الاحتيال المتعلق بالوثائق البحرية
لم تعد الجريمة تقتصر في وجودها على سطح الأرض فقط، بل أصبحت تمتد لتشمل مجال العمل البحري أيضاً، فعلى الرغم من الاختلاف في طبيعة التعاملات التجارية التي تتم على اليابسة مع طبيعة نظيرتها التي تتم في مجال العمل التجاري البحري، إلا أن الجريمة في كل التعاملات واحدة، وإن اختلفت أساليبها وأدواتها باختلاف المجال الذي تتم فيه.
ومن أبرز الجرائم التي تتحقق بشكل أكبر من غيرها من الجرائم الأخرى في مجال التجارة البحرية هي جرائم الاحتيال، لاسيما الاحتيال الذي يتم على الوثائق والمستندات المستخدمة في المعاملات التجارية البحرية، وذلك نظراً لأن المستندات والوثائق تمثل أهمية كبيرة في مجال العمل البحري، لدرجة قد تصل إلى أن التعامل على البضائع بالبيع قد يتم عن طريق الوثائق أثناء وجود البضائع في عرض البحر، لذلك كانت جريمة الاحتيال المتعلقة بالوثائق المستخدمة في المعاملات البحرية من أخطر الجرائم التي يمكن أن تقع في مجال التجارة البحرية، وسنتعرف بشكل أكبر على تلك الجريمة وكيفية وقوعها في هذا المقال، وذلك في ضوء ما قرره المشرع في قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته.
أولاً: المقصود بكل من الاحتيال والوثائق البحرية
ثانياً: الاحتيال المتعلق بعقد إيجار السفينة
ثالثاً: الاحتيال المتعلق بالاعتماد المستندي
رابعاً: الاحتيال المتعلق بسند الشحن
خامساً: الاحتيال المتعلق بوثيقة التأمين
سادساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: المقصود بكل من الاحتيال والوثائق البحرية
الاحتيال والوثائق البحرية تعد هي المفردات الرئيسية والمحورية لموضوع هذا المقال، وهو ما ارتأينا معه أن نستهل مقالنا بالتعريف بهذه المفردات، وذلك قبل الخوض في غمار الموضوع الرئيسي له.
1- المقصود بالاحتيال
عرف المشرع الأردني جريمة الاحتيال في سياق نص المادة (417) من قانون العقوبات الأردني على أنها قيام الجاني بحمل الغير على تسليمه أموال منقولة أو غير منقولة أو سندات تحتوي على تعهد أو إبراء، وذلك باستخدام طرق ووسائل احتيالية تتيح له أن يستولي عليها، كما عرف الفقه القانوني الاحتيال بأنه استيلاء الجاني على مال منقول يمتلكه الغير باستخدام طرق ووسائل احتيالية وذلك بنية تملك هذا المال المنقول[1].
فالاحتيال يتشابه مع الغش بدرجة قد تصل إلى تداخلهما معاً بحيث يصعب التفرقة فيما بينهما، لاسيما وأن الاحتيال يعتمد بشكل أساسي على قيام الجاني بإدخال الغش على المجني عليه، وهو ما يمكننا معه القول إن الغش هو أحد وسائل ارتكاب جريمة الاحتيال.
ويعرف الاحتيال البحري في نظر الفقه القانوني الدولي بأكثر من تعريف، إلا أن جميعها لا يخرج عن مضمون أن الاحتيال البحري هو قيام أي شخص من أشخاص المعاملة التجارية البحرية بارتكاب غش وخداع مقصود ومتعمد ضد شخص آخر، وذلك حول نشاط من الأنشطة البحرية، والذي يمكنه على أثره من الحصول على أموال أو بضائع تخص هذا الغير بدون وجه حق، وبصورة تسبب لهذا الغير ضرراً أو خسارة.
ويعد الاحتيال البحري بمثابة جريمة شبه كاملة، ويرجع ذلك إلى أن مرتكبها لا يجد صعوبة أو خطورة تذكر عند ارتكابه لها، ناهيك عما يشوب الكشف عن شخص مرتكب هذه الجريمة من صعوبات، وحتى إذا ما تم الكشف عن شخصيته فإن اللجوء إلى مخاصمته أمام القضاء يعد من الأمور التي لا تكلل غالباً بالنجاح[2].
