجنبية.

هـ ـ الواسطة والمحسوبية:

وهي أن يقوم مسؤول ما سواء في القطاع الحكومي أو الخاص بإعطاء الأولوية للأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف في حالات الاختيار والتعيين والترقية وغيرها في المؤسسات أو العطاءات والمناقصات ، وتعد هذه الصورة الأكثر انتشاراَ في المجتمع الدولي.

و ـ جريمة الاختلاس:

وهي تعني قيام شخص مسؤول عن مال عام بسرقته وتحويله لحسابة الشخصي أو لشركاء أخرين، وقد عاقب المشرع الأردني عن ذلك في المادة رقم (174/1) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: ”  كل موظف عمومي أدخل في ذمته مال وكل إليه بحكم الوظيفة أمر إدارته، أو جبايته، أو حفظه من نقود أو أشياء أخرى للدولة، أو لأحد الناس عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة تعادل قيمة ما اختلس”.

ومع اختلاف صور الفساد فقد دأبت غالبية التشريعات على حصر صور الفساد وقد حصرها قانون هيئة مكافحة الفساد الأردني في عام 2006 وتعديلاته في المادة الخامسة منه إذ نصت على: ” يعتبر فساداَ لغايات هذا القانون ما يلي: أ ـ الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة الواردة في قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته.

  • الجرائم المخلة بالثقة العامة الواردة في قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته.
  • الجرائم الاقتصادية بالمعني المحدد في قانون الجرائم الاقتصادية رقم (11) لسنة 1993 وتعديلاته.
  • كل فعل، أو امتناع، يؤدي إلى المساس بالأموال العامة.
  • إساءة استعمال السلطة خلافاَ لأحكام القانون.
  • قبول الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقاَ أو تحق باطلاَ.
  • جميع الأفعال الواردة في الاتفاقيات الدولية التي تعني بمكافحة الفساد وانضمت إليها المملكة”.

ـ هذا وقد جاءت المادة الثالثة من القانون المعدل لهيئة مكافحة الفساد الأردنية في عام 2011 ونصت على: ” تعدل المادة (5) من القانون الأصلي وعلى النحو التالي:

– إضافة الفقرتين بإضافة الفقرتين (هـ) و (و) إليها بالنصين التالين.

ـ طلب أو قبول هدية مبالغ في قيمتها أو وعد أو منفعة ليقوم رئيس مجلس الإدارة أو هيئة المديرين أو لجنة الإدارة أو مدير في أي مرفق تابع للقطاع الخاص بعمل حق أو غير حق أو ليمتنع عن القيام بعمل تستلزمه طبيعة وظيفته أو لممارسة النفوذ على الغير، وكذلك عرض تقديم هدية أو موعد أو منفعة لأي من الأشخاص المذكورين في هذه الفقرة للقيام بأي من الأفعال المنصوص عليها فيها وإن لم يلق قبولا.

– عدم الإعلان أو الإفصاح عن استثمارات أو ممتلكات أو منافع قد تؤدي إلي تعارض في المصالح عند اتخاذ قرار أو توصية من شأنها تحقيق الفقرة شخصية مباشرة أو غير مباشرة للممتنع عن إعلانها.

– بإعادة ترقيم الفقرات (هـ) و (و) و (ز) الواردة فيها لتصبح (ز) و (ح) و (ط) منها على التوالي”.

ثانيا: مفهوم التقادم بصفه عامة وموقف المشرع الأردني من تقادم جرائم الفساد:

1ـ مفهوم التقادم:

اختلف فقهاء القانون نحو تحديد مفهوم دقيق وواضح للتقادم فمنهم من ركز على تقادم العقوبة فقط، ومنهم من ركز على تقادم الجريمة فقط، ويمكن القول أن التقادم هو سقوط الحق بمضي فترة معينة من تاريخ نشأته، أو بمضي مدة معينة من الزمن لم تقم الدولة خلالها باتخاذ إجراء ما.[2]

هذا وقد جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بالنص على انقضاء الدعوى الجزائية بمضي مدة معينة، فالتقادم سبب عام لانقضاء الدعوى الجزائية وهو ما أكدت عليه المواد ( 338، 339، 340) من هذا القانون.

كما أن تقادم الدعوى العمومية متعلق بالنظام العام كونها ترفع الصفة الإجرامية للفعل ويترتب على ذلك وجوب أن تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها متي انقضت المدة المقررة للتقادم دون أن يقطعها أي إجراء، ويجوز التمسك بالتقادم في أي حالة كانت عليها الدعوى، كما أنه لا يؤثر انقضاء الدعوى العمومية بالتقادم على سير الدعوى المدنية بل تنقضي الأخيرة وفقا للقانون المدني.

