إثبات تقليد العلامة التجارية
نظرا لارتباط العلامة التجارية بالتجارة أكثر من أي حق آخر من حقوق الملكية الصناعية والتجارية فإنها تحتل مكانة كبيرة ومميزة عن باقي حقوق الملكية الأخرى, إذ أن ازدياد المنافسة بين التجار وزيادة المعروض من المنتجات المختلفة في ظل انتشار وسائل الإنترنت ووسائل الدعاية المختلفة ووجود فرصة للمستهلكين في الاختيار بين تلك المنتجات على أساس نوعية المنتج أو الخدمة, كل ذلك دفع جميع المنتجين إلى بذل كل جهودهم في سبيل الحصول على العلامة التجارية ذات الشهرة الأكبر لترويج منتجاتهم والوصول بها إلى أكبر عدد من المستهلكين.
وأدت كل هذه الدوافع إلى اتجاه المنتجين وأصحاب المصالح إلى محاولة تقليد العلامات التجارية ذات الشهرة الكبيرة لجذب المستهلكين ولو عن طريق الغش لترويج منتجاتهم مما كان له أكبر الأثر في اتجاه المشرع نحو تجريم ذلك الفعل لحماية الحق في العلامة التجارية.
أولا: مفهوم العلامة التجارية وتقليدها
ثانيا: أركان جريمة تقليد العلامة التجارية
ثالثا: العقوبة المقررة للجريمة
خامسا: طرق إثبات تقليد العلامة التجارية
أولا: مفهوم العلامة التجارية وتقليدها
تعرف العلامة التجارية بأنها” كل اشارة أو دلالة يضعها التاجر أو الصانع على المنتجات التي يقوم بيعها أو صنعها لتمييز هذه المنتجات عن غيرها من السلع المماثلة”([1]).
بينما عرفتها اتفاقية التريبس والتي تلتزم الأردن بأحكامها في المادة \15\1 منها بأنها” أي علامة أو مجموعة علامات تسمح بتمييز السلع والخدمات التي تنتجها منشأة عن تلك التي تنتجها المنشآت الاخرى صالحة لأن تكون علامة تجارية وتكون هذه العلامات لا سيما الكلمات التي تشمل أسماء شخصية وحروفا وأرقاما وأشكلا أو مجموعات ألوان وأي مزيج من هذه العلامات مؤهلة للتسجيل كعلامات تجارية حين لا يكون في هذه العلامات ما يسمح بتمييز السلع والخدمات ذات الصلة, يجوز للبلدان الأعضاء أن تجعل الصلاحية للتسجيل مشروطة بالتمييز المكتسب من خلال الاستخدام كما يجوز لها اشتراط أن تكون العلامات المزمع تسجيها قابلة للإدراك بالنظر كشرط تسجيلها”([2]).
أما تقليد العلامة التجارية هو اصطناع علامة مطابقة تطابقا تاما للعلامة الأصلية ولو أضاف إليها المقلد ألفاظ، فالتقليد يمس كل العناصر المؤلفة للعلامة بغض النظر عن استعمالها أو عدمه، فهو أداة اصطناع العلامة في جانبها الأساسي والمميز ([3]).
ويمكن تعريف تقليد العلامة التجارية بأنه محاكاة العناصر الجوهرية التي تدخل في تكوين العلامة محل الحماية بحيث ينتج عنها مشابهة بينهما، بما يؤدي إلى خداع المستهلك وادخال اللبس عليه بحيث لا يستطيع التفرقة بين العلامة الأصلية المقلدة.
ثانيا: أركان جريمة تقليد العلامة التجارية
لقد أسبغ المشرع الأردني الحماية على العلامة التجارية عندما نص على ضرورة تسجيلها وذلك لانزال الحماية عليها وعدم الاعتداء عليها من قبل أصحاب المصالح من المنتجين وغيرهم.
