التحكيم في قانون الجمارك الأردني
التحكيم في عصرنا الحديث ليس وليد اليوم بل نشأ التحكيم منذ عصر ظهور الإنسان البدائي، الذى كان يفتقر لوجود سلطة تقيم العدل، فنتيجة لنمو العلاقات الاقتصادية وكثرة التعاملات بين الدول و الأفراد وما نتج عن هذه التعاملات من نزاعات بين أطرافها، كان لابد من ظهور نظام قانوني يحكم هذه المنازعات يتسم بالسهولة والسرعة في الفصل فيها، كما يفصل في هذه المنازعات في سبيل تحقيق العدالة بين أطرافها، من هنا ظهر التحكيم كنظام قانوني يفصل فيها باعتباره أداة لتحقيق العدالة، بشرط اتفاق إرادة أطراف النزاع على إحالة النزاع القائم بينهم أو ما قد ينشأ من نزاعات بينهم إلى محكم أو هيئة تحكيم تفصل بينهم.
ثانياً: نطاق التحكيم الجمركي :
ثالثاً: النظام الإجرائي في الخصومة للتحكيم الجمركي.
رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالتحكيم الجمركي
أولاً: ماهية التحكيم الجمركي
نصت المادة (2) من قانون التحكيم الأردني (رقم 31 لسنة 2001) على: (أ. يكون للعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك:
- هيئة التحكيم هي: الهيئة المشكلة من محكم واحد أو أكثر للفصل في النزاع المحال إلى التحكيم وفقاً لأحكام هذا القانون،
المحكمة المختصة: محكمة الاستئناف التي يجري ضمن دائرة اختصاصها التحكيم ما لم يتفق الطرفان على اختصاص محكمة استئناف أخرى في المملكة،
ب. يقصد بعبارة (طرفي التحكيم) حيثما وردت في هذا القانون طرفا التحكيم أو أطراف التحكيم حسب مقتضى الحال).
- لذلك من أجل التخفيف عن اطراف النزاع التحكيمية لم يتطرق الفقه القانوني ولا المشرع الجمركي الأردني على خلاف المشرع المصري والسوري الى تحديد المقصود بالتحكيم الجمركي، وذلك بعد الإقبال المتزايد على التحكيم كأسلوب للفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأطراف في العقود الدولية التجارية، وتعاظم الاهتمام بالتحكيم وتنظيمه سواء كان ذلك على مستوى التشريعات الوطنية أو على مستوى الاتفاقيات والمجهودات الدولية، لذلك من أجل معرفة ماهية التحكيم الجمركي كأسلوب لفض المنازعات يجب علينا معرفة مفهومه نظراً لما قد يشهده من خلاف، لذلك يجب أن نتحدث عن :
مفهوم التحكيم : كما ذكرنا سابقاً لم يتطرق الفقه القانوني ولا المشرع الجمركي الأردني على خلاف المشرع المصري والسوري الى تحديد المقصود بالتحكيم الجمركي، أو الى وضع تعريف له على الرغم من الأهمية التي يتميز بها باعتباره صورة من صور التحكيم المختلفة ولما يتميز به من مميزات يكون لها الأثر الكبير في إنشاء منظومة قانونية تساهم بالارتقاء بالاقتصاد الوطني العربي، وأيضا يؤدى الى إرضاء أطراف النزاع الجمركي أثناء العملية التحكيمية، ولمعرفة مفهوم التحكيم الجمركي يجب علينا تحديد مفهوم التحكيم بشكل عام ثم بيان التحكيم الجمركي بشكل خاص على التفصيل الآتي:
– التحكيم: عرَف فقهاء القانون التحكيم بعدة تعاريف اختلفت عباراتها وتوحد معناها بأنه:( اتفاق وطريقة وأسلوب لفض المنازعات التي نشأت أو ستنشأ بين أطراف في نزاع معين عن طريق أفراد عاديين يتم اختيارهم بإرادة أطراف المنازعة للفصل فيها بدلاً من فصلها عن طريق القضاء المختص). [1]
- فهو وسيلة لفض المنازعات التي نتشا بين أطراف النزاع، وهو وسيلة فعالة لأن التحكيم عبارة عن مهمة لا يتم إسنادها الى أي شخص، بل يتم إسنادها الى أفراد يطلق عليهم ( المحكمين أو المحكم )، والذين يتم اختيارهم بناءً على رغبة أطراف النزاع وبناءً على الثقة التي يتمتعون بها في حل النزاعات، وذلك انطلاقاً من الدرجة العلمية والتخصص الفني التي يبرعون فيها، مما يجعل لهم على غيرهم أفضلية في الفصل في النزاع، كما يتيح نظام التحكيم للأفراد مهمة فض منازعاتهم التي من الممكن أن تنشأ في المستقبل وذلك دون اللجوء الى القضاء لبساطة نظام التحكيم وقلة نفقاته، و لفظ التحكيم على المستوى العام يدور حول معنيين:
المعنى الأول هو: فعل المتنازعين الذين يختارون طرفاً محايداً للفصل فيما شجر بينهم من خلاف ويرتضيانه مقدماً، والنزول على حكمه أياً كان من يحكم له منهما.
