القوة القاهرة وأثرها في عقود التجارة الدولية
حظيت القوة القاهرة كأحد المعوقات التي تعترض مرحلة تنفيذ العقد الدولي باهتمام بالغ على صعيد التشريعات الدولية نظراً لما تحدثه من آثار يترتب عليها استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد بصورة مؤقتة أو دائمة.
وفي هذا الصدد يُثار التساؤل حول الأثر المترتب على حدوث القوة القاهرة أثناء مرحلة تنفيذ العقد التجاري الدولي؛ حيث لم يعد من المقبول القول بانفساخ العقد في كافة الأحوال، نظراً للآثار السلبية التي قد تترتب على الانفساخ والتي تصيب أحد طرفي العقد، مما يؤثر ليس فقط على الطرف المتضرر بمفرده، بل يمتد الأثر ليصيب الاقتصاد الوطني برمته.
وبدءً من هذا المنطلق أبرمت العديد من الاتفاقيات الدولية التي عنيت بوضع التنظيم القانوني المتعلق بمعالجة الآثار المترتبة على حدوث قوة قاهرة أثناء مرحلة تنفيذ العقد وبيان الحلول التي يمكن اتباعها حيال ذلك.
وقبل التعرض لتلك الآثار حري بنا التعرض – بداية – إلى مفهوم القوة القاهرة والتي من شأنها إعمال الآثار القانونية الواجب اتباعها حال توافر مفهومها وشروطها، ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:
ثالثاً: أنواع القوة القاهرة وتمييزها عما قد يشتبه بها:
رابعاً: استحداث مفهوم جديد للقوة القاهرة:
خامساً: الآثار المترتبة على القوة القاهرة المتعلقة بعقود التجارة الدولية:
سادساً: آثار انقضاء عقد التجارة الدولية بسبب القوة القاهرة:
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بالقوة القاهرة وأثرها على العقود:
أولاً: مفهوم القوة القاهرة:
لم تتطرق التشريعات الداخلية المقارنة إلى وضع تعريفات تبين ماهية القوة القاهرة، وإنما اقتصرت على بيان الآثار المترتبة على القوة القاهرة والتي تتمحور جميعها حول وقف التنفيذ أو فسخ العقد حسب ظروف وملابسات كل حالة على حدا.
وإذا ما تطرقنا إلى التعريفات الفقهية للقوة القاهرة لوجدنا أنها تُعرفها بكونها: (أمر غير متوقع الحصول وغير ممكن الدفع يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً دون أن يكون هناك خطأ في جانب المدين )،[1] في حين عرفها البعض الأخر بأنها: (كل واقعة تنشأ باستقلال عن إرادة المدين ولا يكون باستطاعة هذا المدين توقعها، ويترتب عليها أن يستحيل عليه مطلق الوفاء بالتزامه ).[2]
وفي اتفاقية امتياز التنقيب عن البترول بين الأردن وجورج ازميري لسنة 1957 تم إعطاء بعض الأمثلة للقوة القاهرة بموجب (المادة 25) والتي نصت على أن: (وتشمل لفظة (القوة القاهرة) كما جرى استعمالها في هذه الاتفاقية القضاء والقدر والحرب والعصيان والحريق والصخب والثورات الأهلية والمد والعواصف والأمواج الجزرية والفيضان والصواعق والانفجار والزلازل واي حدث آخر لا يتمكن زميري بصورة معقولة أن يمنعه أو يضبطه).
ثانياً: شروط القوة القاهرة:
حتى يمكن القول بأن الواقعة التي أثرت على تنفيذ عقود التجارة الدولية هي من قبيل القوة القاهرة فلابد أن يتوافر فيها الشروط التالية:
1- عدم إمكانية التوقع:
فالقوة القاهرة تجاوز حدود المتوقع والمألوف، حيث تتمثل في حادث يطرأ أثناء تنفيذ العقد لم يكن في حسبان الطرفين أثناء مرحلة الإبرام، وبمفهوم المخالفة فإن كل حادث يمكن توقعه ولو بصورة ضئيلة لا يكون من قبيل القوة القاهرة، وعلى إثر ذلك يمكن القول أنه في نطاق عقود التجارة الدولية لا يكون من قبيل القوة القاهرة تذبذب الأسعار في البورصة لأنه أمر جائز الحدوث وفي الإمكان توقعه أثناء إبرام العقد، وكذلك قد لا تُعد الحروب والثورات السياسية من قبيل القوة القاهرة إذا ظهرت أثناء مرحلة التنفيذ اضطرابات سياسية، لأن وجود تلك الاضطرابات مؤشر على إمكانية حدوث حروب أو ثورات.
