أحكام سند الشحن الإلكتروني في ظل التشريع الأردني
في ظل ما طرأ على الحياة التجارية من تطورات وتغيرات، أصبح من الضروري، بل ومن المحتم أن يتم مسايرة ذلك التطور على عدة أصعدة أخرى ومن أهمها الصعيد التشريعي الخاص بالتعاملات التجارية وأدواتها المختلفة، حتى يمكن تقنين وتأطير المعاملات التجارية بشكل يضمن حقوق أطرافها من جهة، ومن جهة أخرى يكفل تنظيم تشريعي يمكنه أن يحتوي أي إشكاليات أو منازعات قانونية جديدة يمكن أن تفرزها تلك التطورات.
ولعل من أهم الأدوات التي يتم استخدامها في المعاملات التجارية بوجه عام وفي التجارة البحرية بوجه خاص هو سند الشحن، لاسيما وأن الحديث عن النقل البحري والبيوع البحرية دائماً ما يكون مقترناً بسند الشحن، ومع تطور التجارة البحرية تطور سند الشحن لنجد أنفسنا أمام ما يعرف بـ “سند الشحن الإلكتروني”، وسيكون هذا الأخير هو محور مقالنا اليوم.
أولاً: ماهية سند الشحن الإلكتروني
ثانياً: الخصائص المميزة لسند الشحن الإلكتروني
ثالثاً: شروط سند الشحن البحري الإلكتروني
رابعاً: حجية سند الشحن الإلكتروني في الإثبات
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
سادساً: الخاتمة
أولاً: ماهية سند الشحن الإلكتروني
قبل أن نتعرض لتنظيم أحكام سند الشحن الإلكتروني يلزم أن نوضح بداية ما هو المقصود بسند الشحن الإلكتروني، ونعقب ذلك ببيان وظائفه الأساسية، ولكن قبل ذلك هناك حقيقة هامة يلزم توضيحها قبل أن نخوض في موضوع المقال، لاسيما وأن المقال بأكمله ينبني عليها، وتتمثل تلك الحقيقة في أن المشرع الأردني لم يخص سند الشحن الإلكتروني البحري بالتنظيم المستقل، ولكنه وضع تنظيماً للسند الإلكتروني بوجه عام في قانون، وبالتالي فإن سند الشحن الإلكتروني يتم تنظيمه بموجب أحكام السند الإلكتروني الواردة بقانون المعاملات الإلكترونية، وفي ظل تنظيم قانون التجارة البحرية لسند الشحن التقليدي، بحيث يستوفي سند الشحن الإلكتروني شروط القانونين ليكون سند شحن إلكتروني بحري، وقد لزم التنويه لذلك حتى لا يختلط الأمر بالقارئ عندما ننتقل في سياق هذا المقال من قانون التجارة البحرية الأردني إلى قانون المعاملات الإلكترونية الأردني والعكس، حيث يلزم إعمال نصوص القانونين وتطبيقها على سند الشحن الإلكتروني.
1- التعريف بسند الشحن الإلكتروني
تعرض الفقه القانوني لتعريف سند الشحن بأكثر من تعريف، حيث عرفه البعض بأنه سند بالبضائع التي يتم شحنها يقوم الربان على إصداره، يتم بموجبه إثبات أن الربان قد تسلم البضائع الموصوفة بهذا السند على ظهر السفينة، ويتم بموجبه إثبات تمام عملية الشحن[1]، وعرفه البعض الآخر على أنه إيصال استلام يتم إصداره من ربان سفينة النقل، وذلك لإثبات استلامه للبضائع وإثبات وجودها على متن سفينة النقل.
وغيرها من التعريفات الأخرى التي لم تخرج عن مضمون ما جاء بتعريف المشرع الأردني لسند الشحن، وذلك بقانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 حينما وضع التعريف القانوني لسند الشحن تحت مسمى “وثيقة الشحن” بصدر نص المادة (200) منه، والتي جاء بها (إن وثيقة الشحن هي سند بالبضائع الموسوقة يعطيه الربان، وهي تنظم على نسخ ثلاث: نسخة للواسق وثانية للمرسل إليه وثالثة للربان ……).
