الإقرار في الإثبات الجزائي
في النظام الجزائي الأصل في الإنسان البراءة ما لم يثبت ارتكابه الجرم بالأدلة القاطعة، أما بخصوص الإقرار موضوع مقالنا فقد قيل فيه فيما يخص المتهم (الاعتراف سيد الأدلة)، وترجع أهمية الإقرار كونه نابع من المجرم ذاته، ولقد نظمت التشريعات المتباينة الإقرار كأحد أهم الأدلة في الإثبات الجزائي، وسنبين تناول المشرع الأردني له وذلك من خلال النقاط الأتية:
أولًا: تعريف الإقرار في الإثبات الجزائي
ثانيًا: السند القانوني لحجية الإقرار الجزائي
ثالثًا: الطبيعة الخاصة للإقرار في الإثبات الجزائي
أولًا: تعريف الإقرار في الإثبات الجزائي
والإقرار قانوناً معناه اعتراف المتهم على نفسه بارتكاب الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها أي اعترافه بكل الوقائع المنسوب اليه ارتكابها أو بعضها، وبظروفها مما يستوجب مسؤوليته عنها أو بما يشددها[1]. وعرفه البعض بأنه “عمل إرادي ينسب به المتهم إلى نفسه ارتكاب وقائع معينة تتكون بها الجريمة[2]”
وتعريفه عندنا “أنه عبارة عن اعتراف صحيح في نسبه لقائله مقالًا وإرادة، هذا الاعتراف ينسب كل أو بعض الوقائع المجرمة قانونًا للمقر، والذي متى اقتنعت المحكمة به رتبت عليه الإدانة أو التشديد في العقوبة”
ثانيًا: السند القانوني لحجية الإقرار الجزائي
وقبل التطرق بالحديث عن الإقرار في الإثبات الجنائي لابد ان تعرف على سند الحجية له في التشريع الأردني، وفي ذلك نصت المادة (172/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته على (إذا اعترف الظنين بالتهمة يأمر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات أقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها في اعترافه ومن ثم تدينه المحكمة وتحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته إلا إذا بدت لها أسباب كافية تقضي بعكس ذلك.)
ثالثًا: الطبيعة الخاصة للإقرار في الإثبات الجزائي
في الحياة العملية قد نجد الإقرار في المسائل المدنية والجنائية، والبعض قد يخلط بين المفهومين نظرًا لتشابهما في إنهما يرجعان إلى إرادة المقر دون تدخل من الغير، إلا كلا من الإقرارين له ما يميزه عن الأخر وكذلك ما يميزه عما قد يتشابه معه.
فيرى بعض الفقه أن الاعتراف تصرف قانوني لأن المعترف تتجه إرادته إلى الآثار المترتبة على الاعتراف[3]. وأخضعه البعض لسلطان الإرادة، ونال الرأي الأخير النقد حيث إن الإقرار المدني يختلف عن الجزائي في الأثر المترتب، فعلى سبيل المثال فإن ذمة المقر في القانون المدني تنشغل بمجرد إقراره بالدين دون أن تعلق هذه النتيجة (انشغال الذمة) على فعل أخر غير فعل المقر، وذلك على عكس الإقرار الجزائي والذي لا ينتج أثره إلا من وقت اقتناع المحكمة به كدليل، فالإقرار يظل في نهاية الأمر دليلًا يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة ما دام كان قضاؤها مبني على أسباب سائغة. فالإرادة في الإقرار الجزائي تنحصر في إرادة إتيانه وليس إرادة نتائجه.
وشبه البعض الإقرار بالشهادة كونها يتدخلان في الإخبار عن وقائع الجريمة، إلا أنه رغم وجود تشابه بينهما (الإخبار) إلا أن هناك مجموعة من الاختلاف فيما بينهما، فالشهادة تخبر عن أخر وليس عن الذات، والشهادة تكون بالسمع أو البصر أما الإقرار فهو وصف لفعل النفس، الشهادة لابد أن يسبقها يمين وأن تكون أمام جهة تحقيق وذلك على عكس الإقرار الذي لا يسبقه يمين وقد يكون في أي مرحلة ولو كانت مرحلة جمع الاستدلالات.
