تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية

تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية

أدى التقدم الكبير في العلاقات التجارية الدولية التي تنتج عن دخول أشخاص يحملون جنسيات مختلفة في علاقات تعاقدية تجارية، إلى ظهور مشكلة تنازع القوانين حيث يكون الظاهر أن كل شخص أو عنصر سواء الأجنبي أو المحلي يخضع لقانون دولته الذي يمكنه الفصل في النزاعات المتعلقة بهذا العقد، ولا تثار هذه المشكلة في حالة اتفاق الأطراف المتعاقدة على قانون الدولة الذي يطبق على أحكام هذا التعاقد إعمالا لمبدأ قانون الإرادة، إلا أنها تظهر وبوضوح في حالة عدم الاتفاق على ذلك إذ تظهر في الواجهة مشكلة تنازع القوانين، وقد حاولت التشريعات المحلية مواجهة هذه المشكلة بالنص على قواعد تمكن القاضي من إسناد العلاقة القانونية لأحد القانونين سواء المحلي أو الأجنبي وتطبيقه عليها وفي خلال هذا المقال سوف نتطرق إلى مشكلة تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية على التفصيل الاتي:

أولا: المقصود بعقود التجارة الدولية:

ثانيا: مضمون عقد التجارة الدولي:

ثالثا: الفرق بين العقد التجاري الدولي والعقد الداخلي:

رابعا: تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

خامسا: دور قواعد الإسناد في مشكلة تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

سادساً: أحكام فض تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية في القانون المدني الأردني:

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

 

أولا: المقصود بعقود التجارة الدولية:

يُعرف العقد في الاصطلاح القانوني على انه تقابل إرادتين أو أكثر بغرض إنشاء علاقة قانونية متصفة بالطابع المالي.[1] ويُعرف العقد التجاري الدولي بأنه العقد الذي تتكون أطرافه من أكثر من جنسية مختلفة، ويكون موضوعه في نطاق القانون الخاص فيخرج عن الاتفاقيات الدولية التي يتم إبرامها بين الدول وبعضها بقصد تنظيم موضوع دولي معين.[2] وتعرف العقود التجارية الدولية – أيضاً – بأنها جميع المبادلات التجارية التي يكون آثارها الاقتصادي خارجا عن الحدود الوطنية ويتحقق ذلك بعملية انتقال المنتجات والبضائع والخدمات المختلفة وكذلك الأموال عبر الحدود الوطنية.[3]

ثانيا: مضمون عقد التجارة الدولي:

يخضع عقد التجارة الدولي من حيث الأصل إلى مبدأ سلطان الإرادة بحيث يكون لأطراف العقد الدولي كامل الحرية في إبرامه وفي الاتفاق على بنوده وشروطه، ولا يقيدهم شيء سوى ما تفرضه اعتبارات النظام العام، وعلى ذلك فعقود التجارة الدولية يكون لأطرافها السلطة الكامل في إنشاء العقود دون أن تتقيد بما نظمه المشرع من أنواع عقود في نصوصه القانونية، كما يكون لأطراف العقد الدولي كامل الحرية في إنشاء العلاقة التعاقدية أو الامتناع عن إنشائها دون أي التزام عليها أو واجب، كما يكون للأطراف الحرية في تحديد الآثار القانونية التي يرتبها هذا التعاقد، وكذلك الحرية في تعديل هذه الآثار أو إنهاء العقد ذاته دون أي رقيب أو قيد سوى عدم مخالفة النظام العام،[4] ويمتد دور سلطان الإرادة إلى الدرجة التي يكون لطراف العقد حرية تحديد القانون الذي يطبق على هذا العقد وكذلك تحديد القضاء المختص بالفصل في المنازعات المتعلقة ببنوده.