وهو ما نخلص معه إلى أن سند الشحن يمثل إيصال استلام يفيد تسلم ربان السفينة الناقلة للبضائع المنقولة، وأنها أصبحت في حوزته منذ تاريخ هذا السند، ويفيد أيضاً أن عملية التسليم قد تمت وانتقلت مسؤولية البضائع من الشاحن للناقل البحري الذي يمثله هذا الربان.
وعلى النقيض لذلك نجد أن المشرع الأردني لم يخص سند الشحن الإلكتروني بثمة تعريف أو تنظيم خاص به، مكتفياً في ذلك بالتعريف والتنظيم العام للسند الإلكتروني والذي أورده بقانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم 15 لسنة 2015، حينما عرفه في المادة (2) من هذا القانون بأنه (السند الإلكتروني هو السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونياً)، وهذا التعريف هو التعريف العام للسند الإلكتروني بكافة أشكاله وصوره، والذي يدخل في إطاره سند الشحن الإلكتروني البحري.
ونظراً لخلو القانون من تعريف سند الشحن الإلكتروني واقتصار الأمر على السند الإلكتروني بوجه عام، فقد تصدى الفقه لملء هذا الفراغ التشريعي ووضع تعريف لسند الشحن الإلكتروني، وكان نتاج ذلك أن عرفه الفقه بأنه السند البحري الذي يتم تحريره من خلال شبكة الاتصال الإلكترونية فيما بين الشاحن والناقل، وذلك لنقل البضائع من الشاحن للمرسل إليه[2]، كما عرف أيضاً بأنه وثيقة إلكترونية تمثل البضائع التي يتم نقلها عن طريق البحر، ويستطيع مالك تلك البضائع أن يتصرف فيها عن طريق التصرف في تلك الوثيقة.
ونستخلص مما سبق جميعه أن سند الشحن الإلكتروني يجد أساسه في سند الشحن التقليدي، كل ما هنالك أن سند الشحن الإلكتروني يختلف في طريقة وشكل إصداره وتداوله وحفظه عن طريقة وشكل إصدار وتداول وحفظ نظيره التقليدي، وهو أمر يرجع إلى الطبيعة الخاصة بسند الشحن الإلكتروني.
2- أوجه الاختلاف بين سند الشحن الإلكتروني ونظيره التقليدي
وفقاً لقانون المعاملات الإلكترونية الأردني فإن سند الشحن الإلكتروني صورة من صورتين، الأولى هي أن يكون سنداً قابل للتداول، والثانية هي أن يكون سنداً غير قابل للتداول، حيث إن المشرع قد نص في المادة رقم (18/أ) من هذا القانون على أن (أ- يكون السند الإلكتروني قابلاً للتحويل إذا انطبقت عليه شروط السند القابل للتداول المحددة بقانون التجارة باستثناء شرط الكتابة، على أن يكون الساحب قد وافق على قابلية هذا السند للتداول)، ولم يرد ذكر أي صورة أخرى في هذا القانون للسند الإلكتروني.
والسند الإلكتروني يكون غير قابل للتداول في الحالة التي يحظر نقل ملكيته إلى أي شخص أخر خلاف الشخص الذي ورد اسمه في صلب هذا السند، وعلى النقيض من ذلك يكون السند قابلاً للتداول متى كان هناك إمكانية لنقل ملكيته إلى أكثر من مالك، بحيث ينتقل من أحدهم إلى الآخر.