رابعًا: أركان الاعتراف
من خلال العرض السابق يمكن القول إن هناك ركان أساسيان لابد من توافرهما في إقرار المتهم لكي ينتج أثره في الدعوى الجزائية.
1- إقرار المتهم على نفسه
أ- الاعتراف يكون على الذات
فكما بينا سابقُا لابد أن يكون الإقرار صادر من الشخص نفسه صاحب الإقرار على واقعة تخصه، وبذلك ذهبت التطبيقات القضائية المتباينة إلى أن اعتراف المتهم على شريكة أو بأفعال شريكه يعد من قبيل الشهادة وليس إقرار.
ب- ألا يكون المتهم مكره على الاعتراف
ولابد ألا يكون هذا الإقرار مبني على أكراه بأي شكل من الأشكال، لأجل ذلك سنجد أن المشرع قد ترك مساحة تقديرية للمحكمة في تقدير هذا الاعتراف مما يسمح لها عدم الاعتداد به إذا ما وجدته مبني على الإكراه، وفي ذلك جاء بالتطبيقات القضائية ما يؤيد ضرورة أن يكون الإقرار خال من الإكراه حيث جاء بالحكم رقم 1264 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2022-06-19 (وعن السببين الثاني والثالث : وحاصلهما أن المتهم / المميز تعرض للإكراه بصورتيه المادية والمعنوية مما يبطل الاعتراف الأولي .وفي ذلك نجد أن محكمة أمن الدولة لم تستند في حكمها المميز على أقوال المتهم/المميز الأولية لدى الضابطة العدلية وبالتالي فإن البحث فيما أثاره المتهم/المميز في هذين السببين لا جدوى منه مما يتعين الالتفات عما جاء في هذين السببين وردهما.)، والإكراه قد يكون مادي وقد يكون معنوي ولا فرق بينهما طالما أنتج مبتغاه في الحصول على اعتراف غير حقيقي.
يندر أن يعترف المتهم من تلقاء نفسه، لذا الاستجواب إجراء مشروع من إجراءات التحقيق وما يترتب علٌيه يكون صحيحا، لكن قد يلجأ المحقق لإرهاق المتهم عن طريق إطالة مدة الاستجواب لأضعاف معنوياته وتشتٌت انتباهه مما يدفعه للاعتراف لذا يقع الاعتراف باطلًا[4].
وفي ذلك نصت المادة (208) على تجريم كل من استخدم التعذيب للحصول على إقرار عن طريق التعذيب حيث جاء بها:
1- من سام شخصا أي نوع من أنواع التعذيب بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
2- لغايات هذه المادة يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه الم أو عذاب جسدي أو معنوي يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص أخر على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه هو، أو غيره، أو تخويف هذا الشخص، أو إرغامه هو، أو غيره أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية.
3- وإذا افضى هذا التعذيب إلى مرض أو جرح بليغ كانت العقوبة الأشغال المؤقتة.
ج- أن يكون خلال إجراءات صحيحة
لأن الأصل في الإنسان البراءة فلقد ألزم المشرع الجهة التنفيذية إتباع إجراءات معينة خلال سير الدعوى الجزائية من أول مرحلة جمع الاستدلالات وحتى صدور حكم بات في الدعوى، وجزاء تخلف الصحة في إجراء معين أن يبطل ما يلحقه من إجراءات، وكذلك الإقرار فلو كان ناتج عن إجراء باطل فيكون مصيره البطلان ولا يبنى عليه.
وعلى الرغم من الاعتراف الناتج عن إجراء باطل يعد باطلًا إلا أنه في بعض الحالات قد يكون الاعتراف له وحدة مستقلة بعيدًا عن الإجراء الباطل، ويرجع في تحديد مدى استقلال الاعتراف عن الإجراء الباطل لسلطة المحكمة التقديرية.