المعنى الثاني هو: فعل هذا الطرف المحايد الذي حكمة المتنازعان في نزاعهما وهو قيامة بالحكم في النزاع الذي يطرحانه. [2]
- فالتحكيم هو طريق استثنائي سنَه المشرع لفض المنازعات، قوامه الخروج على طرق التقاضي العادية وما تكلفه من ضمانات ومن ثم فهو مقصور حتماً على ما تنصرف إليه إرادة المتحاكمين (طرفي النزاع) على عرضه على هيئة التحكيم ومن ثم فهو يُعتبر أهم وسيلة بمقتضاها يستغنى الأطراف عن قضاء الدولة، فكما أن الأفراد يستطيعون باتفاقهم حل منازعاتهم بالصلح فيما بينهم، فإنهم يستطيعون عرض هذه المنازعة على شخص أو أشخاص يختارونهم أو يحددون وسيلة اختيارهم لكي يتولوا الفصل في هذه المنازعة. [3]
وقد عبَر الأستاذ الدكتور محسن شفيق عن الطابع المركب للتحكيم بالقول: ” أن التحكيم في الحقيقة ليس اتفاقاً محضاً، ولا قضاءً محضاً، وإنما هو نظام يمر في مراحل متعددة، يلبس في كل منها لباساً خاصاً ويتخذ طابعاً مختلفاً، فهو في أوله اتفاق، وفى وسطه إجراء، وفى آخره حكم، وينبغي مراعاة اختلاف هذه الصور عند تعيين القانون الواجب التطبيق “. [4]
التحكيم الجمركي: نظراً لما يتمتع به التحكيم الجمركي من طبيعة خاصة ومتميزة عن غيره من صور التحكيم ذلك بسبب كون المسائل التي يتناولها التحكيم الجمركي مسائل دقيقة، كما أن الفقه القانوني والمشرع الجمركي في قانون الجمارك الأردني لم يتناول تعريف التحكيم الجمركي على خلاف التشريعات المقارنة بالرغم من أهميته البالغة في ضوء تطور العصر والسرعة في حل المنازعات، لذلك يمكن تعريف التحكيم الجمركي بأنه : “عبارة عن اتفاق إرادة طرفي النزاع دائرة الجمارك وأصحاب العلاقة عند قيام نزاع جمركي في أي مرحلة من مراحل تنظيم البيان الجمركي أو في أي مرحلة من مراحل التخليص الجمركي حول نوع البضاعة أو منشأها أو قيمتها أو بند التعريفة على إحالة النزاع الناشئ أو المتوقع نشوئه الى محكم أو هيئة تحكيم للفصل في النزاع وإقرار المشرع لهذه الإرادة “[5].
ثانياً: نطاق التحكيم الجمركي:
نطاق التحكيم الجمركي هو عبارة عن موضوع النزاع الذي من أجله نشأ التحكيم الجمركي فهو يتضمن موضوع النزاع أو النزاعات المتفق إحالتها من قبل أطراف النزاع (دائرة الجمارك وأصحاب العلاقة) إلى هيئة التحكيم، فنطاق التحكيم الجمركي عبارة عن المسائل القابلة للتحكيم الجمركي.
– وقد نصت المادة (80) من قانون الجمارك الأردني وتعديلاته رقم 20 لسنة 1998على: (أ-يعين الوزير لجنة خاصة مؤلفة من ثلاثة أشخاص من كبار موظفي الدائرة للنظر في الخلافات حول
قيمة البضاعة، أو منشئها، أو مواصفاتها، أو البند الذي يخضع له.
