المخاطر المؤمنة والمستثناة في التأمين البحري على البضائع
أصبح التأمين البحري في عصرنا الحالي بمثابة شريان من شرايين الحياة الرئيسية التي تعتمد عليها التجارة البحرية في وجودها، لاسيما وأن نشاط الملاحة البحرية والنقل البحري يعتبر من أكثر الأنشطة عرضة للمخاطر البحرية المختلفة، وهو بدوره ما يهدد أطراف العلاقات التجارية البحرية بالأضرار التي قد تنجم عن تلك المخاطر وتصيب البضائع المنقولة، وهو ما منح التأمين البحري أهميته في كفالة الاطمئنان لدى العاملين بالتجارة البحرية، وضمان تغطية ما يصيب محل التأمين من سفن أو بضائع من أضرار ناتجة عن الأضرار المؤمن منها.
وإن كنا نسلم بما سبق إلا أن هناك تساؤلاً هاماً يثيره البعض في هذا الشأن، وهذا التساؤل يتعلق بالمدى الذي يغطيه التأمين البحري من حيث نوع المخاطر التي يتم التأمين منها، بمعنى آخر هل يجوز التأمين ضد جميع الأخطار البحرية؟ وللإجابة على هذا التساؤل فقد قررنا أن يكون مقالنا اليوم عن المخاطر المؤمنة والمخاطر المستثناة في التأمين البحري على البضائع.
أولاً: المقصود بالمخاطر والتأمين البحري
ثانياً: المخاطر المؤمنة في قانون التجارة البحرية
ثالثاً: المخاطر المستثناة في قانون التجارة البحرية
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: المقصود بالمخاطر والتأمين البحري
يلزم في البداية وقبل الخوض في مدى الأخطار التي يغطيها التأمين البحري أن نكون على علم ودراية بمفهوم المخاطر في مجال التأمين البحري، بل ويجب قبل ذلك أن نتعرف بماهية ومضمون التأمين ذاته، وهو ما سنتناوله في الأسطر القليلة القادمة.
1- التعريف بالتأمين البحري
في معاجم اللغة يشير لفظ “التأمين” إلى الأمان والأمن، فهو يدل على الاطمئنان لدى النفس، واختفاء الخشية والخوف منها[1].
والتأمين عرفه الفقه بوجه عام على أنه عقد من العقود المسماة، والذي بمقتضاه يتقاضى أحد طرفيه ويدعى المؤمن من الطرف الآخر وهو المؤمن له قسطاً يسمى بقسط التأمين، وذلك نظير أن يسدد المؤمن للمؤمن له أو لآخر يحدده مبلغ من المال، وذلك في حالة تحقق أحد الأخطار التي يتم الاتفاق على التأمين ضدها.
كما عرفه المشرع الأردني في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته، وذلك بنص المادة رقم (920) منه والتي اشتملت على تعريف التأمين بأنه (عقد يلتزم به المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك مقابل مبلغ محدد أو أقساط دورية يؤديها المؤمن له للمؤمن).
وحيث أن التأمين البحري يختلف عن التأمين البري اختلافاً تفرضه الطبيعة الخاصة لمجال الأنشطة البحرية، فإن المشرع الأردني قد كان حريصاً كل الحرص على بيان هذا الاختلاف والتأكيد عليه، ويتبين ذلك جلياً فيما قام به من وضع تعريف مستقل للتأمين البحري بقانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته، وذلك فيما جاء بنص المادة (296) منه والتي عرفت التأمين البحري بأنه (عقد يرضى بمقتضاه المؤمن بتعويض المؤمن له من الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما مقابل دفع قسط، على أن لا يجاوز هذا التعويض قيمة الأشياء الهالكة).
وكان منهج الفقه القانوني متفقاً مع منهج مشرعي القانون في وضع تعريف لعقد التأمين البحري بشكل مستقل يميز بينه وبين عقد التأمين بصورته العامة، لاسيما وأن فقهاء القانون قد أثروا هذا الموضوع بالعديد من التعاريف التي عرفوا بموجبها عقد التأمين البحري، ومنها تعريفه بأنه عقد يلتزم بموجبه الطرف المؤمن قبل الطرف المؤمن له بأن يعوض الأخير عما يحيق به من ضرر مادي من جراء وقوع أحد الأخطار البحرية المؤمن ضدها، وذلك مقابل حصول المؤمن على مبلغ مالي محدد يطلق عليه قسط التأمين.
ومنها أيضاً تعريف عقد التأمين البحري بأنه عقد ينص على سداد طرف من طرفيه لقسط متفق عليه باعتباره صاحب مصلحة في سفينة أو أجرة أو بضائع قد تتعرض لأخطار معينة، وذلك للطرف الآخر الذي يتعهد بأن يعوضه في المقابل عن أية أضرار قد تصيبه نتيجة تحقق تلك الأخطار أو بعضها، سواء كان ذلك لمدة زمنية معينة أو لرحلة محددة[2].
2- التعريف بالمخاطر البحرية
من التعريف الفقهي والقانوني للتأمين يتبين لنا أن محور التأمين هو المخاطر المؤمن منها، حيث إن التأمين يحمى الشيء محل التأمين من وقوع المخاطر المؤمن منها، كما يقي المؤمن له من الأضرار التي تخلفها تلك المخاطر، كما أن التزام المؤمن بسداد قيمة التأمين يتوقف على تحقق هذه المخاطر، بل ولا نبالغ في قولنا بأن المخاطر المؤمن منها تعتبر البوابة التي يخرج من خلالها عقد التأمين من حيز الالتزام الاحتمالي للمؤمن بسداد قيمة التأمين إلى الالتزام الفعلي بسداده متى تحقق الخطر البحري المؤمن منه.
