التحكيم في المنازعات البحرية
أصبح التحكيم في عصرنا الحالي من أهم الطرق التي يتم اللجوء إليها لفض المنازعات، ولعل أهم ما منحه هذه الأهمية هو ما تتسم به إجراءاته من بساطة وسرعة تفوق نظيرتها في سبل التقاضي العادية، ولعل ذلك هو ما جعل التحكيم أكثر مناسبة لطبيعة المعاملات التجارية وما ينشأ عنها من منازعات تجارية، والتي تقتضي سرعة الفصل فيها أن يكون الطريق المتبع لذلك يتسم هو الآخر بالسرعة، لذلك سوف نتناول في هذا المقال موقف المشرع الأردني من خضوع المنازعات البحرية للتحكيم، وماهية المنازعات البحرية التي يمكن أن تخضع لنظام التحكيم البحري.
أولاً: المقصود بالتحكيم البحري
ثالثاً: النطاق القانوني للتحكيم البحري
رابعاً: المنازعات الجائز إخضاعها للتحكيم البحري
خامساً: الأثر المترتب على اتفاق التحكيم البحري
سادساً: نموذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: المقصود بالتحكيم البحري
1- التعريف بالتحكيم بوجه عام
يعد التحكيم في حد ذاته نظاماً موازياً للنظام القضائي، ويتسم بكونه نظاماً حديث النشأة، سواء من حيث قواعده أو أحكامه[1]، وقد أخذت به الدول وأقرته واعترفت به ليكون طريقاً آخر بجانب الطريق القضائي لفض المنازعات واقتضاء الحقوق.
أما المقصود بالتحكيم في التعريف الفقهي له أنه اتفاق بين طرفين متنازعين أو أكثر على أن يتم عرض نزاعهما على محكم أو أكثر، وذلك للفصل في النزاع بحكم منهي له، وذلك دون اللجوء إلى القضاء بهذا الشأن[2]، كما عرف لدى البعض الآخر بأنه آلية محددة يتم من خلالها منح الاختصاص بنظر نزاع ما إلى فرد (محكم) أو أكثر (هيئة التحكيم)، ويستمد هؤلاء الأشخاص سلطتهم بنظر النزاع من اتفاق خاص يعهد إليهم بنظر النزاع، ويخرجه من نطاق الاختصاص القضائي بنظره.
والاتفاق على اللجوء للتحكيم لا يقتصر فقط على إبرامه في الفترة ما قبل نشوء النزاع، بل يجيز القانون إبرام الاتفاق على التحكيم أيضاً بعد قيام النزاع، وفي حالة ما إذا كان الاتفاق على التحكيم سابقاً على نشوء النزاع فإنه يسمى بشرط التحكيم، سواء كان قد ورد في شكل شرط في العقد الأصلي أو باتفاق منفصل عنه، أما إذا كان الاتفاق على التحكيم لاحقاً على نشوء النزاع فيسمى عندئذ بمشارطة التحكيم.
2- التعريف بالتحكيم البحري
يتسم العقد البحري بوجه عام بالسمتين التجارية والدولية، وهو ما يضع المنازعات البحرية الناشئة عن تلك الحقوق تحت طائلة جواز الخضوع للتحكيم البحري، حيث أن الأخير يعتبر أحد أهم الفروع المنبثقة عن التحكيم التجاري الدولي.