وقد ظلت مسألة تداول سند الشحن الإلكتروني تمثل عائقاً كبيراً في سبيل استخدامه كبديل لسند الشحن التقليدي، لاسيما وأن سند الشحن الإلكتروني يقتضي تداوله استخدام وسائل تقنية متطورة، إلى أن أصبحت تلك الوسائل متوفرة بصورة يسرت بشكل كبير من مسألة تداول سند الشحن الإلكتروني، ولعل ذلك يمثل أهم أوجه الاختلاف بين سند الشحن الإلكتروني ونظيره التقليدي، فالأول يتم تداوله بين الشاحن والناقل عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة وشبكات الاتصال، في حين يتم تداول سند الشحن التقليدي بين طرفيه عبر المناولة اليدوية.
ومن أوجه الاختلاف الجوهرية الأخرى بين سندي الشحن التقليدي والإلكتروني هو القابلية للتظهير، ويقصد بالتظهير هنا التظهير الناقل للملكية، وهو البيان الذي يتم تحريره على ظاهر السندات القابلة للتظهير، والذي بموجبه يكون المظهر قد نقل ملكية الحق المثبت في السند إما لأمر أو لإذن المظهر إليه[3]، فسند الشحن العادي يقبل التظهير، في حين أن سند الشحن الإلكتروني لا يقبل التظهير، وذلك نظراً لكون الأخير لا يدخل في عداد السندات الورقية، وبالتالي فلا يمكن أن يتم كتابة بيانات التظهير على ظهره[4]، إلى أن وضعت قواعد مشروع البوليرو الي استهدفت تحديد جهة محايدة يكون لديها علم دائم ومستمر ومتجدد بأي عمليات تتم على سند الشحن الإلكتروني، بحيث يكون تداول هذا السند ممكناً بصور تؤدي إلى ذات النتيجة التي يحققها التظهير لسند الشحن التقليدي.
ثانياً: الخصائص المميزة لسند الشحن الإلكتروني
كما سبق وأن أشرنا فإن الاختلاف الأساسي والجوهري بين سند الشحن الإلكتروني ونظيره التقليدي يكمن في وسيلة إنشاء كل منهما، حيث يتم إنشاء سند الشحن الإلكتروني باستخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة، وهو ما منح هذا السند خصائص تتعلق بطبيعته وتميزه عن السند التقليدي، ويمكننا أن نحصر أهم وأبرز الخصائص التي تميز سند الشحن الإلكتروني في النقاط التالية:
- يتم إنشاء سند الشحن الإلكتروني عن بُعد، بمعنى أن طرفيه – الشاحن والناقل – لا يضمهما أو يجمعهما مجلس حقيقي عند إبرامه، بل يكون ذلك من خلال مجلس حكمي أو افتراضي يتم عقده بين شخصين غائبين من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية المتطورة[5]، كالكمبيوتر وشبكة الإنترنت وغيرها من الوسائل الأخرى.
- يؤثر استخدام سند الشحن الإلكتروني إيجابياً على ضبط وتحسين ما يتم بين طرفيه من عمليات إدارة ونقل المعلومات المتعلقة بعملية النقل، ناهيك عن سرعة إتمام هذه العمليات عن نظيرتها التي تتم في سندات الشحن التقليدية، فتضمن وصول المعلومات الخاصة بالبضائع التي يمثلها سند الشحن في الوقت المناسب للطرف الآخر.
- سند الشحن الإلكتروني أقل عرضة للتلف أو التلاعب من سند الشحن التقليدي، لاسيما وأن حفظ السندات الإلكترونية لا يشغل أيضاً حيزاً كالذي تشغله سندات الشحن التقليدية التي يتم تحريرها ورقياً.
- يوفر سند الشحن الإلكتروني مناخاً من الأمان في التعاملات التي تتم بموجبه، خاصة وأنه ينخفض بمعدلات الخطأ في البيانات والمعلومات الواردة به إلى أقل درجاتها، ويحافظ على سريتها وخصوصيتها من الانتهاك، حيث يتم إنشاء السند الإلكتروني في ظل استخدام طرفيه لتشفير رقمي خاص يحول دون اطلاع أي شخص خلافهما على تلك البيانات[6].