وقد عرفت المخاطر أو الأخطار البحرية في مجال التأمين البحري لدى فقهاء القانون بأكثر من تعريف، فعرفها جانب بأنها الحوادث البحرية التي يتعرض لها الشيء محل التأمين أثناء الملاحة البحري، والمقصود بالحادث وفقاً لهذا التعريف هو كل سبب ينتج عنه الضرر الذي يصيب البضائع المؤمن عليها[3].
كما عرفت المخاطر البحرية أيضاً بأنها المخاطر التي يتوقع إمكانية تحققها خلال القيام برحلة الملاحة البحرية، وهذا التعريف قد توسع في مفهوم المخاطر بشكل كبير، حيث اعتبر أن أي خطر يكون مجاله الملاحة البحرية يدخل في عداد المخاطر البحرية.
في حين انبرى جانب آخر من الفقه القانوني لتعريف المخاطر البحرية بأنها أي أخطار قد تنشأ إما بسبب الملاحة في البحر، وإما خلال الرحلة البحرية ويكون مقترناً بها بأي صلة، ونلاحظ أن أنصار هذا التعريف قد رسخوا لتحديد المخاطر البحرية معيارين رئيسيين، الأول هو أن تكون هذه المخاطر مصدرها هو الملاحة البحرية للسفينة وسيرها في البحر، والثاني هو أن تقع هذه المخاطر خلال الرحلة البحرية وبسبب يتصل بها.
وفي مجال التأمين عرفت المخاطر بأنها الحوادث الاحتمالية غير محققة الوقوع، والتي لا يرجع سبب تحققها إلى فعل أياً من المتعاقدين، كما ارتأى البعض الآخر في مجال التأمين البحري أن المخاطر البحرية يقصد بها الحوادث الطارئة والقهرية التي لا يمكن توقعها، والتي يرجع سببها إلى فعل البحر، أو التي تقع على سطح البحر حتى وإن لم تكن بسببه[4].
وبالرجوع إلى قانون التجارة البحرية الأردني سيتبين لنا أن المشرع لم يتعرض في إطار تنظيمه للتأمين البحري إلى التعريف بالمخاطر البحرية، ولكنه اقتصر في ذلك على ما أورده بنص المادة (332) من تعديد لأشكال هذه المخاطر، والتي منها على سبيل المثال العواصف والحرائق وحوادث الغرق، ولكنه لم يضع تعريفاً وتوصيفاً عاماً لها، وأضاف المشرع لتلك الحوادث عبارة “… وعموماً كل الطوارئ والحوادث البحرية”، وهو ما يثير الغموض في شأن هل المخاطر البحرية هي فقط المذكورة حصراً واسماً في نص المادة وفقاً للتعديد الذي أورده المشرع للحوادث المسماة؟ أم أن عبارة “وعموماً كل الطوارئ والحوادث البحرية” تفيد دخول مخاطر أخرى خلاف المسماة في المادة في دائرة اعتبارها مخاطر بحرية؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا حصر المشرع المخاطر البحرية في حوادث مسماة إذا كان هناك سواها تدخل تحت مسمى مخاطر بحرية؟
تساؤلات متعددة تجعلنا نأخذ على المشرع الأردني في هذا الشأن أنه قد ترك تعريف وتحديد تلك المخاطر لآراء الفقه، واقتصر على تحديدها، ولكن بحدود متضاربة والتي كما سبق وأن بينا قد اختلفت في تحديد الإطار العام لها المخاطر، حيث توسع فيها البعض، بينما أخذ البعض الآخر بمنظور أضيق في هذا الشأن، واتجه البعض الآخر إلى وضع معيار أو أكثر في تحديدها، وهو ما كان يستلزم تدخل المشرع للفصل بين تلك الاختلافات بتعريف واضح دون أي غموض أو إبهام.
إلا أن القضاء الأردني متمثلاً في محكمة التمييز قد تكفل بهذا الأمر، حيث تصدت المحكمة لتعريف المخاطر البحرية فيما تواترت عليه من أحكام، وكان تعريفها للمخاطر البحرية قوامه أنها الأخطار التي تكون أثناء أو بسبب الملاحة البحرية أو عملية النقل البحري[5]، وهو ما يتبين معه أن القضاء الأردني أخذ بمذهب متوسع في تحديد المخاطر البحرية الخاضعة للتأمين.
ثانياً: المخاطر المؤمنة في قانون التجارة البحرية
المقصود بالمخاطر المؤمنة هي المخاطر البحرية التي أجاز المشرع أن يتم التأمين من تحققها خلال الرحلة البحرية، وقد أورد المشرع هذه الأخطار ضمن مواد ونصوص قانونية متفرقة في قانون التجارة البحرية، ويجدر بنا أن نشير قبل التعرض لهذه المخاطر أن المشرع لم يحدد مخاطر تصيب السفينة ذاتها ومخاطر أخرى تصيب البضائع المنقولة، بل جاء ذكر المخاطر التي يجوز التأمين منها عامة وشاملة، مما يجعلها تنطبق على كلاً من السفينة والبضائع.
وسوف نتناول كل خطر من هذه المخاطر بالعرض الموجز الذي لا يخل بالمضمون في إطار النقاط التالية، مع العلم بأنها وردت في القانون ليس على سبيل الحصر، ولكنها وردت كنماذج وأمثلة على المخاطر البحرية، حيث إن القانون أورد عبارة “وعموماً جميع الأخطار الأخرى” عقب كل سرد لمجموعة من الأخطار البحرية التي يجوز التأمين منها.
1- مخاطر العواصف
يقصد بالعواصف الرياح الشديدة التي تبلغ في سرعتها حدوداً ينتج عنها ارتفاع في الأمواج وضخامة في حجمها، وذلك بما يهدد سلامة السفينة وما تحمله من بضائع بالتلف أو الهلاك[6].
وتعد العواصف هي أولى المخاطر البحرية التي يجيز القانون التأمين منها بحرياً، وقد أوردها المشرع الأردني بنص المادة (332) تجارة بحرية، ويرجع ذلك إلى كونها أكثر المخاطر البحرية قوة وشراسة، لاسيما وأنها تتسبب في حدوث بعض المخاطر الأخرى التي سنتعرض لها، ومنها على سبيل المثال غرق السفينة في البحر.
