النظام القانوني للبيع فوب (F.O.B)
في ظل ازدهار التجارة البحرية بشكل ملفت للأنظار في الآونة الأخيرة، أصبح على الجميع – تجار كانوا أو ناقلين أو مستهلكين – معرفة الأنواع المختلفة من البيوع التي تتم عن طريق البحر، لاسيما وأن التمييز بينهم يعد أحد أهم أسس تحديد مكان وزمان تسليم الشيء أو البضائع المبيعة بموجب كل بيع منها، وبوجه عام لا يمكن لطرفي البيع البحري أو الغير تحديد الطريقة الصحيحة لتنفيذ الالتزام بالتسليم في البيع البحري إلا إذا تم بداية تحديد نوع هذا البيع، حيث أن تحديد ذلك يعتبر بمثابة التحديد لشخص من يتحمل تبعة هلاك الشيء المبيع من المتعاقدين.
وتنقسم البيوع البحرية إلى أكثر من نوع، إلا أن أهمها وأبرزها البيع فوب (F.O.B)، والذي يعد من طائفة البيوع عند الشحن أو البيوع عند القيام، لذلك فقد قررنا أن يكون التعريف بهذا النوع من أنواع البيوع البحرية هو محل العرض والطرح في هذا المقال.
أولاً: ماهية عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
ثانياً: أشكال عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
ثالثاً: انتقال تبعة المخاطر في عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
رابعاً: نموذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: ماهية عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
1- التعريف به
المصطلح فوب (F.O.B) يقصد به الاختصار لمصطلح (Free on Board)، وهذا المصلح يشير إلى أن تسليم الشيء المبيع يتم على ظهر السفينة[1]، وهذا الوصف يمثل حقيقة العقد فعلياً، ويتبين ذلك من التعاريف المتعددة لعقد البيع البحري فوب، والتي من أهمها:
- تعريفه على أنه البيع البحري الذي يتم فيه الاتفاق بين البائع والمشتري على قيام الأول بتسليم البضائع المبيعة للأخير بميناء الشحن وعلى ظهر السفينة، وهذه السفينة يكون المشتري هو القائم على تحديدها، نظير التزام المشتري بسداد الثمن للبائع.
-
وأيضاً تعريفه بأنه البيع الذي يتم فيه تسليم البضائع المبيعة من قبل البائع إلى المشتري بميناء الشحن وعلى ظهر السفينة التي يحددها المشتري.
-
وأيضاً عرفت في تعريفها الأشهر والأبرز بأنها البيوع التي يتم بموجبها بيع مال منقول، يتم تسليمه ونقل مخاطره من البائع إلى المشتري في مكان محدد وهو ميناء القيام، وعلى ظهر السفينة التي يقوم باختيارها المشتري، وذلك في الموعد المتفق عليه بينه وبين البائع، مع تسليم المشتري الثمن المتفق عليه للبائع.
وهو ما يمكننا معه أن نتبين أن الفقه القانوني قد اتفق في تعريفاته المختلفة لعقد البيع فوب على مجموعة من العناصر الرئيسية لهذا البيع، والتي تتمثل في:
- أنه عقد من طائفة عقود البيع البحرية.
- يقوم البائع بتسليم البضائع المبيعة للمشتري في ميناء القيام (الشحن) وعلى ظهر سفينة يحددها المشتري.
- تنتقل فيه تبعة المخاطر (التلف أو الهلاك) من البائع إلى المشتري بالتسليم.
- تقع مصروفات النقل والتفريغ والتأمين وغيرها من المصروفات التي تستحق بعد التسليم على عاتق المشتري.
- يقع على عاتق المشتري تحديد السفينة التي سيتم التسليم على ظهرها.
- يقابل التزام البائع بالتسليم في الموعد والمكان المحددين التزام المشتري بسداد الثمن.