وغيرها من الخصائص الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها في هذا المقال، إلا أنها في مجملها تعد أوجه استفادة من استخدام سندات الشحن الإلكترونية، والتي لا يحد من الانتفاع بها سوى عدم وجود تشريع وطني خاص ومستقل ينظم سندات الشحن الإلكترونية ويوضح الأحكام التي تخضع لها بشكل مخصص ومفصل.
ثالثاً: شروط سند الشحن البحري الإلكتروني
في إطار تحديد الشروط التي يلزم توافرها في سند الشحن البحري الإلكتروني سنجد أنفسنا أمام نوعين من الشروط، النوع الأول هو شروط السند ليكون إلكترونياً، والنوع الثاني هو شروط السند ليكون بحرياً، فيجب أن نتعرض للشروط التي تطلبها قانون المعاملات الإلكترونية رقم 15 لسنة 2015، ونتعرض أيضاً للشروط التي تطلبها قانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 1972.
1- الشروط في ظل قانون المعاملات الإلكترونية
حتى يكون السند إلكترونياً فقد استلزم قانون المعاملات الإلكترونية أن يتوافر فيه بعض الشروط، وإن كان لم يذكرها صراحة إلا أنه ذكرها بشكل ضمني في سياق تعريفه للسند الإلكتروني بنص مادته رقم (2) حيث عرفه بأنه (السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونياً)، مما يتضح معه أن شروط السند الإلكتروني هو أن يتم إنشاؤه (الشرط الأول) والتوقيع عليه (الشرط الثاني) بشكل إلكتروني، بجانب أن يكون قابلاً للتداول بشكل إلكتروني.
أ- إنشاء السند بشكل إلكتروني
إنشاء السند بشكل إلكتروني يستلزم تحققه لقيام السند الإلكتروني أن يتم استيفاء شروط شكلية وأخرى موضوعية.
– أما الشروط الموضوعية فتتمثل في الشروط الموضوعية لأي تصرف قانوني، فيلزم أن تتلاقى إرادة طرفيه بما يتحقق معه التقاء الإيجاب بالقبول، ويتم ذلك إلكترونياً من خلال ما يعرف بـ “رسالة المعلومات”، والتي اعتبرها قانون المعاملات الإلكترونية وسيلة تعبير طرفي العقد عن إرادتهما، وفقاً لما نص عليه في المادة (9) منه من أن (تعتبر رسالة المعلومات وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة المقبولة قانوناً لإبداء الإيجاب أو القبول بقصد إنشاء التزام تعاقدي)، ولم يقصر هنا المشرع وسائل التعبير عن الإرادة في رسالة المعلومات فقط، ولكنه ذكرها باعتبارها أهم وسائل التعبير عن الإرادة في السند الإلكتروني وأكثرها انتشراً في مجال الاستخدام.
كما يجب أن تتوافر الأهلية في طرفي السند الإلكتروني، حتى تكون رسالة المعلومات التي تصدر من كل منهما باعتبارها إيجاب أو قبول تكون صادرة ممن يتمتع بأهلية إصدارها، كما يجب أن تخلو إرادة طرفي السند من أي عيب يشوب تلك الإرادة أو ينتقص منها كما في حالات الإكراه، ويمكن التأكد من ذلك إلكترونياً كما هو الحال في تبادل كلمات مرور متفق عليها بين طرفي السند، أو بصمة الصوت أو العين، أو ربط السند الإلكتروني ببطاقة ائتمان، أو غيرها من الطرق الإلكترونية الأخرى المتطورة، وذلك حتى يكون التحقق من توافر الأهلية إلكترونياً.
- أما الشروط الشكلية التي يلزم توافرها في السند الإلكتروني فتتمثل في الكتابة، والتوقيع سنتناوله منفرداً في الفقرة (ب).