وقد تكون العاصفة هي المسبب الرئيسي والأساسي لوقوع الضرر للبضائع، كما أنها قد تكون مسبباً غير مباشر في وقوعه، كأن يكون الربان قد اتخذ بعض الإجراءات التي كان هدفها هو الحفاظ على البضائع المنقولة من أخطار العاصفة، إلا أن تلك الإجراءات تسببت في إصابة البضائع بالتلف، فيظل المؤمن مسؤولاً عن تغطية هذا الضرر.
ومتى كانت العاصفة أمراً متوقع الحدوث لدرجة تجعل تحققها أمراً متوقعاً ومسلم به، كما لو كانت الملاحة ستتم في منطقة يعد وقوع العواصف بها أمراً معتاداً ومتوقعاً، فإن العاصفة هنا لا تعد من الأخطار الجائز التأمين منها، لأن الطابع الاحتمالي هنا للخطر المؤمن منه ينتفي عن العاصفة، ويصبح الخطر هنا متوقعاً وبالتالي لا يجوز التأمين ضده.
2- مخاطر الغرق
المقصود بالغرق هو أن تغمر المياه السفينة بأكملها وتدخل إلى جميع أجزائها، فتنال من قدرة السفينة على الطفو والإبحار وتنزل بها إلى قاع البحر، فتغوص فيه بما تحمله من مهمات وبضائع، وإن كان الأمر متفق عليه بالنسبة للغرق كخطر يمكن التأمين ضده، إلا أن الخلاف قد ثار بشأن معيار تحديد تحقق الغرق من عدمه، فاتجه البعض إلى أن غرق السفينة لا يتحقق إلا باختفاء السفينة أو البضائع بأكملها في البحر بحيث لا يبقى أي شيء منها ظاهراً فوق سطحه، بينما رأى البعض الآخر خلاف ذلك، حيث اكتفى أنصار هذا الرأي بأن تكون مياه البحر قد غطت السفينة جزئياً وبشكل ليس معتاد الحدوث يجعلها تفقد قدرتها على الطفو ليعد الغرق متحققاً.
ومما لا شك فيه أن الرأي الأخير هو الرأي الأصوب، ذلك أنه الرأي الذي يتماشى مع ما قرره المشرع الأردني من توسع في المخاطر التي يمكن التأمين ضدها، شريطة أن تكون هذه المخاطر قد تسببت في تلف البضائع أو تعيبها أو هلاكها، وأن تكون ذات صفة استثنائية غير متوقعة.
3- مخاطر التنشيب على البر
التنشيب هو لفظ يقصد به أن يصطدم أحد جوانب السفينة أو قاعها بالصخور المتواجدة في البحر، أو أن تتسبب الظروف والعوامل الجوية في البحر بقذف السفينة لتصبح على اليابسة، وهو ما تعرفه بعض التشريعات العربية الأخرى بالجنوح، في حين يعرفه البعض الآخر بالتشحيط[7]، وإن كان الجنوح له مغزى أشمل وأعم من التنشيب.
ولعل اختيار المشرع الأردني للفظ التنشيب هو الأكثر تناسباً باعتباره أضيق في التفسير، لاسيما وأننا نكاد نجزم بأن المشرع قد قصد التضييق منه بالفعل، ونستدل على ذلك من نص المادة (333) التي قرر فيها استبعاد بعض صور التنشيب على البر من نطاق إمكانية التأمين البحري منها، وهما تحديداً صورتين أولاهما الصورة التي يتم فيها التنشيب بسبب حدوث ظاهرة المد والجزر، لاسيما وأن هذه الظاهرة لا تمثل خطراً محتملاً أو استثنائي أو غير اعتيادي، وثانيهما الصورة التي يتم فيها التنشيب بصورة طارئة في الأنهار والسواقي، وذلك باعتباره لا يدخل في إطار المخاطر الغير معتادة أو الغير متوقعة بل هو أمر يتوقع حدوثه، وبالتالي فالتنشيب الوحيد الذي يدخل في إطار المخاطر التي يجيز القانون التأمين منها هو التنشيب على اليابسة.
بل وإن المشرع كان أكثر تحديداً في شأن التنشيب على البر، حيث استلزم فيه بجانب أن يكون غير متوقع أن يمثل عائقاً يحول فعلياً دون استكمال السفينة لرحلتها البحرية، لاسيما وأنه متى كانت لدى السفينة القدرة على مواجهة هذا التنشيب واستكمال رحلتها، فإن الخطر على البضائع المؤمنة يصبح منعدماً، ولا يكون هناك ضرراً قد لحق بالبضائع المؤمنة ليغطيها التأمين.
4- مخاطر التصادم
يدخل التصادم في إطار المخاطر المؤمنة التي قررها المشرع الأردني، ويقصد به اصطدام إحدى السفن بسبب ظروف قهرية بسفينة أخرى أو بمركب، وينشأ عن ذلك الاصطدام ضرراً أو هلاك للبضائع المنقولة على السفينة، وهو ما يخرج من إطار التصادم كخطر من المخاطر البحرية اصطدام السفينة بحطام يخص سفينة أخرى.
ويجب حتى يكون التصادم بمثابة خطراً مؤمناً أن ينشأ عنه خسائر وأضرار، وذلك لكون الخسائر والضرر هي أحد العناصر الرئيسية التي يقوم عليها الخطر الذي يتم التأمين منه، فإذا افترضنا أن التصادم لم يخلف أي خسائر أو أضرار، فإنه لا مجال عندئذ لإعمال التزام المؤمن لكونه التزام بتغطية أضرار، وهذه الأضرار لن تتحقق في ظل هذا الفرض.
