جريمة استغلال عاملات المنازل وفقاَ لقانون منع الإتجار بالبشر
يُعتبر موضوع الإتجار في البشر واستغلال عاملات المنازل من الموضوعات الأكثر انتشاراَ في الآونة الأخيرة حيث أصبحت هذه التجارة ثالث أكبر تجارة في العالم بعد تجارة المخدرات والسلاح، وذلك لما لهذه التجارة من خطورة على حياة الإنسان، وانتهاك لمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان من خلال النيل من حريه الإنسان وكرامته، التي حثت عليها كافة القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، كما أن الشريعة الإسلامية كرمت الإنسان وحافظت على حقوقه وأدميته.
وذلك كما ورد في قول المولي عز وجل: ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيراَ ممن خلقنا تفضيلا “، هذا وتعتبر هذه الجريمة أحد أشكال الرق المعاصر، حيث تقوم مافيا الإتجار بالبشر والتابعين لهم من وسطاء بانتهاك حقوق الطبقة المستضعفة من البشر واستغلالهم استغلال سيئ قد يصل إلى حد الرق والعبودية، وأصبح الإنسان لدى هؤلاء المجرمين مجرد سلعة تباع وتشترى.
ولقد حددت الأمم المتحدة أهم صور الإتجار في البشر بأنها تشمل استغلال الأشخاص للعمل في البغاء أو أية أشكال أخرى من الاستغلال الجنسي أو الإكراه على العمل أو الخدمات أو ممارسات مشابهة للعبودية أو إزالة الأعضاء، ولما كانت جريمة الإتجار في البشر واستغلال عاملات المنازل من الجرائم التي تمثل انتهاكاَ صارخاَ لمعاني الإنسانية، ولما كان هذا النوع من الجرائم بات يمثل تهديداَ حقيقياَ للمجتمع كلل، كما أنها تعتبر من الجرائم المسيئة لحرية وكرامة الإنسان إن لم تكافح ويتم توقيع العقاب الرادع لمرتكبيها، وهو الأمر الذي معه سوف نحاول من خلال هذا المقال التعرف على هذه الجريمة بشكل توضيحي، وذلك بالاستناد للقانون المعدل لقانون الإتجار بالبشر رقم 10 لسنة 2021 ـ، على النحو التالي:[1]
جدول المحتويات
التعريف بجريمة استغلال عاملات المنازل وفق قانون منع الإتجار في البشر
خصائص جريمة استغلال عاملات المنازل
أسباب انتشار جريمة استغلال عاملات المنازل
أركان جريمة استغلال عاملات المنازل
الجهود الدولية والوطنية لمواجهة هذه الجرائم
التعريف بجريمة استغلال عاملات المنازل وفق قانون منع الإتجار في البشر
في البداية نود أن نشير إلى أن الفقرة الأولى من (المادة الثالثة) من برتوكول الأمم المتحدة لمنع ومعاقبة الإتجار بالبشر والمصدق عليه في نوفمبر من عام 2000 عرفت جريمة الإتجار في البشر على أنها: ” كافة العمليات التي تتضمن تجنيد أشخاص، أو نقلهم، أو تحويلهم، أو إيواؤهم، أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة، أو استعمالها، أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة ضعف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراَ، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء”.
كما أن الفقرة أ، ب من (المادة الثالثة) من القانون الأردني رقم (9) لسنة 2009 الخاص بمنع الإتجار بالبشر نصت على: ” – لمقاصد هذا القانون تعني عبارة (جرائم الإتجار بالبشر)
1ـ استقطاب أشخاص، أو نقلهم، أو إيوائهم، أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص، أو.
2ـ استقطاب، أو نقل، أو إيواء، أو استقبال من هم دون الثامنة عشرة متى كان ذلك بغرض استغلالهم ولو لم يقترن هذا الاستغلال بالتهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من الطرق المنصوص عليها في البند (1) من هذه الفقرة.
ـ لغايات الفقرة (أ) من هذه المادة، تعني كلمة (الاستغلال) استغلال الأشخاص في العمل بالسخرة، أو العمل قسراَ، أو الاسترقاق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو التسول المنظم أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي”.
ملاحظة
حيث تم تعديل الفقرة ب من المادة السابقة بإضافة عبارة (أو التسول المنظم) بعد عبارة (في الدعارة) الواردة فيها، حيث إنها لم تكن موجودة قبل التعديل، وبهذه العبارة أضاف المشرع وسبلة تعد من وسائل الاتجار بالبشر وهي التسول المنظم.
