مسؤولية الناقل البحري

مسؤولية الناقل البحري في قانون التجارة البحرية الأردني

مع ازدهار المعاملات التجارية بوجه عام والبحرية منها بوجه خاص، ومع اتجاه الإنسان إلى اتخاذ البحار طريقاً له سواء في الانتقال الشخصي أو في نقل البضائع، نجد أن المشرع الوطني والدولي على حد سواء قد أولى المزيد من الاهتمام بتقنين قواعد تهدف إلى حماية النفس والمال من المخاطر التي قد تحيق بها أثناء الرحلة البحرية، وإرساء الدعائم التي توفر تلك الحماية.

وقد كانت أهم القواعد التي تم إرساؤها في هذا الشأن القواعد الخاصة بمسؤولية الناقل البحري، لاسيما وأن ما يتم نقله من أشخاص أو بضائع تكون في عهدة الناقل أثناء عملية النقل البحري، وبالتالي يفترض أن يكون مسؤولاً عنها أثناء عملية النقل، فما هي القواعد التي ترسخ لتلك المسؤولية وتنظمها؟ ونظراً أهمية هذا التساؤل فسوف نخصص هذا المقال للإجابة عنه، وذلك بتوضيح القواعد الحاكمة لمسؤولية الناقل البحري في قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته.

 جدول المحتويات 

أولاً: الناقل البحري وعقد النقل البحري

ثانياً: التزامات الناقل البحري

ثالثاً: مسؤولية الناقل البحري وحالاتها

رابعاً: مسؤولية الناقل البحري وحالاتها

خامساً: بعض أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

سادساً: الخاتمة

أولاً: الناقل البحري وعقد النقل البحري

حتى نتمكن من معرفة القواعد التي تحكم مسؤولية شخص ما، يلزمنا بداية أن نكون على بينة من كنه هذا الشخص، كما يلزمنا أيضاً التعرف على الأساس الذي تترتب عليه هذه المسؤولية، لذلك سنتناول في البداية التعريف بالناقل البحري، باعتباره هو محور المسؤولية التي نتناولها في هذا المقال، كما سنتناول ماهية عقد النقل البحري باعتباره أساس مسؤولية الناقل البحري.

1- التعريف بالناقل البحري

لعل الكثير من قوانين التجارة البحرية – ومن ضمنها قانون التجارة البحرية الأردني – قد التفتت عن التعريف بالناقل البحري، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى أن المشرع في كثير من الأحيان يترك مسألة تعريف المصطلحات القانونية لفقهاء القانون وأحكام القضاء، وهو ذاته الموقف الذي تم اتخاذه بشأن الناقل البحري، وإن كانت هناك بعض قوانين التجارة البحرية الأخرى التي عرفت الناقل البحري، كما هو الحال في نظام التجارة البحرية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/33) في 1440هـ، والذي عرف الناقل في مادته رقم (1/13) بأنه “الشخص الذي يقوم بالنقل بالاتفاق – بنفسه أو بواسطة من ينيبه – مع الشاحن بموجب عقد النقل مقابل أجر، سواء أكان الناقل مالكاً للسفينة أم مجهزاً أم مستأجراً لها”.

وإن كان المشرع الأردني قد تعرض بالتعريف للناقل، فإن ذلك كان في إطار قانون نقل البضائع على الطرق وتعديلاته، والصادر برقم 21 لسنة 2006، والذي عرف الناقل في مادته رقم (2) بأنه “الشخص المرخص من الوزارة لمزاولة أعمال نقل البضائع على الطرق وفق أحكام هذا القانون”، والمقصود هنا بالطبع الناقل البري وليس البحري.

وبالرجوع إلى الأدبيات التي تتعلق بالنقل البحري وتتناوله بالشرح، سنجد أن أنها لم تخرج في تعريفها للناقل البحري عن أنه الشخص الملتزم بعمل يتمثل في نقل محل النقل عن طريق البحر، وذلك من ميناء إلى آخر، نظير أجر يتم الاتفاق عليه بشكل مسبق، ويتم النقل لحساب شخص يطلق عليه الشاحن[1].