2- مزاياه وعيوبه
بعد أن تبين للعاملين بالتجارة البحرية عدم جدوى البيوع البحرية التي يتم التسليم فيها بميناء الوصول، لاسيما وأنها تضع البائع رهن مخاطر الظروف البحرية والجوية الصعبة والمتقلبة، والتي قد يترتب عليها تلف البضائع أو هلاكها أثناء النقل أو قبل التسليم بميناء الوصول، وبالتالي يمتنع المشتري عن استلامها ويتحمل البائع تبعة التلف والهلاك، فقد أصبحت البيوع البحرية التي يكون فيها التسليم بميناء الشحن أو القيام هو الأكثر قدرة على تحقيق تصورات وتطلعات هؤلاء المتعاملين في التجارة البحرية، سواء كانوا يندرجون تحت مسمى بائع أو مشتري على حد سواء.
ومن هنا تنبع أهمية البيع فوب (F.O.B) باعتباره أحد أهم أنواع البيوع البحرية التي يكون تسليم البضائع المبيعة للمشتري بميناء القيام، فهي تقدم تسهيلات لكل من المشتري والبائع في آن واحد، فعلى صعيد المشتري فإن ثمن البضاعة المبيعة يكون أقل من البيوع التي يتم فيها التسليم بميناء الوصول، حيث أن البائع لا يضيف للثمن أي مصروفات إضافية، فيتمكن المشتري من تخفيض نفقاته عن طريق الحصول على سفينة نقل بأجر مناسب باعتباره هو القائم على اختيار سفينة النقل التي سيتم التسليم عليها، وأن يتولى عملية التأمين طبقاً للقيمة التي يراها مناسبة له، وأن البضائع تصبح مملوكة له بمجرد وضعها على ظهر سفينته، وبوجه عام يمكنه وضع ميزانية مناسبة وتصور محدد يغطيان كامل عملية الشراء بمراحلها المختلفة.
وعلى صعيد البائع فإن هذا البيع يحقق له العديد من المميزات والفوائد، أهمها أنه يقيه ويعفيه من مسؤوليته عن وقوع أياً من مخاطر التلف أو الهلاك للبضائع المبيعة أثناء نقلها، علاوة على أنه يرفع من على عاتقه مسؤولية وتكاليف النقل والتأمين، وبوجه عام فهو يجعل التزام البائع الوحيد في هذا البيع منحصراً في تسليم البضائع للمشتري في الموعد المحدد وعلى ظهر السفينة المحددة من قبل المشتري لذلك، وبالتالي تجعل من عملية البيع أيسر بكثير على البائع.
إلا أنه وعلى الرغم من تلك الفوائد والمميزات التي تمثلها عقود البيع فوب في التجارة البحرية، فهناك بعض أوجه القصور التي تمثل عيوباً في ذلك البيع، ومن أهم وأبرز تلك العيوب هو صعوبة ضبط التزامن بين وصول البضائع على رصيف التحميل وبين بدء عملية الشحن، وذلك نتيجة طبيعية لصعوبة معرفة موعد وصول السفينة التي سيتم عليها التسليم بصورة دقيقة[2]، ناهيك عن أن ذلك يقتضي أيضاً تحديد الرصيف الذي ستقوم سفينة النقل بالرسو عليه، وهو ما لا يمكن تحديده بشكل مسبق إلا إذا كانت السفينة تابعة لشركة نقل لها أرصفة محددة ترسو سفنها عليه، وهو ما لا يتوافر بكثرة في الواقع العملي، مما قد يترتب عليه وصول السفينة متأخرة لظروف جوية أو غيرها، أو وضع البضائع المبيعة على رصيف خلاف الرصيف الذي سترسو عليه السفينة، وبالتالي قد تتعرض البضائع لظروف جوية قد تعرضها للتلف أو الهلاك قبل تسليمها.
بجانب ذلك فإن تحميل تبعة مخاطر الرحلة البحرية للمشتري تجعل لجوء الأخير لهذا النوع من البيوع البحرية محدود بشكل كبير، بحيث نجده في الواقع العملي يقتصر على البضائع التي تتسم بصغر حجمها أو قلة كميتها، والتي غالباً ما تكون سلعاً استهلاكية.