د- لابد أن يكون متهم
لكي يكون الإقرار ذا أهمية في الإثبات الجزائي لابد أن يصدر من المتهم، فمن الممكن ألا يكون المتهم تحت يد السلطات ويبادر لتسليم نفسه قبل إيقاع القبض عليه، فلابد أن يتم توجيه الاتهام للشخص أولًا ثم بعد ذلك يتم الاعتراف باعتراف المتهم.
ه- عدم استخدام الوسائل الحديثة
لقد تطور العلم الحديث من حيث الوصول إلى وسائل قد تخرج الحقيقة من المتهم، والأصل بطلان الاعتراف الناتج عن استخدام تلك الوسائل والعلة في ذلك لأنها تؤثر على إرادة الفرد فتخرج منه ما لم يكن ليخرجه من اعتراف ان كان في وعيه، وبعض التشريعات قد أحلت تلك الوسائل فيما يخص الجرائم التي تمس أمن الدولة، واختلفت التشريعات في مدى الاعتداد برضا المتهم في استخدام تلك الوسائل معه أثناء التحقيق.
فالبعض يرى أنه يجب اللجوء للتنويم المغناطيسي بعد موافقة المتهم. مما يجعله محققا للمصلحة الفردٌية – تنفٌيد رغبة المتهم- والمصلحة الاجتماعية – توجٌيه التحقٌيق والوقوف على دوافع الجرٌيمة-، فلا مانع قانونًا من استعماله مادام المتهم قد طلب ذلك وهذا ما ذهبت إليه المحاكم السوٌيسرٌية على عكس الألمانية التي ترفضه حتى ولو رغب بذلك المتهم[5].
و- عدم استخدام الوعد أو التهديد
المتهم أثناء احتجازه للتحقيق معه يكون في أغلب الأحوال مشتت الأفكار كل ما يشغله هو الوصول لحل للخروج من محبسه، وقد يستغل بعض المحققين تلك الحالة للضغط على المتهم للاعتراف بفعلته، ويكون ذلك إما عن طريق الوعد بتخفيف العقوبة مثلًا أو عن طريق تهديده بإيذاء من يهمه أمرهم، ولقد رتبت التشريعات المتباينة البطلان على الاعترافات التي تنتج عن تلك الأفعال.
2- أن ينصب الإقرار على وقائع الجريمة
لكي يعتد بالاعتراف في مجال الإثبات الجنائي لابد أن يكون منصب على وقائع الدعوى التي صدر بمناسبتها الإقرار، وأن يكون الإقرار صريحًا لا يحتمل التأويل. وأن يكون الاعتراف محدد ويركز على واقعة محددة.
3- مطابقة الإقرار للحقيقة
كما قلنا ان الاعتراف هو أحد أهم الأدلة التي يستند إليها القاضي في الإدانة، لكن رغبة من المشرع في تحقيق العدالة فقد أعطى للقاضي السلطة التقديرية في قبول الاعتراف، فلابد لكي يتقنع القاضي بالاعتراف أن يكون الاعتراف قد وافق الحقيقة.
يلزم لجانب صراحة الاعتراف ووضوحه وكذا صدوره عن إرادة حرة مطابقته للحقيقة، وهذا الاعتراف طبعا هو الذي يتحمل الصدق؛ وفي بعض الحالات يصدر الاعتراف من شخص مقر بالجريمة المسندة إليه مع أنه بريء وهذا راجع إما لتعمد الكذب أو كونه يعتقد بصحة اعترافه[6].
قد يعترف الشخص كذبا؛ تخليص المجرم الحقيقي بدافع المحبة أو المصلحة أو الصلة وقد يكون الاعتراف بدافع الافتخار خاصة في الجرائم المثيرة للجمهور والتي يكثر الحديث عنها، لذا على القاضي التأكد من مدى تطابقه مع الحقيقة[7].
خامسًا: حجية الاعتراف
على قاضي الموضوع التأكد من توفر شروط صحة الاعتراف الصادر من المتهم بعد التأكد من موضوعه وتعلقه بالواقعة الإجرامية التي من شأنها تقرير مسؤوليته أو تشديدها، بتحققه له الأخذ به في إصدار حكمه وعليه ألا يكتفي بالاستناد عليه في حكم الإدانة إنما عليه تقديره للتحقق من صدقه[8]“.