2- ماهية عقد النقل البحري

يعد عقد النقل البحري هو العقد الذي يتم إبرامه بالتراضي على التزام الناقل بنقل البضائع محل النقل من ميناء إلى آخر، وذلك لحساب شخص يسمى بالشاحن، وفي مواعيد محددة ومتفق عليها، ونظير أجر متفق عليه. ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

وقد وضع الفقه القانوني أكثر من تعريف لعقد النقل البحري، حيث عرف بأنه العقد الذي يكون بموجبه الناقل ملتزماً بنقل بضائع شخص آخر (الشاحن) على سفينته أو سفينة مستأجرة، وذلك في مقابل أجر محدد ومتفق عليه[2]، وأيضاً بأمه العقد الذي يتعهد بموجبه شخص يسمى الناقل على أن ينقل بضائع لحساب شخص آخر يسمى الشاحن، وذلك عن طريق البحر ليصل بها من ميناء إلى آخر، وذلك مقابل تعهد من الشاحن بأن يسدد له أجر النقل، وهو ما يتبين معه أن تلك التعاريف وإن اختلفت في ظاهرها إلا أنها اتفقت على ذات المضمون لعقد النقل البحري.

ولم يبتعد المشرع الأردني في تعريفه لعقد النقل البحري عن الإطار الذي حدده الفقه القانوني، حيث تعرض إليه بالتعريف في قانون التجارة البحرية الأردني، وذلك في نص المادة (177) منه، حيث ورد بها أن (عقد النقل البحري هو عقد يتعهد فيه الناقل لقاء أجرة أن يوصل إلى مكان معين أمتعة أو بضائع على أن ينقلها بطريق البحر في كل مدة السفر أو في بعضها).

ثانياً: التزامات الناقل البحري

بموجب عقد النقل البحري يقع على عاتق كل من طرفيه – الناقل والشاحن – مجموعة من الالتزامات، والتي لا تبرأ ذمة كلاً منهما تجاه الآخر إلا بتمام تنفيذها، وباعتبار أن هذا المقال يستهدف بيان حدود مسؤولية الناقل البحري، فيجب أن نتعرض إلى بيان الالتزامات التي تقع عليه أيضاً بموجب عقد النقل البحري، وذلك باعتبارها جوهر هذه المسؤولية، وسوف نتعرض إلى تلك الالتزامات في النقاط الآتي بيانها.

1- القيام بإعداد سفينة تصلح للملاحة

وهذا الالتزام نصت عليه المادة رقم (212) من قانون التجارة البحرية الأردني، ويتمثل مضمون هذا الالتزام في أن الناقل البحري عليه عبء إيجاد سفينة تكون صالحة لكي تقوم بنقل البضائع محل النقل، وتصل بها إلى وجهتها المنشودة في المكان والزمان المتفق عليهما بعقد النقل البحري، علاوة على ذلك يجب أن تتوافر بتلك السفينة كافة التجهيزات والمؤن والرجال بشكل كافي، وبصورة تتوافق مع رحلة النقل، ولا نغفل التزامه بتنظيف عنابر السفينة، والغرف الباردة والمبردة، وتحسين حالتها هي وكافة أقسام السفينة الأخرى التي يتم إعدادها لشحن البضائع المنقولة.

ويعد هذا الالتزام صعب التحديد على وجه مطلق، بمعنى آخر لا يمكن وضع تصور ثابت ومحدد يصف ماهية أن تكون السفينة التي يعدها الناقل صالحة للملاحة، وذلك يرجع إلى أن تلك الصلاحية تقوم على بعض الاعتبارات والظروف والعوامل التي تختلف من وقت إلى آخر ومن رحلة بحرية إلى أخرى، كالظروف الجوية، وطبيعة البضائع التي يتم شحنها، وغيرها من الظروف الأخرى، فصلاحية السفينة لرحلة بحرية ما قد لا يجعلها صالحة للملاحة في رحلة أخرى، كما أن صلاحيتها لنقل بضائع معينة قد لا يجعلها صالحة لنقل بضائع أخرى، وهو ما يجعل تحديد مدى صلاحية السفينة للرحلة البحرية من قبيل مسائل الواقع، والتي تتمتع المحكمة بسلطة تقديرية في تحديدها، وذلك وفقاً لظروف كل حالة تعرض عليها على حدة[3].

