الدعوى المدنية في التصادم البحري

الدعوى المدنية في التصادم البحري

مع اتساع النطاق الذي تغطيه التجارة الدولية، ومع التطور الهائل في وسائل النقل المستخدمة في هذه التجارة بأنواعها (البرية والبحرية والجوية)، زادت نسب ومعدلات المخاطر التي تتعرض لها تلك الوسائل أثناء تنفيذ عمليات النقل، وأصبح القائمين على ممارسة الأنشطة التجارية الدولية بكافة أنواعها أكثر عرضة لمخاطر الطريق.

وإذا ما تحدثنا عن مجال التجارة البحرية سنجد أن الوسيلة المستخدمة فيها وهي السفن قد تطورت بشكل كبير، سواء من حيث الحجم أو السرعة أو الحمولة، بجانب الارتفاع الكبير في عدد السفن العاملة في هذا المجال، مما جعل حوادث اصطدام السفن ترتفع سنوياً بشكل ملفت للأنظار، وهو ما ارتأينا معه أن نغطي في مقالنا اليوم مصير الدعوى المدنية الناشئة عن حوادث التصادم البحري، وذلك في ظل قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972.

 

أولاً: المقصود بالتصادم البحري

ثانياً: الأسباب المنشئة للدعوى المدنية بالتعويض عن التصادم البحري

ثالثاً: أحكام الدعوى المدنية للتصادم البحري

رابعاً: الخاتمة

 

أولاً: المقصود بالتصادم البحري  

باعتبار أن التصادم البحري هو أساس ومحور الدعوى المدنية التي نتعرض لأحكامها في هذا المقال، فيلزم علينا أن نوضح في البداية ما هو المقصود بالتصادم البحري، سواء من حيث بيان التعريف به، وبيان مضمونه، والوقوف على الشروط الواجب توافرها فيه.

1- التعريف بالتصادم البحري

تناول الفقه الوطني والدولي التصادم البحري بالتعريف في أكثر من موضع وبأكثر من صيغة، لذلك سنتعرض في القاط التالية إلى أهم وأبرز هذه التعاريف، وأهم ما وجه إليها من انتقادات، ونختتمها ببيان موقف المشرع الأردني من تعريف التصادم البحري.

بداية فقد عرف التصادم البحري بأنه الارتطام أو الاحتكاك الذي يقع بين سفينتين أو بين سفينة وبين أي وحدة عائمة أخرى، ويترتب عليه وقوع أضرار أو خسائر للأطراف المتصادمة أو أحدهم[1]، وقد تم انتقاد هذا التعريف لكونه لم يوضح المكان الذي يقع فيه الاصطدام بمفهومه هذا، حيث كان يلزم إضافة بيان بمكان حصول هذا التصادم وهو البحر.

كما عرف أيضاً بأنه الارتطام المادي الحاصل بين سفينتين أو سفينة ومركب من مراكب الملاحة الداخلية في البحر[2]، وعلى الرغم من تلافي هذا التعريف للانتقاد الموجه للتعريف السابق حيث حدد مكان وقوع الاصطدام، إلا أنه قد تم انتقاده لتضييقه من نطاق مكان وقوع هذا الاصطدام لكونه قد قصر مكان وقوعه على البحر فقط.

وهو ما حدا بالمشرع الدولي إلى وضع تعريف متوازن ومعتدل للتصادم البحري، وذلك في إطار اتفاقية بروكسل التي تم إبرامها في غضون عام 1910 بشأن توحيد بعض أحكام التصادم البحري، حيث عرفته تلك الاتفاقية بأنه التصادم الذي يقفع فيما بين سفينتين أو فيما بين سفينة ومركب ملاحة داخلية أياً كان المكان الذي وقع فيه هذا الاصطدام، وبناء على ذلك التعريف فإن التصادم البحري قد يتحقق حتى في ظل وجود سفينة واحدة، وبغض النظر عن المكان الذي وقع فيه هذا التصادم.

وقد تأثرت غالبية التشريعات والقوانين البحرية العربية بتعريف اتفاقية بروكسل للتصادم البحري، وإن كان المشرع الأردني لم يضع تعريفاً صريحاً للتصادم البحري في قانون التجارة البحرية، إلا أن تأثره بتعريف اتفاقية بروكسل له كان واضحاً فيما نصت عليه المادة (236) من هذا القانون من أن التصادم يقع بين السفن البحرية بعضها ببعض، أو بين السفن البحرية ومراكب الملاحة البحرية الداخلية، وهي ذاتها الأطراف التي قررها تعريف اتفاقية بروكسل للتصادم البحري، كما توسع المشرع وسعاً محموداً في ذات المادة، وذلك عندما ذكر في عجزها أنه لا عبرة للمياه التي حدث فيها حادث التصادم.