2- ماهية الوثائق البحرية
يقصد بالوثائق البحرية كافة المستندات التي يتم تداولها والتعامل بها وإبرامها بين أشخاص القانون التجاري البحري، وذلك سواء في نطاق عمليات النقل والشحن والتأمين وغيرها من العمليات التي تتم في إطار عمليات التجارة البحرية، فالوثائق والمستندات البحرية هي حلقة الربط بين كافة أطراف النشاط البحري.
وتمثل الوثائق والمستندات عصب الأنشطة البحرية، كما أنها تتعدد وتتباين باختلاف استخداماتها ومجال تأثير كل منها، فعلى سبيل المثال في نطاق التأمين توجد وثائق التأمين، وفي نطاق النقل والبيع يوجد سند الشحن، وغيرها من المستندات التي تدخل في صميم النشاط البحري.
ثانياً: الاحتيال المتعلق بعقد إيجار السفينة
1- المقصود بعقد إيجار السفينة
غالباً ما يكون الناقل البحري القائم بممارسة نشاط النقل البحري مستأجراً للسفينة التي يستخدمها في نشاطه وليس مالكاً لها، فهو يبرم عقد إيجار السفينة مع المالك في إحدى صور الإيجار التي قررها المشرع للسفن، فقد يكون مستأجراً لها لمدة معينة، أو مستأجراً لها بالرحلة أو السفرة، ويعد هذا النوع الأخير من الإيجار هو النوع الذي يغلب فيه تحقق جريمة الاحتيال.
ويقصد بعقد إيجار السفينة بالرحلة أو بالسفرة وفقاً لما قرره المشرع الأردني في نص المادة (177) من قانون التجارة البحرية هو العقد الذي يتم بموجبه تأجير السفينة بأكملها أو جزء منها لرحلة واحدة أو لعدة رحلات.
وهو ما يتبين منه أن عقد إيجار السفينة بالرحلة يشتمل على بيان بالرحلة – أو الرحلات – التي يتم استئجار السفينة من أجل القيام بها، كما يوضح فيها الاتفاق على الميناء الذي ستقوم منه السفينة المستأجرة والميناء المحدد للوصول في نهاية الرحلة، بجانب خط السير الذي ستتخذه السفينة في رحلتها، وما ستقوم بالرسو عليه من موانئ في طريق رحلتها، بجانب ذكر لنوعية البضائع التي سيتم نقلها خلال هذه الرحلات، وذلك حتى يكون هناك إمكانية للمؤجر ليقوم بتجهيز السفينة بالشكل الذي يتوافق مع البضائع وما تتمتع به من طبيعة[3].
2- الاحتيال المتعلق بوثيقة عقد إيجار السفينة
جريمة الاحتيال البحري في شأن عقد إيجار السفينة مهما اختلفت صورتها أو طريقتها أو كيفيتها فهي تستهدف دائماً الأجرة المتفق عليها للسفينة، فمرتكب جريمة الاحتيال البحري هنا يقوم بارتكاب بعض الوسائل الاحتيالية التي يستهدف منها إنقاص الأجرة المحددة، كما هو الحال في قيام مستأجر السفينة بالتصريح عن طبيعة البضائع التي سيتم نقلها على السفينة، ولكن بشكل يخالف طبيعتها الحقيقية، وحتى يتضح ذلك سنذكر مثالاً توضيحياً له.
فعلى سبيل المثال للاحتيال في عقد إيجار السفينة قد يقوم (أ) باستئجار سفينة من (ب) لنقل بضائع سائلة في صهاريج، ويصرح (أ) بأن البضائع المنقولة في تلك الصهاريج هي عبارة عن مواد غير قابلة للاشتعال، في حين تكون هذه السوائل خطرة على السفينة، وقد تؤدي عند عدم حفظها في درجات حرارة معينة إلى الاشتعال، بما قد يهدد معه سلامة السفينة ومن عليها، ومثال آخر لذلك هو تحايل المستأجر في ذكر وزن الحمولة التي يتم نقلها، كما لو اتفق مع المؤجر على نقل بضائع تزن طناً من الأرز، في حين أن الوزن الحقيقي للحمولة هو كن ونصف من الأرز.
ولا يخفى على أحد أن طبيعة البضائع ووزنها من العوامل التي تؤثر في احتساب قيمة أجرة السفينة، فقيمة إيجار السفينة لنقل البضائع الأقل خطورة يكون أقل منه في حالة نقل البضائع الخطرة، كما أن أجرة السفينة عن نقل حمولة طن واحد من البضائع تكون أقل من أجرة السفينة في حالة نقل كن ونصف من نفس نوع البضائع، فجميع الوسائل الاحتيالية هنا تستهدف خفض قيمة أجرة السفينة دون وجه حق.
