تفسير عقود التجارة الدولية وفقا للقواعد الدولية
يعتبر الحديث عن عقود التجارة الدولية من المواضيع الحيوية والتي تمثل أهمية بالغة في مجال التجارة الدولية، حيث يمثل العقد التجاري وسيلة التقاء أطراف العملية التجارية لتنظيم ووضع أسس الصفقات التي سيقومون بإبرامها، وقد ازدادت أهمية العقود التجارية الدولية في ظل سياسة العولمة والانفتاح الاقتصادي الدولي، وما تبع ذلك من إبرام اتفاقيات ومعاهدات دولية تتناول العقود التجارية الدولية المختلفة، في محاولة لوضع تقنين قانوني موحد يتناول تنظيم تلك العقود، وتعتبر مسألة تفسير العقد التجاري الدولي من أدق المشكلات التي تواجه التنفيذ العملي لتلك العقود، ذلك أن أطراف ذلك العقد يكونوا في الغالب من دول مختلفة، ولكل دولة نظامها وثقافتها القانونية الخاصة بها، ومن ثم تقع الكثير من الصعوبات عند حدوث نزاع حول معاني بعض نصوص العقد والتي قد يشوبها بعض الغموض أو الإبهام، وقد حاولت العديد من الاتفاقات الدولية والمؤسسات ذات الطابع الدولي وضع حل لتلك المشكلة عن طريق وضع مبادئ عالمية ودولية موحدة تنظم تلك المسألة على أن يلتزم بها جميع أطراف العقد الدولي، وسوف نتناول في بحثنا هذا مسألة تفسير عقود التجارة الدولية وفقا للقواعد والمبادئ الدولية وذلك من خلال النقاط التالي ذكرها:
أولا: تعريف عقد التجارة الدولي:
ثانيا: القواعد المنظمة للتجارة الدولية ومدى إلزاميتها:
ثالثا: مصادر قانون التجارة الدولية:
رابعا: تفسير عقود التجارة الدولية:
خامسا: أهمية تفسير عقود التجارة الدولية:
سادسا: كيفية تفسير عقود التجارة الدولية:
أولا: تعريف عقد التجارة الدولي:
لا يوجد تعريف موحد متفق عليه لعقد التجارة الدولي، ذلك أن الاتفاقيات الدولية التي نظمت مسائل التجارة العالمية لم تعتمد معيارًا موحدًا لتحديد الصفة الدولية للعقود، فاتخذ بعضها المعيار القانوني لتحديد الصفة الدولية للعقد والذي يفترض وجود الطرف الأجنبي بالعقد، بينما اتبع البعض الآخر المعيار الاقتصادي والذي يفترض تعلق العقد بمصالح التجارة الدولية، بينما فضل الغالبية اعتماد المعيار المزدوج والذي أقره القضاء الفرنسي باعتباره أنسب المعايير لتحديد الصفة الدولية للعقد، وهو الذي يجمع بين المعيارين القانوني والاقتصادي، بحيث لا يكتفي عند الحديث عند تقرير دولية عقود المعاملات التجارية بالتحقق من وجود العنصر الأجنبي في الرابطة العقدية الذي يتطلبه المعيار القانوني، وإنما يحرص أيضا على التأكد من تعلق الأمر بمصالح التجارة الدولية وفقا لما يقتضيه المعيار الاقتصادي.
ومن ثم يمكن تعريف عقود التجارة الدولية وفقا للمعيار المزدوج (بأنها العقود التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة، بحيث يكون طرفيها من جنسيات وثقافات مختلفة مما يسمح لتلك العقود أن تحرر وتكتب بلغات متعددة وتفسر بأساليب وطرق موحدة وفق معايير دولية، وتتعلق بمصالح التجارة الدولية بحيث تتجاوز حدود المعاملات التجارية الداخلية للدولة، الأمر الذي يترتب عليه تحريك رؤوس الأموال بين الدول المختلفة).[1]
ثانيا: القواعد المنظمة للتجارة الدولية ومدى إلزاميتها:
قبل البدء في الحديث عن تفسير عقود التجارة الدولية يلزم علينا بداية أن نوضح ما هي القواعد التي يمكن الرجوع إليها لتفسير العقد التجاري الدولي، وهل تأخذ تلك القواعد الصفة القانونية الملزمة أم لا؟، حيث يرى غالبية الفقه الدولي بوجود نظام قانوني متكامل لقانون التجارة الدولية بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح، ويرون أنه يتكون من مجموعة قواعد قانونية مختلفة ومتباينة تتكون بشكل تلقائي من جراء السلوك العفوي للتجار، أو من تلك التي يتم خلقها بصورة مقصودة وبإدراك واعي بقصد تكوين قاعدة وفرضها دوليا كقواعد العقود النمطية، أو من تلك الواردة في الاتفاقيات الدولية كمبادئ اليونيدروا؛ وهو المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص، وهو منظمة حكومية دولية مستقلة تسعى إلى توحيد القانون الدولي الخاص لاسيما القانون الدولي التجاري.