5- مخاطر الإرساء الجبري والتغيير الجبري للطرق وللسفر وللسفينة
يقصد بالإرساء الجبري هو اضطرار السفينة بسبب وقوع حادثة غير متوقعة إلى أن ترسو على ميناء يختلف عن الميناء المحدد والمقرر لرسوها، أما التغيير الجبري للطريق أو السفر أو السفينة فيقصد به اضطرار الربان إلى تغيير الطريق الذي كان يجب عليه أن يسلكه لوقوع حادث مفاجئ وغير متوقع كغلق طرق الملاحة بسبب الحرب، وهو ذاته في حالة تغيير السفر المتمثل في وجود حالة قهرية يضطر معها الربان إلى تغيير الميناء الذي تتجه إليه السفينة إلى ميناء آخر، بينما تغيير السفينة جبراً هو أن يتم تغيير السفينة الناقلة للبضائع بشكل اضطراري لإصابتها بعطل نتج عن حادث غير متوقع.
ولا يدخل في عداد الخسائر التي تصاب بها السفينة ما يتم تكبده من مصروفات خاصة بطعام البحارة وسداد الرسوم الإضافية نتيجة الإرساء الجبري أو تغيير الطريق أو السفر الجبريين، حيث إن الخسائر التي يغطيها التأمين هي الخسائر الناشئة عن تضرر البضائع ذاتها، وبالتالي فإذا لم ينشأ عن ذلك أي أضرار للبضائع المنقولة فلا يستحق أي تأمين، أما إذا نتج عنه ضرر للبضائع ذاتها فإن ذلك يعد خطراً يجيز القانون التأمين منه.
6– مخاطر الطرح في البحر
يقصد بالطرح في البحر إلقاء البضائع المنقولة على السفينة – أو بعضها – في البحر، وذلك ابتغاء لتخفيف الحمولة الموجودة عليها تجنباً لخطر غرق السفينة أو خطر آخر من المخاطر التي قد تهددها، وقد أخذ الغالبية العظمى من الفقه بضرورة أن يكون الخطر الذي تم إلقاء حمولة السفينة من بضائع لتفاديه هو خطر مؤمن ضده ويشمله الضمان[8].
ومن الأمثلة على تلك الصورة من صور المخاطر التي يجيز القانون التأمين منها أن يواجه الربان خطر غرق سفينته بسبب العاصفة، وكانت السفينة مؤمن عليها من مخاطر العواصف، فاضطر الربان لإلقاء جانب من الحمولة في البحر لتقليل وزن السفينة واتقاء آثار هذه العاصفة، فيكون الضرر المترتب عندئذ على إلقاء هذه البضائع في البحر قد نتج عن خطر مشمولاً بالتأمين وهو العاصفة، وبالتالي يخضع هو الآخر للتأمين.
7- مخاطر الحريق
الحريق يقصد به اشتعال النيران في البضائع المؤمن عليها أثناء وجودها على السفينة، وتمثل مخاطر الحريق أحد أهم المخاطر التي يمكن أن تصيب البضائع خلال رحلة النقل على السفينة، لاسيما وأن اشتعال السفينة قد يترتب عليه أن تلحق النار بالبضائع المنقولة عليها أيضاً.
وضع المشرع الأردني مخاطر الحريق ضمن المخاطر التي يجيز التأمين على البضائع منها، ولم يتطلب في هذا الحريق درجة جسامة معينة، ولكنه يضع الحريق ضمن نطاق التأمين طالما كانت هناك أضرار قد لحقت بالبضائع بسبب هذا الحريق.
8– مخاطر النهب والضرر الذي يسببه البحارة عن قصد
المقصود هنا بالنهب هو أعمال السرقة التي يمارسها البحارة على السفينة، وتكون مقترنة باستخدام القوة، أما الضرر الذي يسببه البحارة عن قصد فيتمثل في كافة ما ينشأ من أضرار مترتبة على قيام البحارة بأعمال يقصد منها إثارة الشغب على السفينة.
وفي هذا النوع من المخاطر المؤمنة نجد أن المشرع لم يشترط فيه أن ينتج عن حادث استثنائي طارئ وغير غير معتاد فقط، ولكنه تطلب أيضاً توافر شرطين أساسيين في هذا الخطر، حيث استلزم أولاً أن يكون هذا الخطر مصحوباً بمظاهر عنف، وبالتالي فإن الأعمال التي تتم في الخفاء لا تدخل في إطار هذه المخاطر، وثانياً أن يكون هذا الفعل مقصوداً أي متعمداً، وبالتالي فإن الأفعال التي تتم بدون تعمد أو قصد تخرج من إطار هذه المخاطر.
9- مخاطر السرقة
يعرف القانون السرقة بأنها جريمة قوامها الحصول على أموال الغير بدون موافقته أو رضاه، ولا يشترط لارتكابها أن تقترن باستخدام القوة أو بدون استخدامها[9].
ومخاطر السرقة المقصودة هنا تعني السرقة التي يرتكبها الغير، حيث إن السرقة – متمثلة في أعمال النهب – التي يرتكبها البحارة وطاقم السفينة تم ذكرها بشكل مستقل كما سبق وأن أوضحنا، لذلك فالسرقة المقصودة هنا تنصب على سرقة البضائع من قبل الغير ممن لا يعملون كبحارة على السفينة أو من ضمن طاقمها.
10- مخاطر الطوارئ والحوادث البحرية
جاءت تلك المخاطر في ختام نص المادة (332) من قانون التجارة البحرية الأردني، ووضعت في موضعها هذا بهدف توضيح أن المخاطر البحرية المؤمنة لا تقتصر فقط على المخاطر التي ذكرت بنص هذه المادة والموضحة في النقاط سالفة البيان، ولكنها تمتد إلى أي طوارئ أو حوادث بحرية يصدق عليها مواصفات وشروط المخاطر، وبالتالي فهي تهدف إلى بيان أن التعداد الوارد بالمادة هو مجرد نماذج على سبيل المثال وليس الحصر.