إلا أن الفقه القانوني قد صنف صلاحية السفينة للملاحة البحرية في قسمين، القسم الأول يخص ما يعرف بالصلاحية الملاحية، ويقصد به صلاحية السفينة لخوض رحلة النقل البحرية، ومجابهة أي مخاطر بحرية متوقعة لمثل هذا النوع من الرحلات[4]، والقسم الثاني يخص ما يعرف بالصلاحية التجارية للسفينة، والمقصود بهذا النوع من الصلاحية أن تكون السفينة قادرة على أن تحتوي البضائع المنقولة، سواء من حيث سعة المكان الخاص بالشحن، أو جاهزيته لاستقبال مثل هذا النوع من البضائع التي تختلف طبيعتها من نوع إلى آخر[5].

2- تنفيذ الالتزامات المترتبة على عقد النقل البحري

لا يقتصر عقد النقل البحري في تنفيذه على مرحلة واحدة وهي مرحلة نقل البضائع من ميناء لآخر، ولكن تنفيذه يمر بمجموعة من المراحل التي منها ما يسبق النقل ومنها ما يلحقه.

أ- مراحل التنفيذ السابقة على بدء النقل

– المرحلة الأولى: مرحلة استلام البضائع التي سيتم نقلها، ويكون ذلك بتواجد الناقل في الموعد والمكان المتفق عليهما بشأن استلامه لها، وإن لم يكن هناك اتفاق على ذلك فيكون وفقاً لما استقر عليه العرف وجرت عليه العادة في العمل بالميناء الذي يتم الشحن فيه.

– المرحلة الثانية: وهي مرحلة الشحن، والتي يتم فيها شحن البضائع التي يتم نقلها، وتفريغها على متن السفينة المستخدمة في عملية النقل، وتعتبر تلك المرحلة من أهم مراحل تنفيذ عقد النقل البحري، وترجع أهميتها تلك باعتبارها المرحلة التي تبدأ فيها مسؤولية الناقل البحري عن البضائع التي يتسلمها، وتحديداً فهي تبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها شحن البضائع على سفينة النقل.

– المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التستيف، وهي تقع أيضاً ضمن التزامات الناقل، وفيها يتولى الناقل أو من يمثله بوضع البضائع محل النقل ورصها في أماكن النقل على متن السفينة، بغض النظر عن هذا المكان سواء كان على ظهر السفينة أو بالعنابر الداخلية لها، طالما كان معداً لرص البضائع ونقلها.

وفي الغالبية العظمى من عمليات النقل البحري، فإن عملية رص البضائع وتستيفها في الأماكن المعدة والمخصصة لذلك تتم تحت رقابة وإشراف من قبل ربان السفينة، وبعضها من قبل تابعي مجهز السفينة، فيتولى أياً منهما عملية الرص.

والمقصود هنا بعملية تستيف البضائع ورصها هو وضع البضائع المنقولة بشكل منظم في الأماكن المعدة لنقلها على سطح السفينة أو بداخل العنابر التي أعدت لذلك، وتتسم تلك العملية بكونها ذات طابع فني ومهاري، يلزم أن يكون لدى القائم عليها الخبرة اللازمة لذلك، لاسيما وأن الطبيعة الخاصة بكل نوع من أنواع البضائع قد تسترعي شكل خاص من الرص، قد لا يعد مناسباً في رص أنواع أخرى من البضائع، فيلزم أن يكون القائم عليها على دراية بفنيات هذا العمل، حيث أن أي مخالفة لتلك الفنيات والقواعد الخاصة برص البضائع تجعل الناقل متخلفاً عن تنفيذ أحد التزاماته التعاقدية.

ب- مراحل التنفيذ اللاحقة على بدء النقل

– المرحلة الأولى: مرحلة النقل ذاتها، والتي يقوم فيها الناقل بتوجيه أوامره لربان السفينة للبدء في رحلته البحرية، وذلك بعد تحميل ورص البضائع المنقولة عليها، ليصل بها إلى مكان التسليم التفريغ والتسليم المتفق عليه، ويعتبر تلك المرحلة هي المرحلة التي تمثل الالتزام الأساسي والرئيسي الذي يتحمله الناقل، ألا وهو نقل البضائع إلى مكان التفريغ والوصول.