ومن ثم فإن قواعد التجارة الدولية إنما تستمد قيمتها القانونية من حقيقة انتمائها لقواعد قانون دولي متميز لا من تلك النظم القانونية الوطنية، ولا حتى من نظم القانون الدولي العام.[2]
فأفراد مجتمع التجارة الدولية مرتبطون بعلاقات ومعاملات وثيقة على نحو يجعلهم يشكلون مجتمعا دوليا حقيقيا، ويتولى هذا المجتمع وضع القواعد السلوكية التي تحكم المعاملات التي تجري في هذا الوسط الدولي عن طريق التنظيمات المهنية والمنظمات الخاصة والدولية والعادات والمبادئ العامة والتحكيم، وهي التي تعبر عن وجود سلطة حقيقية للمجتمع التجاري العابر للحدود.[3]
وقد جاء في تقرير للأمم المتحدة أن قانون التجارة الدولية عبارة عن مجموعة من القواعد التي تحكم العلاقات التجارية المنتمية إلى القانون الخاص والتي ترتبط بدول مختلفة.[4]
ثالثا: مصادر قانون التجارة الدولية:
1 – العادات والأعراف التجارية الدولية:
يرى غالبية الفقه القانوني أن كلا من العـرف والعادة الدولية هما لفظان مترادفان لمعنى واحد، ويرى هؤلاء أن العرف المصدر الرئيسي لقانون التجارة الدولية، ويـرون أن القانون العرفي المتعارف عليه في مجتمع التجار الدولي يقـوم الأطـراف بتطبيقه في معاملاتهم لأنه نتاج الممارسة العملية للنشاط الاقتصـادي في مختلف قطاعات الأعمال الدولية، وهــو بحكم الممارسة المستمرة في مجال التجارة الدولية أصبح واقعا يتم تطبيقه دائما في هذا النوع من النشاط، فله من الثبات والاستقرار والعمومية ما يجعله مكملا لبنود العقد ومفسرا لها ما لم يصـرح الأطراف بما يخالفها.[5]
2 – المعاهدات والاتفاقيات الدولية:
تمثل المعاهدات والاتفاقيات عاملا هاما في تقنـين القواعد القانونية للتجارة الدولية، وهي وإن كانـت تقــوم في الأساس بمحاولة تقنين الأعراف التجارية، إلا أن لها دور هام في توحيد قانون التجارة الدولية على مستوى الدول.
3 – المبادئ العامة للقانون:
والمستقر عليه لدى فقهاء القانون الدولي، أن المبادئ العامة لقانون التجارة الدولية يتم اقتبساها بداية من القوانين الداخلية للأمم المتمدنة، ثم يجري عقب ذلك نقلها إلى نظام القانون الدولي مع مراعاة الفوارق العميقة فيما بين النظامين الداخلي والدولي.[6]
ولذلك يطلق على تلك المبادئ ( المبادئ القانونية المشتركة )، ويرى الفقه أن المبادئ العامة المشتركة هي أساس قانون التجارة الدولية، ويرونها الأساس في تدويل العقد التجاري الدولي وإخراجه من دائرة اختصاص القوانين الوطنية.