بالنسبة للكتابة التي نقصدها هنا فهي ليست الكتابة على الأوراق كما هو الحال في السند العادي (الورقي)، حيث أن الطبيعة الخاصة للسند الإلكتروني تتطلب نوعية خاصة من الكتابة، وتتمثل في الكتابة الإلكترونية التي تمثل ذاتها الكتابة التي تتم على السند الورقي التقليدي، إلا أن الاختلاف ليس في الكتابة المستخدمة في السندين، ولكن الاختلاف يكمن في الدعامة التي يتم وضع تلك الكتابة عليها، وفي طريقة وضع تلك الكتابة عليها، فالدعامة في السند الورقي هي الورق باختلاف أنواعه، ويكون الكتابة إما بالقلم أو بأجهزة الطباعة، بينما السند الإلكتروني تكون دعامته هي الأسطوانات المدمجة أو غيرها من الوسائط التي يمكن الكتابة عليها بواسطة الأجهزة الإلكترونية تقوم بطباعة الحروف على تلك الدعامة.
ب- توقيع السند بشكل إلكتروني
أما بالنسبة للتوقيع الذي يشترط القانون تذييل السند الإلكتروني به فيقصد به “التوقيع الإلكتروني”، وقد عرف المشرع الأردني التوقيع الإلكتروني بنص المادة (2) من قانون المعاملات الإلكترونية، والتي نصت على أنه (البيانات التي تتخذ شكل حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو أي وسيلة أخرى مماثلة في السجل الإلكتروني، أو تكون مضافة عليه أو مرتبطة به بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع وانفراده باستخدامه وتميزه عن غيره)، وهو ما يتبين معه أن المشرع قد استلزم توافر بعض الشروط في التوقيع الإلكتروني ليتمتع بالحماية القانونية كتوقيع إلكتروني معتمد،، وتتمثل هذه الشروط فيما نصت عليه المادة (15) من ذات القانون من شروط يلزم اجتماعها في التوقيع الإلكتروني وهي:
- أن يكون التوقيع الإلكتروني خاصاً بصاحبه، بحيث يكون منفرداً به فيتم تمييزه بهذا التوقيع عن غيره من التوقيعات الأخرى.
-
أن يكون التوقيع محدداً لهوية مستخدمه، بحيث يسهل معرفة شخص الموقع بالاطلاع على التوقيع.
-
أن يكون المفتاح الخاص بالتوقيع تحت سيطرة صاحب التوقيع عند إجراء التوقيع، ويقصد بالمفتاح الخاص هنا الرمز الذي يقوم صاحب التوقيع الإلكتروني باستخدامه لإنشاء هذا التوقيع، سواء كان يستهدف من هذا التوقيع إجراء معاملة إلكترونية، أو إرسال رسالة معلومات، أو إنشاء سجل إلكتروني.
-
أن يكون التوقيع الإلكتروني مرتبطاً بالسجل الإلكتروني ارتباطاً لا يسمح بإدخال أي تعديلات على السجل الإلكتروني بعد أن يتم توقيعه دون حصول تغير في هذا التوقيع.
وينبغي أن نضع ملحوظة هامة ستظهر أهميتها عند التعرض لحجية سند الشحن البحري الإلكتروني، وتتمثل تلك الملحوظة في أن التوقيع الإلكتروني من حيث اعتماده وقوته ونطاق تلك القوة محدد بشكل متدرج، على رأسها أقوى هذه التوقيعات وهو التوقيع الإلكتروني الموثق، ويقصد به التوقيع الإلكتروني الذي تتوافر فيه شروط التوقيع الإلكتروني العامة، وكان يرتبط بشهادة توثيق إلكتروني صادرة من الجهات التي تصرح لها الدولة بإصدارها، يليه في القوة التوقيع الإلكتروني المحمي والذي تتوافر فيه الشروط العامة للتوقيع الإلكتروني ولكن لم يتم توثيقه.