2ـ موقف المشرع الأردني من تقادم جرائم الفساد:

إن المشرع الأردني استبعد جرائم الفساد من مبدأ التقادم الجنائي حيث أورد لتلك الجرائم أحكاماَ خاصة في قانون مكافحة الفساد الأردني رقم 62 لسنة 2006 وتعديلاته، بما يعني أن المشرع الأردني ذهب إلى أقصي ما تمنته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003.

حيث نصت (المادة 29) من القانون المعدل لهيئة مكافحة الفساد الأردنية عام 2011 على أنه: ” على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، لا يحول صدور قرار عن المحكمة بإسقاط الحق العام أو بوقف الملاحقة أو الإعفاء عن العقوبة لتوافر أي من حالات موانع العقاب أو لانتفاء المسؤولية دون الاستمرار بنظر الدعوى للبت في استرداد الأموال المتحصلة عن الفساد، ولا تسقط بالتقادم دعوى الحق العام والعقوبات المتعلقة بالفساد كما لا يسري التقادم على استرداد الأموال المتحصلة عن الفساد”.

من خلال ذلك يتضح بما لا يدع مجلا للشك أن المشرع الأردني ومنذ وقت كبير أدرك خطورة جرائم الفساد على المجتمع ككل، من أجل ذلك قام بإنشاء هيئة سميت بهيئة مكافحة الفساد تتبع رئيس الوزراء وتتمتع بالشخصية الاعتبارية واستقلال مالي وإداري وينوب عنها في الإجراءات القضائية المحامي العام المدني ورئيس النيابة العامة الإدارية في الدعاوى الإدارية، وذلك من أجل مكافحة الفساد والكشف عنه وتوفير مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة، ولعل الهدف من عدم تقادم جرائم الفساد هو عدم إضفاء وصف المشروعية لهذه الجرائم، فعندما يعلم الفاسد أن النظام القانوني يقضي بسقوط الملاحقة الجنائية أو سقوط العقوبة بمضي المدة فإنه سوف يرتكب جرائمه ويهرب مع الأموال التي اختلسها لدولة أخرى. ويستقر فيها حتي تنتهي المدة القانونية للتقادم ثم يعود إلي بلدة مع الأموال التي لا يمكن استردادها لسقوط الملاحقة الجنائية والعقوبة بالتقادم، وبالتالي تكون تلك الأموال أخذت صفه الشرعية.

والأخطر من ذلك هو تدوير هذه الأموال في العديد من جرائم الفساد، ومن ثم فإن السياسة الجنائية والعقابية المستحدثة تتجه إلى التوسع في المسئولية والملاحقة الجنائية بشأن مكافحة جرائم الفساد، نظرا لخطورتها، إذ أن إخضاعها لقواعد القانون العام في التقادم يثير القلق الشديد لدي الرأي العالمي لحيلولته دون ملاحقه ومعاقبة المسؤولين عن تلك الجرائم.[3]

ثالثا: موقف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من التقادم:

نصت المادة التاسعة عشر من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2003 على أن: ” تحدد كل دولة في إطار قانونها الداخلي، عند الاقتضاء، فترة تقادم طويلة تبدأ فيها الإجراءات القضائية بشأن أي فعل مجرم وفقا لهذه الاتفاقية، وتحدد فترة تقادم أطول أو تعلق العمل بالتقادم في حال إفلات الجاني المزعوم من يد العدالة”.

ـ ثم جاء مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في 2019 ونصت في البند ثالثا فقرة (ج) على: ” تحديد فترة تقادم طويلة بقدر كاف بحيث تتيح إجراء تحقيقات وملاحقات قضائية فيما يتعلق بالجرائم المندرجة ضمن إطار الاتفاقية ووضع آليات للوقف أو التعلق”.