والمقصود بالتحكيم البحري هو ذاته المقصود بالتحكيم في صورته التقليدية، إلا أن الاختلاف الوحيد هو أن لفظ التحكيم هو لفظ عام يستهدف كافة أنواع المنازعات، بينما التحكيم البحري هو تحكيم يختص بالفصل في المنازعات البحرية فقط دون غيرها من منازعات أخرى، فنجد أن التحكيم البحري هو التحكيم الذي ينصب على العقود البحرية وما ينشأ عنها من نزاعات بين أطرافها، وهو ما يميز التحكيم البحري بأنه مشوب بمسحة فنية واضحة، وذلك يرجع إلى طبيعة المسائل التي يتناولها التحكيم والتي تخص موضوع النزاع البحري محل التحكيم، فهو يتناول العديد من المسائل الفنية، كما هو الحال في فنيات الشحن، والنقل، والتفريغ، والإنقاذ البحري، أو بالجوانب والتفصيلات القانونية للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تختص بتنظيم العلاقات والعقود البحرية، وغيرها من المسائل الفنية التي تستلزم فيمن يتناولها – محكماً كان أو محامياً – أن يكون على دراية وخبرة تتيح له إمكانية التعرض إلى تلك المسائل وتفصيلاتها المختلفة.
والتحكيم البحري لا يختلف في مصدره عن التحكيم العادي، فالتحكيم في المنازعات البحرية إما أن يكون خاضعاً لشرط التحكيم الذي يسبق المنازعة في وجوده، وإما أن يكون لاحقاً على النزاع كمشارطة التحكيم التي يتم إبرامها بعد وقوع الحادث أو النزاع البحري.
وفي الغالبية العظمى من حالات التحكيم البحري يكون القائم على إجراء التحكيم فيها هو هيئة أو مؤسسة، كما هو الحال في نظر منازعات التحكيم البحري أمام جمعية المحكمين البحريين بالولايات المتحدة الأمريكية، أو نظيرتها في لندن، أو المنظمة الدولية للتحكيم البحري[3].
ثانياً: مميزات التحكيم البحري
يلعب التحكيم بوجه عام والتحكيم البحري بوجه خاص في عصرنا الحالي دوراً بالغ الأهمية في المعاملات التجارية التي تتم على الصعيد الدولي، لاسيما وأنه يتسم بسرعة إجراءاته وأحكامه التي تفصل في موضوع المنازعة التحكيمية، وذلك بالنظر إلى أمد التقاضي الطويل الذي يقتضيه الأمر للفصل في الدعاوى والمنازعات التي تطرح على القضاء، وقد أثبتت بعض الدراسات التي تناولت التحكيم أن المنازعات التحكيمية يتم الحكم فيها في فترة زمنية تتراوح من 60 إلى 90 يوماً، في حين أن الدعاوى القضائية قد يمتد أجلها إلى فترات زمنية تقدر بالسنوات.
ويمكننا أن نعزي سرعة صدور الأحكام في منازعات التحكيم البحري إلى السرعة التي تتسم بها إجراءات تداول المنازعة، كما هو الحال في طلبات التأجيل التي يتم تقديمها من قبل الخصوم، والتي لا يقرها المحكم مراعاة منه لطبيعة المعاملات التجارية وما ينشأ عنها من منازعات، والتي تستلزم السرعة في الفصل فيها، خلافاً للقضاء الذي يجيب الخصوم إلى تلك الطلبات التي يترتب عليها التأجيل[4].
علاوة على ذلك فإن اللجوء إلى طريق التحكيم يوفر على من يسلكه كثير من النفقات التي يمكن أن يتكبدها متى اتجه إلى ساحات القضاء، خاصة وأنه في جانب كبير من المنازعات البحرية يكون القضاء صاحب الاختصاص بنظر النزاع هو قضاء أجنبي يتواجد في دولة أخرى، سواء بالنسبة لأحد الخصوم أو كلاهما معاً، وهو ما يقتضي معه الأمر من هذا الخصم أن ينفق مبالغ طائلة سواء لتوكيل المحامين ذوي الخبرة بقانون دولة التقاضي، أو للانتقال إليها لحضور جلسات تداولها، بجانب ما قد يتم إثارته من قبل الخصوم أو المحكمة التي تنظر النزاع بشأن مسألة تنازع الاختصاص، والذي قد يؤول إلى إحالة الدعوى إلى قضاء دولة أخرى، مما يترتب عليه مزيد من الإطالة في أمد التقاضي، وهي جميعها معوقات لا تتوافر في التحكيم البحري.