مما يمكننا معه أن نضع تعريفاً عاماً جامعاً للتصادم البحري، وذلك باعتباره اصطدام مادي يقع بين سفينتين أو سفينة ومركب ملاحة داخلي أو بين سفينة وأي منشأة عائمة لا تكون بينها وبين السفينة بعلاقة تعاقدية، ودونما النظر إلى المكان الذي تحقق فيه هذا الاصطدام.

كما يجدر بنا ونحن في معرض التعريف بالتصادم البحري أن نوضح حقيقة هامة، وتتمثل تلك الحقيقة الهامة في أن الخلط بين التصادم البحري والحادث الملاحي البحري، حيث أن التصادم البحري ينصب على التصادم الذي يقع بين سفينتين أو سفينة ومركب ملاحة داخلية، بينما الحادث البحري يشمل أي اصطدام يقع في البحر حتى وإن لم يقع بين سفينتين أو سفينة ومركب ملاحي داخلي أو حتى بأي منشأة عائمة أخرى، كما هو الحال في اصطدام سفينة بجسر تعبر من تحته، وبالتالي فإن كل تصادم بحري يعد حادث بحري، بينما ليس كل حادث بحري يعد تصادماً بحرياً، لذا لزم التنويه عن ذلك.

2- الشروط اللازم توافرها في التصادم البحري

كما سبق وأن أوضحنا فإن هناك العديد من حوادث الاصطدام تحدث في البحر، فعلى أي أساس نصنف بعضها على أنه تصادم بحري والآخر بأنه لا يعد تصادماً بحرياً؟ وبمعنى آخر ما هي معايير التفرقة بين الحوادث التي يصدق عليها التصادم البحري والحوادث التي تخرج من إطار ذلك الوصف؟

من خلال التعريف الذي أوضحناه سلفاً للتصادم البحري يمكننا القول بأن حادث الاصطدام الذي ينطبق عليه وصف التصادم البحري يلزم أن تتوافر فيه بعض الشروط حتى يحصل على ذلك الوصف، وسوف نتعرض لكل من هذه الشروط بشكل مستقل فيما يلي.

أ- وقوع اصطدام

أول شروط التصادم البحري أن يكون هناك حادث اصطدام فعلي بين جسمين ماديين، وهناك من نص في هذا الشرط على أن يكون هناك اصطدام بين منشأتين عائمتين، وهو شرط منطقي ولا يتصور قيام التصادم البحري بدونه، لاسيما وأن الأساس هنا هو الاصطدام باعتباره الواقعة المنشئة للحادث والتي يترتب عليها آثاره.

ويخرج عن مسمى التصادم ما قد يقع من احتكاكات طفيفة بين السفن والتي لا ترقى في جسامتها لتعد تصادماً، كما أن ما ينشأ من أضرار عن دخول السفن في دوامات مائية لا يعد ناشئاً عن تصادم بحري، ولكنه يدخل في عداد الحوادث البحرية.

ب- أن يكون الاصطدام مادياً

يشترط لكي يكون التصادم هو تصادم بحري أن يكون الاصطدام الذي حدث بين السفينتين أو السفينة ومركب الملاحة الداخلي هو اصطدام مادي، ويقصد بالاصطدام المادي هنا الاصطدام المادي بمفهومه الواسع، والذي لا يقتصر الاصطدام المباشر ولكن يشمل أيضاً الاصطدام غير المباشر، والاصطدام المادي المباشر هو الارتطام بين طرفي التصادم مباشرة، وينتج عن ذلك ضرراً بإحداهما، بينما الاصطدام المادي غير المباشر كما هو الحال في أن تعبر سفينة مسرعة سفينة أخرى شديدة القرب منها، فتجتازها محدثة تلاطم شديد في الأمواج والذي يترتب عليه ضرراً بالسفينة الأخرى، أو أن تصطدم سفينة بأخرى فتصطدم تلك الأخرى بسفينة ثالثة محدثة بها الضرر، فتكون المسؤولية على عاتق السفينة التي قامت بالاصطدام الأول لكونه اصطدام غير مباشر.

ج- أن يكون أحد طرفي التصادم على الأقل هو سفينة

يقصد بالسفينة طبقاً لتعريف المشرع الأردني بالمادة رقم (3) من قانون التجارة البحرية الأردني كل مركب صالح للملاحة البحرية بغض النظر عن حمولته أو تسميته، وسواء كانت تلك الملاحة بهدف الربح أو ليست بهذا الهدف.