2- الشروط في ظل قانون التجارة البحرية
حتى يكون السند سنداً بحرياً فقد اشترط قانون التجارة البحرية بعض الشروط التي يلزم توافرها في هذا السند، وقد حدد تلك الشروط في نص المادة (200) منه، وجاءت تلك الشروط على هيئة بيانات محددة يجب أن تُذكر في السند، ويمكننا أن نجمل تلك البيانات في:
- أن يرد في السند اسم طرفيه المتعاقدين مجهز السفينة والمستأجر.
- أن يتضمن ذكر للبضائع المشحونة محل النقل من حيث النوع، والوزن، والحجم، والماركة، وعدد الطرود التي تتكون منها البضائع.
- بيانات سفينة النقل وتشمل اسمها، وجنسيتها، وحمولتها.
- الشروط التي تم الاتفاق عليها بشأن النقل من قيمة لأجرة السفينة، ومحل السفر، وميناء الوصول.
- التاريخ الذي تم تسليم سند الشحن فيه.
- عدد نسخ سند الشحن التي حررها الربان.
- توقيع إما الربان، أو مالك السفينة، أو وكيله، وتوقيع الواسق.
بجانب تلك البيانات فقد اشترط المشرع أيضاً أن يتم تحرير سند الشحن من ثلاث نسخ، الأولى تكون مع الواسق (الشاحن)، والثانية مع المرسل إليه، والثالثة مع الربان، ولكن هذا الشرط يخرج من دائرة سند الشحن الإلكتروني، لاسيما وأن سند الشحن الإلكتروني لا تتعدد النسخ المستخرجة منه لكون تداوله يتم إلكترونياً من خلال مزود الخدمة.
ومما سبق جميعه يمكننا أن نتبين أن سند الشحن الإلكتروني البحري هو سند الشحن الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونياً، وتتوافر به البيانات المنصوص عليها في المادة (200) من قانون التجارة البحرية.
رابعاً: حجية سند الشحن الإلكتروني في الإثبات
كان المشرع الأردني صريحاً في النص على مدى حجية السندات الإلكترونية، وذلك حينما أقر لها بذات الحجية التي تتمتع بها السندات العادية، وذلك فيما نص عليه بالمادة رقم (13) من قانون البينات رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته، والتي نصت على أن (3- أ- مع مراعاة بنود هذه الفقرة تكون لرسائل الفاكس والتلكس والبريد الإلكتروني وما ماثلها من وسائل الاتصال الحديثة قوة السندات العادية في الإثبات إذا اقترنت بشهادة من أرسلها لتأييد صدورها عنه، أو بشهادة من وصلت إليه لتأييد تسلمه لها ما لم يثبت خلاف ذلك. ب- تكون لرسائل البريد الإلكتروني قوة السندات العادية في الإثبات دون اقترانها بالشهادة إذا تحققت فيها الشروط التي يقتضيها قانون المعاملات الإلكترونية النافذ. ج- يجوز الاتفاق على أن تكون البيانات المنقولة أو المحفوظة باستخدام التقنيات الحديثة من خلال رقم سري متفق عليه بين الطرفين حجة على كل منهما لإثبات المعاملات التي تمت بمقتضى تلك البيانات. د- تكون لمخرجات الحاسوب المصدقة أو الموقعة قوة الإسناد العادية في الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه أنه لم يستخرجها أو لم يصدقها أو يوقعها أو لم يكلف أحد بذلك).