ب-إذا وقع خلاف بين أصحاب العلاقة والدائرة يحال هذا الخلاف إلى اللجنة للنظر فيه، ولها أن تستعين بمن تراه من الخبراء والفنيين).
- نجد هنا أن نص المادة (80) من قانون الجمارك الأردني يستوجب عرض النزاع على لجنة خاصة نص عليها القانون قبل إحالة النزاع الى هيئة التحكيم، فاللجنة هنا ذات اختصاص إداري تتكون من خبراء وفنيين في العمل الجمركي يعملون على حل النزاع والخلاف القائم بين أطراف العلاقة قبل إحالة النزاع إلى هيئة التحكيم. بناءً على ما سبق فإن اللجنة الخاصة التي نصت عليها المادة (80) تختلف اختلافاً تاماً عن هيئة التحكيم لذلك لابد من تحديد المسائل القابلة للتحكيم الجمركي أو تحديد الحالات التي يجوز فيها التحكيم الجمركي فالتحكيم الجمركي هو عبارة عن النزاع الذي قد ينشأ بين دائرة الجمارك وأطراف العلاقة ويكون هذا النزاع حول نوع البضاعة، منشأ البضاعة، قيمة البضاعة، بند التعريفة.
أولا : نوع البضاعة: نصت المادة الأولى في قانون الجمارك المصري الصادر برقم 207 لسنة 2020 على تعريف البضاعة بأنها : “كل مادة طبيعية أو منتج حيواني أو زراعي أو صناعي أو تكنولوجي أو غيرها من البضائع الواردة بجداول التعريفة الجمركية “، بناءً على ذلك فإن نوع البضاعة يعتبر من عناصر الخلاف التي يتوجه اطرفاها الى التحكيم الجمركي، فنوع البضاعة يترتب علية معرفة البضاعة الواردة المطلوب دخولها الى البلاد، على ذلك فإن اختلف نوع البضاعة المذكورة في الجمارك عن البضاعة المطلوب دخولها الى البلاد ينتج عن ذلك نزاع بين أطراف العلاقة، ومثال ذلك: أن يقول صاحب البضاعة أو ما صرح على البيان الجمركي أن البضاعة الداخلة في البيان الجمركي هي عبارة عن خيوط من البوليستر وعند إجراء الكشف عليها من قبل دائرة الجمارك وبعد إجراء التحليل من قبل مختبرات الدائرة تبين أنها بالإضافة إلي البوليستر وجد بها فسيكوز… فإذا حصل خلاف بين دائرة الجمارك وأصحاب العلاقة حول نوع أو مواصفات البضاعة بعد تحليل البضاعة يجوز لدائرة الجمارك أو أصحاب العلاقة الاعتراض أو رفع النزاع إلى هيئة تحكيم جمركي محايدة، فشمول البيان الجمركي الخاص البضاعة على كل ما تتعلق به البضاعة ترتب عليه تبسيط الفصل في المنازعات الجمركية دون اللجوء الى محكمة الجمارك الذى من شأنه إطالة أمد التقاضي .
ثانياً: منشأ البضاعة: عرف قانون الجمارك الأردني وتعديلاته رقم 20 لسنة 1998 وفى المادة( 27 /ج) منه مصطلح قواعد المنشأ على أنه:” الأسس التي تحدد بلد منشأ البضاعة وفقاً لأحكام مواد القانون أو الاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفاً فيها “[6]، فمنشأ البضاعة هنا هي البلد التي تم تصنيع البضاعة فيها باختلاف نوع البضاعة، فالمنشأ هنا هو مكان استخراج أو تصنيع أو تشكيل البضاعة والتي يترتب عليها استيفاء رسوم جمركية على البضائع الواردة الى المملكة والتي تختلف من بلد لأخر حسب نوع الاتفاقيات بين المملكة وبين الدول الأخرى، حيث يتم إرفاق شهادة صادرة من الجهات الرسمية من البلد المُصنع يتم ذكر فيها اسم البلد المُصنع، أو منشأ البضاعة الواردة للمملكة، على هذا الأساس يتم تحديد الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع الواردة مع اختلاف هذه الرسوم حسب الاتفاقيات الدولية والاتفاقيات بين الدول، كما أن هناك قواعد منشأ تفضيلية تُطبق وفقاً للاتفاقيات المعقودة بين المملكة الأردنية الهاشمية والأطراف الأخرى والتي تنص على منح معاملة تفضيلية، من هنا يأتي الخلاف حيث يتم ذكر على سبيل المثال أن بلد المنشأ هي دولة عربية مثل مصر أو الإمارات وعند الكشف والمعاينة الفعلية من قبل السلطات الجمركية نجد أن بلد المنشأ هنا هي دولة أجنبية، لذلك يجوز في هذه الحالة اللجوء الى التحكيم لحل هذا النزاع، لأنه هناك اتفاقية تنمية وتيسير التبادل التجاري بين الدول العربية، وهى اتفاقية خاصة بجامعة الدول العربية تنص على إعفاء البضائع ذات المنشأ العربي من أية رسوم جمركية، وهذه الاتفاقيات تمنح تخفيضاً للرسوم الجمركية بغض النظر عن رسوم التعريفة الجمركية .