وتعتبر هذه المرحلة هي مرحلة الرحلة البحرية التي يبحر فيها السفينة متوجهة إلى الميناء أو المكان المحدد لوصول البضائع، وفي تنفيذ الناقل لتلك المرحلة وما بها من التزام يكون ملتزماً بسلوك الطريق الذي يتم الاتفاق عليه بينه وبين الشاحن في عقد النقل أو سند الشحن، وإن لم يتم الاتفاق بينهما على طريق محدد، فإن الطريق الذي يلزم على سفينة الناقل سلوكه هو الطريق المتعارف عليه في مثل تلك الرحلات، والذي جرت العادة على سلوكه، وبالتالي يحظر على الناقل أن يسلك بسفينة النقل أي طريق يخرج عن إطار هذين الطريقين، وإلا فإنه يتحمل أي ضرر يصيب البضائع بغض النظر عن سبب هذا الضرر[6]، فيصبح الخطأ هنا ثابتاً في حق الناقل لمخالفته خط سير الرحلة البحرية.

– المرحلة الثانية: مرحلة حل البضائع من أماكن رصها، وتجهيزها لعملية التفريغ، وتبدأ هذه المرحلة بعد وصول سفينة النقل ورسوها بميناء أو مكان الوصول، وتتمثل عملية حل البضائع في عملية عكسية للإجراءات التي تم اتباعها في عملية تستيف البضائع، بحيث يتم تكرار عملية التستيف التي تمت بميناء أو مكان الشحن، ولكن بصورة عكسية، بحيث تصبح البضائع جاهزة ليتم تفريغها وإنزالها من على متن السفينة.

وتظل البضائع في خلال هذه المرحلة على ذمة الناقل، فمجرد وصول البضائع على متن السفينة إلى ميناء الوصول لا يعد تنفيذاً لعملية النقل، ولكنه يعد تماماً لأحد مراحل عملية النقل، ويبقى بعد ذلك مراحل أخرى يلزم المرور بها لتنتهي عملية النقل ويتحرر الناقل من التزامه.

– المرحلة الثالثة: مرحلة تفريغ البضائع من على متن السفينة، وإنزالها على رصيف الميناء المحدد للوصول، فعملية التفريغ تعد عملية عكسية لعملية الشحن، فتتم فيها جميع الخطوات التي تمت في عملية الشحن، ولكن بشكل عكسي، فتكون الخطوة الأخيرة في الشحن هي أولى الخطوات في عملية التفريغ وهكذا، بحيث تنتهي تلك المرحلة بتمام رص وتستيف البضائع المنقولة على رصيف الميناء.

وقد تسبق مرحلة التسليم – والتي تعد آخر مراحل تنفيذ عملية النقل – مرحلة التفريغ، بحيث يتسلم المرسل إليه البضائع وهي على متن السفينة، ثم يتم تفريغها بعد ذلك، أو يتم تفريغها أولاً ثم تسليمها بعد ذلك للمرسل إليه، ويختلف ذلك تبعاً لنوع الشحن المتفق عليه، ووفقاً لذلك تتحدد عملية النقل من حيث تمامها وانتهائها، فقد تكون آخر مراحلها هي التسليم، أو تكون هي مرحلة التفريغ متى كان التسليم يتم على سطح السفينة.

وقد لا يتم التفريغ على رصيف الميناء، ففي بعض الحالات قد يتم التفريغ مع التسليم في البحر نفسه وقرب الميناء، وذلك بإنزال البضائع من على السفينة إلى مراكب أو صنادل بحرية تتبع المرسل إليه.

– المرحلة الثالثة: مرحلة التسليم، وتعد هي المرحلة النهائية والأخيرة التي تنتهي بتمامها عملية النقل، وذلك متى كان التسليم على رصيف الميناء، في حين تكون تلك المرحلة هي المرحلة قبل الأخيرة متى كان التسليم محدداً له أن يتم على متن السفينة، فعندئذ تكون مرحلة التفريغ هي الأخيرة والتي تلي التسليم.

ويعتبر التسليم قد تم فعلياً متى وضع الناقل البضائع المرسلة تحت التصرف الفعلي للمرسل إليه، بمعنى أن يمكنه من معاينتها والتأكد من خلوها من أي عطب أو تلف، وموافقتها لما هو وارد بسند الشحن البحري من مواصفات، ويعد التسليم باعتباره المرحلة التي غالباً ما تنتهي معها عملية الشحن من الأهمية بمكان في تحديد المسؤولية عن البضائع المنقولة، فبالتسليم تنتهي مسؤولية الناقل عن البضائع وتبدأ مسؤولية المرسل إليه (المستلم) عنها، وتنتقل تبعة التلف والهلاك من على عاتق الناقل إلى المرسل إليه.