ثانياً: أشكال عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
نظراً لمرور عقد البيع فوب بتطورات كثيرة ومتعددة منذ نشأته وحتى وصوله لصورته المتداولة في وقتنا الحالي، فإنه لم يقتصر على شكل وحيد يظهر فيه بشكل ثابت، ولكنه يتخذ أكثر من شكل، ويعزى ذلك إلى أن ما يتضمنه عقد البيع فوب من شروط لا تعد شروطاً صلبة وجامدة، بل هي شروط مرنة وقابلة للتغير وفقاً للظروف، ويتغير وصف عقد البيع فوب وشكله بتغير الشروط المتعلقة بالتزامات طرفيه – البائع والمشتري – وفقاً لما يتفق عليه فيما بينهما، وهو ما يجعل أشكال هذا العقد متعددة ومتباينة بصورة لا يمكن حصرها[3]، ومن أهم هذه الأشكال ما يلي.
1- الشكل الأول: عقد البيع فوب التقليدي
في هذا الشكل يكون عقد الفوب في صورته سالفة البيان وفقاً لتعريفه، فيكون البائع متحملاً بالتزام تحميل البضائع المبيعة على ظهر سفينة النقل، وتقع على عاتقه مصاريف هذا التحميل، وتنتهي مسؤوليته عند هذا الحد، وتبدأ مسؤولية المشتري عن البضائع بمجرد انتهاء البائع من وضعها على ظهر السفينة، فتصبح مملوكة للمشتري، ويكون هو المسؤول عن تبعة التلف أو الهلاك الذي يصيبها، ويلتزم عندئذ بسداد ثمنها إلى البائع.
2- الشكل الثاني: عقد البيع فوب المرصوص
يعتبر هذا العقد هو ذاته عقد الفوب التقليدي، إلا أنه يختلف عنه في تفصيله وحيدة تتمثل في أن الالتزام بتحميل البضائع المبيعة إلى ظهر السفينة والذي يقع على عاتق البائع يتم تحميله بالتزام إضافي، ويتمثل هذا الالتزام الإضافي في تحمله أيضاً لتكاليف ونفقات رص البضائع المبيعة في العنابر المعدة لذلك داخل السفينة، فلا يعد عندئذ تسليماً أن يقوم البائع بتحميل البضائع ووضعها على ظهر السفينة، بل يكون التسليم قد تم متى تم رص البضائع في الأماكن المعدة لها بالعنابر الموجودة داخل السفينة[4].
3- الشكل الثالث: عقد البيع فوب بواجبات مضافة
أما ثالث أشكال عقد الفوب فهو عقد الفوب بواجبات مضافة، ويتشابه هذا العقد مع عقد الفوب المرصوص في أن كل منهما يتمتع بالتزام مضاف، إلا أن هذا الالتزام في عقد الفوب المرصوص هو التزام محدد يتمثل في تكاليف الرص في العنابر، أما الالتزام أو الواجب الذي يضاف إلى البائع في هذا العقد يأخذ أكثر من صورة، فقد يكون في صورة تحميل البائع بالتزام وواجب إبرام عقد نقل البضائع مع الناقل، أو التأمين على البضائع وإبرام عقد التأمين مع المؤمن، أو غيرها من الأمور الأخرى التي يسهل على البائع إتمامها ثم محاسبة المشتري عليها بعد ذلك، نظراً لأنها تتم في بلد البائع وبالتالي تعد أيسر عليه في القيام بها عن المشتري، فيجوز أن يتضمن عقد الفوب واجباً أو أكثر يضع على البائع مسؤولية القيام بأياً من تلك الأمور بدلاً من المشتري.
وفي حالة اتفاق طرفي عقد البيع فوب على قيام البائع بأياً من تلك الأمور، فإنه يقوم بها باعتباره وكيلاً عن المشتري، فيقوم بإبرام أي تعاقد يخص تلك الأمور (النقل – التأمين – ….. إلى آخره) لحساب المشتري، وتعتبر هذه الوكالة منفصلة ومستقلة تماماً عن عقد الفوب ذاته، بحيث لا تؤثر عليه سلباً أو إيجاباً.
4- الشكل الرابع: عقد الفوب الجوي
بعد أن تطورت وسائل نقل وشحن البضائع فأصبحت الطائرة تحل محل السفينة ليتم النقل جواً، فقد أصبحت الطائرات إحدى الوسائل الحديثة لنقل البضائع، وبالتالي فقد أصبحت عقود الفوب قابلة للإبرام على وسائل النقل الجوية.