كما أن ثقة الخصوم في حكم المحكم تكون أكبر من نظيرتها في أحكام القضاء، ويرجع ذلك إلى جوانب نفسية أبرزها أن المحكم يكون مختاراً بالاتفاق بين الخصوم، وهو ما يفترض معه أن تكون هناك ثقة منهم بهذا المحكم، وبالتالي تكون درجة تقبلهم لحكم المحكم أعلى بكثير من درجة تقبلهم لحكم القضاء، ويستدل على ذلك من تعدد أوجه الطعن على الأحكام القضائية، وتعدد الدرجات القضائية له، والتي دائماً ما يستنفذها الخصوم قبل أن يصبح الحكم نهائياً، خلافاً لحكم المحكم الذي قلما يتم الطعن عليه من قبل الخصوم، وإن حدث فإن ذلك يكون بنسبة أقل بكثير من الطعون التي تتم على الأحكام القضائية.
وعلى جانب آخر فإنه لا يخفى على أحد أن التوسع في التجارة البحرية جعل الدولة تنتقل من موقعها كحامي، إلى دورها كممارس للنشاط التجاري البحري، فأصبحت الدولة تعمل في مجال النقل والشحن والتجهيز، وبالتالي باتت طرفاً في العديد من المنازعات البحرية، وهو ما يجعل في وقوف الدولة أمام القضاء الخاص بها فيه مجال – ولو قليل – لمحاباة الدولة، بجانب أنه لا يتصور أن تقف الدولة كخصم في منازعة قضائية بحرية أمام قضاء يتبع دولة أخرى، وبالتالي فإن الحل الأمثل لذلك هو لجوئها إلى التحكيم البحري، لاسيما وأن حكم التحكيم يستند في صدوره على ما يمنحه الخصوم في المنازعة التحكيمية للمحكمة من سلطة الفصل فيه، ولا يكون مرتبطاً بالدولة التي يكون التحكيم قد تم على إقليمها.
ثالثاً: النطاق القانوني للتحكيم البحري
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم حصر المنازعات البحرية التي يجوز إقامة دعوى التحكيم البحري بشأنها، ولا نبالغ في قولنا إن التحكيم البحري يشمل جميع المنازعات الناتجة عن المعاملات التجارية البحرية، سواء كانت تلك المعاملات تستند في قيامها إلى عقد بحري باختلاف أنواعه، أو تستند إلى سند شحن، أو حتى مشارطات تأجير السفن، أو حتى الحوادث البحرية كالتصادم البحري، وغيرها من العلاقات التجارية البحرية الأخرى.
وعلى الصعيد الدولي نجد أن الغالبية العظمى من المشرعين الوطنيين لم يقوموا بتحديد المنازعات البحرية التي يمكن أن تخضع للتحكيم، ونادراً ما نجد مشرعاً وطنياً قد قام بتحديدها، ومن المشرعين الذين حددوا ذلك المشرع الأمريكي، وذلك بالمادة الأولى من قانون التحكيم الفيدرالي، والتي نصت في سياقها على أن مشارطات الإيجار الخاصة بالسفن، وعمليات النقل البحري التي تتم بواسطة سندات الشحن، والاتفاقات المتعلقة باستخدام الرصيف البحري للسفن وإصلاحها، وحالات التصادم البحري، وأي موضوع آخر يتعلق بالتجارة الدولية ويمكن أن تتولاه جهات القضاء البحري، هي منازعات يمكن أن تخضع للتحكيم البحري[5].
مما يمكننا معه أن نستدل من ذلك على المنازعات البحرية التي يمكن إخضاعها لنظام التحكيم البحري هي كافة المنازعات التي يكون منشأها هو عقود أو حوادث بحرية، وبصورة عامة هي أي منازعة تكون ناتجة عن معاملة من المعاملات البحرية.