ولقد نص المشرع الأردني على تجريم تقليد العلامة التجارية، إذ نص في المادة \37من قانون العلامات التجارية لعام 1952 في المادة \37منه على أنه” 1- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنة واحدة أو بغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تتجاوز ستة ألاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين كل من ارتكب بقصد الغش فعلا من الأفعال التالية:
أ- زور علامة تجارية مسجلة وفقا لأحكام هذا القانون أو قلدها بطريقة تؤدي إلى تضليل الجمهور أو وسم داخل المملكة علامة تجارية مزورة او مقلدة على ذات الصنف من البضائع التي سجلت العلامة التجارية من أجلها.
ب- استعمل دون حق علامة تجارية يملكها الغير على الصنف ذاته من البضاعة التي سجلت العلامة التجارية من أجلها.
ج- باع أو اقتنى بقصد البيع أو عرض للبيع بضاعة تحمل علامة تجارية يعتبر استعمالها جرما بمقتضى البندين (أ)و (ب) من هذه الفقرة وكان لديه علم مسبق بذلك.
1- بالرغم مما ورد في الفقرة (1) من هذه المادة يعاقب الأشخاص الذين يبيعون أو يعرضون للبيع أو يقتنون بقصد البيع بضاعة تحمل علامة تجارية يعتبر استعمالها جرما بمقتضى البندين (أ)و (ب) من الفقرة (1) من هذه المادة بغرامة لا تقل عن خمسين دينارا او لا تتجاوز خمسمائة دينار.
2- تسري أحكام الفقرة (1) من هذه المادة على كل من شرع في ارتكاب أي فعل من الأفعال المنصوص عليها في هذه الفقرة او ساعد أو حرض على ارتكابها”.
- أركان الجريمة
وبالتمعن في نص المادة سالفة الذكر يتضح لنا أن جريمة تقليد العلامة التجارية تتكون من ركنان:
الركن الأول: الركن المادي
ويتمثل الركن المادة لجريمة تقليد العلامة التجارية في قيام الجاني بإتيان فعل من شأنه محاكاة العلامة التجارية بأن ينقل العناصر الأساسية للعلامة أو نقل بعض هذه العناصر مع إضافة شيء عليه بما يجعل المستهلك ينخدع في العلامة ويصعب عليه التمييز بين الأصلية والمقلدة.
وقد يكون التقليد في الشكل أو الاسم بأن يأتي برسم مشابه أو اسم مشابه أو نفس التسمية مع اضافة حرف أو كلمة أخرى.
ولقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها في شأن الركن المادي في تقليد العلامة التجارية بأنه” ويتحقق الركن المادي في هذه الجريمة بمحاكاة الجاني العلامة التجارية محل الحماية محاكاة مطابقة لها بحيث لا يمكن التفرقة بينهما ، أو محاكاة بتقليد العناصر الجوهرية في تكوين العلامة محل الحماية والتي نتج عنها مشابهة بينهما ، والعبرة في الحالتين بأثر تلك المحاكاة على المستهلك العادي ومدى انخداعه بها وإدخال اللبس والتضليل عليه ، بحيث يُقبِل على شراء المنتج الذي يحمل هذه العلامة المزورة أو المقلدة ظناً منه أنها تحمل العلامة التجارية الأصلية ، وأن الأصل في تقليد العلامة التجارية هو الاعتداد في تقدير التقليد بأوجه الشبه لا بأوجه الخلاف ، وأن المعيار في أوجه الشبه هو ما ينخدع به المستهلك المتوسط الحرص والانتباه وهو من المسائل الموضوعية التي تدخل في سلطة قاضي الموضوع”([4]).
والعبرة في تقليد العلامة التجارية بأوجه الشبه لا بأوجه الخلاف، ويقاس بمعيار المستهلك المتوسط الانتباه والحرص وهو متروك لتقدير محكمة الموضوع وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في الحكم سالف الذكر.
الركن الثاني: الركن المعنوي (القصد الجنائي)
ويتمثل الركن المعنوي في العلم والإرادة، أي علم الجاني بأنه يقوم بتقليد العلامة التجارية المملوكة لغيره، وأنه يعلم أن ارتكابه لمثل هذا الفعل يمثل جريمة تقليد العلامة التجارية.