 وكان هناك تباين واسع بين الدول الأطراف فيما يتعلق بمدة وتطبيق فترة التقادم لبدء إجراءات جنائية بشأن الأفعال المجرمة وفقا للاتفاقية، وعلى الرغم من أن مفهوم فترة تقادم طويلة، الوارد في المادة 29، ليس ثابتا، فقد رئي عموما أن وجود فترة تقادم طويلة بما فيه الكفاية في سياق بعض الدول المختلفة يساعد على ملاحقة قضايا الفساد ملاحقة تامة، حتي وإن لم تستهدف تلك الفترة جرائم الفساد تحديداَ. وقد قيمت كفاية فترة التقادم عموما مع مراعاة عدد القضايا الجنائية وقدرات أجهزة إنفاذ القانون في كل دولة على حده  وضمان جوده توازن معقول بين اعتبارات السرعة في إقامة العدل والحسم والإنصاف، والوقت اللازم لحسم قضايا الفساد كثيراَ ما تكون معقدة وقد تتعلق بولايات قضائية متعددة.[4]

وعلى الرغم من أن عدم وجود فترة تقادم فيما يخص جرائم الفساد لقي استحساناَ، فقد استبينت أيضاَ ممارسات جيدة في بلدان اعتمدت آليات للوقف أو التعليق ( على سبيل المثال، بإجراء تتخذه أجهزة النيابة العامة ذات الصلة) أو مددت فترة التقادم في الحالات التي يكون فيها الجاني قد فر من الولاية القضائية أو تعذر تحديد مكان وجوده، تماشيا مع الشطر الثاني من المادة 29، الذي يلزم الدول بأن: ” تحدد فترة تقادم أطول أو تعلق العمل بالتقادم في حال غفلات الجاني المزعوم من يد العدالة”. وأقر أيضا بالممارسات المبتكرة في الدول التي لا تحسب فيها فترة التقادم في الأفعال المجرمة وفقا للاتفاقية ابتداء من تاريخ ارتكاب الجرم، بل من تاريخ تحقق الأثر الموضوعي المراد من الجرم، أو إذا ارتكبت فيها أفعال رشوة متعاقبة في سياق العلاقة الفاسدة نفسها، فتعتبر بمثابة نقاط تجديد لفترة التقادم، ومن الأمثلة الأخرى إسقاط الزمن الذي كان فيه الموظف المتورط لا يزال شاغلاَ لمنصبه من حسب فترة التقادم، أو اعتبار تاريخ اكتشاف الجرم، لا تاريخ ارتكابه، نقطة بداية لفترة التقادم”.[5]

ـ ويتضح من ذلك أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لم تكن حازمة في الزام الدول الأعضاء في الاتفاقية باستبعاد تطبيق التقادم الجنائي في جرائم الفساد بشكل قاطع.

إن استبعاد التقادم الجنائي من جرائم الفساد ليس بجديد خصوصا لأنها جرائم تمس المجتمع الدولي برمته وليست دولة بعينها، ونشير في هذا المقام لما نصت عليه المادة الرابعة من اتفاقية جرائم الحرب ضد الإنسانية عام 1968 على أن: ” تتعهد الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بالقيام وفقا للإجراءات الدستورية لكل منها باتخاذ أيه تدابير تشريعية أو غير تشريعية تكون ضرورية لكفالة عدم سريان التقادم أو أي حد أخر على الجرائم المشار إليها في المادتين ……إلخ”، وهو ما يعني أن عدم إعمال مبدأ التقادم في بعض الجرائم التي تشكل خطر على المجتمع ليس مبتدع أو جديد بل هو مبدأ معمول به فعليا،  وأن جهود مكافحة الفساد تقضي إزالة كل المعوقات التي تقف أمامها من أجل تحقيق المساءلة والملاحقة الجنائية للفاسدين، ومن هنا يحسب للمشرع الأردني إنشاء هيئة متخصصة ومستقلة  لمكافحة جرائم الفساد واستبعاد التقادم من تلك الجرائم.

هذا وقد ذكرت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها عن مدركات الفساد عام 2004 على أن المسؤولون الفاسدون يقومون بتهريب أموال تم تحصيلها بطرق غير مشروعة إلى حيث الأمان في شركات خارج أراضي دولهم مع الإفلات التام من العقاب.

لذلك فإن تبني بعض الدول لمبدأ التقادم في جرائم الفساد يعتبر بمثابة إضفاء للشرعية على هذه الجرائم ليس لسبب وإنما لمجرد مضي المدة القانونية للتقادم، وهو ما يجعل المجرم في مأمن من الملاحقة والمساءلة القانونية بعد مضي مدة التقادم، وهو ما لم يأخذ به المشرع الأردني ونص صراحاَ على عدم الأخذ بمبدأ التقادم في هذه الجرائم.