والاعتراف قد يكون قضائي بأن يكون أمام جهة قضائية وقد يكون غير قضائي، ويختلف الاثنان من حيث القوة حيث إن الاعتراف الصادر أمام جهة قضائية يكون أقوى من ذلك الذي يقع أمام غير قضائية.
والمشرع الأردني لم يفوت فرصة الاستفادة من الاعتراف الغير قضائي، وفي ذلك نصت المادة (159) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على (ان الإفادة التي يؤديها المتهم ام الظنين أو المشتكى عليه في غير حضور المدعي العام ويعترف فيها بارتكابه جرماً تقبل فقط إذا قدمت النيابة بينة على الظروف التي أديت فيها واقتنعت المحكمة بان المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه أداها طوعاً واختياراً.)
والاعتراف قد يستمد قوته من النص القانوني كما جاء بالمادة (283) من قانون العقوبات والتي نصت على (الأدلة التي تقبل وتكون حجة لإثبات جريمة الزنا هي ضبط الزاني والزانية في حالة التلبس بالفعل أو أن يصدر عنهما اعتراف قضائي أو وثائق قاطعة بوقوع الجريمة أو أن يصدر عن أحدهما اعتراف قضائي وعن الآخر وثائق قاطعة بوقوع الجريمة.) وكذلك المادة (304/2) من قانون العقوبات نصت على (الأدلة التي تقبل وتكون حجة على المشتكى عليه في الخداع بوعد الزواج هي اعترافه لدى المدعي العام أو في المحكمة أو أن يصدر عنه وثائق قاطعة أو مراسلات تثبت ذلك.).
والشهادة قد تكون كلية بحيث تكون قد اشتملت على كافة وقائع الدعوى وقد يكون الاعتراف قد شمل جزء من تلك الوقائع، فحجية الاعتراف هنا تتشكل بمقدار ما حوته من وقائع، ولا يمنع من ذلك أنه في حالة الاعتراف الجزئي أن تستغل المحكمة هذا الاعتراف بالتساند مع أدلة أخرى لإثبات الفعل الإجرامي.
والاعتراف قد يكون له حجية ولو بعد صدور حكم بات، فإذا كان الأصل أن الاعتراف يكون أثناء سير الدعوى ألا أنه قد يأتي بعد الحكم البات، يمكن القول باختصار أن الإقرار الذي يعتد به الحكم البات هو الإقرار لصالح المتهم، سواء كان هذا الإقرار من الغير أو من المتهم، أما إذا كان الإقرار من الغير أو من المتهم بعد صدور حكم البراءة البات فلا يجوز إعادة النظر في الدعوى مرة أخرى وبالتالي فالإقرار وقتها لا حجية له.
والمشرع الأردني أخذ كما بينا بالاعتراف ولكن ما تميز به التشريع الأردني أنه أنصب على التهمة وليس على والوقائع، وفي ذلك نصت المادة (172/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته على (اذا اعترف الظنين بالتهمة يأمر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات اقرب ما تكون إلى الألفاظ التي استعملها في اعترافه ومن ثم تدينه المحكمة وتحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته إلا اذا بدت لها أسباب كافية تقضي بعكس ذلك.)، ونجد أن ذلك يحتاج إلى إعادة نظر في الصياغة، حيث وأن كان الواقع العملي يعطي اهتمام للاعتراف بأي شكل طالما صدر صحيح ألا أن ذلك لا يمنع أن تضبط صياغة المادة بما فيها الاستفادة الأكثر.
سادسًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 1379 لسنة 2022 محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2022-06-22
وعن الأسباب السادس والسابع والخامس عشر والتي تنصب على تخطئة محكمة الجنايات الكبرى بالاعتماد على اعتراف المتهم أمام الشرطة والمدعي العام.