وحسناً فعل المشرع الأردني في ذلك الشأن، حيث إن ذلك يعد توسعاً مطلوباً في مجال تحديد الأخطار البحرية المؤمنة، لاسيما وأن التطور والتقدم في مجال النقل البحري يمكن أن يترتب عليه ظهور مخاطر جديدة ومستحدثة لم يرد ذكرها بالقانون، إلا أن تلك العبارة تشمل تلك المخاطر متى ظهرت بمظلة التأمين.
11- مخاطر نفقات التعويم والإسعاف
أورد المشرع نفقات التعويم والإسعاف كخطر من المخاطر البحرية المؤمنة، وذلك بنص المادة (333) من قانون التجارة البحرية، وأدخل تحت هذه النفقات التي اعتبرها بمثابة مخاطر يشملها التأمين بمظلته، ويطلق عليها خسائر النفقات، وتتمثل هذه النفقات في:
- نفقات تعويم السفينة والتي تتمثل فيما ينفقه ربان السفينة من أجل مواجهة خطر غرق السفينة، فينفق تلك المصروفات بهدف تعويمها على سطح البحر، وإصلاح العطب المتسبب في ذلك.
- نفقات إسعاف السفينة التي تتعرض لخطر محقق، وهي النفقات التي يتم بذلها بهدف مساعدة وإنقاذ السفينة التي تتعرض لخطر محقق كخطر الغرق.
- نفقات الإنقاذ في البحر، ويقصد بها ما ينفق في سبيل إنقاذ السفينة أو البضائع من تعرضها لأحد الأخطار البحرية التي تهدد بهلاكها، كما هو الحال في النفقات التي يتكبدها الربان في سبيل انتشال بضائع سقطت في البحر قبل تعرضها للتلف..
- نفقات قطر السفينة إلى الميناء لترميمها، والقطر هو عملية سحب للسفينة المعطوبة والوصول بها إلى أقرب ميناء لتصليح العطل الموجود بها.
وتعد هذه النفقات خاصة بالبضائع أيضاً، لاسيما وأنه متى طال السفينة هلاك فإنها البضائع المنقولة عليها ستهلك بدورها، مما يجعل تلك النفقات ذات فائدة ليس للسفينة فقط، ولكن لما تحمله أيضاً من بضائع.
ومن قراءة هذه المادة يستخلص منه أن المشرع الأردني لم يشترط أن تحقق تصرفات الربان في إنفاق تلك المصروفات نتيجة فعلية، ولكنه اكتفى في ذلك أن يكون التصرف قد تم بهدف تحقيقها حتى وإن لم تتحقق هذه النتيجة.
ثالثاً: المخاطر المستثناة في قانون التجارة البحرية
المخاطر المستثناة هي المخاطر البحرية التي استبعدها المشرع من إطار انطباق نظام التأمين البحري عليها، وذلك لكون بعضها يتعارض مع النظام العام، وبعضها الآخر يقتضي أن يتم بشأنه اتفاق خاص، فلا يجوز اعتباره داخلاً ضمن أي تأمين إلا باتفاق خاص بذلك.
وتختلف المخاطر المستثناة من التأمين عن المخاطر المؤمنة ليس فقط في إجازة القانون للتأمين من إحداها وإخراجه للأخرى من نطاق التأمين البحري، ولكنها تختلف معها أن المخطر المستثناة قد وردت في القانون على سبيل الحصر بحيث يحظر التوسع في تفسيرها، كما يحظر إخضاعها للقياس[10]، في حين أن المخاطر المؤمنة قد وردت على سبيل المثال وليس الحصر.
وسوف نتعرض في النقاط التالية لهذه المخاطر المستثناة، وذلك طبقاً لما ورد بقانون التجارة البحرية الأردني وفقاً لآخر تعديلاته.
1- مخاطر الحروب
استثنى المشرع في نص المادة (332) من قانون التجارة البحرية الأردني مخاطر الحروب من المخاطر المؤمنة، فجعل الأضرار التي تخلفها الأعمال الحربية خارج إطار التأمين البحري، لذلك فإن وثائق التأمين المعدة من قبل المؤمنين لا تتواجد بها مخاطر الحرب ضمن المخاطر التي يتم التأمين منها.
ويرجع السبب في استبعاد المشرع لمخاطر الحروب من المخاطر المؤمنة هو ضخامة ما تخلفه تلك المخاطر من أضرار مقارنة بسائر المخاطر البحرية الأخرى، وبالتالي يعد تحميلها للمؤمن فيه ظلم شديد، وهو ما يضع مخاطر الحروب ضمن المخاطر التي لا يمكن التأمين منها إلا بموجب اتفاق خاص بين المؤمن والمؤمن له.
ولا يشترط في هذه الحروب أن تكون حروباً معلنة وقائمة طبقاً لما يقرره القانون الدولي في هذا الشأن، بل يسري عليها ذات الاستثناء من التأمين حتى وإن كانت حرباً لم يتم الإعلان عنها، ففي الحالتين يصدق عليها مسمى الحرب، وتخرج من نطاق التأمين البحري.
2- أخطاء المؤمن له أو من يمثله المتعمدة
أورد المشرع الأردني خطأ المؤمن له كأحد المخاطر المستثناة من التأمين البحري، وذلك فيما جاء بنص المادة (338)، حيث قرر عدم مسؤولية المؤمن عما يقع من أضرار أو هلاك كنتيجة لخطأ صادر من المؤمن له أو من يمثله، وذلك متى كان هذا الخطأ قد تم ارتكابه بصورة متعمدة ومقصودة، أو كان بدون عذر يبرره، وقرر البطلان لأي اتفاق يتم بين المؤمن والمؤمن له على ما يخالف ذلك.