ولعل ذلك هو ما حدا بالمشرع الأردني إلى أن يشترط في نص المادة (199) من قانون التجارة البحرية على بيانات محددة يلزم أن يتضمنها عقد إيجار السفينة، وتتمثل هذه البيانات في اسم طرفي التعاقد، واسم السفينة وجنسيتها وحمولتها، واسم الربان، والبضائع المطلوب وسقها محددة بنوعها وكميتها، وأجرة النقل، ومكان الوسق والتفريغ، وتكون العبرة بما يذكر في هذا العقد من نوع وكمية البضائع التي سيتم نقلها على السفينة.
وحتى يستطيع المؤجر أن يثبت ما وقع من احتيال من قبل مستأجر السفينة، فيلزم على المؤجر متى تشكك في صحة مطابقة البيانات الخاصة بالبضائع التي يتم نقلها – نوعاً وكماً – مع ما هو وارد بعقد الإيجار من بيانات أن يبدي كافة ما لديه من تحفظات ويثبتها في سند الشحن.
ولا تقتصر صفة الاحتيال على المستأجر للسفينة فقط، ولكن يمكن أيضاً لمؤجر السفينة أن يرتكب جريمة الاحتيال في عقد إيجار السفينة، ليصبح مستأجرها هو المجني عليه وليس الجاني، وذلك متى كان اتفاق المؤجر والمستأجر على أن تكون السفينة مستأجرة بكامل سعتها، ولكن لم تشغل بضائعه كامل سعة السفينة، فيلجأ المؤجر إلى التحايل بوضع بعض بضائع تخصه في الفراغات المتبقية في السفينة، وذلك دون علم أو إذن من المستأجر، وإلا فإن تلك البضائع يستحق عنها أجرة نقل لصالح المستأجر، وذلك وفقاً لما نص عليه قانون التجارة البحرية الأردني في مادته رقم (179).
ولعل أحد أهم أوجه مكافحة ذلك النوع من أنواع الاحتيال يتمثل في أن يتضمن الاتفاق على إيجار السفينة لمبدأ هام في حساب قيمة الأجرة المستحقة على المستأجر، ويتمثل هذا المبدأ في أن تحتسب الأجرة عند تفريغ البضائع في ميناء التفريغ، وبالتالي يتم احتساب الأجرة بعد الوقوف على ما كانت السفينة تنقله من بضائع خلال رحلتها التي تم استئجارها من أجلها.
ثالثاً: الاحتيال المتعلق بالاعتماد المستندي
1- تعريف الاعتماد المستندي
في إطار العلاقات التجارية الدولية المترامية الأطراف والتي غالباً ما يكون أطرافها لا يعرفون بعضهم البعض، وبالتالي لا يكون هناك قدر كاف من الثقة التي تدفع لإبرام المعاملة التجارية، فقد ظهرت الحاجة إلى أسلوب دفع آمن لثمن البضائع المنقولة أياً كانت طريقة نقلها – براً أو بحراً أو جواً – أو وسيلته، وهو ما أثمر نظام الاعتمادات المستندية كوسيلة دفع آمنة لطرفيها، بحيث تضمن للبائع الحصول على ثمن البضائع البيعة، كما تضمن للمشتري الحصول على بضائعه نظير ما سدده من ثمن.
والاعتماد المستندي بشكل أوضح هو عقد يتم إبرامه بين المشتري (المستورد) وأحد البنوك، وبموجبه يلتزم البنك بأن يفتح حساباً لصالح البائع (المصدر)، ويكون البنك ملتزماً في المستقبل بسداد قيمة البضائع التي تم فتح الاعتماد المستندي من أجلها، وذلك في شكل قبول السحوبات والشيكات التي يقوم البائع (المصدر) بسحبها عليه، شريطة تقديم البائع (المصدر) للمستندات المتفق على تقديمها للبنك[4].