كما يشترط أن تتجه ارادة الجاني لارتكاب مثل هذا الفعل الذي يكون جريمة تقليد العلامة التجارية، فلا يكفي علمه وإنما لابد من أن تتجه ارادته لارتكاب الفعل الذي من شأنه محاكاة العلامة التجارية بحيث يخدع المستهلك فيها ويدخل عليه اللبس بحيث يظن أن العلامة المقلدة هي الأصلية.
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” ويتحقق الركن المعنوي في تلك الجريمة بتوافر القصد الجنائي العمدي من إرادة الجاني محاكاة العلامة محل الحماية لإدخال اللبس والتضليل على مستهلك هذا المنتج مع العلم بعدم حقه في محاكاة هذه العلامة، كما أن جريمة استعمال العلامة المزورة أو المقلدة تقوم بكل فعل يأتيه المتهم يتحقق به استعمال العلامة المزورة أو المقلدة فيما زورت من أجله، وتتطلب هذه الجريمة قصداً خاصاً هو قصد استعمال تلك العلامة المقلدة أو المزورة بسوء قصد البيع”([5]).
وكذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” القصد الجنائي في جريمة تقليد العلامة التجارية تحققه بتعمد الجاني التقليد مع انتواء استعمال الشيء المقلد في الغرض الذي ارتكب التقليد من أجله”([6]).
ثالثا: العقوبة المقررة للجريمة
لقد نص المشرع الأردني على عقوبة الحبس الذي تتراوح ما بين ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنة واحدة او بغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تتجاوز ستة آلاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين لمن قلد العلامة التجارية في المادة سالفة الذكر.
كما نص المشرع الأردني على عقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسين دينار ولا تتجاوز خمسمائة دينار لمن يبيعون او يقتنون بقصد البيع بضاعة تحمل علامة تجارية يكون استعمالها جريمة بموجب البندين (ا)، (ب) من المادة سالفة الذكر.
كما عاقب المشرع الأردني على الشروع في جريمة التقليد أو كل من ساعد أو حرض على ارتكابها.
واستنادا لنص المادة سالفة الذكر فان إنزال العقوبة يتطلب توافر شروط:
أ- أن تكون العلامة التجارية المقلدة مسجلة طبقا لأحكام قانون العلامات التجارية الأردني
ب- أن يقوم بتقليدها بطريقة تؤدي إلى تضليل الجمهور.
ج- أن يكون قد استعمل دون وجه حق علامة تجارية مملوكة للغير على ذات الصنف من البضاعة التي سجلت العلامة من أجله.
د- يشترط أن تكون العامة التجارية المقلدة مسجلة باسم آخر ولمصلحة هذا الشخص دون غيره، فإذا كانت العلامة غير مسجلة أو مملوكة لأحد وقام بتقليدها فلا يكون هناك جريمة معاقب عليها.
ه- أن يكون الجاني قد اقتنى أو عرض للبيع بضاعة تحمل علامة تجارية مزورة أو كانت مملوكة للغير وقام باستعمالها دون حق، مع علمه مسبقا بذلك.
و- أن يكون قد ارتكب هذه أي من هذه الأفعال بقصد غش المستهلك بحيث يصعب عليه التفرقة بين العلامة الأصلية والمقلدة.
أي أن المشرع الأردني قد جعل عقوبة التقليد والشروع والمساعدة فيها عقوبة واحدة فلم يفرق بين الجريمة والشروع والمساعدة على ارتكابها أو التحريض عليها، إلا أنه جعل عقوبة الاقتناء بقصد البيع أو العرض أو افعال البيع أقل من عقوبة الشروع او التحريض على ارتكاب الجريمة.
رابعا: صور التقليد
1- التقليد بالتعديل
ويكون تقليد العلامة التجارية بالتعديل في العلامة الأصلية سواء كان تعديل بالإضافة أو النقصان أو بزيادة حرف إلى الكلمة أو استبدال حرف أو كلمة.
20 التقليد بالنسخ
والنسخ يعني أن تكون العلامة التجارية منسوخة تماما للعلامة الأصلية أي متطابقة معها تمام الانطباق، بحيث لا تختلف عنها في شيء، بل تكاد ان تكون هي ذات العلامة الأصلية، ويصعب التفرقة بينهما بمقياس المستهلك العادي متوسط التركيز.