رابعاً: المنازعات الجائز إخضاعها للتحكيم البحري
1- المنازعات الخاصة بمشارطة الإيجار
يقصد بمنازعات مشارطة الإيجار المنازعات التي تنصب على مسؤولية مالك أو مستأجر السفينة عن ضرر ما قد تحقق خلال سريان مشارطة الإيجار، سواء كانت مدة الإيجار محددة بفترة زمنية محددة، أو برحلة معينة مهما بلغت مدتها، كما هو الحال في المنازعات التي تتناول تحديد مسؤولية مستأجر السفينة عما أصابها من ضرر أثناء سريان مشارطة تأجيرها.
2- المنازعات الخاصة بعقود النقل البحري
بمجرد إبرام عقد النقل البحري يصبح الناقل متحملاً لمسؤولية إتمام عملية النقل المحرر عنها التعاقد، وبالتالي يقع على عاتقه التزام بذلك، يقابله التزامات في ذمة الشاحن أهمها التزامه بسداد قيمة أجرة النقل، فإذا ما أخل أحدهما بالتزامه تجاه الآخر، فتكون المنازعة الناشئة عن ذلك من المنازعات القابلة للخضوع للصلح.
3- المنازعات الخاصة بسندات الشحن
سندات الشحن تقوم بذات الدور الذي يقوم به عقد النقل البحري في مسألة إثبات وجود عقد النقل، وأيضاً إثبات موعد الاستلام والتسليم للبضائع المنقولة، ومواصفات هذه البضائع، وبالتالي فإن المنازعات البحرية التي تترتب على سند الشحن تنصب على ما يحيق بالبضائع المنقولة من ضرر، أو عدم الالتزام بمواعيد التسليم، أو تسليمها على وجه ينافي الوجه الصحيح.
4- عقود بيع السفن المستعملة
وتنصب الغالبية العظمى من المنازعات التي تنشأ عن هذه البيوع على الحالة التي تكون عليها السفن المبيعة حال تسليمها لمشتريها، والتزام البائع بتسليم السفينة، والتزام المشتري بسداد ثمنها للبائع.
5ـ- عقود بناء واصلاح السفن
وهناك أيضاً المنازعات التي يكون مصدرها العقد الذي يبرم لبناء سفينة بين الراغب في تملكها والصانع، وفي الغالبية العظمى من الحالات تكون المنازعة الناشئة بشأن هذا العقد متعلقة بمدى مطابقة السفينة بعد تمام بنائها للمواصفات التي تم الاتفاق عليها في العقد، أو مدى صلاحيتها للاستخدام بعد إصلاحها من العيب الذي أصيبت به[6].
6- عقود التأمين
وهي العقود التي يكون محل التأمين هو السفينة أو البضائع التي يتم شحنها على متن السفينة، ونجد أن المنازعات التي تنشأ عن تلك الطائفة من العقود تكون متعلقة بأي وجه من الأوجه الخاصة بعملية التأمين، خاصة عند تطبيق مبدأ “الحلول التأميني”، والتي يحل فيها المؤمن محل المستفيد من التأمين.
7- عقود المساعدة والإنقاذ البحري
تتم معظم عمليات الإنقاذ البحري والمساعدة البحرية عبر عقود نموذجية معدة لهذا الغرض، وبالتالي متى وقع ربان السفينة التي يتم إنقاذها على أحد تلك العقود، فإن مالك السفينة يصبح مديناً بقيمة نفقات هذا الاتفاق، والذي غالباً ما لا تتحدد قيمته بشكل مسبق، ولكن يتم تحديده بعد تمام عملية الإنقاذ أو المساعدة، وعبر طريق التحكيم البحري[7].
8- منازعات بحرية متنوعة
وتتمثل تلك المنازعات فيما ينشأ من خلافات مع مزود السفينة، أو مع السفينة والسلطات المختصة في الموانئ المختلفة التي ترسو فيها السفن، وغيرها من المنازعات الأخرى المشابهة.