وفي ذلك نجد أن اعتراف المتهم أمام الضابطة العدلية ( الشرطة) جاء موافقاً لشروط وأحكام المادتين (100 و 159) من قانون أصول المحاكمات الجزائية كون التحقيق مع المتهم تم خلال (24) ساعة من القبض عليه ومحضر القبض مستوفٍ لشروطه القانونية والنيابة العامة استمعت لشهادة المحقق الملازم حمزة الشرعة الذي ذكر أن المشتكى عليه حسام اعترف بالجرم المسند إليه بطوعه واختياره كما أن اعتراف المتهم أمام المدعي العام هو اعتراف قضائي لا يطعن فيه إلا بالتزوير أو أنه أخذ بالإكراه والتهديد وهذا غير متوافر في هذه القضية وبالتالي فإن مثل هذا الاعتراف الصريح والواضح يمكن الاعتماد عليه في تجريم المتهم طالما أنه تأيد أيضاً بشهادة المجني عليها أمام المدعي العام وإفادته أمام المحكمة على الصفحة الخامسة التي جاء فيها أنه كان مفكر إنه البنت عمرها (19) سنة مما يتعين معه رد هذه الأسباب.
وعن السبب العاشر الذي ينصب على تخطئة محكمة الجنايات الكبرى بسماع أقوال المتهم بدون حضور محامٍ عنه.
وفي ذلك نجد أن المدعي العام أفهم المتهم نص المادة (63) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فيما إذا كان يرغب بالإجابة بنفسه أو بوساطة محامٍ فاختار الإجابة بنفسه وحيث إن المتهم ليس من فئة الأحداث والجريمة المسندة إليه الحد الأدنى للعقوبة فيها هو ثماني سنوات وأن المادة (208/3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية توجب على المدعي العام والمحكمة بتوكيل محامٍ للمتهم فقط في الجنايات التي تقل فيها العقوبة عن عشر سنوات فإن ما ورد بالمادة المشار إليها لا ينطبق على وضع المتهم مما يتعين معه رد هذا السبب.
وعن باقي أسباب التمييز نجد أنها تنصب بمجملها على الطعن بوزن البينة والنتيجة التي توصلت إليها المحكمة وإن القرار المميز غير معلل.
وفي ذلك نجد أن محكمة الجنايات الكبرى صاحبة صلاحية بوزن البينة وتقديرها وأنه لا معقب عليها في هذه المسألة إلا أن تكون النتائج المستخلصة سائغة ومقبولة ولها ما يؤيدها من البينة في الدعوى.
ومحكمتنا بصفتها محكمة موضوع وقانون سنداً للمادة (13/ج) من قانون محكمة الجنايات الكبرى وباستعراضها لواقعة الدعوى والبينات المقدمة فيها تجد: –
من حيث الواقعة الجرمية: –
نجد أن الواقعة الجرمية موضوع الدعوى مستمد من بينات قانونية لها أصلها الثابت بالدعوى وتؤدي إلى النتيجة ذاتها التي توصلت إليها المحكمة بقرارها المميز وإن محكمة الجنايات الكبرى وفي سبيل تكوين عقيدتها أشارت إلى هذه البينة واقتطفت فقرات منها ضمنتها قرارها وأخصها: –
اعتراف المتهم حسام أمام الضابطة العدلية والذي جاء موافقاً لشروط وأحكام المادتين (100 و159) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
- اعتراف المتهم حسام أمام المدعي العام بالجرم المسند إليه والذي جاء واضحاً ومفصلاً.
- شهادة المجني عليها جود معتصم القطامين البالغة من العمر (11) سنة أمام المدعي العام.
- شهادة والدة المجني عليها جود القطامين الشاهدة آمنة الشريدة أمام المدعي العام.
- ملف التحقيق مبرز (ن/1) بكامل محتوياته.
ومحكمتنا وبصفتها محكمة موضوع وقانون تقر محكمة الجنايات الكبرى على ما توصلت إليه من وقائع جرمية.