كما عرفت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في حكمها الصادر عام 2005 بأنه: ” إكراه شخص على تقديم خدماته قصراَ، ومن ثم فهذا الإكراه يقترن بمفهوم الرق.
ويمكن القول إن استغلال عاملات المنازل عبارة عن استغلالهم في خدمه المنازل رغم إرادتهم ومن ثم فهم يخضعون لأعمال الاسترقاق من خلال استعمال القوة أو الإكراه، مثل إلحاق الإساءات الجسدية والعاطفية بهم، ومن الصعب اكتشاف حالات الاسترقاق المنزلي، لأنها تتم في منازل خاصة لا تخضع للتفتيش من السلطات العامة.[2]
هذا وقد وصلت الأرباح الناجمة عن هذه التجارة والتي تحتل المركز الثالث عالمياَ بعد تجارة المخدرات وتجارة السلاح، وفق تقرير الأمم المتحدة والذي أقر أنه قد بلغت قيمة ما تتحصل عليه العصابات المنظمة لهذه الجريم من نقل وبيع واستغلال البشر أكثر من (31,6) مليار دولار في العام الواحد.[3]
خصائص جريمة استغلال عاملات المنازل
تتميز هذه الجرائم بعدت خصائص تميزها عن غيرها من الجرائم ويمكن بيان هذه الخصائص على النحو التالي:
1ـ تعتبر هذه الجرائم من الجرائم المنظمة
حيث إن هذه الجريمة تقوم بها عصابات احترفت الجريمة وجعلت الجريمة محور ومجال نشاطها، ومصدر لدخلها، حيث تمارس هذه العصابات أنشطتها الإجرامية مستهدفة توليد تدفقات نقدية ضخمة وسريعة بالمخالفة للقانون والأخلاق والقيم الإنسانية، وتعتبر جريمة استغلال عاملات المنازل أحد صور الجريمة المنظمة كون هذه الجريمة تمارسها عصابات إجرامية احترفت هذه الجريمة وجعلتها محوراَ ومجالاَ لنشاطها ومصدراَ لدخلها.[4]
2ـ تعتبر من الجرائم المركبة
الجريمة المركبة كما عرفها الفقه ما هي إلا الجريمة التي يتكون الفعل أو النشاط الإجرامي لها من أكثر من فعل، فإذا اقترنت هذه الأفعال نكون بصدد جريمة واحدة مركبة، وحيث أن جريمة استغلال عاملات المنازل تعد بمثابة جريمة مركبة كونها تتكون من عده عناصر، والتي تبدأ بالعاملة أي الشخص الذي يقع عليه الاعتداء، ثم يأتي الوسيط أو التاجر الذي يقوم بجلب العاملات للسوق وحسب الطلب، ثم تأتي الدولة المستوردة وهي السوق الذي تستخدم فيه تلك العاملة.
3ـ تهدف هذه الجريمة لتحقيق الربح
وفق تقرير منظمة الأمن والتعاون في أوربا فإن حوالي 200,000 مليون يتم الإتجار فيهم في أوربا وهو بحسب الإحصائيات ما يقارب العائد المادي لهذه العمليات حوالي من 12 إلى 32 مليون دولار، كما أن عمليات تنقل الأشخاص من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية سواء نساء أو أطفال لغرض الاستغلال الجنسي أو أحد صور الإتجار بالبشر يقدر بحوالي من 40 إلى 50 ألف دولار، ومن ثم فإن الهدف من هذه الجريمة هي تحقيق الربح بغض النظر عن آثارها الخطيرة.
4ـ جريمة استغلال عاملات المنازل واقعة على الأشخاص
إن هذه الجريمة من الجرائم التي تقع على البشر أو الإنسان، فالأخير هو محل هذه الجريمة وإن كان الهدف منها هو تحقيق الربح إلا أن محل هذه الجريمة يظل متعلق بالبشر سواء باستغلاله في الدعارة أو العمالة القسرية أو الإتجار في الأعضاء أو العبودية ومن ثم فإن هذه الجريمة تقع على البشر وتمس من كرامته وحريته.
5ـ تعتبر جريمة استغلال عاملات المنازل من الجرائم العمدية
حيث إنه وبالنظر للركن المادي للجريمة فإنها تنقسم إلى جرائم عمدية وهي التي يشترط فيها توافر القصد الجنائي لدى الفاعل، وجرائم غير عمدية والتي يكتفي فيها بتوافر الخطأ أو الإهمال في سلوك الجاني.