ومضمون العقد الدولي متنوع ومتميز إذ يتولى أطراف العقد الدولي وضع الأحكام والبنود التي تحقق غايتهم ومصالحهم، وكذلك التي تتفق مع الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها من وراء هذا العقد، وغيرها من أمور مثل مدة تنفيذ العقد والالتزامات التي يرتبها العقد على كل طرف من أطرافه وغيرها من أمور يكون للمتعاقدين الحرية الكاملة في تحديدها. لذلك فقد رأى الفقه الدولي ضرورة الاستقرار على تطبيق قانون الإرادة على الجانب الموضوعي للعقد أي على مضمون العقد، مثل الشروط الواجبة لانعقاده كالتراضي والمحل والسبب، وكذلك على أثار العقد وما يرتبه من التزامات على كل طرف من أطراف والجزاء المترتب على مخالفة تلك الالتزامات.

ويرى البعض أنه من الجائز أن يتم تجزئة عناصر العقد الدولي بحيث يخضع كل منها لقانون مختلف عن الأخر مثل إخضاع تكوين العقد للبلد التي يتم إبرام العقد فيها، حيث يكون قانون الإرادة مطبقا بشكل محدود إذ يطبق فقط على ما يرتبه العقد من آثار قانونية.

ويجب التنبيه إلى أن حرية أطراف العقد الدولي في وضع مضمونه محاطة بسياج لا يمكن قبول تخطيه بأي حال من الأحوال وهو اعتبارات النظام العام والآداب العامة، والتي تتمثل في مجموع المصالح الأساسية للمجتمع والتي لا يمكن تصور بقاء المجتمع دون وجودها سواء كانت ذات طبيعة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، كذلك الآداب العامة التي تتمثل في الأسس الخلقية التي يقوم عليها المجتمع والتي تتكون من القواعد الأخلاقية اللازمة لحفظ المجتمع وبقائه دون تخلف أو انحلال.

وعلى ذلك فلا يجوز أن تتفق إرادة المتعاقدان على شرط أو بند أو على مضمون للعقد ينطوي على مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، ويترتب على مخالفة ذلك أن يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا بحيث لا يجوز الاحتجاج به أمام القضاء، كما يجوز لكل ذي مصلحة التمسك بهذا البطلان، وقد نصت المادة (29) من القانون المدني الأردني على: (لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي عينته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية).

ثالثا: الفرق بين العقد التجاري الدولي والعقد الداخلي:

1- يكون الأطراف في العقد الداخلي وطنيين بخلاف العقود الدولية فيكون أحد أطرافها أجنبي، حتى لو كان الطرفان مقيمان ففي ذات الدولة.

2- العقد الداخلي يختص القضاء الوطني بالفصل في المنازعات المتعلقة بها ووفقا لأحكام القانون الوطني، أما العقد الدولي فيكون هناك أكثر من نظام قانوني لأكثر من دولة متصلاً بعناصره القانونية مثل الجنسية أو الموطن أو مكان التنفيذ.

3- لا تتدخل إرادة الأطراف المتعاقدين في تحديد القانون الذي يطبق على العقد المحلي، بخلاف العقد الدولي الذي يكون من حق المتعاقدين تحديد القانون الذي يطبق على النزاعات المتعلقة بالعقد.

4- تُثار مشكلة تنازع القوانين والقضاء المختص في مجال العقود الدولية بخلاف العقود المحلية التي يُطبق عليها القانون الوطني ويختص بالفصل فيها القضاء الوطني.

رابعا: تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

1- تعريف تنازع القوانين:

يُعتبر أساس فكرة تنازع القوانين هو الاختلاف بين القواعد القانونية الموضوعية بين الدول والذي يؤدي إلى عدم تطابق أحكام القانون لكل منهما على النزاع الثائر بشأن العقد التجاري.[5]