رابعا: تفسير عقود التجارة الدولية:
1 – المقصود بتفسير العقد التجاري الدولي:
يعرف التفسير بشكل عام بأنه توضيح ما أبهم من ألفاظ وتكميل ما اقتضب من نصوص وتخريج ما نقص من أحكام والتوفيق بين الأجزاء المتناقضة.[7]
أما في نطاق العقود بشكل خاص فإنه يقصد به توضيح ما انصرفت إليه إرادة كلا من المتعاقدين، بهدف تحديد معنى النصوص الغامضة الواردة في عقد معين لاستجلاء نية المتعاقدين ليتم تحديد مضمون العقد والوقوف على الالتزامات التي يولدها العقد لكي يتسنى تطبيقه.[8]
وتفسير العقد التجاري ليس الغرض منه الكشف عن مقصد كل متعاقد منفردا بل يكون بتحديد ما قصده كلا المتعاقدين معا عند الاتفاق على العقد، فلا يجوز الأخذ بنية أحد المتعاقدين بشكل مستقل عن نية الطرف الآخر، بل يجب أن يتم الأخذ بالمقاصد المشتركة التي قصداها من تحرير العقد، وتختلف سلطة التفسير عند وضوح عبارات العقد عنها عند غموض العقد وذلك وفقا لما يلي:
- التفسير عند وضوح عبارات العقد :
فإذا كانت عبارات العقد واضحة وصريحة فلا يجوز الانحراف عنها بحجة تفسيرها ، لان وضوح ألفاظ وعبارات العقد تدل بشكل واضح وصريح على ما انصرفت إليه إرادة طرفيه، ويستثنى من ذلك ظهور دلالات خارجية تفيد عدم توافق عبارات العقد برغم وضوح ألفاظها مع النية المشتركة للمتعاقدين، ويستهدى في ذلك بطبيعة التعامل وما يقتضيه حسن النية والعرف التجاري، وفي تلك الحالة يجب اللجوء لتفسير العقد لإزالة هذا التناقض للوقوف على المقصد الحقيقي الذي قصده المتعاقدين، وذلك ليتم تحديد التزامات كل طرف من الأطراف في ضوئه، ومن ثم فإن العبرة ليست دائما بوضوح الألفاظ والمعاني وإنما بالمقاصد والنية المشتركة للأطراف.[9]
- التفسير عند غموض عبارات العقد:
فإذا كانت عبارات العقد مبهمة وغامضة بأن كانت تحتمل أكثر من معنى، أو لا يفهم المقصود منها تحديدا، ففي تلك الحالة يجب البحث عن الإرادة والنية المشتركة للمتعاقدين عند قيامهم بتحرير العقد، وذلك لإزالة ذلك الغموض وتفسير تلك النصوص والعبارات المبهمة للوقوف على مقاصدها.
خامسا: أهمية تفسير عقود التجارة الدولية:
تتمثل أهمية تفسير عقود التجارة الدولية في توضيح غموض الألفاظ والنصوص وتقويم عيوبها، واستكمال ما نقص من أحكامها والتوفيق بين أجزائها المتعارضة وتكييفها على نحو يتفق مع نية الأطراف وإرادتهم الحقيقية، ومن أهم أسباب تفسير عقد التجارة الدولية:
1 – السبب الأول: الغموض في نصوص العقد:
- غموض الصياغة:
فعادة ما يكون للطريقة التي صيغ بها العقد دور في الخلافات التي تنشأ عند تنفيذه، ومن ثم فإنه يجب أن تكون صياغة العقد ناقلة للأفكار الكامنة في راس المتعاقدين، أما إذا لم تترجم تلك الأفكار بشكل صحيح فإنها تكون قاصرة.
- غموض متعلق بطبيعة موضوع العقد:
حيث تقتضي طبيعة بعض العقود أن تتناول بنودها أدق تفاصيل المعاملات بين المتعاقدين، والتي قد تحتوي على بعض الأمور الفنية الصعبة وهو الأمر الذي قد يؤثر على الصياغة الصحيحة لبنود العقد.
- غموض متعلق بالقصور في اللغة التي صيغت بها العقد:
ويكون ذلك بأن تكون أحد ألفاظ النص أو عباراته مما يحتمل أكثر من معنى[10]، كما قد ينتج الغموض عند اختلاف وجهات النظر بشأن مفهوم المصطلح المستخدم خاصة عند انتماء طرفي العقد لنظم قانونية مختلفة تضع مفاهيم مختلفة للمصطلح المستخدم، كما قد يأتي الغموض من صياغة النص بأسلوب معقد لفظيا مما يصعب معه فهم المقصود منه.