ويلزم أن يكون التسليم قد تم في المكان والموعد المحددين بين الناقل والشاحن، وأن يتم التسليم لصاحب صفة في الاستلام، فلا يعد تسليمها لأي شخص خلاف المرسل إليه مبرءاً لذمة الناقل من التزامه، بل يلزم أن يكون التسليم لشخص المرسل إليه أو لمن ينوب عنه أو يمثله قانوناً.

وقد تبرأ ذمة الناقل من عملية النقل وتعتبر قد تمت بالنسبة إليه في بعض الحالات على الرغم من عدم تمام عملية التسليم، كما هو الحال في حالة وصول الناقل لميناء التسليم في الموعد المحدد، ولكن المرسل إليه يتخلف عن الحضور للاستلام، أو يحضر ولكن يرفض الاستلام، ففي تلك الحالات قرر المشرع الأردني في المادة (182) من قانون التجارة البحرية أن الربان يحق له عندئذ أن يلجأ إلى السلطة القضائية المختصة في مكان التسليم، وذلك طالباً من إياها بأن تصرح له ببيع البضائع محل النقل – كلياً أو جزئياً – لتغطية أجرة السفينة، وأن يتم حصر البضائع المتبقية بعد البيع وإيداعها.

ومتى تم تسليم البضائع إلى المرسل إليه، ووقع الأخير على إيصال الشحن باستلامها، فإن ذمة الناقل تبرأ من عملية النقل، ويعد قد أتمها بنجاح، وتنتهي التزاماته ومسؤوليته المترتبة على عقد النقل البحري.

ثالثاً: مسؤولية الناقل البحري وحالاتها

1- الطبيعة القانونية لمسؤولية الناقل البحري

على الرغم من أن هناك جدلاً كبيراً قد ثار حول طبيعة المسؤولية التي يتحملها الناقل البحري بشأن عملية النقل، إلا أننا لن نخوض في هذا الجدل نظراً لأن الرأي الغالب والذي يعد هو الرأي الصحيح هو أنها مسؤولية عقدية[7]، حيث إنها تستند إلى عقد النقل البحري باعتباره هو المصدر الذي تستمد منه وجودها.

ولذلك نجد أن الفقه القانوني قد تطلب جملة من الشروط التي يلزم تحققها لقيام مسؤولية الناقل البحري، وتتمثل أهم تلك الشروط في أن يكون هناك عقد نقل بحري مبرم بين الناقل والشاحن، وأن يكون هذا العقد صحيحاً لكي تترتب عليه آثاره القانونية، والتي من أهمها مسؤولية الناقل البحري، وأن يكون موضوعه هو نقل عن طريق البحر، وأن يكون هناك أجر كمقابل لهذا النقل، وهو ما يرتب عليه أن النقل الذي يتم دون وجود مقابل له، أي بصورة مجانية، فلا يعتبر نقلاً بحرياً، وتكون المسؤولية الناشئة عنه هي مسؤولية تقصيرية وليست مسؤولية عقدية، كما أنه التزام بأن يحقق نتيجة، وتتمثل هذه النتيجة في وصول البضائع بحالتها التي تسلمها بها إلى يد المرسل إليه.

والخلاصة هي أن مسؤولية الناقل البحري تتمثل فيما يترتب من آثار قانونية نتيجة عدم قيامه بأداء وتنفيذ التزاماته التعاقدية وفقاً لما هو متفق عليه بعقد النقل البحري، فلا تنشأ المسؤولية إلا إذا ظهر إخلال من الناقل بهذه الالتزامات أو أحدها، فيلتزم بالتعويض عن الضرر الناتج عن هذا الإخلال.

وبناء على تلك الطبيعة العقدية لمسؤولية الناقل البحري، فإنه وعند إصابة البضائع محل النقل بأي تلف أو هلاك، فإن الخطأ يكون مفترضاً في حق الناقل، ويبقى على الطرف المضرور أن يتمكن فقط من إثبات قيام الضرر، وتكون علاقة السببية بينهما مفترضة هي الأخرى في حق الناقل البحري.