وبموجب هذا النص جعل المشرع التأمين ضد خطأ المؤمن أو ممثليه متى كان متعمداً أو بدون عذر أمراً يخالف النظام العام، وهو أمر منطقي وله ما يبرره، حيث إن:
- في إجازة التأمين ضد الخطأ المتعمد ما يعد إثراء للمؤمن له على حساب المؤمن.
- عقد التأمين هو عقد من العقود ذات الطبيعة الاحتمالية، وفي التأمين ضد الخطأ المتعمد ما يجافي ويناقض هذه الطبيعة.
- سيكون في إجازة مثل هذا التأمين ما يعد غطاء غير شرعي يمنح المخطئ غطاء لحماية أخطائه والاستفادة منها.
وهو ما يقودنا إلى أن الخطأ الذي يجيز القانون شموله بالتأمين هو الخطأ غير المتعمد، أو الخطأ البسيط الذي يجد له عذر يبرره، سواء صدر من المؤمن له أو من يمثله، باعتبار أن ارتكاب ممثلي المؤمن للخطأ يجعله كما لو كان صادر من المؤمن له شخصياً.
ومن أهم الأمثلة على الخطأ الجسيم للمؤمن له والذي يخرج من تحت مظلة التأمين أن يقوم المؤمن له بمخالفة التزاماته الأساسية، كما لو أهمل في تغليف بضائعه بصورة تتناسب مع طبيعتها ومع طبيعة الرحلة البحرية، فيتسبب ذلك في إصابتها بالتلف، أو أن تكون السفينة التي استحضرها للنقل غير صالحة للملاحة البحرية، فيتسبب ذلك في غرق السفينة وما عليها من بضائع.
2- الغش والخداع الصادر من ربان السفينة
أورد المشرع الأردني استثناء في نص المادة (339) من قانون التجارة البحرية، وهذا الاستثناء يخص تأمين الأضرار التي يتسبب فيها البحارة على السفينة بشكل متعمد، والتي أوضحنا سلفاً أنها تدخل في نطاق المخاطر المؤمنة، إلا أن المشرع في المادة المشار إليها أعلاه قد استثنى من ذلك الخطأ المتعمد الذي يرتكبه ربان السفينة، والذي يقوم به عن غش وخداع، وهو ما جعلنا نشير إليه بغش وخداع الربان وليس الخطأ المتعمد للربان، باعتبار أن الغش والخداع أوسع نطاقاً من الخطأ المتعمد ويشمله أيضاً.
ونود أن ننوه إلى أن الخطأ غير المتعمد أو الخطأ اليسير يخرج من نطاق هذا الاستثناء ويجوز أن يشملها التأمين، فالمناط لإعمال هذا الاستثناء أن يكون لدى ربان سفينة النقل نية الغش والخداع وإحداث الضرر بالبضائع، وبالتالي فالخطأ اليسير وغير المتعمد والذي لا يقترن بنية غش أو خداع يدخل في المخاطر المؤمنة.
ومن الأمثلة التي أوردها المشرع لأعمال الغش والخداع التي يقوم بها ربان السفينة أن يقوم الربان بخرق حصار بحري، أو القيام بعمليات تهريب، أو الإتجار في بضائع محظورة، لاسيما وأن تلك الأفعال لن يترتب عليها فقط ضرر للسفينة الناقلة، ولكن سيمتد هذا الضرر ليلحق بالبضائع أيضاً، حيث تكون عرضة للغرق أو المصادرة أو في أقل تقدير سيترتب عليه تلفها[11].
إلا أن المشرع وفي نفس المادة قد قرر استثناء يترتب عليه أن يظل المؤمن ملتزماً بكافة الأفعال السابقة والتي يرتكبها الربان، إلا أنه اشترط لإعمال ذلك أن يتم استبدال ربان السفينة بربان آخر دون الحصول على موافقة مجهز السفينة أو من يمثله.
3- مخاطر التأخر في إرسال أو وصول البضائع وفروق الأسعار
بمطالعة نص المادة (337) من قانون التجارة البحرية الأردني سنجد أنها قد تضمنت أن (يعفى المؤمن من كل مطالبة عن التأخير بالإرسال أو بوصول البضائع وعن فروق الأسعار وعن العوائق المتتالية لصفقة المؤمن له التجارية بأي سبب من الأسباب).
ومن خلال هذا النص يتبين لنا أن المشرع قد أخرج من نطاق التأمين أي تعويضات تستحق للمؤمن له وتنشأ عن التأخير في إرسال البضائع، أو التأخير في وصولها للمرسل إليه، أو أي عائق يحول دون اكتمال الصفقة التجارية التي يجريها المؤمن له، أو أي زيادة يتحقق معه فرق في سعر البضائع بسبب هذا التأخير.
ويرجع هذا الاستثناء إلى أن فروق الأسعار التي قد تتحقق بزيادة سعر البضائع نتيجة للتأخر في إرسال أو وصول البضائع، أو بسبب التأخر في إتمام الصفقة ذاتها، تدخل ضمن ظروف التجارة الطبيعية وما يشوبها من تقلبات متباينة ومستمرة في الأسعار.
4- مخاطر العيب الخاص بالبضائع المؤمن عليها
استبعد المشرع من نطاق المخاطر المؤمنة الأضرار التي تصيب البضائع المنقولة ويكون مرجعها لعيب خاص في البضائع ذاتها، والعيب الخاص هنا هو العيب الذاتي الذي يرتبط بطبيعة كل نوع من أنواع البضائع، وقد عرف فقهاء القانون العيب الذاتي بأنه قابلية البضائع – بحسب طبيعتها – للتلف الطبيعي دون تدخل من أي عامل خارجي في ذلك.
والحكمة من هذا الاستثناء واضحة ومفهومة، حيث إن التأمين البحري من أهم شروطه أن يكون الخطر المراد التأمين منه خطراً بحرياً، وبالتالي يكون الضرر المترتب عليه ضرراً يشمله هذا التأمين، بينما العيب الذاتي الذي يتعلق بطبيعة البضائع المنقولة لا يعد خطراً بحرياً، لكونه لا يرتبط بأي علاقة أو صلة بالبحر، بل هو يرجع إلى طبيعة البضائع ذاتها.