3- التقليد بالتشبيه
ويكون ذلك بقيام المقلد باصطناع علامة تجارية مشابهه تماما مع العلامة الأصلية بحيث يختلك الأمر على المستهلك ويظن أنها العلامة الأصلية، ويحدث الخلط بينهما.
خامسا: طرق إثبات تقليد العلامة التجارية
يترتب على تقليد العلامة التجارية ضررا يلحق بمالك العلامة نتيجة لما يفقده من جمهور مستهلكين وما تتعرض له تجارته من كساد في الاسواق بسبب الاستغلال غير المشروع من قبل شخص معين للعلامة التجارية خاصته، لذلك فانه من حق مالك العلامة التجارية (المضرور) أن يطالب المعتدي على علامته التجارية بالتعويض استنادا لنص المادة \256من القانون المدني الأردني على أنه” كل اضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”, ويقع عبء إثبات حصول ضرر على مالك العلامة التجارية.
وإثبات حصول الضرر يستطيع مالك العلامة التجارية إثباته بكافة طرق الإثبات، ولا يرتبط القاضي المدني بالقاضي الجنائي في تقدير ما إذا ما كانت العلامة التجارية مقلدة من عدمه.
وهو ما قضت به محكمة الاسكندرية الابتدائية في حكم لها بأن” القاضي المدني لا يرتبط برأي القاضي الجنائي في تقدير أن العلامة مقلدة ومشابهة للعلامة المسجلة أو هي غير مقلدة ومختلفة عنها إذ ان القاضي الجنائي يقتصر قضاءه على الفعل الذي وقع وعرض عليه ومجرد الشك في نظره يقتضي التبرئة في حين ان القاضي المدني يتناول في حكمة ملكية العلامة التجارية وحمايتها مستقبلا وهو ما لا تملك محكمة الجنح النظر فيه”([7]).
كما قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه” لا يلزم في التقليد أن يكون هناك ثمة تطابق بين العلامتين، بل يكفي لتوافره وجود تشابه بينهما من شأنه تضليل جمهور المستهلكين وإحداث اللبس والخلط بين المنتجات”([8]).
كما قضت بأن ” تقليد العلامة التجارية يقوم على محاكاة تتم بها المشابهة بين الاصل والتقليد بغرض ايقاع جمهور المستهلكين في الخلط والتضليل”([9]).
وكذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” للمحكمة مطلق النظر في تقدير وجود التقليد أو عدمه ولا تتقيد في هذا الشأن برأي إدارة العلامات التجارية لأن رأيها يعتبر رأي شاهد خبير وهو لا يقيد المحكمة”([10]).
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. سميحة القليوبي, الوجيز في التشريعات الصناعية, دار الاتحاد العربي للطباعة, مكتبة القاهرة الحديثة, ص249.
([2]) اتفاقية التريبس لسنة1994.
([3]) د. بيوت نذير, مساهمة القضاء في حماية العلامة التجارية, مقال منشور في المجلة القضائية للمحكمة العليا, الجزائر, ع2, 2002, ص61.
([4]) حكم نقض مصري, طعنن رقم\ 6271لسنة82ق, جلسة26\10\2014, مكتب فني, س65, ق95, ص751.
([5])حكم نقض مصري, طعنن رقم\ 6271لسنة82ق, جلسة26\10\2014, مكتب فني, س65, ق95, ص751.
([6]) حكم نقض مصري, طعن رقم \ 1383لسنة9ق, حلسة 1\3\2021, مكتب فني.
([7]) حكم محكمة الإسكندرية الابتدائية, جلسة 19\12\1949, مجلة التشريع والقضاء, س3, ص53.
([8]) حكم نقض مصري, طعن رقم \2274لسنة55ق, جلسة 22\12\1986, مجموعة احكام النقض في خمس سنوات 1980-1985, المجلد الأول, ج1, ص171.
([9]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 6611 لسنة62ق, جلسة 18\4\2000, المستحدث في مبادئ محكمة النقض في المواد التجارية والضرائب, ص62.