وعلى ذلك فيمكن القول إن المقصود بتنازع القوانين هو تزاحم وتضاد بين قانونين أو أكثر لدولتين أو أكثر بخصوص علاقة قانونية تشتمل على عنصر أجنبي، حيث قد يكون العقد أو العلاقة القانونية متصلة بعنصر أجنبي مما يؤدي إلى وجود أكثر من قانون يطبق على العلاقة القانونية، مثل قانون جنسية الأطراف أو قانون موطن الأطراف أو قانون محل الإبرام أو موقع المال، و وجود العنصر الأجنبي يجعل من الممكن ظاهريا تطبيق أحد القانونين المحلي أو الأجنبي على النزاع أو يجعل قانون أحد الدول يُطبق دون القانون الأخر، مما يترتب عليه تنازع بين القانونين لتمسك كل طرف بتطبيق قانونه وهو أمر يستلزم الوقوف على أي من القانوني الذي يخضع له العقد التجاري.[6]

2- شروط وجود تنازع بين قانونين أو كثر:

1- أن تشتمل العلاقة القانونية – أي العقد التجاري الدولي – على عنصر أجنبي حتى تكون هذه العلاقة من الممكن أن تخضع لأحكام قانون أكثر من دولة، لكن إذا كانت العناصر المكونة للعلاقة القانونية كلها وطنية فلا تحدث عملية تنازع القوانين إذ يُطبق القانون المحلي على الواقعة.

2- يشترط لحدوث تنازع القوانين ووفقا لما اتفق عليه الفقه أن تكون العلاقة القانونية محل التنازع علاقة من علاقات القانون الدولي الخاص.[7]

3- أن يكون التنازع القائم بين قوانين دولتين أو أكثر متصفون بصفة الدول أي معترف بهم رسميا بأنهم دول وجزء من أعضاء المجتمع الدولي، وبالتالي إذا انتفت صفة الدولة عن أحد الجهتين الحادث بينهما نزاع فلا يمكننا القول إننا أمام مشكلة تنازع قوانين.

خامسا: دور قواعد الإسناد في مشكلة تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

1- تعريف قواعد الإسناد:

تُعرف قواعد الإسناد بأنها مجموعة القواعد القانونية التي تمكن القاضي من الوقوف على القانون الذي يجب تطبيقه على العلاقات القانونية التي يكون أحد عناصرها أجبني.[8] كما تعرف بأنها القواعد التي يضعها المشرع الوطني بقصد اختيار القانوني الذي يجب تطبيقه على العلاقة القانونية، وذلك في حالة وجود أكثر من قانون يمكن تطبيقه على العلاقات التي تتضمن عنصرا أجنبيا.

فهي عدة قواعد قانونية يلجأ إليها القاضي في تحديد القانون الذي يجب تطبيقه على عقد التجارة الدولي وما إذا كان الأفضل تطبيق القانون المحلي أم القانون الأجنبي الذي يخضع له العنصر الأجنبي، ولا شك أن لهذه القواعد دورا هاما في حل مشكلة تنازع القوانين، كما أنها من حيث كونها قواعد قانونية فهي لا تختلف من وصفها بأنها قواعد مجردة وحيادية تقوم بأداء وظيفتها بشكل حيادي وبالقدر الذي يمكن القاضي من الوصول إلى القانون الأولى بالتطبيق، دون اعتبارات أو تحيزا للقانون المحلي أو لتحقيق مصلحة المواطن على مصلحة الأجنبي، فهدفها تحقيق العدالة مثلها مثل أي قاعدة قانونية أخرى.

2- خصائص قواعد الإسناد:

أ- قواعد غير مباشرة:

حيث إنها لا تطبق على النزاع محل العلاقة القانونية بشكل مباشر، بل يتمحور دورها حول تحديد القانون الذي يجب تطبيقه على النزاع بشأن عقد تجاري دولي، فهي تتميز عن غيرها من القواعد باعتبارها أداة وطريقة للاختيار ين القوانين التي يحدث بينها تنازع أو تدعي إمكانية تطبيقها على العلاقة ذات الطابع الدولي.[9]

ب- قواعد مزدوجة:

ويُقصد بازدواجية قواعد الإسناد أنها توضح الحالات التي يُطبق فيها القانون المحلي والحالات التي يطبق فيها القانون الأجنبي، والمثال الأكثر وضوحا على ذلك إذا كانت العلاقة القانونية بين الطرفين تقتضي الفصل في أهلية الشخص، فمثلا قاعدة الإسناد تقرر أنه يطبق القانون الأردني إذا كان الشخص مواطنا أردنيا، بينما يُطبق قانون الشخص الأجنبي في حالة كون النزاع متعلق بأهلية الطرف الأجنبي، حيث نصت المادة (12/1) من القانون المدني الأردني على: (يسري على الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم. ومع ذلك ففي التصرفات المالية التي تعقد في المملكة الأردنية الهاشمية وتترتب آثارها فيها إذا كان أحد الطرفين أجنبيا ناقص الأهلية وكان نقص الأهلية يرجع إلى سبب فيه خفاء لا يسهل على الطرف الآخر تبينه، فإن هذا السبب لا يؤثر في أهليته).

ج- قواعد غير محددة المضمون:

إذ أنها قواعد عامة بطبيعتها لا تشير إلى أن القانون الواجب التطبيق هو قانون دولة معينة، بل هي تضع الأسس التي تجعل القاضي يتمكن بعد البحث الوصول إلى القانون الذي يجب تطبيقه على العلاقة القانونية، سواء كان قراره باعتبار القانون المحلي هو الواجب التطبيق أو القانون الوطني فهو لا يحدد مقدما القانون الذي سوف يطبق

3- مدى إلزامية قواعد الإسناد:

ثار خلاف فقهي حول مدى التزام القاضي بتطبيق قواعد الإسناد حيث يرى بعض الفقهاء الأوربيين أن قاعدة الإسناد قاعدة اختيارية بالنسبة للقاضي له الحق في اللجوء الهيا أو عدم اللجوء دون أن يكون ملتزما بتطبيقها إلا إذا تمسك الخصوم بتطبيقها.[10]

أما الاتجاه الحديث في كل من القضاء الفرنسي والمصري يرى وجوب التزام القاضي بتطبيق قواعد الإسناد دون أن يتوقف ذلك على مطالبة الخصوم، وذلك أسوة بغيرها من القواعد القانونية التي يجب على القاضي إعمالاها دون انتظار تمسك الأطراف بها، كما أن التزام القاضي بتطبيق قواعد الإسناد يرجع إلى الطبيعي القانونية لقواعد الإسناد فهي قاعد قررها المشرع في قانون داخلي مما يستوجب احترامها وإعمال أحكامها من قبل القضاء.[11]

4- موقف المشرع الأردني والمصري من إلزامية قواعد الإسناد:

أ- موقف المشرع الأردني:

تظهر النصوص القانونية التي نص عليها القانون المدني الأردني وبوضوح اتجاه المشرع الأردني في وجوب أخذ القاضي الأردني بقواعد الإسناد و إعمالها والعمل بمقتضى أحكامها، ومن الأمثلة على ذلك ما نصت عليه المادة (12/1) من القانون المدني السابق ذكرها فيما يتعلق بتحديد أهلية الشخص الأجنبي بناء على قانون الدولة التي ينتمي إليها إلا أن المادة استثنت الحالة التي يكون فيها نقص الأهلية مبهما غير ظاهر ولا يسهل تبينه، وبالتالي إذا كانت أهلية الشخص الأجنبي ليست مبهمة للدرجة التي تدخل الغلط على الأردني فلا يجوز إعمال هذا الاستثناء ويلتزم القاضي الأردني بإعمال قاعدة الإسناد والتي توجب تطبيق قانون جنسية الأجنبي فيما يتعلق بأهليته.

وفي مجال العقود فقد جاءت المادة (20) من القانون المدني لتقرر أنه في حالة اختلاف موطن طرفي التعاقد فيتم تطبيق قانون الدولة التي أبرم فيها التعاقد حيث جاء نصها: (يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك. على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شان هذا العقار).