وحيث أنه وبالنظر لجريمة استغلال عاملات المنازل والإتجار فيهن بأي صورة من صور الإتجار بالبشر فإنه لا يمكن أن تكون إلا جريمة عمدية مكتملة الأركان، حيث إن طبيعة الأفعال المكونة للجريمة والوسائل المستخدمة فيها لا يمكن تطبيقها إلا بصورة عمدية.
أسباب انتشار جريمة استغلال عاملات المنازل
هناك أسباب ودوافع عديدة أدت لانتشار هذه الجريمة عالمياَ، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اجتماعي، بالإضافة للعوامل السياسية والثقافية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
1ـ العوامل الاقتصادية والاجتماعية
حيث تعتبر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة في الكثير من الدول أحد أكبر العوامل وراء انتشار هذه الجريمة، فالفقر وانخفاض مستوي الدخل يعد عاملاَ أساسياَ في ارتكاب العديد من الجرائم وعلى رأسها جريمة استغلال عاملات المنازل، فالفتيات تعتبر السلعة الرائجة والمنتشرة في مجال الإتجار بالبشر، حيث يتم استغلال الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر بها كثير من النساء في دول العالم، ومن ثم يسعي التجار بكل الطرق للإيقاع بهن واستغلالهن وتشغيلهن في شتى الأعمال ومنها الخدمة المنزلية والتي تشبهه العبودية، ولا يقتصر ذلك على العاملات التي لا تحمل مؤهلات علمية، وإن كن أكثر من يتعرض لهذه الجرائم.[5]
كما أنه من أهم الأسباب الاقتصادية أيضاَ انتشار البطالة وقلة فرص العمل، حيث إنه لا يكاد تخلو دولة في العالم من مشكلة البطالة، ولكن بنسب متفاوتة من دولة لأخرى، وهو ما يدفع الأشخاص للسفر إلى دول أخرى بحثاَ عن عمل، وفي الغالب يواجهون واقع مرير في شروط العمل والرواتب الضعيفة وهو ما يجعل العمل ككل أشبه بالسخرة.
ولعل التفكك الأسري والعادات والتقاليد المختلفة من أهم العوامل الاجتماعية وراء انتشار ظاهرة استغلال عاملات المنازل، فوقوع الطلاق بين الأزواج أو وفاة الأبوين أو أحدهما أو التعرض للمعاملة القاسية داخل المنزل يؤدي حتماَ إلى نتائج سلبية ملموسة للأبناء، كما أن تشجيع الأهل على مفارقة الطفل بعد إيهامهم بأنه سيواجه مستقبل أفضل وسيساعده ذلك على اكتساب المهارات اللازمة لمواجهة متطلبات الحياة، ومن ثم يقوم التجار بالمتاجرة بهم للعمل في العديد من المجالات ومن بينها الخدمة المنزلية أو ما يشابهها من صور الإتجار بالبشر.[6]
كما أن ضعف الوازع الديني والخلقي وعدم التمسك بالمبادئ الدينية من الأسباب والدوافع لارتكاب هذه الجرائم، كما أن الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة والذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم (104/48) عام 1993 أوضح أن من أسباب انتشار هذه الظاهرة هي استعمال العنف ضد المرأة واضطهادها.
2ـ العوامل السياسة والثقافية
مما لا شك فيه أن نقص اللوائح والقوانين، وعدم وضعها موضع التنفيذ حال وجودها من أهم الأسباب التي أدت لزيادة انتشار جريمة استغلال عاملات المنازل والمتاجرة بهن، كما أن الصراعات الداخلية والحروب والكوارث تؤدي بما لا يدع مجالاَ للشك لزيادة عدد اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين وتشرد الأسر وتدفع بكل اللاجئين الذين خرجوا من بلدانهم إلى الوقوع كضحايا في يد عصابات الإتجار بالبشر.[7]
كما تعتبر السينما والتليفزيون والإنترنت وغيرها من وسائل الإعلام التي تستهدف الجمهور وتعمل على زيادة الوعي والثقافة لديهم تُعد أحد العوامل المؤدية إلى انتشار تلك الجريمة، حيث إن استخدامهم بشكل غير مشروع وقيام البعض باستغلالها لأغراض إباحية وإجرامية، بما يدفع لزيادة هذه الجريمة، وهو ما دفع الأمم المتحدة لإصدار قرارها رقم (5 ـ 2009) المتعلق بمكافحة الاستغلال الجنسي على الإنترنت المتخذ بتنسيق مع الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول).