2- حالات تحقق المسؤولية في حق الناقل البحري

تنحصر حالات تحقق المسؤولية في حق الناقل البحري بوجه عام في صورتين رئيسيتين، الصورة الأولى هي هلاك أو تلف البضائع محل النقل، والصورة الثانية هي التأخر في موعد التسليم، وعلى الرغم من أن المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية لم يأخذ سوى بإحدى هاتين الصورتين دون الأخرى، حيث أخذ بهلاك أو تلف البضائع محل النقل باعتبارها الصورة التي تقوم فيها مسؤولية الناقل البحري، في حين لم يأخذ المشرع بالتأخر في موعد التسليم كصورة من صور قيام مسؤولية الناقل البحري، إلا أننا سنتعرض إلى كلاً من الصورتين، وذلك للسبب الذي سنورده بخاتمة المقال.

أ- المسؤولية في حالة هلاك أو تلف البضائع محل النقل

يقصد بهلاك البضائع فناء واختفاء البضائع المنقولة، وهو قد يكون كلياً كما هو الحال في إلقاء لبضائع المنقولة إلى البحر عند تعرض السفينة الناقلة لمخاطر بحرية تستلزم ذلك لتخفيف الحمولة وإنقاذ السفينة، وقد يكون جزئياً كما هو الحال في نقص مقدار البضائع عند التسليم عن مقدارها الذي تم شحنه، سواء كان هذا النقص في العدد أو الوزن أو الحجم الخاص بتلك البضائع.

أما تلف البضائع فيقصد به تعيبها، حيث تكون البضائع تالفة أو معيبة متى أصيبت بعطب مادي يؤثر على طبيعتها أو صفاتها، فتضحى غير صالحة للاستخدام في الغرض المعدة للاستخدام من أجله، ولا يختلف الأمر، حتى لو أصبحت صالحة للاستخدام في غرض آخر، طالما لم يكن هو الغرض الأساسي الذي أعدت من أجله.

ومن أهم الأمثلة على تلف البضائع هو أن تكون البضائع المنقولة عبارة عن منتجات غذائية يلزم حفظها أثناء النقل في درجة تبريد عالية، فتصاب بالتعفن والعطب من جراء إصابة آليات التبريد على السفينة بعطل يمنعها عن العمل خلال الرحلة، فيتحمل الناقل البحري مسؤولية ذلك، شريطة أن يتمكن الشاحن أو المرسل إليه من إثبات تحقق هذا الهلاك أو التلف.

2- المسؤولية عن التأخر في موعد التسليم

تتمثل الصورة الثانية من صور تحقق مسؤولية الناقل البحري في أن يصل بالبضائع كاملة وسليمة وبحالتها التي تسلمها بها إلى مكان التسليم المتفق عليه، ولكن يكون وصوله هذا متأخراً عن الموعد المتفق عليه كموعد للتسليم، شريطة أن يثبت الشاحن أو المرسل إليه أن هناك ضرراً قد أصابه من جراء هذا التأخر، فمناط المسؤولية هنا ليس التأخير في حد ذاته، ولكنه الضرر المترتب على هذا التأخير.

ولم يأخذ المشرع الأردني بتلك الصورة في قانون التجارة البحرية، حيث لم يرد به نص صريح يتضمن قيام مسؤولية الناقل البحري عن تأخره عن موعد التسليم المتفق عليه، على الرغم من أن هناك بعض الاتفاقيات الدولية، والتي تبعتها بعض الدول في تشريعاتها الداخلية، قد أخذت بتلك الصورة سنداً لإقامة المسؤولية في حق الناقل البحري، وذلك متى تأخر في موعد التسليم.

وفي رأينا الشخصي فإن تحميل الناقل البحري بالمسؤولية عن الأضرار الناتجة عن تأخره عن التسليم في الموعد المحدد هو أمر يحقق العدالة في العلاقة بين الناقل وباقي أطراف عملية النقل، لاسيما وإن كان التأخير بسبب يرجع إلى الناقل، وهو أدعى بأن يكون هناك ولو قدر من المسؤولية يقع على عاتقه، وربط ذلك أيضاً بأن يكون هناك ضرر قد أصاب الشاحن أو المرسل إليه من جراء هذا التأخر.