2 – السبب الثاني : تعارض النصوص في عقود التجارة الدولية:
وينشأ ذلك التعارض عند انطباق نصين على واقعة واحدة ويقتضي كلا منهما حكما مغايرا لما يقتضيه الآخر، وغالبا ما يقع ذلك التعارض بين نصوص العقد ذاته وبين الاتفاقات الملزمة السابقة على التعاقد، مما يستحيل معه التوفيق بينهما وتطبيقهما معا، وتكون مهمة المفسر في تلك الحالة إلغاء أحد النصيين، وغالبا ما يلغى حكم النص السابق باعتبار أن ما ورد بالنص اللاحق هو الذي استقر عليه الطرفين.[11]
3- السبب الثالث: نقص النصوص:
ويكون ذلك في حالة خلو العقد من تنظيم حالة معينة تعرض لها العقد، ويكون للقاضي أو المحكم في تلك الحالة إن لم يجد في نصوص العقد ما يمكنه من وضع حد للنزاع القائم بين أطراف العقد أن يلجأ إلى سد نقص نصوص العقد استنادا للطرق المعتمدة دوليا.
سادسا: كيفية تفسير عقود التجارة الدولية:
يتم تفسير عقود التجارة الدولية من خلال مجموعة من القواعد والمبادئ المحددة والمعترف بها دوليا والتي تم وضعها من قبل المؤسسات والهيئات المعنية بتنظيم التجارة الدولية بهدف وضع أسس موحدة لتفسير العقود التجارية الدولية وذلك لتجنب اختلاف تفسير العقد وتعدده بتعدد العقود وجنسية أطرافها وقواعد القانون الداخلي والوطني الخاضعين له، ومن أهم تلك القواعد قواعد اتفاقية فيينا للبيع الدولي، وكذا مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص، وسوف نتناول كلاهما بشيء من التفصيل.
1 – قواعد اتفاقية فيينا للبيع الدولي:
تعد اتفاقية فيينا من أهم الاتفاقيات الدولية التي سعت إلى توحيد قواعد القانون الدولي وذلك بخصوص عقود البيع الدولي للبضائع، وقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثامنة من الاتفاقية على أنه ( يكون تفسير التعبير الصادر عن أحد الطرفين أو أي سلوك آخر له في حدود أغراض هذه الاتفاقية، وفقا لنيته التي يعلمها الطرف الآخر أو التي لا يمكنه أن يجهلها).
كما نصت الفقرة الثانية من المادة على أنه ( إذا لم يمكن تطبيق الفقرة السابقة فإن التعبير أو السلوك الذي يصدر عن أحد الطرفين يمكن تفسيره وفقا لما يفهمه شخص عاقل من نفس مستوى الطرف الآخر وفي نفس ظروفه).
ومن خلال ذلك يمكننا أن نتبين القواعد التي وضعتها اتفاقية فيينا لتفسير العقد التجاري الدولي والتي تتمثل في:
- تفسير التعبير الصادر من أحد الأطراف وفقا لما اتجهت إليه نيته والتي علمها الطرف الآخر أو التي لا يمكن أن يجهلها:
بمعنى أن الطرف الصادر منه التعبير الذي يحتمل التأويل في العقد، يجب تفسيره وفقا لنيته ومقصده الفعلي، وذلك بشرط أن يكون الطرف الآخر على علم بهذه النية أو كان من غير المتصور أن يجهل بها، وذلك الشرط أمر طبيعي لأنه لا يمكن تفسير العقد بالنية المنفردة لأحد الطرفين بمنأى عن الطرف الآخر وإلا أصبح الأمر ضربا من ضروب العبث.
- تفسير التعبير الصادر من أحد الأطراف وفقا لفهم شخص عاقل من نفس مستوى الطرف الآخر وفي نفس ظروفه:
وذلك في حالة إنكار الطرف الآخر علمه بنية الطرف الصادر من التعبير محل التفسير، وكان من الوارد جهله بها، ففي تلك الحالة يلجأ إلى معيار الشخص الطبيعي وما يمكنه فهمه من هذا التعبير، فإذا كان الشخص الطبيعي العاقل من ذات طبقة الطرف الآخر ونفس مستواه الفكري والثقافي يستطيع أن يتبين نية الطرف الصادر منه التعبير بشكل سليم، وجب الأخذ بتلك النية والمقصد، أما إذا كان يصعب عليه الوصول لتلك النية الخفية فإنه يؤخذ بفهمه الطبيعي والعادي لذلك التعبير.