رابعا: الدافع من عدم تقادم جرائم الفساد:

الأصل أن الحكم يدور وجودا وعدما مع علته فإن وجدت العلة وجد الحكم وإذا انتفت العلة انتفي الحكم، مقتضي ذلك أن مبدأ التقادم الجنائي أرتبط بمبررات أقر من أجلها كمبدأ نسيان الجريمة، والتي تعني أن ارتكاب الجريمة دون قيام الجهات والسلطات المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها خلال فترة من الزمن يعني أن هذه الجريمة قد محيت من ذاكرة الناس، فلو سلمنا جداَ بهذا المبدأ في بعض الجرائم إلا أنه لا يمكن أن نأخذ به في جرائم الفساد لأنه لا يمكن نسيانها بمرور الزمن، وخير دليل على ذلك ما حدث في العراق فبعد مرور سبعة عشر عاما على تغير النظام وبعد أن انتشر الفساد في البلاد فقد قدر الخبراء الأموال المنهوبة من خزينة الدولة بأكثر من ترليون دولار، فعم التراجع جميع قطاعات الدولة وهو ما آثر سلبيا على الحياة ودفع الشعب للخروج بثورة عارمة سقط فيها مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ولعل هذا مثال حي على عدم نسيان جرائم الفساد، فهي ليست جريمة عادية بل جريمة تمس حاضر ومستقبل الأجيال.[6]

كما أن تقاعس النيابة العامة بصفتها ممثل المجتمع عن تحريك الدعوى الجنائية قبل الفاعل في جرائم الفساد، لا يُعد دليل على أحقيتها في التنازل عن حق المجتمع كون جرائم الفساد تمس مصلحة المجتمع كلل وأن أساسها هي الوظيفة العامة والمال العام.

كما أن جرائم الفساد لا يمكن ضياع معالمها أو طمسها خلال فترة من الزمن وذلك كما يحدث في بعض الجرائم مثل القتل والسرقة العادية، حيث أن جرائم الفساد تنمو كلما مر الوقت بسبب تدوير أموالها، كما أن المجرم في جرائم الفساد في الغالب ما يفر بالأموال المنهوبة خارج البلاد بعيدا عن ملاحقتهم ويتمتع بها ويعيشون حياة بزخ ورفاهيه.

ولعل الدافع الأساسي من وراء استبعاد مبدأ التقادم من جرائم الفساد هو عدم إضفاء أيه صفه شرعية على جرائم الفساد ولو بعد مرور فترة من الزمن، حيث أنه لو تم الأخذ بمبدأ التقادم في تلك الجرائم لفر جميع الفاسدين بالأموال المنهوبة فترة التقادم ثم عادوا بجرائمهم وأموالهم التي أصبحت ملكاَ لهم بمرور الوقت دون ملاحقة السلطات لهم بشكل رسمي وشرعي دون أن يستطيع القانون محاسبتهم عما ارتكبوه من جرم، الأمر الذي يعني أن التقادم ما هو إلا شرعنه لجريمة الفساد بطريق غير مباشر، هذا وإن كانت جرائم الفساد تعني خرق للقوانين فإن الفساد المشرعن ما هو إلا نتاج لتطبيق القانون.

كما أن جميع السياسات الدولية تتجه نحو التوسع في المسؤولية والملاحقة الجنائية في جرائم الفساد، وهو ما دعت إلية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من تعليق مبدأ التقادم في تلك الجرائم لخطورتها على المجتمع الدولي.

إن إعمال مبدأ التقادم في جرائم الفساد سوف يؤدي إلى تحجيم الجهود المبذولة لمكافحة الفساد والتي تقوم على توسيع المسؤولية والملاحقة الجنائية وليس تضييقها، كما أنه سيؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب، والحصول على الأموال المنهوبة والاستفادة منها بشكل قانوني بعد مرور فترة التقادم، وهو ما نثمن معه ما قام به المشرع الأردني من إنشاء هيئة مكافحة الفساد بالمملكة وما قام به من استبعاد وعدم العمل بمبدأ التقادم في جرائم الفساد بشكل صريح وواضح.

إعداد/ محمد سعيد عبد المقصود.

[1] عبد الفتاح خضر، جرائم التزوير والرشوة في أنظمة المملكة العربية السعودية، منشورات مكتب صلاح الجيلان للمحاماة، 2009، صـ 129.

[2] محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1984، صــ519.

[3] محمد علي سويلم، السياسة الجنائية لمكافحة الفساد، دراسة مقارنة في ضوء الاتفاقات الدولية وقوانين مكافحة الفساد، الطبعة الأولي، المصرية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2015، صـ 805.

[4] أنظر مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، استعراض تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ص5.

[5] مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المرجع السابق، ص5.

[6] هشام زوين، موسوعة التقادم الجنائي، دار العدل للإصدارات القانونية، الطبعة الخامسة، القاهرة، 2014، صـ 14.

Scroll to Top