الحكم رقم 833 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2022-06-21
بالتدقيق تجد محكمتنا وبصفتها محكمة موضوع في بحث القضية استناداً لأحكام المادة (13/ج) من قانون محكمة الجنايات الكبرى ما يلي: –
أولاً: – من حيث الواقعة الجرمية: –
نجد أن محكمة الجنايات الكبرى قد أحاطت بواقعة القضية وقامت باستخلاصها بشكل سائغ ومقبول من بينات النيابة المقدمة حيث إنه من الثابت قيام المحكوم حمزة عمر يعقوب الخولي بتاريخ 4/10/2021 مساءً قام بالإمساك بالمجني عليها البالغة من العمر حوالي سبع سنوات وسحبها إلى منطقة ترابية خلف مدرسة في شارع المحدود الشرقي في العقبة ولدى محاولتها الصراخ قام بوضع يده على فمها ومنعها من الصراخ وهددها بالقتل وطلب منها خلع بنطالها إلا أنها رفضت فقام بوضعها في حضنه وأخذ بتحريك نفسه على مؤخرتها ووضع يده على فرجها من فوق الملابس حتى استمنى في ملابسه وتركها حسب الوقائع الثابتة من خلال شهادة المجني عليها واعتراف المحكوم أمام الشرطة وأمام المدعي العام وباقي بينات النيابة العامة التي جاءت متساندة ومؤيدة لبعضها البعض.
ثانياً: – من حيث التطبيق القانوني: –
نجد أن الأفعال الثابتة التي قارفها المتهم حمزة قد شكلت أركان وعناصر جناية هتك العرض خلافاً لأحكام المادة (299) من قانون العقوبات وجنحة التهديد بحدود المادة (351) من قانون العقوبات ولا تشكل جناية الخطف بحدود المادة (302/4) من قانون العقوبات حيث لم يقدم أي دليل على أن المحكوم قد قام بخطف المجني عليها الأمر الذي كان يتعين معه على محكمة الجنايات الكبرى إعلان براءته من جناية الخطف وحيث لم تفعل فإنها بذلك قد وقعت في الخطأ في تطبيق القانون.
سابعًا: خاتمة
تحدثنا في هذا المقال عن الإقرار، بينا فيه كيف يعد الإقرار من أهم الأدلة التي قد يستند إليها القاضي الجنائي، وبينا كذلك السلطة التقديرية للمحكمة في وزن دليل الاعتراف شأنه شأن باقي الأدلة التي تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة، وبينا شروط الإقرار من حيث صحته للمقر وللواقعة.
وبالنظر للتشريع الأردني نرى أنه قد نظم الاستناد للاعتراف في الإثبات الجزائي، ولكن دون الخروج عن الأصل العام في حرية المحكمة في وزن الأدلة ما دامت قد استندت إلى أسباب سائغة.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] ‐د. سليم حربة‐أدلة الإثبات في القانون الجنائي –محاضرات ألقيت على طلبة الدراسات العليا في كلية القانون، جامعة بغداد‐ للعام الدراسي٢٠٠٠‐٢٠٠١، ص١٥.
[2] نصر الدٌين مبروك، محاضرات في الإثبات الجنائي، أدلة الإثبات الجنائي، الكتاب الأول، الاعتراف والمحررات، الجزء الثاني، ص32.
[3] نصر الدٌين مبروك، محاضرات في الإثبات الجنائي، أدلة الإثبات الجنائي، الكتاب الأول، الاعتراف والمحررات، الجزء الثاني، ص35.
[4] رشٌيدة مسوس، استجواب المتهم من طرف قاضً التحقيق، مذكرة مقدمة لنيل شهادة ماجستير فًي القانون الجنائي، 2005، ص 75.
[5] قدري عبد الفتاح الشهاوي، أدلة مسرح الجرٌمة، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة .1997، ص 298.
[6] قدري عبد الفتاح الشهاوى، حجٌة الاعتراف كدليل إدانة فً التشريع المصري، القانون المقارن، توزٌع منشأة المعارف، لإسكندرية، 2005، ص 157.
[7] المستشار عدلي خليل، اعتراف المتهم فقها وقضاء، دار الكتب القانونٌية، الإسكندرية، مصر،1992.، ص 127-128.
[8] زكي أبو عامر؛ الإجراءات الجزائية؛ توزيع دار الكتاب الحديث، 1994 ص 112.