  • ويتضح من مطالعة النصوص القانونية السابقة أن المشرع عبر عن رغبته الصريحة باعتبار قواعد الإسناد قواعد إلزامية لا يجوز إغفالها أو الامتناع عن تطبيقها بحيث من خلالها يسهل الوصول إلى القانون الواجب التطبيق في حالة حدوث نزاع بين قانون أكثر من دولة.

ب- موقف المشرع المصري:

خرج المشرع المصري عن الالتزام بوجوب اتباع قواعد الإسناد في عقود التجارة الدولية وقطع الطريق أمام حدوث أي تنازع حيث نصت (المادة 72) من قانون التجارة رقم (17) لسنة 1999 على: (تسري أحكام هذا الفصل على كل عقد لنقل تكنولوجيا لاستخدامها في جمهورية مصر العربية سواء أكان هذا النقل دوليا يقع عبر الحدود الإقليمية لمصر أم داخليا ولا عبرة في الحالتين لجنسية أطراف الاتفاق أو لمحال إقامتهم، كما تسري أحكام هذا الفصل على كل اتفاق لنقل التكنولوجيا يبرم بعقد مستقل أو ضمن عقد آخر).

ويتضح من ذلك النص أن المشرع المصري عهد بالاختصاص لقانون التجارة المصري، وجعل جميع عقود نقل التكنولوجيا بقصد استخدامها داخل جمهورية مصر العربية تكون من اختصاص القانون التجاري المصري، برغم اعتبار عقد نقل التكنولوجيا في معظم الأحيان هو عقد تجاري دولي والذي يجعله من حيث المنطق يخضع للقواعد التي تحكم العقود التجارية الدولية، خاصة فيما يتعلق بقانون الإرادة وما يتم الاتفاق عليه بين المتعاقدان من جعل الاختصاص لقانون معين، إلا أن المشرع جعل من سبب العقد وهو استخدام التكنولوجيا في مصر ضابطا لاختصاص القانون المصري بالفصل في المنازعات المتعلقة بهذا العقد، وتأكيدا لذلك فقد نص المشرع المصري صراحة على عدم اعتبار جنسية الأطراف أو محل إقامتهم سببا في تغير الاختصاص للقانون التجاري المصري، حتى لو كان طرفي العقد أجنبيان مادام أن عقد نقل التكنولوجيا غرضه نقلها إلى مصر.

كما قرر المشرع إعمال هذا النص سواء كان عقد نقل التكنولوجيا تابعا لعقد أخر مثل تبعيته لعقد امتياز علامة تجارية أو عقد وكالة أو كان العقد قائما بذاته، كما أن المشرع المصري جاء في المادة (87) من ذات القانون وأكد على اختصاص المحاكم المصرية بالفصل في أي نزاع متعلق بعقد نقل التكنلوجيا، وإذا كان المشرع قد أباح لأطراف التعاقد اللجوء إلى التحكيم للفصل في المنازعات المتعلقة بهذا العقد إلا أن المفهوم من النصوص السابقة أنها تشترط أن يتم هذا التحكيم داخل مصر وفقا للقانون المصري.[12]

سادساً: أحكام فض تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية في القانون المدني الأردني:

ترتيبا على ما سبق فإن القانون المدني الأردني وفي سبيل التغلب على مشكلة تنازع القوانين وتحديد القانون الذي يحكم العلاقة الناشئة عن أحد عقود التجارة الدولية وضع بعض الأحكام التي توضح القانون الواجب التطبيق ومن ذلك ما نصت عليه (المادة 20) من القانون المدني بقولها: (يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك. على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شأن هذا العقار).

ومن خلال ذلك النص يمكن تقسيم الالتزامات التعاقدية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وفيه يكون التعاقد بين متعاقدين لهما نفس الموطن وفي تلك الحالة يختص قانون الدولة التي يوجد فيه موطنهما المشترك ولا تثور في هذه الحالة مشكلة تنازع القوانين.

القسم الثاني: إذا كان لكل طرف من أطراف العقد موطنا مختلفا عن موطن الآخر، ففي هذه الحالة ينعقد الاختصاص لقانون الدولة محل أبرام هذا العقد.