ثالثاً : قيمة البضاعة: قيمة البضاعة هي عبارة عن ثمن البضاعة المستوردة التي يتم استيرادها للمملكة، فقيمة البضاعة يُعتبر من أهم المواضيع التي تشغل بال المستورد، فهي موضوع هام لطرفي العلاقة ( دائرة الجمارك والمستورد صاحب العلاقة )، وتعتبر قيمة البضاعة من أهم المواضيع التي يثور حولها خلاف ، مناط الخلاف هنا حول قيمة البضاعة بين السعر المنصوص عليه على متن البيان الجمركي وبين قيمة البضاعة الحقيقية التي تقدرها دائرة الجمارك، على سبيل المثال : لو قام المستورد بالتصريح على متن البيان الجمركي بأن البضاعة عبارة عن إكسسوارات سيارات ضمن الوصف الإضافي للبضاعة، وأن القيمة المصرح عنها الكمية 13000 دولار ( ثلاثة عشر ألف دولار ) وأثناء عرض البيان على الوحدة المختصة بالمركز الجمركي ارتأى المخمن أو المقدر الجمركي استناداً لقيد جمركي مرجعي أن القيمة المقدرة للبضاعة هي 25000 دولار(خمسة وعشرون ألف دولار ) في هذه الحالة يحق لصاحب العلاقة المستورد أن يطلب اللجوء الى التحكيم في حال الخلاف حول القيمة الجمركية .
رابعاً: بند التعريفة: الرسوم الجمركية أو التعريفة الجمركية يمكن تعريفها أنها: ضرائب تفرض على السلع التي تستوردها دولة من أخرى. وتستخدم عدة دول التعريفة الجمركية لحماية صناعتها من المنافسة الأجنبية. وتُوفّر التعريفة الحماية عن طريق رفع أسعار السلع المستوردة. على ذلك يمكن القول إن أي بضائع يتم استيرادها إلى المملكة لا بد من تحديد الرسوم الجمركية المترتبة عليها والذي ينتج عنة تطبيق مبادئ التعريفة الجمركية ويعتمد في ترتيب مسميات وأنواع السلع في جداول التعريف على أساس المادة، أي يبدأ التصنيف المواد الأولية والمواد الخام ثم صناعتها التحويلية ثم صناعتها الدقيقة.
– ويعرف جدول التعريفة الجمركية بأنه: هو الجدول المعمول به بمقتضى تشريع كل طرف متعاقد بالاتفاقية لأغراض فرض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة. وما يجري العمل عند حدوث خلاف حول بند التعريفة وما يترتب عليه من رسم تعريفه جمركية، تحال المعاملة الجمركية (البيان الجمركي) رسمياً الى قسم التعريفة الجمركية بالدائرة بهدف تحديد البند الصحيح د ونسبة الرسم المترتبة عليه ومن ضمن ما نص عليه قانون الجمارك الأردني في المادة الثانية منه ما يلي:( يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك:
التعريفة أو التعريفة الجمركية: الجدول المتضمن أنواع البضائع ووحدات الاستيفاء وفئات الرسوم الجمركية التي تخضع لها والقواعد والملاحظات الواردة فيه).
ثالثاً: النظام الإجرائي في الخصومة للتحكيم الجمركي.