إذن فالمعول عليه في الوقت الذي كان من الممكن توقع حدوث الأمر من عدمه هو وقت إبرام العقد، أما حدوث اضطرابات أو مؤشرات تنبئ باقتراب حدوث كوارث من شأنها التأثير على تنفيذ العقد لا يُعتد بها حيث لم تكن بادية لحظة إبرام العقد.
وينبغي الإشارة إلى أن عدم إمكانية التوقع لا ترتبط بعلم الطرفين أو بمدى قدرتهم على توقع حدوث التقلبات والتنبؤ بتغيرات الظروف، وإنما عدم إمكانية التوقع يُقاس بمعيار موضوعي عام وهو ألا يكون الحادث من الممكن توقعه من أكثر الناس حيطه.[3]
2- عدم إمكانية الدفع:
حتى يوصف الحادث بأنه قوة قاهرة يجب أن يكون من غير الممكن دفعه، فهذا الشرط هو الذي من شأنه أن يعدم إرادة المدين ويجعله عاجزاً أمام الحادث الذي طرأ أثناء مرحلة التنفيذ، حيث إن تجاوزه يفوق قدراته البشرية المعقولة، مما يؤدي إلى التأثير على التزاماته في العقد ذلك أنه من العبث تكليف الشخص بمستحيل.
وهذا هو المعيار الفارق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة، فالأخيرة تجعل من التزام المدين مرهقاً إلى الحد الذي يُخل إخلال جسيماً بالتوازن المالي، ولكن يكون للمدين دائماً القدرة على تنفيذ الالتزام في ظل تلك الظروف إلا أنه يتعرض لخسارة مالية فادحة،[4] أما فيما يتعلق بالقوة القاهرة فيكون مضي المدين في تنفيذ التزامه مستحيل استحالة مُطلقة.
3- أن تكون القوة القاهرة أمر خارجي:
حيث يجب أن تكون أفعال المدين منبتة الصلة عن القوة القاهرة، فإذا ثبت أن الظروف القهرية التي طرأت على المدين وجعلت من إمكانية تنفيذ التزامه مستحيلاً راجعة إلى خطأ ارتكبه لأدى ذلك إلى نفي صفة القوة القاهرة عن الواقعة وإلزام المدين إما بالتنفيذ أو التعويض إذا أصبح التنفيذ مستحيلاً.
ثالثاً: أنواع القوة القاهرة وتمييزها عما قد يشتبه بها:
1- أنواع القوة القاهرة:
للقوة القاهرة التي تؤثر على تنفيذ العقود الدولية أنواع متعددة، يترتب على اختلاف أنواعها اختلاف الآثار التي ترتبها، ويمكن إجمال تلك الأنواع فيما يلي:
أ- القوة القاهرة الدائمة:
وهي القوة القاهرة التي تأتي بظروف جديدة لا يُرجى زوالها مما يعني أن تنفيذ الالتزام أصبح مستحيلاً استحالة مطلقة دائمة، ففي هذه الحالة لا يكون هناك مجالاً لإعمال حلول من شأنها البحث عن مخرج لتلك الأزمة مثل إعادة التفاوض مثلاً، بل يحتم الأمر انقضاء الالتزام وانفساخ العقد.
ب- القوة القاهرة المؤقتة:
هي صورة من القوة القاهرة التي يستحيل دفعها، ولكن يرجى زوالها في المستقبل القريب أو البعيد، مما يترتب عليها استحالة تنفيذ الالتزام أثناء بقائها، ولكن يمكن العودة إلى تنفيذه بعد زوالها، مما يفتح المجال أمام إيجاد حلول بخلاف انفساخ العقد مثل إعادة التفاوض أو وقف تنفيذ العقد لحين زوال القوة القاهرة.
ج- القوة القاهرة الطبيعية والغير طبيعية:
القوة القاهرة تكون طبيعية إذا حدثت بصنع الطبيعة بحيث لا يكون للإنسان دخل في حدوثها مثل العواصف أز الفيضانات، أو البراكين، أو الأعاصير، أو الأوبئة، أما القوة القاهرة الغير طبيعية فهي التي تكون من فعل الأنسان ويترتب عليها استحالة تنفيذ بعض الالتزامات مثل الحروب التي تؤدي إلى وقف عمليات الملاحة البحرية، أو الجوية، أو الحريق، أو الإضراب، أو فعل الأمير.