ولتحديد نية أحد الطرفين أو فهم الشخص العاقل يجب الأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة بالتعاقد، والمفاوضات السابقة عليه والتي تمت بين أطراف العقد، وكذا أي معاملات سابقة بين الأطراف أنفسهم قد تفصح عن مقصدهم، وأيضا أي سلوك لاحق صدر عنهم أثناء تنفيذ العقد.
2 – مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص ( اليونيدروا ):
تعتبر المبادئ التي افرها المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص ( اليونيدروا ) من أهم المبادئ المعمول بها في تفسير العقد التجاري الدولي، وقد ذهبت تلك المبادئ لنفس ما دعت إليه اتفاقية فيينا للبيع الدولي من تفسير العقد وفقا للإرادة المشتركة للمتعاقدين، وكذا تفسير التعبير أو السلوك الصادر من أحد الأطراف حسب إرادة صاحبه متى كان الطرف الآخر عالما بها أو كان من غير الممكن أن يكون جاهلا بتلك الإرادة، ويمكن إجمال المبادئ التي افرها المعهد الدولي (اليونيدروا) بشأن تفسير عقود التجارة الدولية في المبادئ الآتية:
- مبدأ النية الحقيقية المشتركة للمتعاقدين:
ويقصد به تفسير العقد وفقا للنية الحقيقية المشتركة بين المتعاقدين وذلك من خلال مجموع وقائع التعاقد وجميع الظروف التي أحاطت بالمتعاقدين عند التعاقد.[12]
- مبدأ حسن النية:
ويقصد به مراعاة ضمان احترام حسن النية في التجارة الدولية، ومقتضى هذا المبدأ أن يراعي عند تفسير العقود الدولية الأخذ بما يحقق مصلحة التجارة الدولية وما تتطلبه من أن يسود بين اطراف العلاقة التجارية الدولية مبدأ حسن النية، ومن ثم لا يقبل كل تفسير يبنى على سوء النية أو الرغبة في التضليل أو الغش، ومن قبيل الالتزام بحسن النية أن من وجه إليه إيجاب تضمن خطأ أو غموض في الصياغة وكان على علم بذلك أو على الأقل كان في استطاعته أن يتبينه، فان الأمانة وحسن النية في التعامل تقتضي ألا يستغل هذا الخطأ أو الإبهام.[13]
- مبدأ تفسر البيانات والتصرفات وفقا لما قصده المتعاقد الذي أصدرها:
ويقصد به أن تفسير التصرف الصادر من أحد المتعاقدين يفسر حسب قصده وذلك متى كان المتعاقد الآخر يعلم بهذا القصد بان أبلغ به صراحة، أو كان من الوضوح بحيث يصعب افتراض جهله به ، فإن تعذر الوصول إلى هذا القصد فان التصرف يفسر وفقا لما يفهمه الشخص الطبيعي العاقل من صفة الطرف الآخر ونفس مستواه إذا وضع في نفس الظروف التي أبرم فيها العقد.
- مبدأ الرجوع إلى المفاوضات التمهيدية بين الأطراف:
ويقصد به ما تم أثارته من مسائل في فترة المفاوضات السابقة على التعاقد، وما عسى أن ترشد إليه من مقاصد المتعاقدين.
- مبدأ مراعاة المعاملات السابقة بين المتعاقدين وما جرى عليه العمل بينهما:
ويقصد به الرجوع للتعاقدات السابقة التي قد تكون أبرمت بين المتعاقدين، وذلك للوقوف على العادات التجارية الدولية والتي لازمت علاقاتهما التعاقدية كاتفاق ضمني غير ظاهر.
- مبدأ الرجوع لسلوك المتعاقدين اللاحق على العقد:
ويقصد به الطريقة التي اتبعها المتعاقدين في تنفيذ العقد بعد إبرامه، وما قد تشير إليه من نوايا المتعاقدين.