القسم الثالث: أن يتفق طرفا العقد التجاري الدولي على تعيين القانون المختص بالفصل في النزاعات المتعلقة بهذا العقد، وفي هذه الحالة يكون هذا الاتفاق منتجا لأثره بحيث ينعقد الاختصاص للقانون المتفق عليه اعملا لمبدأ قانون الإرادة.

القسم الرابع: وهو ما ورد في الفقرة الثانية من ذات المادة والتي جعلت الاختصاص في العقارات منعقد دائما لقانون الدولة التي يقع العقار فيها دون اعتبار لأي اتفاق بين الأطراف على غير ذلك.

وقد جاءت (المادة 21) من ذات القانون لتوضح الأحكام التي تتعلق بشكل العقد والقانون الذي ينعقد الاختصاص له بالفصل في المنازعات المتعلقة بشكل العقد، حيث جاء نصها (تخضع العقود ما بين الأحياء في شكلها لقانون البلد الذي تمت فيه ويجوز أيضا أن تخضع للقانون الذي يسري على أحكامها الموضوعية كما يجوز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونهما الوطني المشترك).

ويتضح من ذلك النص أن المشرع قد عهد بالاختصاص إلى قانون الدولة التي انعقد فيها العقد بين الأحياء وينحصر نطاق تطبيق هذا الاختصاص في الشكل الظاهري للتصرف فقط أي الشكل الذي يعبر عن إرادة المتعاقدين بمظهر خارجي، والتي تتمثل في الإجراءات الواجب اتباعها لإبرام العقد، أو وجوب توقيع شهود على العقد فكل ما يشترطه القانون لانعقاد العقد من مظاهر خارجية يكون جزء من شكله العقد وبالتالي يخضع لاختصاص الدولة الذي يتم العقد فيها.

إلا انه يخرج من اختصاص قانون الدولة التي عقد فيها العقد أي شكل يعتبر ركنا قائما بذاته في العقد، كاشتراط الرسمية في الهبة فهي في هذه الحالة شرطا موضوعيا ويخضع لقانون الدولة التي تختص بالفصل في موضوع العقد.[13] ورغم ذلك فقد أجاز المشرع في نهاية هذه المادة جواز إخضاع تلك العقود من حيث أحكامها الشكلية لذات القانون الذي يسري على الأحكام الخاص بموضوع التعاقد أو لقانون موطن المتعاقدين.

وقد قضت محكمة النقض المصرية في حكمها الصادر برقم 216 لسنة 38 الدوائر المدنية بأن: (مؤدى نص (المادة ٢٠) من القانون المدني أن المشرع أخذ بقاعدة خضوع شكل التصرف لقانون محل إبرامه. وجعلها القاعدة العامة، على أن للمتعاقدين اختيار أي قانون من القوانين الأخرى الواردة بها، واختصاص القانون الذى يسرى على الشكل لا يتناول – على ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية – إلا عناصر الشكل الخارجية، أما الأوضاع الجوهرية في الشكل وهي التي تعتبر ركناً في انعقاد التصرف كالرسمية في الرهن التأميني، فتخضع للقانون الذى يحكم موضوع التصرف و ليس لقانون محل إبرامه، ومن ثم فإن الشكلية التي تفضى لإثبات التصرف تخضع لقانون محل إبرامه، وعلى هذا فإذا استلزم القانون الذى يحكم موضوع التصرف الكتابة لإثباته و لم يستلزمها قانون محل إبرامه تعين الأخذ بهذا القانون الأخير).

سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن تنازع القوانين في عقود التجارة الدولية:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 258 لسنة 2020 ما يلي:

وعن الأسباب الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس وحاصلها تخطئة محكمة الاستئناف عندما قررت بطلان عقد نقل ملكية العلامة التجارية بالاستناد إلى القانون الوطني والقانون الأجنبي(السعودي) في الوقت ذاته حيث لا يجوز تطبيق أكثر من نظام قانوني على الواقعة ذاتها، كما أنها لم تبين كيف توصلت إلى نتيجة مفادها بطلان العقد موضوع الدعوى لمجرد التخلف عن مراعاة الشكلية في تسجيل العلامة التجارية.