نظراً لما يتميز به التحكيم من سهولة وسرعة في حل المنازعات التي عليه، يمكن القول أن التحكيم هو طريق استثنائي سنَه المشرع لفض المنازعات قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية، نظراً لما يتميز به من بساطة وقلة في النفقات، ولكن يتوقف على إرادة طرفي النزاع: فاللجوء الى التحكيم متوقف على اتفاق إرادة طرفي النزاع على اللجوء إليه، وقبل أن ننتقل إلى البحث في مكنون النظام الإجرائي لخصومة التحكيم الجمركي لا بد من القول إن اتفاق التحكيم يعد الأساس القانوني للطبيعة الفنية والإجرائية لعملية التحكيم ومنها التحكيم الجمركي، والدستور الذي يحدد نطاقه ومداه ويخرج موضوع النزاع من اختصاص القضاء كما يستمد المحكمون منه سلطاته، لذلك يجب بذل عناية كبيرة في صياغته لأن أية عيوب تلحق باتفاق التحكيم أو شروطه تكون لها آثر وخيم، وعليه يجب أن نطرح السؤال التالي: في المنازعات الجمركية هل يعتبر اتفاق التحكيم وجه لشرط التحكيم الجمركي، أم مشارطة التحكيم الجمركي، كإحدى صور اتفاق التحكيم؟
- اتفاق التحكيم يمثل بصورتين:
– أولاً: شرط التحكيم وهو عبارة عن اتفاق إرادة أطراف النزاع على النص في العقد الذي يتم إبرامه بينهما على إحالة أي نزاع من الممكن أن ينشأ بينهما في المستقبل الى التحكيم أو إلى هيئة التحكيم، وقد يأتي شرط التحكيم بصورة مستقلة وهوما يُعرف باستقلالية شرط التحكيم وهو يعد تحكيم قائم بذاته.
– ثانيا: مشارطة التحكيم وهو عبارة عن اتفاق إرادة أطراف النزاع إلى إحالة النزاع القائم بينهم بالفعل الى التحكيم ويُعتبر اتفاق التحكيم في صورة مشارطة التحكيم عقداً مستقلاً بذاته، ولكن يُشترط أن يتم النص على موضوع النزاع الذي يُراد إحالته الى التحكيم للفصل في صلبه وهنا سوف نتحدث عن:
أولاً: هيئة التحكيم الجمركي:
لا يتصور وجود التحكيم كطريق للفصل في المنازعات بدون وجود هيئة التحكيم، فالأصل في التحكيم أن يتفق طرفي العلاقة ( دائرة الجمارك و أصحاب العلاقة ) على هيئة التحكيم، ولكن مع ذلك لا يترتب على عدم اتفاقهما أن يؤدى ذلك إلى بطلان اتفاق التحكيم، فقانون التحكيم الأردني رقم 31 لسنة 2001 فضلاً عن قوانين التحكيم المقارنة، كقانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 وقانون التحكيم السوري رقم 4 لسنة 2008 ؛ رسم الطريق إلى تجديدها في حال تخلف هذا الاتفاق، و مجرد اختيار هيئة التحكيم لا يكون كافياً للقيام بواجبها للفصل في النزاع الذى تم اختيارها له، وإنما يلزم أيضاً قبولها لهذه المهمة لأنها تقوم بمهمة قضائية، كما نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية من قانون التحكيم الأردني رقم 31 لسنة 2001 على: ” هيئة التحكيم هي الهيئة المشكلة من محكم واحد أو أكثر للفصل في النزاع المحال إلى التحكيم وفقاً لأحكام هذا القانون ” ،( وفى محور الموضوع من هي هيئة التحكيم الجمركي، في ظل عدم وجود نص واضح وصريح في قانون الجمارك الأردني رقم 22 لسنة 1777 يعطي الحق باللجوء إلى التحكيم على خلاف قانون الجمارك السابق رقم 11 لسنة 1773 والذي نص بالمادة 87 /ب منه بجواز التحكيم)[7].
- وعليه يمكن القول في حالة قيام أي نزاع بين طرفي العلاقة ( دائرة الجمارك أو أصحاب العلاقة ) حول أي سبب من أسباب النزاع سواء كانت حول نوع أو منشأ البضاعة أو قيمتها أو بند التعريفة وطلب صاحب العلاقة أو من يمثله إحالة النزاع إلى التحكيم، ووافقت الدائرة على طلبه يُحال النزاع إلى هيئة أو لجنة تحكيم تُشكل إما اتفاقاً عن طريق اتفاق الطرفان المحتكمان ( الجمارك وصاحب العلاقة ) على اختيار محكمة ويتولى المحكمين المختاران اختيار المحكم المُرجح أو الفيصل، وإن اختلفا على تحديد أو اختيار المحكم الثالث (المرجح )تتولى هيئة محكمة الاستئناف المختصة تعيين المحكم الثالث.