- مبدأ مراعاة طبيعة العقد والغرض منه:
ويقصد به تفسير العقد في ضوء ما تقتضيه طبيعة المعاملة التي يتناولها العقد، أي أن كل جزء من العقد يجب أن يفسر بالطريقة التي تحقق الغرض العام من التعاقد، فإذا تعارض أي بند مع السياق العام للعقد وجب تفسيره بما يحقق الغرض العام المنشود من وراء إبرامه.
- مبدأ تفسير العقد وفقا للعقد ككل:
ويقصد به أن البند الغامض يفسر في ضوء بقية بنود العقد، فقد يفسر أحد البنود المفصلة ما أبهم في بند آخر جاء مقتضبا، فعبارات العقد يفسر بعضها بعضا، بمعنى أنه لا يجوز عزل العبارة الواحدة عن بقية العبارات ، فقد تكون العبارة مطلقة ولكن تحددها عبارة سابقة أو لاحقة، وقد تكون العبارة مبهمة وتفسرها عبارة وردت في موضع آخر.[14]
- مبدأ تفسير الشك ضد مصلحة من قام بإعداد العقد:
ويقصد به أنه عند وقوع غموض في أحد بنود العقد وكان تفسير هذا البند يحتمل أكثر من معنى يأتي أحدهما في مصلحة أحد الأطراف وضد مصلحة الطرف الآخر، ويأتي المعنى الثاني بعكس ذلك، فإنه يجب هنا أن يتم تفسير البند ضد مصلحة من قام بإعداد العقد، وذلك إذا كانت بنود العقد قد انفرد أحد الأطراف بإعدادها، وذلك باعتبار أن من قام بإعداد العقد أو البند كان في استطاعته توضيح مقصده ومعناه بشكل مفصل، بعكس الطرف الآخر والذي لم يتمكن من إعداد العقد.
أما إذا كان كلا المتعاقدين قد اشتركا في القيام بإعداد العقد، فإنه يتم الرجوع للقواعد العامة في الاتفاقيات الدولية والتي تهدف إلى حماية الطرف الضعيف في العقد باعتبار أنه الطرف الذي يحتاج إلى الحماية.
3– القواعد العامة التي استقر عليها قضاء التحكيم الدولي:
وهي مجموعة المبادئ القضائية التي أفرزتها التطبيقات العملية لمنازعات التحكيم التجاري الدولي بصفة عامة ومن ذلك:
- تفسير المصطلحات العلمية والفنية وفقا لمعناها العلمي أو الفني:
ويقصد بذلك أن يتم تفسير المصطلحات العلمية والفنية الواردة بالعقد التجاري الدولي وفقا للمعنى العلمي والفني لها، وذلك بصرف النظر عن معناها الطبيعي، وأن يتم عند التفسير اختيار الكلمات التي تأخذ المعنى الذي يعكس إرادة المتعاقدين.
- افتراض علم المتعاقدين بجميع الظروف والملابسات التي أحاطت بصياغة العقد:
ويقصد بذلك افتراض قضاة التحكيم أن جميع ظروف وملابسات العقد كانت معلومة لكلا المتعاقدين، وذلك إلى أن يقدم أحد المتعاقدين من يثبت عكس ذلك العلم.
- احترام ترتيب نصوص العقد فيفسر اللاحق على ضوء السابق عليه:
ويقصد بذلك أنه عند غموض أحد بنود أو نصوص العقد فإنه يجب تفسير البنود وفقا لترتيب كتابتها، فيفسر البند اللاحق من خلال ما ورد في البنود التي تسبقه، لأنها غالبا ما تكون تحتوي على الأسس العامة التي يقوم عليها العقد.
- سلطة المحكمة في إكمال نصوص العقد حال إغفال المتعاقدين عنها:
ويقصد بذلك أنه للمحكمة أن تقوم باستكمال النصوص التي قد يكون غفل المتعاقدين عن أدراجها في العقد، وذلك بالنظر إلى ظروف العقد وملابساته مع مراعاة نية المتعاقدين وطبيعة العقد والغرض منه وما يقتضيه حسن النية والأمانة في التعامل.