ويقتصر هذا الاستثناء من المخاطر المؤمنة على العيب الخاص الذي يرجع في نشأته إلى تاريخ يسبق إبرام عقد التأمين البحري، والذي يكون خافياً على المؤمن فلا يكون على علم بوجوده في البضائع المراد التأمين عليها، كما هو الحال في أن تكون البضائع المنقولة هي حيوانات حية، وتكون هذه الحيوانات مصابة بمرض لا يعلم به المؤمن عند إبرام عقد التأمين، ثم تموت هذه الحيوانات أثناء عملية النقل بسبب هذا المرض، فلا يسأل المؤمن عندئذ عن تعويض هلاك البضائع.
ورغبة من المشرع الأردني في توضيح مدى تعلق هذا الاستثناء بالنظام العام، فقد أكد على أنه غير متعلق بالنظام العام، حيث أجاز للمؤمن والمؤمن له الاتفاق على ما يخالف ذلك، والتأمين على البضائع من العيب الذاتي الخاص بها[12].
5- مخاطر تغير السفر عن قصد
نصت المادة (348) من قانون التجارة البحرية على أنه (إذا تغير السفر عن قصد بعد ذهاب السفينة فللمؤمن الحق في التعويض ولا يكون مسؤولاً عن المخاطر، وإذا وقع هذا التغيير قبل السفر فيكون التأمين باطلاً، ويقبض المؤمن نصف بدل التأمين المحدد في العقد على سبيل التعويض المقطوع)، وهذه الحالة تختلف عن التغيير الجبري للطرق والذي تعرضنا له في سياق عرض المخاطر المؤمنة، حيث إن الحالة المؤمنة هي الحالة التي يكون فيها التغيير جبرياً، أما التغيير الحاصل للسفر عن قصد فهو يدخل في عداد المخاطر المستثناة.
وقد قرر المشرع بموجب هذا النص استثناء حالة تغيير السفر عن قصد من مظلة التأمين البحري، لاسيما وأن الطريق المحدد لتتخذه سفينة البضائع عبر رحلة النقل له اعتباره وتأثيره في تحديد المخاطر التي يمكن التعرض لها أثناء الملاحة فيه، فلا يجوز تغييره بعد التأمين إلا في حالات يكون فيها ذلك التغيير اضطرارياً كما سبق وأن أوضحنا، ولكن حصول ذلك عن عمد وقصد من المؤمن يخرج مخاطر النقل من إطار مظلة التأمين، وذلك متى تم بعد رحيل السفينة في رحلتها البحرية، وجازى المؤمن له عن ذلك بأحقية المؤمن في التعويض، وإعفائه من المسؤولية عما يصيب البضائع من أضرار وما تتعرض له من مخاطر.
ولم يقتصر المشرع على ذلك، ولكنه إمعاناً في مجازاة المؤمن على تعمده هذا وضع جزاء على المؤمن له متى كان تغيير السفر لم يتم بعد ذهاب السفينة في رحلتها، ولكن قبل سفرها، حيث أبطل التأمين تماماً، وجعل للمؤمن في تلك الحالة الحق في أن يحصل على نصف قيمة التأمين المتفق عليه كتعويض مقطوع.
6- مخاطر أضرار البضائع على الغير
في سياق نص المادة (342) من قانون التجارة البحرية قرر المشرع مخاطر أخرى مستثناة من غطاء التأمين البحري، ألا وهي مخاطر ما قد تحدثه البضائع ذاتها على الغير، كما لو كانت البضائع المؤمنة غير مغلفة بصورة سليمة، فتسببت في إتلاف بضائع تخص شخص آخر ويتم شحنها معها، أو أن تكون البضائع المؤمنة هي حيوانات حية وتمكنت إحداها من الفرار من مكان شحنها على السفينة فأصابت الغير بأضرار، فجميع تلك المخاطر مستثناة من المظلة التأمينية للتأمين البحري المبرم على تلك الحيوانات.
وتعد هذه المخاطر غير متعلقة بالنظام العام أيضاً، أي يمكن الاتفاق بين طرفي عقد التأمين على أن يشملها الغطاء التأميني، لاسيما وأن المشرع قد اختتم نص هذه المادة بعبارة (… ما لم يشترط عكس ذلك)، وهو ما يوضح إمكانية الاتفاق على مخالفة هذا الاستثناء، والاتفاق على شمول التأمين لمخاطر البضائع المؤمنة على الغير، وبالتالي فلا يمكن القول بأنه يتعلق بالنظام العام.
7- مخاطر شحن البضائع على سطح السفينة
وأخيراً نجد نص المادة (351) تجارة بحرية والذي يشتمل على مخاطر أخرى مستثناة من مظلة التأمين، وهذه المخاطر تتعلق بشحن البضائع المنقولة على سطح السفينة، حيث قرر المشرع عدم مسؤولية المؤمن عن المخاطر التي تتعرض لها البضائع المؤمنة متى تم شحن هذه البضائع على سطح السفينة.
والحكمة من استثناء مخاطر شحن البضائع على سطح السفينة هي أن ذلك الشحن ينافي قواعد الشحن المستقرة، والتي تستلزم حتى يكون الشحن سليماً أن يتم وضع البضائع في الأماكن المخصصة لشحنها في السفينة، بحيث تتوافر مظاهر الحماية لها من مخاطر الملاحة وخاصة التقلبات الجوية كالأمطار والرياح، أما وضعها على سطح السفينة فيعد إهمالاً وتقصيراً في تنفيذ الالتزامات الأساسية للحفاظ على البضائع المنقولة وحمايتها، ويخالف شروط التأمين التي تستلزم أن يبذل المؤمن كافة الجهود المطلوبة منه للحفاظ على البضائع المؤمنة.