ثانياً: تشكيل هيئة لجنة التحكيم الجمركي:
نصت المادة (14) من قانون التحكيم الأردني على أنه: (أ- تُشكل هيئة التحكيم باتفاق الطرفين من محكم واحد أو أكثر فإذا لم يتفقا على عدد المحكمين كان العدد ثلاثة.
ب _ إذا تعدد المحكمون وجب أن يكون عددهم وتراً وإلا كان باطلاً)، لم يُحدد المشرع الأردني عدد معين لأعضاء هيئة التحكيم، فقد نص على أنه من الممكن أن يكون مُحكم واحد أو أكثر، ولكنه نص على أنه في حالة عدم الاتفاق بين الطرفين يكون عدد المُحكمين ثلاثة، كما أنه وضع نص صريح في حالة تعدد المُحكمين أن يكون عددهم وتراً.
– كما نصت المادة (16) من قانون التحكيم الأردني رقم 31 لسنة 2001 على: (أ-لطرفي التحكيم الاتفاق على اختيار المحكمين وعلى كيفية وتاريخ اختيارهم فإذا لم يتفقا على ذلك تتبع الإجراءات التالية:
1 -إذا كانت هيئة التحكيم تتكون من محكم واحد تتولى المحكمة المختصة تعيينه بناء أحد الطرفين
2_ وإذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين يعين كل طرف محكم ويتفق المحكمان المعينان على تعيين المحكم الثالث، فإذا لم يعين أحد الطرفين محكمة خلال الخمسة عشر يوما التالية لتسلمه طلباً بذلك من الطرف الأخر، أو إذا لم يتفق المحكمان المعينان على اختيار المحكم الثالث خلال الخمسة عشر يوماً التالية لتاريخ التعيين تتولى المحكمة تعيينه بناءً على طلب أي من الطرفين وتكون رئاسة هيئة التحكيم للمحكم الذي اختاره المحكمان المعينان أو الذي تختاره المحكمة.
_3 تُتبع الإجراءات المذكورة في البند 2 من هذه الفقرة إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من ثلاثة محكمين
- إذا خالف أحد الطرفين إجراءات اختيار المحكمين التي اتفقا عليها أو لم يتفقا على كيفية القيام بتلك الإجراءات، أو لم يتفق المحكمان المعينان على أمر مما يجب الاتفاق عليه أو إذا اختلف الغير عن أداء ما عهد إليه في هذا الشأن تتولى المحكمة المختصة بناءً على طلب أي من الطرفين القيام بالإجراء أو بالعمل المطلوب.
ج-تراعي المحكمة في المحكم الذي تختاره الشروط التي يطلبها هذا القانون وتلك التي اتفق عليها الطرفان، وتصدر قرارها باختيار المحكم على وجه السرعة، ولا يكون هذا القرار قابلاً للطعن فيه بأي من طرق الطعن).
- طبقاً لنص المادة (16) من قانون التحكيم الأردني فإن المشرع قد وضح لنا كيفية تشكيل هيئة التحكيم وهو ما ينطبق أيضاً على هيئة التحكيم الجمركي).
ثانياً: إجراءات خصومة التحكيم الجمركي:
– نصت المادة (29) من قانون التحكيم الأردني على: (أ. يرسل المدعي خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم إلى المدعى عليه وإلى كل واحد من المحكمين لائحة مكتوبة بدعواه تشتمل على اسمه وعنوانه واسم المدعى عليه وعنوانه وشرح لوقائع الدعوى وتحديد للمسائل موضوع النزاع وطلباته وكل أمر آخر يوجب اتفاق الطرفين ذكره في هذه اللائحة.
ب. ويرسل المدعى عليه خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم إلى المدعي ولكل واحد من المحكمين لائحة جوابية مكتوبة بدفاعه رداً على ما جاء بلائحة الدعوى، وله أن يضمن هذه اللائحة أي طلبات عارضة متصلة بموضوع النزاع أو أن يتمسك بحق ناشئ عنه بقصد الدفع بالمقاصة، وله ذلك ولو في مرحلة لاحقة من الإجراءات إذا رأت هيئة التحكيم أن الظروف تبرر ذلك.