وقد يتساءل البعض عن سبب ذكرنا لعقد الفوب الجوي ونحن في معرض الحديث عن الفوب البحري، خاصة وأن الفارق الوحيد بينهما – كما قد يظن هذا البعض – هو وسيلة النقل، فهي في البحري سفينة وفي الجوي طائرة، والإجابة على ذلك أنه كان يجب علينا توضيح أن الفارق بين هذين العقدين ليس في نوع وسيلة النقل المستخدمة فحسب، ولكن في مكان التسليم الفعلي للبضائع، فبيع الفوب البحري كما سبق وأن أوضحنا يتم التسليم فيه على ظهر السفينة، ومجرد وضع البضائع على رصيف الميناء لا يعد تسليماً يبرئ ذمة البائع، بينما في البيع فوب الجوي يمكن أن يكون التسليم في أحد مكانين، الأول هو متن الطائرة التي تنقل البضائع، والمكان الثاني هو أرض المطار المتواجد به طائرة النقل، وهذا المكان الأخير يصح أن يكون مكاناً للتسليم متى جرى الاتفاق أو العرف المتبع في مطار الشحن على ذلك، وهو ما يحدث في حالات كثيرة نظراً لأن الشحن والتحميل في النقل الجوي يختلف في فنياته وتقنياته عن نظيرتها في النقل البحري لكونها أكثر تطوراً، وتقتضي في الكثير من الحالات طرق شحن فنية، وأيضاً لاختلاف طبيعة وسيلة النقل في كلا من الصورتين.
ثالثاً: انتقال تبعة المخاطر في عقد البيع البحري فوب (F.O.B)
أهم ما يثيره عقد البيع البحري هو موضوع تسليم البضائع المبيعة، وتحديداً التوقيت الذي يعد هو وقت انتقال البضائع من مسؤولية البائع إلى مسؤولية المشتري، وذلك نظراً لما يترتب على ذلك من الوقوف على شخص من يتحمل تبعة أي تلف أو هلاك يصيب تلك البضائع، وفي هذا الصدد سوف نتعرض إلى القاعدة العامة التي تحكم هذا الأمر، وما يرد عليها من استثناءات.
1- القاعدة العامة في تحمل تبعة المخاطر
تعتبر القاعدة العامة في عقود البيع فوب أن التسليم هو مناط نقل تبعة المخاطر، بينما يرى البعض الآخر أن المناط هو الشحن، وفي الحقيقة فكلا الأمرين واحد، حيث إن التسليم في تلك العقود يتم بشحن البضائع على ظهر سفينة النقل، وهو ما يجعل القول بأن التسليم أو الشحن هو مناط التسليم هو قولاً صحيحاً على الوجهين.
وبالتالي تنقسم الفترة الخاصة بتحمل تبعة المخاطر إلى قسمين، القسم السابق على التسليم، والقسم اللاحق على التسليم.
أ- الفترة السابقة على التسليم
تظل مسؤولية البضائع المبيعة وتبعة المخاطر الخاصة بها على عاتق البائع طوال الفترة التي تسبق تسليمها إلى المشتري، وذلك بشحنها على ظهر السفينة المحددة لذلك، حيث إنه وبمجرد إتمام عملية الشحن تنتهي مسؤولية البائع عن البضائع وتنتقل إلى المشتري.
وبناء على ذلك فإن البائع يضمن تبعة المخاطر المتمثلة في تلف أو هلاك البضائع منذ خروجها من مخازنه وحتى وصولها إلى ظهر سفينة النقل، ويظل ضامناً لها حتى وإن كان الهلاك أو التلف قد تحقق بسبب أجنبي.
ب- الفترة اللاحقة على التسليم
بمجرد تسليم البضائع المبيعة للناقل على السفينة التي يحددها المشتري لذلك، فمنذ هذه اللحظة تنتقل تبعة المخاطر من البائع لتصبح على عاتق المشتري، وبمعنى أوضح فإن دخول البضائع في عهدة الناقل ينقل تبعة المخاطر إلى المشتري، فيكون تلف أو هلاك البضائع على عاتق المشتري متى لحق بها بعد استلام الناقل لها، فاستلام الناقل للبضائع يعد بمثابة تسليمها تسليماً حكمياً للمشتري، وبالتالي ينطبق نص المادة (472) من القانون المدني الأردني، والتي نصت على أن (إذا هلك المبيع في يد المشتري بعد تسلمه لزمه أداء الثمن المسمى للبائع …..).