أركان جريمة استغلال عاملات المنازل
إن أي جريمة لكي تقع ويسأل فاعلها عن جريمته، يجب أن تتوافر فيها عدد من الأركان، وهذه الأركان عبارة عن الركن الشرعي أو القانوني، والركن المادي، والركن المعنوي، ولما كانت جريمة استغلال عاملات المنازل كغيرها من الجرائم فمن ثم يجب أن تتوافر فيها الأركان الرئيسية للجريمة، ويمكن بيانها على النحو التالي:
1ـ الركن القانوني
لما كان المبدأ العام أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، وهو ما أكدت عليه (المادة الثالثة) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على: ” لا جريمة إلا بنص ولا يقضي بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة، وتعتبر الجريمة تامة إذا تمت أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت حصول النتيجة “.
ولما كان المشرع الأردني أصدر القانون رقم (9) لسنة 2009 الخاص بالإتجار بالبشر، والمنشور في الجريدة الرسمية الأردنية في العدد (4952) بتاريخ 1/3/2009، ومعدل لقانون رقم 10 لسنة 2021 ، لوضع نظام قانوني يحمي الأشخاص المعرضين لهذه التجارة، ووضع العقاب الرادع لمرتكب هذا الجرم، إلا أنه لم يرد تعريف خاص لجريمة استغلال عاملات المنازل تحديداَ في هذا القانون، إلا أن جرائم استغلال عاملات المنازل تندرج ضمن الفهم العام للإتجار بالبشر، وهو ما أكد عليه البرتوكول رقم (2) من اتفاقية (بالميرو) عام 2000، والذي يعتبر مكمل لاتفاقية الأمم المتحدة حول الجريمة المنظمة عبر الوطنية، كما أن الاتفاقية المذكورة قد حظرت أعمال الاستغلال والاسترقاق والتي تدخل في مفهوم الإتجار بالبشر، وهناك العديد من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية الدولية بحظر الإتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير عام 1949، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة عام 1979، واتفاقية حقوق الطفل بخصوص بيع الأطفال ودعارتهم والصور الخليعة عام 2000، وقد صادقت على هذه الاتفاقيات والمواثيق الدولية المملكة الأردنية الهاشمية.
2ـ الركن المادي للجريمة
إن الركن المادي للجريمة هو المظهر الخارجي لها والتي تخرج به إلى حيز الوجود، وهو عبارة عن السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بينهما. ولقد حدد المشرع الأردني الأفعال المكونة للفعل الإجرامي في قانون منع الإتجار بالبشر كاستقطاب الأشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم ، أو استغلالهم في العمل بالسخرة أو العمل قسراَ أو الاسترقاق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو التسول المنظم أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي، وذلك عن طريق التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص.
كما أن بروتوكول الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال (باليرمو) عام 2000 ألزم في مادته الخامسة الدول الأطراف في هذه الاتفاقية باعتماد ما يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال الآتية:
- الشروع في ارتكاب الأفعال المجرمة….
- المساهمة كشريك في أحد الأفعال المجرمة….
- تنظيم أو توجيه أشخاص آخرين لارتكاب أحد الأفعال المجرمة..”
غير أن المشرع الأردني لم ينص أو يضع نصوص أو أحكام خاصة تتعلق بمعاقبة من يقوم بالشروع في جريمة الإتجار بالبشر، ومن ثم يرجع في هذا الشأن للقواعد العامة الواردة في قانون العقوبات الأردني.
3ـ الركن المعنوي للجريمة
وهو ما يعني توافر القصد الجنائي العام للجريمة عن علم وإرادة واعية غير مشوبة بعيوب الإرادة، فيجب أن يكون الجاني علي علم بطبيعة الفعل نتيجته الإجرامية، وأن تتجه إراثه لتحقيق هذه الجريمة، وفي هذه الجريمة فإن الجاني يعلم بطبيعة فعله من خلال استقطاب الأشخاص، أو نقلهم، أو إيوائهم، أو استقبالهم ، أو استغلالهم واستخدامهم، كما أنه على علم بمحل الجريمة وهو الإنسان ( ضحية الإتجار بالبشر)، كما أن المجرم يعلم بالوسيلة المستخدمة لهذه الجريمة كالتهديد بالقوة أو استعمالها أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف، أو الجهل، كما يجب أن يعلم الجاني بوجود مقابل للفعل الإجرامي والذي يتمثل في المنفعة المادية والمقابل المادي الذي سوف يتحصل عليه الجاني من تلك الجريمة، كما يجب أن تتجه إرادته لتحقيق الأفعال المكونة لهذه الجريمة.[8]
غير أنه وبالإضافة للقصد الجنائي العام فإن المشرع الأردني أضاف في هذه الجريمة ضرورة أن يتوافر القصد الجنائي الخاص، وذلك من خلال أفعال استغلال الضحايا في العمل بالسخرة، أو العمل قسراَ، أو الاسترقاق، أو الاستعباد، أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو التسول المنظم أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي، وهي الأفعال التي أكدت عليها المادة الثالثة من قانون منع الإتجار بالبشر الأردني.