ج. يجوز لكل من الطرفين أن يرفق بلائحة الدعوى أو باللائحة الجوابية حسب مقتضى الحال، صوراً عن الوثائق التي يستند إليها وأن يشير إلى كل أو بعض الوثائق وأدلة الإثبات التي سيقدمها ولا يحول ذلك دون حق هيئة التحكيم في أي مرحلة من مراحل الدعوى الطلب بتقديم أصول المستندات أو الوثائق التي يستند إليها أي من الطرفين).
- وفقاً لنص المادة (29) من قانون التحكيم الأردني فإن إجراءات التحكيم تبدأ من اليوم الذي ينتهي فيه تشكيل هيئة التحكيم، فاليوم الذي يتم فيه تشكيل هيئة التحكيم تبدأ فيه إجراءات التحكيم ولكن استثنى المشرع من ذلك اتفاق أطراف التحكيم على موعد محدد لبداية إجراءات التحكيم، كما نصت المادة ( 24 ) من قانون التحكيم الأردني على: ” لطرفي التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم بما في ذلك حقها في إخضاع هذه الإجراءات للقواعد المتبعة في أي مؤسسة أو مركز تحكيم في المملكة أو خارجها فإذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق كان لهيئة التحكيم أن تختار إجراءات التحكيم التي تراها مناسبة وذلك مع مراعاة أحكام هذا القانون “، كما لا يجوز لهيئة التحكيم أن تتعرض لأى نزاع غير موضوع النزاع المعروض عليها بدون علم طالب التحكيم كونه هو الذى يحدد موضوع النزاع الذى سوف يُعرض على هيئة التحكيم وكذلك الحق الذى ينبغي حمايته بقرار تصدره هيئة التحكيم، ومع ذلك يجوز لطرفي علاقة التحكيم تعديل طلب التحكيم الأصلي أو إضافة طلب تحكيم جديد أمام هيئة التحكيم الجمركي وفقاً لنص المادة ( 31 ) من قانون التحكيم الأردني والتي نصت على:” لكل من طرفي التحكيم تعديل طلباته أو أوجه دفاعه أو استكمالها خلال إجراءات التحكيم ما لم تقرر هيئة التحكيم عدم قبول ذلك منعاً من إعاقة الفصل في النزاع “
-
كما أجاز القانون لهيئة التحكيم تعيين خبير أو أكثر لتقديم تقرير مكتوب أو شفهي يتم إثباته في محضر الجلسة بشأن مسائل معينة تحددها وتبلغ الهيئة كل من الطرفين قرارها بتحديد المهمة المُسندة الى الخبير.
رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالتحكيم الجمركي
1- ورد في حكم محكمة التمييز رقم 2443لسنة1999 بصفتها الحقوقية: ( طالما لا خلاف بين الطرفين على نوعية البضاعة المستوردة وبالتالي فإنه لا محل للقول بإحالة الموضوع الى التحكيم طبقا للمادة( 78/أ ) من قانون الجمارك رقم 16 لسنة 1983 .
– حيث أن المستوردات عبارة عن (قطع غيار آليات ثقيلة وبكرات جرافة) فإن اعتبار هذه المستوردات (قطع غيار سيارات) واستيفاء التعريفة الجمركية عنها على هذا الأساس يخالف الواقع.
* يستوفي عنها التعريفة الجمركية وفقا للبند( 84/ 23أ ) من بنود التعريفة الجمركية الذي يسري حكمه على الآلات والأجهزة الثابتة أو المتحركة للحفر والتسوية والتنقيب لاستخراج الأتربة والمعادن مثل المجارف.