وهناك تساؤل يثور عن الحالة التي يكون فيها تسليم البضائع المبيعة على مراحل، أي يتم التسليم للبضائع على أجزاء، بحيث تتم كل رحلة نقل بحري لاستلام ونقل جزء من البضائع المبيعة، فما هو الموقف بالنسبة لتبعة الهلاك في تلك الحالة؟
الإجابة هنا هي أن كل جزء من أجزاء البضائع المبيعة يتم تسليمه ونقله بشكل منفصل يتم التعامل معه على حدة، بحيث يكون كل جزء كما لو كان بيعاً مستقلاً، بحيث تنتقل تبعة المخاطر من البائع للمشتري بالتسليم عن الجزء الذي تم تسليمه فقط دون باقي الأجزاء الأخرى التي لم يتم تسليمها بعد[5].
ويعد ذلك الفرض صحيحاً في حالة أن يكون الاتفاق بين البائع والمشتري متضمناً عملية التجزئة تلك، أي على إرسال البضائع المبيعة على مراحل، أما في حالة أن تكون عملية تجزئة البضائع هي عملية غير متفق عليها فيما بينهما، ولكنها قد وقعت نتيجة خطأ أو تقصير البائع، فإن المشتري يكون له الحق في أن يرفض البضائع التالفة، وتكون تبعة هلاكها على البائع، كما أن تلك التبعة تكون على عاتق المشتري متى كانت عملية تجزئة البضائع راجعة إلى خطأ أو تقصير منه، فالتبعة هنا تنتقل وفقاً للقواعد القانونية العامة، بحيث يتحمل المخطئ نتيجة الخطأ الذي ارتكبه، وما يترتب عليه من آثار.
2- الاستثناءات بشأن تحمل تبعة المخاطر
كما سبق وأن أوضحنا أن القاعدة العامة في تحمل تبعة المخاطر بعقود البيع هي أنها تقع على عاتق البائع قبل التسليم (الشحن)، وتنتقل لتصبح على عاتق المشتري متى تم تسليم البضائع المبيعة على ظهر سفينة النقل.
إلا أن تلك القاعدة يرد عليها استثناءات، بحيث تجعل البائع هو من يتحمل تبعة المخاطر حتى بعد التسليم، كما تجعل المشتري هو من يتحمل تبعة المخاطر حتى قبل التسليم، وذلك على سبيل الاستثناء، وفي حالات محددة بعينها.
أ- تبعة الهلاك على البائع بعد التسليم
على سبيل الاستثناء تظل تبعة الهلاك على عاتق البائع بعد تسليم البضائع على ظهر سفينة النقل في البيع فوب، وذلك في حالات محددة تمثل إخلالاً منه بالتزاماته التعاقدية، كما هو الحال عند الاتفاق في عقد البيع فوب على أن يكون البائع ملتزماً بالتزام إضافي قوامه الاتفاق مع الناقل على نقل البضائع، وبالتالي يلتزم بإخطار المشتري قبل النقل بفترة كافية ليتمكن الأخير من التأمين على البضائع قبل نقلها، فإذا لم يفعل البائع ذلك وأخل بالتزامه بتبليغ المشتري، وترتب على ذلك عدم قدرة المشتري على إبرام عقد التأمين على البضائع في الموعد المناسب، وحدث بعد التسليم وأثناء النقل أي مخاطر تسببت في تلف أو هلاك البضائع بما لا يغطيه التأمين، فإن المشتري لا يتحمل تبعة المخاطر هنا، بل يتحملها البائع لكونها قد تحققت بناء على تقصيره في تنفيذ التزاماته التعاقدية، وأن عدم التأمين يرجع إلى خطأ البائع.