خامساً: الأثر المترتب على اتفاق التحكيم البحري
متى تم الاتفاق على اللجوء للتحكيم في المنازعة البحرية، سواء كان هذا الاتفاق سابقاً أو لاحقاً على وقوع النزع، وتوافرت أركان الانعقاد وشروط الصحة في هذا الاتفاق، فينتج عن ذلك أثراً قانونياً هاماً، ويتمثل هذا الأثر في أن المنازعة المبرم عنها هذا الاتفاق تصبح خارجة عن اختصاص القضاء العادي لأي دولة، ويصبح قضاء التحكيم هو المختص بنظر هذه المنازعة، ويسمى ذلك بالأثر الإجرائي لاتفاق التحكيم.
أما بالنسبة للآثار الموضوعية لاتفاق التحكيم البحري، فيمكننا أن نحصرها في آثار تخص المتعاقدين، وآثار تخص الغير، وآثار تخص الموضوع.
1- الآثار التي تخص المتعاقدين
قرر القانون المدني الأردني أن الأثر الذي يترتب على يترتب على أي عقد ينصرف وبالضرورة إلى طرفيه العاقدين، وذلك فيما نص عليه بمادته رقم (206)، والتي تضمنت أنه (ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين …..)، والمتعاقدين هنا هم من قاموا بإبرام الاتفاق على التحكيم سواء كان الاتفاق قد تم عن طريق إبرامه بالأصالة أو بالنيابة.
وباعتبار أن العقد ينصرف أثره إلى المتعاقدين، فإن الاتفاق على التحكيم البحري سواء ورد في العقد المبرم بين الطرفين كشرط أو بند، أو ورد في اتفاق منفصل محرر بين الطرفين، فهو يأخذ حكم العقد، وينصرف أثره إلى طرفيه اللذان اتفقا على التحكيم.
ونتيجة لذلك الأثر فإنه وبمجرد وقوع الخلاف والنزاع بين المتعاقدين تصبح الجهة الوحيدة المختصة بنظره هي هيئة المحكمين، وإذا ما خالف أحدهم ذلك واتجه إلى ساحات القضاء ليقيم دعواه، فيحق عندئذ للمتعاقد أو المتعاقدين معه أن يبدوا دفعهم بعدم اختصاص المحكمة بنظر النزاع، ويطلب من خصمه التوجه إلى طريق التحكيم.
2- الآثار التي تخص الغير
يخضع اتفاق التحكيم لذات القواعد التي تخضع لها العقود بوجه، ومن أهم هذه القواعد ما يغرف بقاعدة نسبية العقد، وفحوى تلك القاعدة أنه لا يلتزم بالعقد سوى أطرافه، ولا تنصرف أياً من آثاره إلا إلى أطرافه فقط، فأثر العقد من حيث الأشخاص هو أثر نسبي يقتصر على أطرافه دون أن يمتد إلى الغير، ويصدق ذات القول على اتفاق التحكيم.
ويترتب على ما سبق أن آثار اتفاق التحكيم هي آثار نسبية أيضاً، فهذا الاتفاق لا يلزم إلا طرفيه فقط، ولا يصيب الغير أي ضرر أو نفع من جراء هذا الاتفاق، ولكن نود أن ننوه أن هناك بعضاً من الغير الذين لم يكونوا طرفاً في الاتفاق، إلا أن آثار العقد تنصرف إليهم أيضاً، ويقصد بهذا الغير الخلف العام لأحد طرفي اتفاق التحكيم، حيث يكون ورثة هذا الطرف المتوفي مقيدين بالاتفاق على التحكيم خلفاً لموثهم، وأيضاً الخلف الخاص لأياً من طرفي اتفاق التحكيم، كما هو الحال في المشتري الذي يشتري عين أو حق يكون هناك اتفاق على التحكيم بشأنه، فيخلف المشتري البائع عندئذ في الالتزام بهذا الاتفاق.