ولتلك التفرقة أهميتها والتي تتمثل في أن إعمال نظرية معينة من شأنها تعويض المتضرر قد يتطلب حدوث نوع مُعين من القوة القاهرة، فمثلاً في نظرية عمل الأمير نجد أن الدولة ملزمة بتعويض المتعاقد معها إذا كان الضرر الذي لحق به ناشئ عن عمل الأمير، أي ناشئ عن عمل أحد سلطات الدولة.
2- تمييز القوة القاهرة عن النظم المشابهة لها:
أ- الفارق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة:
الظروف الطارئة هي تلك التي تجعل من تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين دون أن تجعله مستحيلاً وذلك على خلاف القوة القاهرة، ويترتب على حدوث الظروف الطارئة أن يكون للقاضي سلطة التدخل وتعديل بعض بنود العقد خروجاً على مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، حيث يكون للقاضي إما أن يقضي بخفض التزامات المدين أو زيادة التزامات الدائن أو وقف تنفيذ الالتزام إلى أجل معين أو أن يقضي بفسخ العقد متى طُلب منه ذلك ووجد له مقتضى.
ب- القوة القاهرة والحادث الفجائي:
لم يكن هناك اتفاقاً فقهياً حول بيان الفارق بين الحادث الفجائي والقوة القاهرة، وعلى إثر ذلك اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أو الحادث الفجائي والقوة القاهرة مسميان لمعنى واحد، نظراً لاشتراكهم في ذات الشروط والخصائص.
رابعاً: استحداث مفهوم جديد للقوة القاهرة:
نظراً لأهمية عقود التجارة الدولية وما تمثله من أهمية بالغة للاقتصاديات الوطنية على الصعيد العام وأهمية كبرى لأطرافها على الصعيد الخاص فكانت الحاجة ماسة إلى إضفاء وصف أكثر مرونة على ما يُمكن اعتباره من قبيل القوة القاهرة وتنظيم حدوثها بنصوص قانونية تتوافق وطبيعة العقود الدولية وتلبي الاحتياج البالغ للاستمرار في تنفيذها.
فالمفهوم الحديث للقوة القاهرة أصبح يعتمد على رغبة المتعاقدين حيث يكون لهما تحديد مفهوم القوة القاهرة وشروطها، بل وتحديد الآثار المترتبة على حدوثها، وهذا بلا شك يوفر طمأنة طرفي العقد وحتى لا يفاجئ أي منهم بانفساخ العقد ورفض استمرار تنفيذه بداعي القوة القاهرة.
ومن ثم أصبح المفهوم الحديث للقوة القاهرة يبتعد عما يُصاغ داخل النظم الداخلية ليعطي القوة القاهرة مفهوماً مختلفاً ويرتب عليها آثار تختلف عن تلك التي تُرتب داخل النظام القانوني الداخلي، هذا المفهوم الحديث أصبح يرتكز على معيارين رئيسيين هما: استحالة تنفيذ الالتزام لأحد أطراف العقد، وألا يكون الحادث رجع لفعل المدين:[5]
واستحالة التنفيذ قد تكون مادية ترجع إلى أسباب تتعلق بمحل الالتزام ذاته، كأن يكون قد هلك لسبب خارج عن إرادة المدين أو تمت مصادرته من قبل أحد الدول، مع ضرورة مُلاحظة أنه إذا كان محل الالتزام من المثليات فلا يتصور أن يصبح تنفيذ الالتزام المتعلق به مستحيلاً لهلاكه حيث يكون للمدين – دوماً – إمكانية توفير مثله حتى ولو أصابه ذلك خسارة فادحة.
ونحن وإذ بصدد الحديث عن معنى القوة القاهرة في ثوبها الجديد حري بنا الإشارة إلى أن العرف التجاري أجاز أن يتضمن العقد بنوداً تجعل المدين دوماً مسئول عن عدم التنفيذ حتى ولو تعلق الأمر بقوة قاهرة خارجة عن إرادته.