رابعاً: مسؤولية الناقل البحري وحالاتها

قرر المشرع كقاعدة عامة ضمان الناقل البحري للأضرار الناتجة عن هلاك أو تلف البضائع التي يقوم بنقلها، وذلك بنص المادة (213) من قانون التجارة البحرية، إلا أنه وفي ذات المادة قد حدد بعض الحالات التي تعد بمثابة الاستثناءات على تلك القاعدة العامة، حيث قرر بموجبها إعفاء الناقل من المسؤولية على الرغم من حدوث الضرر، وذلك في حالات محددة يستطيع فيها الناقل البحري أن يثبت أن ما وقع من هلاك أو تلف بالبضائع المنقولة وما حدث من ضرر يرجع إلى أياً من الأسباب التي يمكن أن نجملها فيما يلي:

  • أن يكون السبب في حدوث الهلاك أو التلف عائداً إلى خطأ ملاحي صدر من ربان السفينة، أو ملاحيها، أو السواقين، أو غيرهم من العاملين على السفينة، وعلى سبيل المثال للخطأ الملاحي أن يكون الهلاك أو التلف قد حل بالبضائع محل النقل نتيجة خطأ الربان في قيادة السفينة، أو في قراءة البوصلة، ويقتصر هذا الإعفاء على الخطأ الملاحي دون نظيره التجاري أو الإداري.
  • متى كان الهلاك أو التلف أو الضرر راجعاً إلى ما يوجد بالسفينة من عيوب خفية، كما هو الحال في أن تكون السفينة بها عيب فني يؤثر على الملاحة بها، شريطة أن يثبت الناقل أنه قد راعى التزامه المتعلق بإعداد السفينة لتكون صالحة للملاحة البحرية.
  • أن يكون ذلك ناتجاً عن حادث عرضي أو قوة قاهرة، ويقصد بالحادث العرضي أو القوة القاهرة أي سبب خارجي وأجنبي عن الناقل، بحيث لا يكون في إمكانه أن يتوقع حدوثه، ولا يقدر على دفعه أو تفاديه، ويكون نتيجته أن يصبح تنفيذ الناقل لالتزامه بنقل البضائع غير قابل للتنفيذ.
  • أن ينتج عن قيام العمال بإضراب، وما ينتج عنه من غلق لأبواب العمل، أو لأي سبب يعوق سير العمل بشكل جزئي أو كلي، كما هو الحال في الحجز الحكومي[8].
  • أي عيب يكمن في البضائع ذاتها، سواء كان عيب خاص يتعلق بطبيعتها، أو يتعلق بحزمها أو تعليمها، أو أن يكون النقص في حجمها أو وزنها هو بمقدار جرت العادة على إجازته في الموانئ المقصودة.
  • أن يكون الهلاك أو التلف أو الضرر قد وقع كنتيجة لقيام السفينة بنجدة، أو إسعاف سفناً أخرى، أو القيام بمحاولة لإنقاذها، أو إسعافها، أو أن تكون السفينة قد ضلت طريقها وهي تقوم بذلك.

فإذا ما توافرت أي حالة من تلك الحالات، ونتج عن ذلك هلاك أو تلف البضائع، وحدث ضرر للشاحن أو المرسل إليه، فإن القانون يعفي الناقل البحري من المسؤولية عنها.

خامساً: بعض أحكام محكمة التمييز ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 940 لسنة 1997 والصادر بجلسة 9/7/1997 والمتضمن أنه (محكمة الموضوع صاحبة الصلاحية في تقدير البينات وترجيح بينة على أخرى، وقد توصلت إلى أن الضرر الذي أصاب بضاعة الشركة المميز ضدها (المدعية) قد حصل بسبب عدم تجهيز السفينة لحفظ البضائع المنقولة فيها بشكل مناسب حسب أحكام المادة (212) من قانون التجارة البحرية، وأن الناقل (الشركة المميزة المدعى عليها) مسؤولة عن الأضرار التي لحق ببضاعة المميز ضدها المدعية، وبما أنه ليس في أوراق القضية وبيناتها ما من شأنه أن يثبت أن ما توصلت إليه محكمة الموضوع لم يكن مستخلصاً استخلاصاً سائغاً ومقبولاً من البينات المقدمة في الدعوى، فإن جميع ما تثيره المميزة في هذه الأسباب يغدو حقيقاً بالرد).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 836 لسنة 2014 والصادر بجلسة 24/2/2016 والمتضمن أنه (لا يكون مالك السفينة مسؤولاً عن الالتزامات الناتجة عن عقد النقل إلا إذا كان هو الذي أنشأ عقد النقل كما هو واضح من عبارات العقود التي ينشئها أثناء ممارسته صلاحياته القانونية الواردة بالمادة 95 من قانون التجارة البحرية وبما أن مسؤولية الناقل هي مسؤولية عقدية، في حين أن مسؤولية مالك السفينة الذي لم يتخذ مركز الناقل هي مسؤولية تقصيرية. وطالما لم يرد من البينات ما يثبت أن مالك السفينة طرفاً في عقد النقل ولم يثبت لمحكمة الموضوع أن وثيقة الشحن تشير إلى أن الناقل هو المدعى عليها الأولى فيكون ما توصلت إليه يتفق وحكم القانون).