وفي ذلك نجد أن محكمة الاستئناف قررت بطلان عقد نقل ملكية العلامة التجارية بالاستناد إلى المادة 19 من قانون العلامات التجارية الأردني والمادة 32 من نظام العلامات التجارية لدى المملكة العربية السعودية في الوقت ذاته بسبب التخلف عن تسجيل العلامة التجارية في السعودية بصورة رسمية وقبل أن تبحث في قواعد الإسناد الواردة في المواد 11-29 من القانون المدني الأردني لبيان أي من القانونين هو الواجب التطبيق على العقد موضوع الدعوى ومن ثم بيان فيما إذا كان القانون الواجب التطبيق يرتب بطلان العقد في حال عدم مراعاة الشكلية في نقل ملكية العلامة التجارية أم لا, وما هو الأثر القانوني في حال وجدت المحكمة أن عقد نقل ملكية العلامة التجارية انعقد صحيحاً وليس باطلاً مما يجعل الحكم المميز سابقاً لأوانه وقاصراً في التعليل والتسبيب ويتعين نقضه لورود هذه الأسباب عليه. وتأسيساً على ما تقدم ودون الحاجة للرد على باقي أسباب الطعن في هذه المرحلة نقرر نقض الحكم المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني).

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3460 لسنة 2014 ما يلي:

وعن السببين الثاني والحادي والعشرين ومفادهما تخطئة محكمة الاستئناف بعدم تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع القائم هل هو قانون التجارة الأردني أم قانون التجارة الإماراتي خلافاً للمواد (20 و22 و27) مدني أردني. في ذلك نجد أن المادة (26) من القانون المدني الأردني نصت على: (تعين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة مجهولي الجنسية أو الذين تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد على أن الأشخاص الذين تثبت لهم في وقت واحد الجنسية الأردنية وجنسية دولة أجنبية أخرى فإن القانون الأردني هو الذي يجب تطبيقه) وحيث إن المدعى عليه مواطن أردني وطبقت محكمة الاستئناف قانون التجارة الأردني على وقائع هذه الدعوى تكون قد أصابت صحيح القانون مما يتعين رد هذين السببين).

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] محمد الشيخ عمر، قانون المعاملات المدنية، ج1، الالتزامات الإرادية، ص 25.

[2] السيد عليوة، مهارات التفاوض والعقود والتحكيم الدولي، دار الأمين للنشر والتوزيع، 2002، ص 86.

[3] محمد حسين منصور، العقود الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 2009، ص 12.

[4] محمد حسين منصور، العقود الدولية، مرجع سابق، ص 124.

[5] صلاح الدين جمال الدين، تنازع القوانين دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون، دار الفكر الجامعي، الطبعة الثانية 2007، ص 15.

[6] حسن الهداي، القانون الدولي الخاص، تنازع القوانين، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 1997 ص 13.

[7] ادم أبكر صافي أنور، إثر الجنسية والموطن على الشركة متعددة الجنسية، مجلة العدل 2005، العدد 16، ص 16.

[8] إبراهيم محمد موسى فضل الله، القانون الدولي الخاص، شركة السودان لمطابع العملة المحدودة، 2011، ص 167.

[9] جمال محمد الكردي، تنازع القوانين، دار النهضة الربية ؟، 2005، ص 53.

[10] جمال محمد الكردي، مرجع سابق، ص 139. 1- ومقال مشنور على موقع حماة الحق ، محامي تأمين ،

[11] احمد عبد الكريم سلامة، الوسيط في القانون الدوال الخاص السعودي، ص 28

[12] المعتصم بالله الغرياني، القانون التجاري، جامعة الإسكندرية، ص 21 إلى ص 23

[13] دكتور عز الدين عبدالله، محاضرات في تنازع القوانين في العقد، الكويت 1972، ص42.

Scroll to Top