- تفسير العقد في حال التباين اللغوي وفقا للغة التي حرر بها العقد الأصلي:
ويقصد بذلك أنه في حالة صياغة العقد التجاري الدولي بلغتين مختلفتين أو أكثر، فإن الأفضلية في تلك الحالة لاستخدام اللغة التي حرر بها العقد بحسب الأصل، لأنها هي الأحرى بأن تحتوي على المعاني والمقاصد التي قصدها من صاغ العقد، وذلك لتباين المعاني عند الترجمة.
ووفقا لما سلف، وهديا بما تقدم يثور التساؤل عن بعض النقاط الخاصة بتفسير العقود التجارية الدولية، نتعرض لها على النحو التالي ذكره:
1 – ما هو المقصود بمعيار الشخص العاقل والذي أشارت إليه اتفاقية فيينا ومبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص ( اليونيدروا )؟
لا يقصد بالشخص العاقل وفقا لمفهوم اتفاقية فينا ومبادئ ( اليونيدروا ) الشخص العاقل في مضمونة، وإنما يقصد به الشخص الذي يملك نفس الملكة الثقافية والعلمية واللغوية، وكذا نفس الإمكانيات التقنية والفنية التي يمتلكها المتعاقد الذي وجه إليه التعبير محل التفسير، على أن يقاس تصرفه إذا وضع في نفس الظروف التي تعرض لها ذلك المتعاقد عند إبرام العقد.
2 – كيف يمكن تفسير العقد وفقا لمعيار اللغة التي حرر بها العقد الأصلي، إذا كان العقد حرر من أكثر من نسخة تعد جميعها نسخا أصلية:
هذا السؤال قد تم طرحه من قبل بعض الفقهاء والباحثين حيث ارتأوا عدم وضوح هذا المعيار خاصة وان نسخ العقود تعد جميعها نسخا أصلية، والإجابة على ذلك أنه لا بد وأن يكون هناك نسخة أصلية وهي التي أعدها أحد المتعاقدين بلغته، أو أعدها من وكله المتعاقدين في صياغة العقد، فاللغة التي قام من صاغ العقد باستخدامها بداية هي اللغة الأصلية التي يرجع إليها في التفسير لأنها اللغة الأكثر تعبيرا عن نية من صاغ العقد وفقا لما تم الاتفاق عليه بين المتعاقدين، وذلك كون اللغات الأخرى التي ترجمت من تلك النسخة الأصلية وسلمت للمتعاقدين قد لا تنقل المعنى الحقيقي للألفاظ الواردة بالنسخة الأصلية.
إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.
[1] – أ. بن عثمان فريدة، مجلة دفاتر السياسة والقانون العدد الخامس عشر، 2016، ص 640.
[2] – د. محمد محسوب، نظرية قانون التجار الدولي بين الوهم والحقيقة ـ الطبعة الأولي، ص 41.
[3] – د. أبو العلا على أبو العلا النمر، مقدمه في القانون الخاص الدولي، ص 449.
[4] – د. حمزة حسن حداد، قانون التجارة الدولية الطبعة الأولى، 1980، ص 28.
[5] – د. طرح البحور على حسن فرج، تدويل العقد دراسة تحليلية على ضوء الاتفاقية الخاصة بالقانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية، الطبعة الأولى، ص 106.
[6] – د. محمد محسوب، نظرية القانون التجاري الدولي بين الوهم والحقيقة، الطبعة الأولى، ص 361.
[7] – د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ج1، ص 420.
[8] – د عبد الرازق الفحل وأخرين، المدخل لدراسة الأنظمة، ط 1993، ص 494.
[9] – د. يسرى عوض الله عبد القادر، العقود التجارية الدولية، مفاوضاتها وإبرامها وتنفيذها، ص 392.
[10] – د محمد شريف احمد ، نظرية تفسير النصوص المدنية ، دراسة مقارنة بين الفقهين المدني والإسلامي ، بغداد 1979، ص 113.
[11] – د محمد شريف احمد ، نظرية تفسير النصوص المدنية ، دراسة مقارنة بين الفقهين المدني والإسلامي ، بغداد 1979، ص 136.
[12] – د. يسرى عوض الله عبد القادر، العقود التجارية الدولية، مفاوضاتها وإبرامها وتنفيذها، ص 393.
[13] – د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات الكتاب الأول، ص 438.
[14] – د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني،ج1 ص 498.