وعلى جانب أخر قد تكون استحالة التنفيذ راجعة إلى أسباب اقتصادية مثل إفلاس المدين أو إغلاق منشأته بقرار إداري صادر عن الدولة أن بإضراب العمال العاملين في المنشأة والذي من شأنه أن يعرقل حركة الإنتاج وجعل من تمكنه من الإيفاء بالتزاماته أمراً مستحيلاً.
خامساً: الآثار المترتبة على القوة القاهرة المتعلقة بعقود التجارة الدولية:
1- تعليق تنفيذ العقد:
قد يكون تعليق تنفيذ العقد هو أحد الحلول المطروحة حال حدوث قوة قاهرة أدت إلى استحالة تنفيذ الالتزام، إلا أن هذا الحل يقتصر نطاق إعماله على حالات القوة القاهرة المؤقتة التي يُرجى زوالها في وقت لاحق، أما إذا كانت القوة القاهرة ذات طبيعة مؤبدة دائمة فلا يمكن اللجوء إلى مثل هذا الحل.
فتعليق تنفيذ العقد حال حدوث قوة قاهرة مؤقتة يُعبر عن اتجاه إرادة الطرفين إلى التمسك بالعقد نظراً لما يحققه العقد من مصالح لكلا الطرفين، لذلك فإنهم يبتعدون عن التمسك بانفساخه ويقررون تعليقه إلى حين زوال القوة القاهرة، ولكن يتعين الإشارة إلى أن هذا التعليق لا يمكن أن يظل قائماً إلى أجل غير مسمى، حيث أن الأطراف وإن ارتضوا الإبقاء على العقد وتعليق نفاذه إلى حين زوال القوة القاهرة فإنهم لم يقدموا إلى ذلك إلا حفاظاً على مصالحهم المالية، تلك المصالح قد تضار بسبب استمرارية فترة التعليق الأمر الذي يُحتم الاتفاق على ضرب أجل معين يظل العقد موقوفاً لحينه، فإن زالت القوة القاهرة خلال ذلك الأجل عاد المتعاقدان إلى مرحلة التنفيذ مجدداً، أما إذا استغرقت القوة القاهرة الأجل المحدد فإنه لا سبيل سوى البحث عن حل آخر لمواجهة مستجدات الظروف حيث يكون الفسخ هو أحد الحلول التي يمكن طرحها في تلك الحالة.
2- فسخ العقد:
رأينا إذن أن تعليق العقد في حالة القوة القاهرة هو حل استثنائي مؤقت، لا يُلجئ إليه إلا إذا تيقن الطرفان أن القوة القاهرة ذي فترة مؤقتة، ويكون التعليق هو الأخر مؤقت للفترة التي لا يترتب عليها إلحاق ضرر جسيم للطرفين، فإن تعذر إعمال تعليق تنفيذ العقد فيكون الحل المطروح الآخر هو فسخ العقد.
وفسخ العقد في تلك الحالة يجد سنده في استحالة التنفيذ التي تخرج عن إرادة المدين، ويُطلق عليه في هذا الصدد ” انفساخ العقد ” لتمييزه عن الفسخ الذي يُعد بمثابة جزاء يوقع على أحد المتعاقدين في العقود ذات الالتزامات المُتقابلة حال إخلال أي منهما بالتزاماته.
والانفساخ المستند إلى القوة القاهرة إما أن يكون بقوة القانون وذلك حال خضوع العقد لأحد القوانين التي تقضي بانفساخ العقد إذا استحال تنفيذه لسبب أجنبي خارج عن إرادة المدين، فهناك العديد من القوانين التي تُقرر فسخ العقد حال حدوث قوة قاهرة تؤدي إلى استحالة التنفيذ، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 247) من القانون المدني والتي نصت على أن: (في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له، و انفسخ العقد من تلقاء نفسه، فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل، و مثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة و في كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين).
أو أن يكون الفسخ باتفاق الطرفين ويُطلق عليه في تلك الحالة مُصطلح ” التفاسخ ” أو التقايل. ويكون ذلك في حالة فشل كافة المفاوضات التي من شأنها توقي فسخ البعد.
أو أن يُفسخ العقد من تلقاء نفسه وذلك بالاستناد إلى أحد البود الواردة في العقد والقاضي بأنه حال أن طرأت قوة قاهرة جعلت من تنفيذ التزام أحد المتعاقدين مستحيلاً فإن العقد يُعتبر مفسوخاً من تلقاء نفسه، على أن يلتزم الطرف الذي أصابته القوة القاهرة إخطار الطرف الأخر بالأسباب التي جعلت من تنفيذ التزامه أمراً مستحيلاً.