إلا أن المشرع قد استثنى من ذلك الاستثناء حالتين يجيز فيهما دخول مخاطر الشحن على السطح ضمن المخاطر التي يغطيها التأمين، وهاتين الحالتين هما:
- الحالة الأولى: هو أن تكون عادات الملاحة البحرية قد استقرت على اعتبار الشحن على سطح السفينة أمراً طبيعياً، والمقصود هنا العادات البحرية السارية في ميناء الشحن، ففي تلك الحالة يكون الشحن قد تم سليماً وفقاً للعادات والأعراف السائدة.
- الحالة الثانية: أن يكون هناك اتفاق مخالف لذلك بين المؤمن والمؤمن له، أي أن القانون قد أجاز الاتفاق بين المؤمن والمؤمن له على شمول التأمين لمخاطر نقل البضائع على سطح السفينة، مما نستدل معه أن هذا الشكل من المخاطر المستثناة لا يتعلق هو الآخر بالنظام العام لجواز الاتفاق على مخالفته.
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 647 لسنة 1994، والصادر بجلسة 3/1/1995، والمتضمن أن (يستفاد من احكام المادة 296 من قانون التجارة البحرية رقم 12 لعام 1972 التي عرفت عقد التأمين البحري بأنه عقد يرضى بمقتضاه المؤمن تعويض المؤمن له عن الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما مقابل دفع قسط على أن لا يجاوز هذا التعويض قيمة الاشياء الهالكة، وعليه تكون الاخطار التي يشملها التامين البحري هي تلك الأخطار التي تكون الملاحة أو عملية النقل البحري سببا أو مكانا لها، وعلى صاحب البضاعة ان يثبت أن تلف البضاعة كان أثناء الرحلة البحرية أو بسببها حتى يصار إلى مساءلة شركة التأمين طالما أن تقرير مختبر الجمارك وتقرير المعاينة قد ورد بأن وضع الكرتون الذي وضبت فيه البضاعة بحالة ممتازة ومغلفة من الداخل بورق مزيت ومحاطة بطوق نايلون من الخارج مما يدل على أن الإرسالية شحنت ابتداء متعفنة وبالتالي يكون القرار برد الدعوى عن شركة التامين متفقا مع أحكام القانون).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 3036 لسنة 2011، والصادر بجلسة 19/1/2012 والمتضمن أن (عناصر التأمين البحري هي قسط التأمين وهو المقابل المالي الذي يدفعه المؤمن له للمؤمن لتغطية الخطر المؤمن منه، والخطر وهو موضوع التأمين، فالغرض من هذا العقد هو تأمين المؤمن له من المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية، ومن استعراض وثيقة التأمين المفتوحة والتي تستند إليها الجهة المدعية في دعواها، والتي تعرف فقهاً باسم الوثيقة العائمة أو وثيقة الاشتراك، وعقد التأمين العائم هو عقد ينظم كل عمليات التأمين بين طرفيه طوال المدة المحددة في الوثيقة ومتى استجمع أركانه وشروط صحته أنتج كل آثاره القانونية المقررة من وقت توقيع الأطراف عليه).
3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 8147 لسنة 2018، والصادر بجلسة 24/3/2019 والمتضمن أن (تكون الأخطار التي يشملها التأمين البحري هي تلك الأخطار التي تكون الملاحة أو عملية النقل البحري سبباً أو مكاناً لها، الأمر الذي يعطي المدعية الحق بمطالبة المدعى عليها بالتعويض عن الأضرار والتلف اللاحقة بالبضائع المشحونة أثناء عملية النقل من ميناء الشحن وحتى ميناء التفريغ).
خامساً: الخاتمة
بعد أن استعرضنا في هذا المقال المخاطر المؤمنة والمستثناة في التأمين البحري على البضائع، يمكننا القول إن المشرع الأردني قد تناول هذه المخاطر بصورة محكمة ومرنة في ذات الوقت، لاسيما وأنه على الرغم من إيراده للمخاطر المستثناة على وجه الحصر، إلا أنه قد أفسح المجال – في بعض منها – أمام طرفي عقد التأمين للاتفاق على ما يخالفها.
إلا أن هناك ما نأخذه على تناول المشرع لموضوع المخاطر البحرية، لاسيما عدم وجود تعريف عام للمخاطر البحرية، والذي نرى معه ضرورة وضع مثل هذا التعريف، وعدم ترك التعريف بها لآراء الفقه أو أحكام القضاء، للحيلولة دون وقوع تضارب في التعاريف، وهو بدوره ما سيؤدي إلى التضارب في الأحكام.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – ط5 – مصر – 2011 – ج1 – ص28.
[2] – محمود سمير الشرقاوي – الخطر في التأمين البحري – الطبعة الأولى – الدار القومية للطباعة والنشر – مصر – 1966 – ص7.
[3] – مصطفى كمال طه – القانون البحري – الطبعة الثانية – دار النهضة العربية – لبنان – 1975 – ص449 وما بعدها.
[4] – محمد بهجت قايد – الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية – الطبعة الأولى – دار النهضة العربية – مصر – الجزئين الثاني والثالث – 2005 – ص401.
[5] – يراجع البند رابعاً من هذا المقال – الحكم رقم (3).
[6] – عادل مقدادي – القانون البحري – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر والتوزيع – الأردن – 1998 – ص270.
[7] – علي جمال الدين عوض – القانون البحري – دار النهضة العربية – مصر – 1987 – ص403.
[8] – هشام فرعون – القانون التجاري البحري – منشورات جامعة حلب – سوريا – 1995 – ص 318.
[9] – عادل مقدادي – المرجع السابق – ص272.
[10] – محمود سمير الشرقاوي 0 المرجع السابق – ص272.
[11] – عبد القادر العطير – الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – الإصدار الأول – دار الثقافة للنشر – الأردن – 1999 – ص653.
[12] – علي جمال الدين عوض – المرجع السابق – ص410.