وهو ما أكد عليه برتوكول الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص وبخاصة الأطفال لعام 2000، والذي تضمن النص على القصد الجنائي الخاص في جريمة الإتجار بالبشر وهو غرض أو غاية استغلال الأشخاص.
الجهود الدولية والوطنية لمواجهة هذه الجرائم
لما كانت جريمة استغلال عاملات المنازل والإتجار فيهم من الجرائم العابرة للحدود الوطنية، حيث تمارس هذه الجريمة عصابات منظمة على نطاق واسع، الأمر الذي تضافرت معه الجهود الدولية والوطنية للحد من هذه الجريمة ومكافحتها، ومن أهم الجهود الدولية في هذه الجرائم ما قامت به منظمة الأمم المتحدة من خلال ما أصدرته جمعيتها العامة من قرارات وتوصيات متعلقة بمكافحة الإتجار بالبشر ومنها القرار رقم 58/137 بتاريخ 22/12/2003 تحت عنوان ” تعزيز التعاون الدولي في منع الإتجار بالبشر ومكافحته وحماية ضحاياه”، وقد طالبت الدول الأعضاء بضرورة وجود تعاون دولي لمكافحة هذه الجريمة وتيسير إجراءات التعامل مع الضحايا.[9]
كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة عقدت العديد من المؤتمرات التي حثت من خلالها على مكافحة جريمة الإتجار بالبشر، ومن بين هذه المؤتمرات ما قامت به عام 2008 من مناقشة مهمة حول الإتجار بالبشر والتأكيد على ضرورة التعاون بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والقطاع الخاص للقضاء على الإتجار بالبشر، وحماية الضحايا وملاحقة مرتكب هذه الجرائم.
كما أن من أهم الجهود المبذولة في هذا الشأن ما قام به المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة من خلال إصداره للقرار رقم (27) لعام 2006 والذي أوضح من خلاله على ضرورة التعاون من أجل معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تشجع على الإتجار بالبشر وتنميه، وكذلك إعداد وتأهيل الضحايا من الناحيتين النفسية والاجتماعية.
كما دعت منظمة العمل الدولية لتحديد حد أدني لسن عمل الأطفال وهو إتمام التعليم الإلزامي الذي لا يقل عن 15 عام، كما أن منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) تلعب دور مهماَ في مكافحة الإتجار بالبشر، حيث عقدت المنظمة عام 1988 الندوة الأولي حول جريمة الإتجار بالبشر والتعاون الشرطي في مكافحتها، وكذلك المؤتمر الدولي لمكافحة جرائم الإتجار بالبشر على الصعيد الدولي عام 2010، كما أن هذه المنظمة تعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة لمكافحة هذه الجريمة.
كما أن من أهم الجهود الوطنية لمكافحة هذه الجريمة ما قامت به المملكة الأردنية الهاشمية من الانضمام لمعظم الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالإتجار بالبشر حيث صادقت على كل من ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في 28/5/ 1975، والمصادقة على اتفاقية حقوق الطفل في 24/5/1991، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة في 1/7/1992، والمصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية في 4/12/2006، والمصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة في 23/5/2007، والمصادقة على بروتوكول منع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية في 12/4/2009).
كما قام المشرع الأردني بإصدار القانون رقم (9) لعام 2009 بشأن منع الإتجار بالبشر، والذي أصبح ساري المفعول اعتباراَ من 1/4/2009، والذي نظمت أحكامة جريمة الإتجار بالبشر، والعقوبات المفروضة على مرتكب هذه الجرائم، وتضمن تشكيل لجنة تختص بهذا الأمر وهي اللجنة الوطنية لمنع الإتجار بالبشر برئاسة وزير العدل وعضوية جميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المعنية بمكافحة الإتجار بالبشر، وأن تكون مهام هذه اللجنة كما حددتها (المادة الخامسة) من ذات القانون والتي تتمثل في: تتولى اللجنة المهام والصلاحيات التالية:
أ ـ رسم السياسة العامة لمنع الإتجار بالبشر ووضع الخطط اللازمة لتنفيذها والإشراف على تطبيقها.