3- شرط إعادة التفاوض:
شرط إعادة التفاوض هو شرط يُدرجه الأطراف في العقد يتفقون فيه على إعادة التفاوض فيما بينهم بقصد تعديل أحكام العقد عندما تقع أحداث مُعينة يحددها الأطراف من شأنها الإخلال بتوازن العقد وإصابة أحد المتعاقدين بضرر جسيم.[6]
فمثل هذا الشرط يتسم بالمرونة التي تسمح للمتعاقدين الاجتماع من جديد والتفاوض بشأن مواجهة الظروف المستجدة التي أثرت على تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد، بحيث إما ينتهي الأمر إلى تعليق تنفيذ العقد إلى أجل مسمى أو فسخ العقد أو وضع حل جديد يلائم ظروف كلا المتعاقدين.
سادساً: آثار انقضاء عقد التجارة الدولية بسبب القوة القاهرة:
1- الأثر المتعلق بمحل التنفيذ:
إذا كان محل التنفيذ شيئاً واحداً وانفسخ العقد بسبب القوة القاهرة فإن التزام المدين ينقضي ويُصبح بريء الذمة في مواجهة الدائن، أما إذا كان محل التنفيذ مقسم إلى عدة عناصر لا يوجد بينهم ارتباط، أو بينهم ارتباط يقبل التجزئة ففي تلك الحالة ينقضي الالتزام المتعلق بالعنصر الذي اعترته القوة القاهرة ولا يجوز للمدين الطالبة بالتحلل من باقي الالتزامات. وفي هذا الصدد يُقرر المشرع الأردني أنه إذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 247) من القانون المدني.
فانقضاء الالتزام كلية إذن لا يتحقق إلا إذا كان محل التنفيذ وحدة واحدة أو عدة عناصر بينهم ارتباط لا يقبل التجزئة، أما حال تنوع محل الالتزام واستحال تنفيذ أحدهم فلا ينسحب الفسخ على باقي الالتزامات والتي يبقى المدين ملزماً بتنفيذها. وجديراً بالذكر أن إعمال قاعدة الفسخ الجزئي للالتزام إذا كان محله يقبل التجزئة هي قاعدة مكملة، حيث تفقد إلزاميتها إذا اتفق الأطراف على ما يُخالفها.
2- آثار الانفساخ وتبعة الهلاك:
القاعدة أن المدين بالتنفيذ هو الذي يتحمل تبعة الهلاك، فإذا تم التنفيذ وهلك محل العقد فتكون تبعة الهلاك على الطرف الأخر ويتعين عليه أو يوفي بثمن العقد، وفي هذا الصدد تنص (المادة 67/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع على أن: (تنتقل التبعة إلى المشتري عند تسليم البضائع إلى أول ناقل لنقلها إلى المشتري، وإذا كان البائع ملزم بتسليم البضائع إلى ناقل في مكان معين، لا تنتقل تبعة الهلاك إلى عند تسليم البضائع إلى الناقل في ذلك المكان).
3- آثار الانفساخ على مسئولية المدين:
من القواعد العامة الراسخة في علم القانون أن المدين الذي يُخل بالتزاماته يكون ملزماً بتعويض الدائن عما أصابه من أضرار جراء هذا الإخلال، إلا أنه في حالة انفساخ العقد الراجع إلى القوة القاهرة فإن عدم قيام المدين بتنفيذ التزاماته لا يُعد إخلالاً أو خطاءً منه وإنما يرجع عدم التنفيذ إلى سبب خارج عن إرادته ومن ثم فلا يكون مُلزماً بالتعويض.
وفي هذا الصدد تنص (المادة 79) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع على أن: (لا يُسأل أحد الطرفين عن عدم تنفيذ أي من التزاماته إذا أثبت أن عدم التنفيذ كان بسبب عائق يعود إلى ظروف خارجة عن إرادته وأنه لم يكن من التوقع بصورة معقولة أن يأخذ العائق في الاعتبار وقت انعقاد العقد، أو أن يكون بإمكانه تجنبه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليه أو على عواقبه.