ب- تبعة الهلاك على المشتري قبل التسليم
على صعيد آخر فإنه يمكن – استثناءاً – تحميل المشتري بتبعة المخاطر حتى قبل أن يتم تسليم البضائع المبيعة، وذلك متى كان الخطأ أو التقصير الذي نتج عنه التلف أو الهلاك راجعاً إلى فعل المشتري، ومن هذه الحالات الاستثنائية على سبيل المثال وليس الحصر أن يكون تأخير عملية التسليم عائداً إلى خطأ من جانب المشتري، وذلك بعد أن يكون المشتري قد تم إعذاره من قبل البائع باستلام المبيع، فيكون هلاك أو تلف البضائع خلال تلك الفترة في ضمان المشتري وليس البائع، وهو ما قررته المادة (323) من القانون المدني الأردني، حيث نصت في مضمونها على أنه (يترتب على إعذار الدائن أن يصير الشيء محل الالتزام في ضمان الدائن إن كان من قبل في ضمان المدين وأن يصبح للمدين الحق في إيداعه على نفقة الدائن وفي ضمان ما أصابه من ضرر)، ويطابق أيضاً ما قررته المادة (501/1) من ذات القانون من أن (1- إذا هلك المبيع قبل التسليم أو هلك بعضه بفعل المشتري اعتبر قابضاً للمبيع ولزمه أداء الثمن).
رابعاً: نموذج لأحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 806 لسنة 1986، والصادر بجلسة 6/12/1986 والمتضمن أنه (من المتفق عليه إن البيوع البحرية بالنسبة إلى تاريخ النفاذ وانتقال ملكية البضاعة من البائع إلى المشتري أو من الشاحن إلى المرسل إليه هي على نوعين، الاول: البيع في ميناء الشحن، والثاني: البيع في ميناء الوصول، والبيع في ميناء الشحن هو البيع الذي ينفذ في ميناء الشحن ويتم فيه تسليم البضاعة وانتقال ملكيتها مع المخاطر إلى المشتري المرسل إليه لمجرد عبور البضاعة لحاجز السفينة أثناء عملية التحميل ويشمل هذا النوع من البيع بيع السيف وبيع الفوب وبيع السي أند إف).
خامساً: الخاتمة
تمثل البيوع البحرية بوجه عام وعقد البيع البحري فوب بوجه خاص أهمية كبيرة في مجال التجارة البحرية الدولية، لذا فقد كان تنظيمها محط اهتمام من قبل المجتمع الدولي، وبالفعل تم تقنين أحكامها في شكل قواعد دولية، قامت على تنظيمها غرفة التجارة الدولية تحت مسمى “الإنكوتيرمز”، وهي قواعد دولية تتولى تفسير المصطلحات التجارية، وإن كنا نقر بكفاية تلك القواعد لضبط هذه البيوع، إلا أننا نرى ضرورة حصر كافة القواعد الخاصة بتنظيم البيوع البحرية بأنواعها المختلفة، ووضعها في صورة قانون وطني خاص بها، لاسيما وأن هناك صعوبة كبيرة قد تواجه البعض عند البحث في القواعد التجارية الدولية، بما يعجزهم عن العثور على مبتغاهم، والذي سيكون أيسر بكثير متى تم جمعها وصياغتها في شكل قانون وطني، وذلك أسوة ببعض المشرعين العرب الذين قاموا بذلك، ومنهم على سبيل المثال المشرع الكويتي.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – أحمد طرابلسي – عقد البيع “فوب” – رسالة ماجستير غير منشورة – كلية الحقوق – جامعة الجزائر – 2018 – ص6.
[2] – أحمد حسني – البيوع البحرية – الطبعة الثانية – منشأة المعارف – مصر – 2001 – ص440 وما بعدها.
[3] – يعقوب صرخوه – دور عقد البيع فوب في التجارة الدولية: القسم الأول – مجلة الحقوق – جامعة الكويت – مج (9) – ع (3) – 1985 – ص121.
[4] – حمود الدعجاني – عقد البيع فوب: دراسة فقهية – مجلة البحوث الفقهية والقانونية – المملكة العربية السعودية – ع (36) – أكتوبر 2021 – ص1322.
[5] – يعقوب صرخوه – المرجع السابق – ص 176.