3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 3936 لسنة 2021 والصادر بجلسة 30/9/2021 والمتضمن أنه (حيث إن ما قام به الناقل هو تطبيق للشروط الواردة في بوليصتي الشحن التي هي شريعة المتعاقدين والواجبتين الإعمال، وحيث إن المستفاد من أحكام المادتين (4) و(5) من اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (قواعد هامبورغ) وأحكام المواد (211) و(212) و(213) من قانون التجارة البحرية أن مسؤولية الناقل عن عقد النقل تبدأ من شحن البضاعة حتى تفريغها في المحل المقصود أي خلال الرحلة البحرية، لأن الغاية من عقد النقل هي تسليم البضاعة (المال المنقول) إلى المرسل إليه بحالة جيدة وفقاً لوثيقة النقل (بوليصتي الشحن)، وحيث ثبت لمحكمة الاستئناف بوصفها محكمة موضوع بوزن وتقدير البينات على مقتضى أحكام المادتين (33) و(34) من قانون البينات أن سبب عدم وصول البضاعة موضوع بوليصتي الشحن موضوع الدعوى إلى ميناء الوصول المتفق عليه كان بسبب قيام السلطات الأمنية بميناء جدة بتنزيلها عن السفينة بالرغم من محاولات الناقل الإفراج عنها إلا أنه لم يتمكن من ذلك وبالتالي فإن عدم وصول البضاعة إلى مقصدها كان بفعل الغير وليس لفعل يعود للناقل أو مستخدميه أو وكلاؤه ذلك أن الناقل يضمن ما يلحق البضاعة من عيب أو هلاك ما لم يكن ناتجاً عن أي حالة من الحالات الواردة بالمادة (213) من قانون التجارة البحرية والتي من ضمنها الحجز الحكومي).

سادساً: الخاتمة

بعد أن استوضحنا مسؤولية الناقل البحري في قانون التجارة البحرية، فإننا نود أن نشير إلى نقطتين هامتين، الأولى هي ضرورة وضع تعريف خاص بالناقل البحري في قانون التجارة البحرية الأردني، وذلك لخلو القانون من تعريفه، على الرغم من تعريف الناقل البري في قانون نقل البضائع على الطرق، فنرى أنه من الأفضل أسوة بذلك أن يتم تعريف الناقل البحري أيضاً في القانون الذي ينظم أحكام عمله، أما النقطة الثانية فتتمثل في أهمية أن يأخذ المشرع الأردني بالتأخر في موعد التسليم كصورة لقيام مسؤولية الناقل البحري، بجانب الصورة التي يعتمدها والمتمثلة في تلك أو هلاك البضائع.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – سميحة القليوبي – القانون البحري – دار النهضة العربية – مصر – 1982 – ص224.

[2] – كمال حمدي – عقد الشحن والتفريغ في النقل البحري – الطبعة الثانية – منشأة المعارف – مصر – 2002 – ص5.

[3] – يراجع البند “خامساً” من هذا المقال – حكم محكمة التمييز رقم (1). ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

[4] – عادل مقدادي – القانون البحري – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 1998 – ص117.

[5] – محمد بهجت – العقود البحرية – الطبعة الأولى – دار النهضة العربية – مصر – 1996 – ص79.

[6] – عبد القادر العطير وآخر – شرح قانون التجارة البحرية: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – دار الثقافة – الأردن – 2009 – ص286.

[7] – يراجع البند “خامساً” من هذا المقال – حكم محكمة التمييز رقم (2).

[8] – يراجع البند “خامساً” من هذا المقال – حكم محكمة التمييز رقم (3).

المراجع من الانترنت

1- مقال كيفية كتابة وصياغة العقد التجاري.

2- مقال كيفية كتابة العقد وفق الأنظمة السعودية .

3- مقال كيفية مراجعة العقود وتدقيقها من ناحية قانونية

Scroll to Top