ويؤكد ذلك ما ورد في حكم محكمة صلح حقوق شرق عمان رقم 2791 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (وإن المحكمة وعلى ضوء وقائع الدعوى الثابتة وعدم تنفيذ العقد بسبب انفساخه بتحقق القوة القاهرة لا تجعل من المدعى عليهم مرتكبين لأي غش أو خطأ جسيم كون عدم تنفيذ الالتزام كان لسبب خارج عن إرادتهم؛ مما يجعل من المطالبة بالضرر المادي والمعنوي مستوجبة للرد قانوناً بعد أن ألزمت المحكمة المدعى عليهم بإعادة المبلغ الذي قبضوه من المدعي).
4- الأثر الرجعي لفسخ العقد:
غني عن البيان أن فسخ العقد يكون له أثر رجعي بحيث يُرجِع المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فإذا كان العرف التجاري قد جري على أن يتم تسديد جزء من الثمن كشرط لإبرام العقد كي يكون نافذاً في مواجهة البائع فإن الأخير في تلك الحالة يتعين عليه أن يُرجع إلى المشتري المبلغ الذي قبضه لحظة انفساخ العقد مُضاف إليه الفوائد التي تُحتسب من يوم تسديد الثمن وذلك وفقاً لما قررته (المادة 84/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بالقوة القاهرة وأثرها على العقود:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4350 لسنة 2021 ما يلي:
وبالرجوع إلى اجتهاد محكمة التمييز نجد أنها اعتبرت أن السرقة لا تشكل قوة قاهرة أو سبباً أجنبياً من شأنه أن يعفي المميز ضدها من المسؤولية والضمان لأن من واجب المميزة حماية أجهزتها ومحولاتها والمحافظة عليها في مكان آمن يحول دون سرقتها لأن السرقة أمر متوقع وبما أن القوة القاهرة كما عرفها الفقه القانوني (هو الحادث) الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه. فعدم إمكانية توقع الحادث واستحالة دفعه هما الشرطان الواجب توافرهما في القوة القاهرة إلا أن محكمة الاستئناف لم تناقش دفع المدعى عليها على هذا النحو ولم تتحقق من شروط تحقق السبب الأجنبي في هذه الدعوى واكتفت بالقول إن السرقة تعتبر من قبيل السبب الأجنبي مما يجعل قرارها والحالة هذه غير معلل ومسبب بشكل يتفق وأحكام القانون واجتهاد محكمة التمييز في قراراتها العديدة ومنها (انظر تمييز حقوق 1452/98 تاريخ 24/10/1998 و2827/2001 تاريخ 1/11/2001) مما يجعل قرارها مستوجباً النقض لورود هذه الأسباب عليه.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 964 لسنة 2019 ما يلي:
ورداً على ذلك نجد أن المستفاد من المادة (247) من القانون المدني أن الالتزام ينقضي إذا استحال تنفيذه وكانت هذه الاستحالة بسبب قوة قاهرة وأن القوة القاهرة هي الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه ومتى صار تنفيذ التزام أحد الطرفين مستحيلاً بعد انعقاد العقد فإنه ينقضي واجب هذا الطرف في تنفيذه وينفسخ العقد بحكم القانون ويعود كل طرف إلى حالته قبل التعاقد ويكون التزام المدين قد انقضى بقوة قاهرة وبناء عليه فإن إعمال أحكام القوة القاهرة والحادث الفجائي والتي يترتب عليها انحلال العقد وانقضائه يتطلب أن تتوافر شروطها وهي غير متوقعة ويستحيل دفعها ولا يد للإنسان في إحداثها.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، 1998، منشورات الحلبي الحقوقية، ط2، ص 963.
[2] أوليدي موسى، قادري عبد الرزاق، أثر القوة القاهرة في العقود الدولية، 2018، ص 10.
[3] أنظر م. م. عبد الله جبار خشان، م. م. زيد رياض عبد، أثر القوة القاهرة في تغيير ضوابط الإسناد في عقود التجارة الدولية، ص 583.
[4] أنظر الأستاذ الدكتور، نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار الجامعة الجديدة، ص 286 وما بعدها.
[5] أنظر سالم بن سلام بن حميد الفليتي، أثر تغير الظروف على عقود التجارة الدولية، 2019، مجلة روح القانون – العدد 88، ص 48.
[6] م. أسيل باقر جاسم، النظام القانوني لشرط إعادة التفاوض: دراسة في عقود التجارة الدولية، ص 117.