وقد أطلق على الاعتماد المستندي هذا المسمى لكونه يقوم بشكل رئيسي على تقديم البائع لمستندات محددة، وهي المستندات التي يستدل منها على أن البضائع قد تم تسليمها لمالكها المشتري، وأن ملكيتها قد تم نقلها إليه بالفعل، علاوة على أن تلك التسمية تحقق تمييزاً لهذا النوع من الاعتمادات البنكية عن سائر الاعتمادات الأخرى التي لا يتطلب تنفيذها تقديم مثل تلك المستندات[5].
ولم يتعرض قانون التجارة البحرية الأردني لتنظيم الاعتماد المستندي باعتباره أحد أهم وسائل الدفع الآمنة التي يستخدمها المتعاملين في مجال التجارة البحرية، سواء في عمليات البيع والشراء، أو حتى في عمليات النقل.
وقد أصبحت الاعتمادات المستندية من أحد أهم الركائز التي يعتمد عليها مشتري البضائع في سداد قيمة ما يشتريه من بضائع، وذلك لما توفره من أمان يضمنه الوسيط القائم بتنفيذ الاعتماد والمتمثل في البنك، وأصبح الاعتماد المستندي من الوثائق الهامة التي تقوم عليها الأنشطة التجارية البحرية من بيع أو نقل للبضائع، إلا أن ذلك لم يمنع من أن تطالها هي الأخرى جرائم الاحتيال، وهو ما سنوضحه في النقطة الثانية من هذا البند.
2- الاحتيال المتعلق بوثيقة الاعتماد المستندي
مما سبق وأن أوضحناه في تعريف الاعتماد المستندي تتضح أهمية الوثائق والمستندات في تنفيذه، حيث إن تنفيذ الاعتماد المستندي وبدء صرف البنك لمستحقات المستفيد – بائع أو ناقل – لا يتم إلا بعد تقديم الأخير لمستندات ووثائق محددة، فالاعتماد المستندي محور العلاقة بين أطرافه هي المستندات التي تمثل البضائع محل التعامل.
وبالتالي واستناداً إلى ما سبق يتبين أن البنك في الاعتماد المستندي لا يقوم بمعاينة البضائع، كما أنه لا يقوم بالتأكد من مطابقتها لما هو متفق عليه في الاعتماد المستندي، فتعامل البنك مع طرفي المعاملة التجارية ينحصر في المستندات والوثائق فقط دون غيرها، وهذه المستندات والوثائق قد تتضمن معلومات تخالف الواقع والحقيقة، وهو ما يتحقق معه فعل الاحتيال على البنك.
وعلى سبيل المثال لذلك أن يتقدم البائع إلى البنك بمستندات غير حقيقية أو مزورة، على الرغم من أن ظاهرها يوحي بصحتها وسلامتها، وذلك بهدف سحب الثمن المودع لدى البنك في صورة اعتماد مستندي، فيحاول البائع إقناع البنك من خلال تلك المستندات بأمور غير حقيقية، كأن يقنعه بأن البضائع مطابقة من حيث النوع والوزن، ويخفي بذلك حقيقة أنها غير مطابقة سواء من حيث النوع أو الوزن.
ويعتبر من أهم سبل مواجهة هذا النوع من الاحتيال هو بذل المزيد من الجهد من قبل البنوك القائمة على فتح الاعتمادات المستندية في أنشطة التجارة البحرية، وذلك من خلال وجود مندوبين للبنوك في الموانئ الوطنية، بحيث يمكنه التأكد على أرض الواقع من مطابقة البيانات الواردة بالمستندات المقدمة من المستفيد لما هو قائم بالبضائع على أرض الواقع، وبالتالي يمكن تفادي أي احتيال أو غش في المستندات المقدمة إلى البنك لسحب قيمة الاعتماد.
رابعاً: الاحتيال المتعلق بسند الشحن
1- المقصود بسند الشحن
عرف المشرع الأردني سند الشحن في نص المادة (200) من قانون التجارة البحرية، حيث عرفه بأنه (وثيقة الشحن هي سند بالبضائع الموسوقة يعطيه الربان وهي تنظم على ثلاث نسخ نسخة للواسق وثانية للمرسل إليه وثالثة للربان، ويشترط أن يذكر فيها ما يأتي: أ- اسم المتعاقدين مجهز السفينة والمستأجر، ب- تحديد البضائع الموسوقة بنوعها ووزنها وحكمها وعلاماتها (ماركاتها) وعدد طرودها، ج- اسم السفينة وجنسيتها وحمولتها، د- شروط النقل من أجرة السفينة ومحل السفر والمكان المقصود، هـ- تاريخ تسليم الوثيقة، و- عدد النسخ التي نظمها الربان، ز- امضاء الربان أو مالك السفينة أو وكيله والواسق).