ب ـ مراجعة التشريعات ذات العلاقة بمنع الإتجار بالبشر وتقديم المقترحات والتوصيات اللازمة بشأنها.
ج ـ التنسيق بين جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بمنع الإتجار بالبشر بما في ذلك ما يلزم من إجراءات لتيسير عودة المجني عليهم والمتضررين من هذه الجرائم إلى أوطانهم أو أي دولة أخرى يختارونها وتوافق على استقبالهم.
د ـ إصدار دليل وطني يتضمن الإرشادات والمواد التثقيفية ذات الصلة بعملها ونشره.
هـ ـ نشر الوعي لدى أرباب العمل والمتعاملين باستقدام العمال والمستخدمين حول الأمور المتعلقة بمنع الإتجار بالبشر من خلال عقد المؤتمرات والندوات والبرامج التدريبية والتثقيفية وغير ذلك من الوسائل.
و ـ دراسة التقارير الدولية والإقليمية والمحلية المتعلقة بمنع الإتجار بالبشر، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة بشأنها.
ز ـ التعاون مع جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية لتنفيذ برامج التعافي الجسدي والنفسي والاجتماعي اللازمة للمجني عليهم والمتضررين من جرائم الإتجار بالبشر والأشراف على إيوائهم في أماكن منشأة أو معتمدة لهذه الغاية.
ح ـ تشكيل لجنة فرعية واحدة أو أكثر بهدف مساعدة اللجنة للقيام بمهامها وتقديم التوصيات لها.
ط ـ أي مهام ذات علاقة بعملها يعرضها عليها رئيس اللجنة.
وفي غضون عام 2010 تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر من خلال الوقاية والحماية والملاحقة القضائية وبناء الشركات، كما أن الحكومة الأردنية أصدرت نظام خاص بدور الإيواء للمجني عليهم والمتضررين من جرائم الإتجار بالبشر تحت رقم (30) لسنة 2012، كما أن الحكومة الأردنية عملت أيضاَ على تسهيل عمليات الإبلاغ عن تلك الجرائم من خلال إنشاء خطوط هاتفية ساخنة لدي الجهات المعنية بهذه الجرائم.
إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.
[1] مشاري منوخ مشعل الشعلان، الإتجار بالبشر في القانون الكويتي والقانون الأردني على ضوء المعاهدات الدولية، رسالة ماجستير مقدمة لقسم القانون العام ـ كلية الحقوق ـ جامعة الشرق الأوسط، عمان ـ الأردن 2018، صـ 4.
[2] هاني عيسوي السبكي، الإتجار بالبشر، دار الثقافة، الطبعة الأولي، عمان، 2014، صـ 73.
[3] خالد بن محمد الدوغان، الإتجار بالبشر وموق الشريعة الإسلامية منه، المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل (العلوم الإنسانية والإدارية)، السعودية، المجلد العاشر، العدد الثاني، 1430هـ ـ 2009 م، صـ 20.
[4] ليلي على حسين صادق، جريمة الإتجار بالبشر وبخاصة النساء كجريمة عابرة للحدود، رسالة ماجستير مقدمة لقسم القانون العام ـ كلية الحقوق ـ جامعة الشرق الأوسط، عمان ـ الأردن، 2011، صـ 51.
[5] محمود شريف بسيوني، الجريمة المنظمة عبر الوطنية، دار الشروق، الطبعة الأولي، القاهرة، 2004، صـ 88.
[6] هاني عيسوي السبكي، الإتجار بالبشر، دار الثقافة، الطبعة الأولي، عمان، 2014، صــ 101.
[7] حامد سيد محمد حامد، الإتجار في البشر كجريمة منظمة عابرة للحدود، الطبعة الأولي، المركز القومي للإصدارات القانونية،2016، صـ 28.
[8] منال منجد، المواجهة الجنائية لجرائم الإتجار بالبشر، بحث منشور في مجلة جامعة دمشق للعلوم القانونية والاقتصادية، العدد الثاني، المجلد (28)، 2012، صـ 50.
[9] ضحى نشأت الطالباني، الحماية القانونية للعمالة المنزلية من جريمة الإتجار بالبشر على الصعيد الدولي والوطني، دار وائل، الطبعة الأولي، عمان، 2017، صــ 185.