* أن الجرافات لا تدخل في مفهوم السيارات المنصوص عليها في البند 87/ 2 و87/ 3 كما هو واضح من نصوص هذين البندين ذلك أن هناك نصا خاصا يتعلق بالجرافات هو البند 84/ 23أ راجع قرار تمييزي رقم 993/ 93 تاريخ 21/ 11/ 1993 و743/ 93 تاريخ 16/ 10/ 1993 وعليه وحيث إن القرار المميز قد توصل الى ذات النتيجة وقرر انه يتم استيفاء رسم بواقع 1% فقط قبل تاريخ 1/ 3/ 1997 وهو تاريخ بدء سريان قانون توحيد الضرائب والرسوم وتاريخ تعديل بند التعريفة الجمركية الصادر في الجريدة الرسمية رقم 4189 تاريخ 1/ 3/ 1997 بحيث أصبحت من ذلك التاريخ تخضع لبند التعريفة الجمركية 31، 84 نسبة رسم 20% وانها قامت باحتساب المبالغ الواجب ردها للمدعية وفق هذه المعادلة فتكون أسباب التمييز غير واردة).
2- كما ورد في حكم محكمة التمييز رقم 437 لسنة 1999 بصفتها الحقوقية: ( إن المادة( 78/ب ) من قانون الجمارك رقم (16) لسنة 1983 تنص على انه اذا قام خلاف بين الدائرة وأصحاب العلاقة حول مواصفات البضاعة أو منشئها يحال الأمر الى المدير فاذا لم يقبل صاحب العلاقة بالقرار الصادر فله الحق باللجوء الى التحكيم وحيث إن الخلاف بين طرفي النزاع في هذه الدعوى قد انحصر في تطبيق بند التعرفة الجمركية، فالمدعية ترى إن بند التعرفة الواجب التطبيق على البضاعة المستوردة هو رقم 85/ 17 بنسبة رسوم (15%) بينما دائرة الجمارك ترى أن بند التعرفة الواجب التطبيق هو 85/ 15 بنسبة (85%) وحيث أن النزاع لا يشكل خلافا على منشأ البضاعة أو مواصفاتها فلا محل لأعمال أحكام المادة 78/ب من قانون الجمارك بإحالة الخلاف الى المدير ثم التحكيم أو أعمال الاجتهاد القضائي الذي أشار إليه المميز في هذا السبب .
- حيث إن تقرير الخبير الفني المحفوظ بالدعوى قد توصل الى أن أجهزة النداء المستوردة هي أجهزة استقبال لاسلكي فقط وغير قادرة على الإرسال ولا تعمل بدون محطة أم والتي تقوم ببث إشارة لاسلكية يلتقطها الجهاز ويحللها ويعطي صوت متقطع يشعر صاحبه انه مطلوب الى جهة معينة والجهاز بهذا الوصف هو جهاز تنبيه لاسلكي فقط ويخضع لبند التعرفة الجمركية رقم 85/ 17 بنسبة (18%) وحيث إن بند التعرفة الجمركية رقم 85/ 15 التي فرضتها دائرة الجمارك على البضاعة محل الدعوى يتعلق بأجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي ولا يتعلق بأجهزة الاستقبال كالبضاعة العائدة للجهة المدعية، فتكون دائرة الجمارك قد استوفت فرق الرسوم بدون سند قانوني ويتعين عليها رده وحيث إن الحكم المستأنف قد توصل الى هذه النتيجة فيكون واقعا في محله وأسباب التمييز لا ترد عليه ويتعين ردها.
وفقاً لما سبق يمكن القول إن التحكيم كطريق للفصل في المنازعات يتميز بالسهولة والسرعة عن طرق التقاضي العادية فالمنازعات التي تعُرض أمام هيئة التحكيم لا تحتمل التأخير كما أنها تحتاج الى الخبرة للفصل فيها نظراً لما لها من أهمية في اقتصاد البلاد.
كتابة: الأستاذ/ محمد عبد الحميد
[1] تعريف التحكيم _ د. عبد المنعم الشرقاوي _شرح المرافعات المدنية والتجارية ص 680
[2] الزغبي، محمد عبد الخالق، 2011، التحكيم في قانون الجمارك الأردني بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة، ص 9
[3] المستشار عبد الرحمن محمد عبد الرحمن، التحكيم في قانون الجمارك وقانون الضريبة على المبيعات، بحث مقدم بالدورة التمهيدية، 21 /5 / 2005، مركز التحكيم الدولي
[4] التحكيم التجاري الدولي، د. محسن شفيق 1974 ص 73.
[5] الزغبي، محمد عبد الخالق، 2011، التحكيم في قانون الجمارك الأردني بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة، ص 10.
[7] الزغبي، محمد عبد الخالق، 2011، التحكيم في قانون الجمارك الأردني بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة، ص 20.