وبالتالي يمكننا أن نعرف سند الشحن على أنه وثيقة تتمثل في إيصال يصدر من قبل إما الناقل أو الربان لصالح الشاحن، ويقر فيه باستلام البضائع التي تم شحنها على سفينة النقل، ويتم تحريره من ثلاث نسخ متطابقة، تسلم الأولى للشاحن، والثانية للمرسل إليه، والثالثة للربان باعتباره ممثلاً للناقل.
2- الاحتيال المتعلق بوثيقة سند الشحن
يعد سند الشحن بمثابة الركيزة الرئيسية والوثيقة الأساسية والمحورية في عمليات التجارة البحرية، وتحديداً في عمليات بيع البضائع ونقلها، لاسيما وأنه يعتبر أهو الوثائق التي يتم الاستناد عليها لإثبات عقد النقل البحري، وتحديد مدى مطابقة البضائع التي تم شحنها للمواصفات التي تم الاتفاق عليها بين البائع والمشتري، ولعل أهميته تلك هي التي جعلته عرضة لارتكاب جرائم الاحتيال في أكثر من موضع من مواضعه.
وتتفرع عملية الاحتيال في وثيقة سند الشحن إلى فرعين رئيسيين، يمثل كل فرع منهما صورة مستقلة للاحتيال في هذه الوثيقة، الصورة الأولى هي الاحتيال بشأن البضائع المشحونة، والصورة الثانية الاحتيال في الوثيقة نفسها.
أ- الاحتيال بشأن البضائع المشحونة
يؤدي سند الشحن دوراً هاماً على أكثر من صعيد، فهو يؤدي دور دليل الإثبات في شأن إثبات عملية شحن البضائع، وعلى صعيد آخر يعد دليلاً على إثبات وجود عقد النقل البحري، وعلى صعيد ثالث يدل على حيازة البضائع لمن يوجد في يده سند الشحن، وأخيراً فإنه يمثل البضاعة ذاتها، بحيث أن انتقال سند الشحن بالتظهير للغير يعد بمثابة نقل ملكية البضائع لهذا الغير، حتى وإن كانت البضائع لا تزال في عرض البحر.
ولا يقتصر سند الشحن على نوع وحيد، بل هو يتخذ أكثر من شكل، وهو ما قرره قانون التجارة البحرية الأردني في مادته رقم (204)، وتتمثل تلك الأشكال في:
- قد يكون سند الشحن هو سند شحن اسمي، ويقصد به سند الشحن الذي يحدد فيه اسم شخص معين لا يجوز لسواه استلام البضائع، وهذا النوع من سندات الشحن يصعب الاحتيال فيه نظراً لصعوبة تداوله لخضوع هذا التداول لأحكام حوالة الحق.
-
كما قد يكون سند الشحن هو سند شحن لأمر، بحيث يصدر هذا السند من قبل الناقل لأمر شخص معين أو لإذنه، وهذا الشكل من سندات الشحن يمكن أن يتم تداوله بسهولة عن طريق تظهيره من قبل من صدر لأمره أو لإذنه لصالح الغير.
-
وأخيراً نجد سند الشحن لحامله، وهذا الشكل من أشكال سندات الشحن يخلو من تحديد شخص معين يكون له الحق في استلام البضائع، ولكنه يكون في حد ذاته بمثابة البضائع، بحيث تكون حيازة وحمل هذا السند دليلاً على ملكية حائزة وحامله للبضائع التي يمثلها سند الشحن، وفي الغالب يتم إصدار هذا الشكل من سندات الشحن في حالة وجود ثقة كبيرة بين الشاحن والناقل، أو في الحالة التي يبيت فيها الشاحن النية على أن يقوم بإعادة بيع البضائع المنقولة وهي في عرض البحر، حيث يكون هذا البيع في شكل تسليم سند الشحن للمالك الجديد.