3- الآثار التي تخص الموضوع
تنصرف آثار اتفاق التحكيم إلى الموضوع أو المسألة التي ينصب عليها هذا الاتفاق فقط دون غيرها من الموضوعات أو المسائل الأخرى التي لم يتضمنها الاتفاق، كما يتم التحكيم في ظل ما هو متفق عليه من شروط وإجراءات بين طرفي اتفاق التحكيم، ولا يجوز اللجوء إلى أي إجراءات أخرى تخرج عن نطاق ما هو متفق عليه، أو إلى قواعد قانونية خارج نطاق القواعد القانونية المتفق على خضوع التحكيم لها، كما هو الحال في الاتفاق على تطبيق قانون دولة معينة على إجراءات التحكيم، فلا يجوز تطبيق أي قواعد قانونية تخرج عن نطاق قانون تلك الدولة.
سادساً: نموذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 6779 لسنة 2018، والصادر بجلسة 15/4/2019 والمتضمن أنه (وعن السبب السادس ومفاده أن توصل محكمة الاستئناف إلى إكساء الحكم صيغة التنفيذ بناء على تطبيق هيئة التحكيم لقانون التحكيم الانجليزي على موضوع دعوى التحكيم البحري ينقضه شرط التحكيم ذاته الذي يستفاد منه النص عند النزاع على تطبيق القانون الانجليزي أي مجموعة القوانين الانجليزية دون غيرها, ومنه يتم إحالة النزاع إلى التحكيم والمقصود منه أي ليس للمحكمة النظامية على أن يطبق على موضوعه لحسم النزاع قانون التحكيم البحري لأن أصل النزاع بحري ويجب أن يكون المحكم محكماً بحرياً، وفي ذلك نجد أنه لا يجوز للمميزة أن تتطرق إلى ما كان على هيئة التحكيم أن تطبق أحكامه من القوانين الانجليزية وما كان عليها أن لا تطبقه منها لأن هذا الطعن ليس من الحالات التي تعطي للمحكمة حق بسط رقابتها على الحكم المطلوب اكساءه صيغة التنفيذ لغايات قبول أو رفض طلب التنفيذ بمقتضى المادة (7) من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية وهي حالات وردت على سبيل الحصر مما يتعين رد هذا السبب).
سابعاً: الخاتمة
لا يختلف التحكيم العادي عن التحكيم البحري في إجراءاته كثيراً، بل وإننا لا نبالغ في قولنا إن الاختلاف الوحيد يكمن في موضوع التحكيم، بحيث يكون التحكيم البحري منصباً فقط على المنازعات البحرية دون غيرها، ولكن إجراءاته لا تختلف عن إجراءات التحكيم في المنازعات التحكيمية الأخرى، خاصة وأنهما يحققا نفس الأثر القانوني المتمثل في غل يد القضاء عن نظر النزاع، وانعقاده لهيئة التحكيم المتفق عليها.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – إيمان عبد القادر – اتفاق التحكيم وفقاً لقانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية – الطبعة الأولى – دار النهضة العربية – مصر – 1996 – ص 12.
[2] – عمر الفقي – الجديد في التحكيم في الدول العربية – المكتب الجامعي الحديث – مصر – 2003 – ص16.
[3] – ممدوح الشهوان – دور التحكيم في فض منازعات النقل البحري للبضائع – رسالة ماجستير غير منشورة – كلية القانون – جامعة الشرق الأوسط – 2018 – ص28.
[4] – علي البياتي – التحكيم التجاري البحري – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2005 – ص59.
[5] – أحمد أبو الوفا – التحكيم الاختياري والإجباري – منشأة المعارف – مصر – 2001 – ص63.
[6] – عدلي خالد – عقد النقل البحري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2006 – ص 47.
[7] – محمد الفقي والمعتصم بالله الغرياني – أساسيات القانون التجاري البحري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2008 – ص319.