كما قرر المشرع أيضاً حجية في الإثبات للسجل الإلكتروني الذي يرتبط بتوقيع إلكتروني محمي، وجعلها في نفس مرتبة الحجية التي يقررها القانون للسند العادي في الإثبات، وذلك بموجب نص المادة (17) من قانون المعاملات الإلكترونية، والسجل الإلكتروني – باعتباره رسالة المعلومات التي تتضمن سند الشحن الإلكتروني – متى ارتبط بالتوقيع الإلكتروني الذي تتوافر فيه شروط الحماية القانونية التي سبق وأن أوضحناها في البند السابق، وكان مضمون الرسالة هو سند شحن بحري، عندئذ يصبح لدينا سند شحن إلكتروني بحري يتمتع بحجية السند العادي في الإثبات.
وبداية وحتى نوضح حجية سند الشحن الإلكتروني في الإثبات يلزم أن نوضح المقصود بحجية السند العادي في الإثبات، باعتبارها الحجية التي يتمتع بها سند الشحن الإلكتروني، وبالرجوع إلى قانون البينات الأردني سيتبين لنا أن المشرع عرف السند العادي بنص المادة (10) منه على أنه السند الذي يتضمن توقيع أو خاتم أو بصمة إصبع من قام بإصداره ولا يتمتع بالصفة الرسمية كسند رسمي، أي أن هناك أسناد إلكترونية يمكن أن تتمتع بالصفة الرسمية ولكن يلزم لذلك الاعتراف لها بالصفة الرسمية من قبل موظف تكون وظيفته الأساسية هي منح الصفة الرسمية لتلك الأسناد، وباعتبار أن المشرع لم ينظم سند الشحن الرسمي البحري بتنظيم قانوني خاص به، فبالتالي لن نتعرض لحجية سند الشحن البحري الإلكتروني الرسمي لكونه لا يزال غير موجود على أرض الواقع، وبالتالي فالسند الإلكتروني العادي هو السند الإلكتروني المذيل بتوقيع إلكتروني يتمتع بالحماية القانونية.
وبالتالي فإن حجية سند الشحن الإلكتروني العادي تستمد وجودها من ارتباط المحرر بتوقيع إلكتروني محمي، فيمنح هذا التوقيع للسند الإلكتروني حجيته في الإثبات، والدليل على ذلك أن القانون جعل قوة السجل الإلكتروني في الإثبات متدرجة في قوتها ونطاقها بحسب قوة حماية التوقيع الإلكتروني، فجعل السجل الإلكتروني الموقع بتوقيع إلكتروني موثق حجية يحتج بها بين طرفيه والغير، بينما خفض من قوتها ليجعلها حجية بين طرفيه فقط في حال أن يكون التوقيع الإلكتروني عليها توقيعهاً محمياً فقط، وجعلها حجية بين طرفيه فقط ويمكن إثبات ما يخالفها متى كان التوقيع على السجل الإلكتروني هو توقيع إلكتروني غير موثق أو محمي، وذلك على النحو الذي فصلته المادة (17/أ، ب، ج) من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني.
وهو ما يمكننا معه أن نستخلص حقيقة هامة وهي أن الحجية المطلقة لسند الشحن البحري الإلكتروني تتوافر له متى كان مرتبطاً بتوقيع إلكتروني موثق، وتكون الحجية نسبية – بين طرفيه – متى كان موقع بتوقيع إلكتروني محمي، وتكون حجيته في أدنى صورها متى كان مرتبطاً بتوقيع إلكتروني غير موثق أو محمي.
مع ملاحظة أنه في حالة استلزام القانون لتقديم أصل السند الإلكتروني ليمكن التمسك بقوته وحجيته في الإثبات، فإن ما يقوم مقام الأصل هنا هو السجل الإلكتروني الذي تتوافر فيه الشروط التالية:
- أن يكون محفوظاً بالصورة التي تم إنشاؤه أو إرساله أو سلمه عليها، وبطريقة تضمن عدم حدوث أي تعديل أو تغيير في محتواه.
- أن يكون محفوظاً بطريقة تتيح الوصول إلى ما يرد به من معلومات، واستخدامها، والقدرة على الرجوع إليها عند الحاجة.