ويعتبر سند الشحن لأمر وسند الشحن لحامله هما أكثر أشكال سندات الشحن تعرضاً لعمليات الاحتيال، خاصة السند لحامله لكونه وبمجرد الاستيلاء عليه حتى ولو عنوة، فإن نقل حيازته ينقل معه ملكية البضائع، والاحتيال في هذين النوعين من سندات الشحن قد يتخذ إحدى صورتين:
- الصورة الأولى: هي الاحتيال الذي يستهدف وصف البضائع محل الشحن، وهذا النوع من الاحتيال يستهدف إدخال الغش على الناقل أو المرسل إليه، بحيث يتم شحن بضائع مختلفة في الوصف والطبيعة عن المواصفات الثابتة في سند الشحن للبضائع المفترض نقلها، وبالتالي فإن نقل ملكية البضائع بموجب تظهير سند الشحن، أو نقل حيازته متى كان لحامله، وذلك خلال وجود البضائع على ظهر السفينة في عرض البحر بمثابة احتيال صريح، حيث أن المالك الجديد الذي اشترى البضائع وهي في عرض البحر سيتبين له عدم مطابقة البضائع للمواصفات الثابتة بسند الشحن والتي اشتراها بناء عليها، سواء كانت المخالفة متعلقة بطبيعة أو نوع أو حجم البضائع.
- الصورة الثانية: هي الاحتيال الذي يستهدف تزوير سند الشحن، حيث يعمد البعض إلى تزوير سند شحن يماثل سند الشحن الأصلي، وذلك في حالة سندات الشحن القابلة للتداول سواء بالتظهير أو بانتقال الحيازة، ويتم بيع البضائع وهي في عرض البحر بموجب سند الشحن المزور، مع بقاء السند الأصلي لتسليمه للمرسل إليه مع البضائع المنقولة، فيصبح للبضائع مالكين، أحدهما بسند شحن سليم والآخر بسند شحن مزور.
ب– الاحتيال بشأن سند الشحن نفسه
على الرغم من الأهمية البالغة التي يمثلها سند الشحن في المعاملات التجارية البحرية، إلا أنه يعد من أكثر الوثائق البحرية القابلة للوقوع تحت طائلة جرائم الاحتيال، خاصة لما تتسم به عملية التلاعب في بياناته من سهولة ويسر، مما وقر معه في وجدان البعض أنه وثيقة لا تتسم بالأمان ولا تكفل ضماناً من الاحتيال.
وتمثل أكثر وسائل التحايل انتشاراً في مجال سندات الشحن اصطناع عدة سندات شحن مماثلة لسند الشحن الأصلي، واستخدام كل سند منها لبيع البضائع المثبتة فيه، فتباع البضائع في تلك الحالة لعدة مشترين، كما أن التحايل قد يتم عن طريق التلاعب في البيانات الواردة بسند الشحن، سواء الخاصة بنوع البضائع، أو ماركتها، أو وزنها، أو غيرها من البيانات التي قد تؤثر في ثمن البضائع عند بيعها بموجب سند الشحن، كالتلاعب في حجم البضائع أو وزنها بالزيادة لرفع ثمنها، كما هو الحال في إضافة صفر زائد على وزن البضائع لتصبح ألفان (2000) بدلاً من مائتين (200)، وبالتالي يزيد سعرها إلى عشرة أضعاف سعرها الحقيقي والفعلي.
وهناك أيضاً التحايل في شأن التلاعب في تاريخ إصدار سند الشحن، فالبضائع التي يتم نقلها قد تقضي فترة طويلة في رحلتها البحرية، ويكون المناط في ذلك هو تاريخ الشحن الذي من خلاله يمكن التعرف على الفترة التي أمضتها البضائع في عرض البحر، وهو بدوره ما يتيح القدرة على معرفة حالتها، وأيضاً الوقوف على ثمن تلك البضائع، حيث أن البضائع وفقاً لطبيعتها قد تزيد وترتفع من يوم إلى آخر، وبالتالي فإن معرفة تاريخ الشحن سيوضح أن ثمن البضائع هو الثمن الذي كان ثابتاً لها في هذا التاريخ، لاسيما وإن كان البيع قد تم فتح اعتماد مستندي بشأنه.
خامساً: الاحتيال المتعلق بوثيقة التأمين
أ- ماهية وثيقة التأمين
عرف المشرع الأردني عقد التأمين البحري بنص المادة (296) من قانون التجارة البحرية، وذلك على أنه (عقد يرضى بمقتضاه المؤمن بتعويض المؤمن له من الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما مقابل دفع قسط على ألا يجاوز هذا التعويض قيمة الأشياء الهالكة).
وهو يتفق مع الاتجاه الذي اتجه إليه الفقه القانوني في تعريف عقد التأمين البحري بأنه العقد الذي يتعهد فيه المؤمن بأن يقدم للمؤمن له – أو للغير – أداء يسمى بالتعويض، وذلك نظير أداء مالي يقوم المؤمن له بسداده للمؤمن ويسمى بقسط التأمين، ولا يتم سداد هذا التعويض إلا في حالة وقوع ضرر لأموال أو أشخاص معينين في وثيقة التأمين، وكنتيجة لخطر من الأخطار المؤمن ضدها[6].
ب- الاحتيال المتعلق بوثيقة التأمين البحري
يمثل التأمين البحري أحد ركائز وأسس التجارة البحرية، وذلك لما يكفله من ضمان ضد مخاطر الملاحة البحرية، وما يقدمه من حماية ضد مخاطر التلف والهلاك للبضائع التي يتم نقلها عبر البحار.
وتقوم عملية التأمين برمتها على الصدق والصراحة في البيانات التأمينية، فحسن النية هو أساس التأمين سواء من حيث البيانات التي يقر بها المؤمن له، أو من حيث عدالة التأمين وتناسبه مع قيمة الخسائر بدون أي إجحاف أو غبن، وهو ما يجعلها مبادئ أساسية وركائز لقيام هذه العملية.
إلا أن وثيقة التأمين لم تسلم هي الأخرى من آفة الاحتيال، والتي أصبحت تمثل أخطر العوائق والمشكلات التي تواجه الشركات العاملة في مجال التأمين بوجه عام والتأمين البحري بوجه خاص، وهو ما جعل الاحتيال الذي يطال وثائق التأمين يسمى بالاحتيال التأميني.
ويأخذ الاحتيال التأميني في وثيقة التأمين البحري أكثر من صورة، بل ولا نبالغ في زعمنا بأن تعدد صور الاحتيال في مجال التأمين البحري تعدد لدرجة لا يمكننا معه ذكر صور حصراً، لذلك فإننا سوف نورد وبإيجاز أهم صور الاحتيال التأميني في وثيقة التأمين البحري وأكثرها شيوعاً وانتشاراً في النقاط التالية:
- لجوء المؤمن له إلى التأمين بقيمة تزيد عن القيمة الفعلية للبضائع المؤمن عليها – بالمخالفة للقانون – وذلك للحصول على ربح إضافي على قيمة البضائع عند حصوله على التأمين في حالة هلاك البضائع وتحقق الخطر المؤمن ضده.
تعمد ذكر بيانات ومواصفات غير حقيقية وتخالف الواقع في وثيقة التأمين، وذلك كإخفاء بعض المعلومات التي تخص طريق الرحلة البحرية، وذلك لكونه طريق يتضمن ظروف ملاحية صعبة ترفع من معدلات تحقق الخطر، ولكن طالب التأمين يخفي تلك المعلومات حتى لا تتضح لشركة التأمين.
التأمين ضد حوادث بحرية وقعت بالفعل، حيث يقوم طالب التأمين بإخفاء حقيقة وقوع الحادث، ويقوم بالتأمين دون ذكر لها، ثم الزعم بتحققها بعد إبرام عقد التأمين.
التلاعب في عدد أو وزن أو كم أو نوع البضائع المؤمن عليها، سواء أثناء شحنها على السفينة، أو عند إنزالها بميناء التفريغ، وذلك للحصول على قيمة التأمين.
الادعاء الكاذب بتعرض سفينة النقل لحادث وهمي مصطنع من قبل المؤمن له، نتج عنه هلاك البضائع المؤمن عليها خلال الرحلة البحرية، سواء نتيجة احتراقها أو إلقائها في البحر، وذلك للحصول على قيمة التأمين والبضائع معاً.
ولعل هذه الصور هي مجرد نموذج مبسط للعديد من الصور التي يتم ارتكاب الاحتيال في وثيقة التأمين من خلالها، ولكم أن تطلقوا عنان خيالكم لما يمكن أن يكون موجوداً بالفعل أو يتم استحداثه من سبل جديدة للاحتيال التأميني.
سادساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 152 لسنة 1975، والصادر بجلسة 30/7/1975 والمتضمن أن (الاعتماد المستندي هو تعهد صادر عن البنك بناء على طلب الآمر(المشتري) يلتزم البنك بمقتضاه بدفع ثمن البضاعة للمستفيد (البائع) وفق شروط معينة ، ويفتح تنفيذا لالتزام المشتري بدفع الثمن ، فان الالتزامات المترتبة على انشاءه تنحصر في ذمة طرفي العقد وهما الامر(المشتري) والبنك فقط ، ولا يتحمل المستفيد (البائع) من الاعتماد بأي التزام ويلتزم البنك بموجبه ان يدفع قيمة المستندات الى المستفيد وبعد ذلك يضع المستندات المتعلقة بشحن البضاعة تحت تصرف الامر مقابل حصوله على قيمتها من الامر المذكور ، كما يلتزم المشتري الامر بموجبه بدفع قيمة المستندات موضوع الاعتماد الى البنك عند ورودها منه).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 523 لسنة 1991، والصادر بجلسة 23/11/1991 والمتضمن أن (تظهير بوليصة الشحن بدون تاريخ مخالف لنص المادة (204) من قانون التجارة البحرية والتي توجب وضع تاريخ تظهير بوليصة الشحن لوضعها في التداول، وعليه فإذا كان تظهير البوليصة غير مؤرخ وتم بتاريخ لاحق لتاريخ الوكالة).
3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 197 لسنة 2008، والصادر بجلسة 12/10/2008 والمتضمن أن (من المستقر عليه أن بوليصة الشحن هي عقد النقل البحري الذي يحدد التزامات طرفي التعاقد، وأنه وحدة متكاملة يجب مراعاة كافة نصوصه وفق ما تقضي به أحكام المادة (204) من قانون التجارة البحرية).
4- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2960 لسنة 2012، والصادر بجلسة 7/10/2012 والمتضمن أن (لما كان الثابت أن المدعية علمت بفقدان البضاعة موضوع عقد التأمين بتاريخ 26/2/2001 كذلك تأكد فقدان البضاعة من خلال مراجعة الجهات المختصة في دبي بالتاريخ ذاته وكذلك تنزيل الحاويات في ميناء بندر عباس بتاريخ 28/2/2001، ولما كان طلب تأمين البضاعة قدم للجهة المدعى عليها بتاريخ 28/2/2001 وأن وثيقة التأمين موضوع الدعوى تم إصدارها بتاريخ 1/3/2001 فإن وثيقة التأمين والحالة هذه تعتبر باطلة وفق أحكام المادة 321 من قانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 72 وتعديلاته.).
سابعاً: الخاتمة
لاتزال الوثائق البحرية باختلاف أنواعها تعاني من وقوعها فريسة لجرائم الاحتيال البحري، حتى بعد أن اعتمد المجتمع الدولي تحول بعضها إلى الشكل الإلكتروني، فإن ذلك لم يمنع من تزويرها والتلاعب بها نظراً لتطور الوسائل التقنية التي تتيح ذلك بسهولة، وهو ما يعد صورة من صور الاستخدامات السيئة للتقدم التقني.
ونرى أن المشرع الأردني قد بذل جهوداً محمودة في مواجهة وسائل الاحتيال المختلفة في الوثائق البحرية، إلا أن هناك ضرورة ملحة لوضع تعريف للاعتماد المستندي وتنظيمه في مجال التجارة والنقل البحري بقانون التجارة البحرية الأردني، لكونه يمثل وسيلة دفع متواجد وبكثرة على أرض الواقع العملي في مجال التجارة البحرية، كما أنه يقع في العديد من الحالات تحت طائلة ارتكاب جرائم الاحتيال بموجبه، وبالتالي يلزمه وجود تنظيم قانوني يسانده في قانون التجارة البحرية بشكل خاص، نظراً لما يتسم به النشاط البحري من طبيعة خاصة.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – دار النهضة العربية – مصر – 1986 – ص 960.
[2] – راوي عبد الفتاح فولي – الاحتيال البحري ووسائل التصدي له – مجلة الفكر الشرطي – مج 28 – ع (108) – مركز بحوث الشرطة – الشارقة – يناير 2019 – ص155.
[3] – هاني دويدار – الوجيز في القانون البحري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2002 – ص 191.
[4] – السيد اليماني – العقود التجارية والأوراق التجارية: العمليات المصرفية – دار أسامة للنشر – الأردن – ج2 – 198 – ص276.
[5] – محمد السراج وحسين حامد – الأوراق التجارية في الشريعة الإسلامية – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2008 – ص72.
[6] – محمود سمير الشرقاوي – القانون البحري – دار النهضة العربية – مصر – 1993 – ص507.