- أن يكون هناك قدرة للتعرف على من قام بإنشاء السجل والمرسل إليه وتاريخ ووقت إنشائه أو إرساله أو تسلمه.
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة استئناف عمان/3 رقم 3066 لسنة 2021 حقوق، والصادر بجلسة 29/4/2021 والمتضمن أن (وعن السبب الرابع من أسباب الاستئناف والمتضمن تخطئة القرار المستأنف لكونه استند للمسلسل رقم 8 من بيانات المستأنف ضدها وهو الإيميل (البريد الإلكتروني) لكونه لم يبرز من خلال من أرسله فإن هذا السبب غير صحيح، إذ أن المادة 13/3 من قانون البينات قد اشترطت كي تكون رسالة البريد الإلكتروني حجه في الإثبات أن تقترن بشهادة من أرسلها أو شهادة من وصلت إليه، وحيث أن الجهة المستأنف ضدها والتي استلمت الرسالة الإلكترونية وأكدت استلامها من قبل الموظف لديها، كما أن المستأنفة لم تنكر صدور تلك الرسالة عنها فإنها حجه عليها ويكون هذا السبب غير قائم على أساس قانوني و تقرر المحكمة رده).
2- حكم محكمة بداية حقوق عمان رقم 6706 لسنة 2021 حقوق، والصادر بجلسة 28/9/2021 والمتضمن أن (وبالرجوع لأحكام المواد (2) و(4) و(7) من قانون المعاملات الإلكترونية فإن المشرع أضفى على السجل الإلكتروني حجية الوثائق والمستندات الخطية في الإثبات خروجاً عن حكم القاعدة العامة التي لا تجيز للشخص أن ينشئ دليلاً لنفسه وذلك لاعتبارات أملتها الثقة والسرعة التي تتصف بها الأعمال التجارية، وحيث أن القيد الذي يتم تخزينه بوسائل إلكترونية يعتبر سجلاً إلكترونياً بالمعنى المقصود في المادة (2) من قانون المعاملات الإلكترونية وأن لمخرجات الحاسوب قوة الإسناد العادية في الإثبات وفقاً لأحكام المادة (13/ج) من قانون البينات وأن كشف الحساب موضوع الدعوى المسلسل رقم (1) من بينات المدعية ينطبق عليه هذا الوصف ويعتبر قيداً إلكترونياً فإنه يتمتع بحجية الإسناد العادية في الإثبات).
سادساً: الخاتمة
بعد أن تعرضنا إلى ما تيسر من أحكام سند الشحن البحري الإلكتروني في إطار التشريعات الأردنية ذات العلاقة، يمكننا القول بأن هناك قصور في التشريعات الأردنية وتحديداً بقانون التجارة البحرية، حيث خلا هذا القانون من تنظيم لسند الشحن البحري الإلكتروني، والذي يلزم وضع تنظيم قانوني يضبط ويحكم قواعده سواء الخاصة بالإنشاء أو بالآثار القانونية المترتبة عليه، لاسيما وأن الطبيعة الخاصة لهذا السند تقتضي وجود تنظيم قانوني خاص به.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – مصطفى كمال طه – القانون البحري الجديد – دار الجامعة الجديدة – مصر – 1995 – ص251.
[2] – عبد العزيز المرسي – مدى حجية المحرر الإلكتروني في الإثبات – بدون دار نشر – مصر – 2005 – ص 10.
[3] – عبد الراضي الكيلاني – التظهير الناقل للملكية – دار النهضة العربية – مصر – 2003 – ص4.
[4] – سوزان علي حسن – سند الشحن الإلكتروني – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2010 – ص 137.
[5] – رحيم أحمد – التراضي في العقود الإلكترونية عبر الإنترنت – دار وائل للنشر – الأردن – 2009 – ص69.
[6] – إخلاص الألوسي – تنازع القوانين في سندات الشحن الإلكترونية – دار الكتب القانونية – مصر – 2015 – ص36.