ووفقاً لنص المادة (236) من ذات القانون فإن المشرع قد قرر أن التصادم يحدث بين السفن البحرية أو بين السفن البحرية ومراكب الملاحة الداخلية، فعلى الأقل يكون في التصادم البحري سفينة، وبالتالي يستبعد من نطاق التصادم البحري الاصطدام الذي يقع بين مركبين ملاحيين.

وبالتالي فإن المناط هنا يكون بتوافر وصف السفينة للمنشأة البحرية، وذلك بغض النظر للنشاط الذي يتم تخصيصها من أجل ممارسته، سواء كان للتجارة أو الصيد أو حتى للتنزه[3].

ثانياً: الأسباب المنشئة للدعوى المدنية بالتعويض عن التصادم البحري

عندما نظم المشرع الأردني الأسباب التي تؤدي إلى وقوع التصادم البحري، فقد حدد في هذا الشأن بعض الأسباب التي قرر لكل منها الأحكام القانونية التي تنظمه، وهذه الأسباب هي التصادم بسبب خطأ إحدى السفينتين، والتصادم بسبب خطأ مشترك، والتصادم بسبب القوة القاهرة.

1- التصادم بسبب خطأ إحدى السفينتين

تتمثل أولى أسباب تحقق التصادم البحري في وقوع خطأ من إحدى السفينتين المتصادمتين، والخطأ المنسوب إلى السفينة هنا يعزى في حقيقة الأمر لمن ارتكب الخطأ، سواء كان ربان السفينة، أو أحد الضباط العاملين على السفينة، أو حتى مجهز السفينة متى كان قد قام بتقديم سفينة لا تصلح للملاحة البحرية، وفي كافة تلك الأحوال يتم إسناد المسؤولية لمن قام بهذا الخطأ الذي تسبب في وقوع التصادم البحري.

وفي حالة وقوع التصادم البحري نتيجة وقوع خطأ من إحدى السفينتين، فإن الدعوى المدنية بالتعويض تقام عندئذ من السفينة المضرورة على السفينة التي ارتكبت الخطأ المسبب للتصادم، ممثلة في شخص من ارتكب هذا الضرر، فيكون المدعى عليه في الدعوى المدنية بالتعويض هو الربان أو ضابط السفينة أو سائقها أو مجهزها أو أي من العاملين عليها كان قد تسبب بخطئه في وقوع التصادم وحدوث الضرر.

وقد تناول المشرع الأردني ذلك في سياق المادة رقم (238) من قانون التجارة البحرية، والتي نص فيها على أن (إذا كان التصادم مسبب عن خطا احدى السفن فيتوجب التعويض من الاضرار على المسؤول عن هذا التصادم).

2- التصادم بسبب الخطأ المشترك

يتمثل ثاني الأسباب التي يمكن على أساسها إقامة دعوى التعويض عن وقوع التصادم البحري هو أن يكون التصادم قد حدث بسبب خطأ مشترك، ويقصد بالخطأ المشترك أن تكون كلتا السفينتين المتصادمتين قد شاركتا في الخطأ الذي تسبب في الضرر، كما هو الحال في حدوث خطأ من ربان سفينة في خط سيره، فاصطدم نتيجة لذلك بسفينة أخرى أخطأ ربانها أيضاً في خط سيره، فيكون الخطأ المشترك لهما هو السبب في وقوع التصادم البحري وحدوث الأضرار.

وفي حالة أن يكون الخطأ مشتركاً بين السفينتين، فإن الدعوى المدنية بالتعويض مدنية بالتعويض تقام من إحداهما على الأخرى، وتكون كل سفينة ممثل – حال كونها مدعى عليها – في شخص المتسبب بخطئه في وقوع التصادم، وقد حدد المشرع الأردني في نص المادة رقم (239) عدة حالات للخطأ المشترك، والتي يلزم على القاضي الذي تعرض عليه دعوى التعويض عن الخسائر المشتركة أن يتقيد بها، وكان تحديده لها على النحو التالي:

  • في حالة الخطأ المشترك بين سفينتين أو أكثر، ووجد القاضي إمكانية لتحديد نسبة مشاركة خطأ كل سفينة منها في إحداث الضرر، فيكون القضاء عندئذ بتحميل كل سفينة بالتعويض الذي يوازي نسبة جسامة الخطأ الذي تم ارتكابه من قبلها.
  • في حالة عدم وجود إمكانية لتحديد مدى جسامة مشاركة كل سفينة في الخطأ المشترك الذي ترتب عليه حادث التصادم البحري، وكان الشكل الغالب هو تساوي نسبة مشاركة كل سفينة في الخطأ المشترك مع باقي السفن الأخرى، فيكون الحكم بتوزيع قيمة التعويض على السفن المشاركة في ارتكاب حادث التصادم البحري بنسب متساوية، بحيث يكون نصيب كل منها مساوي لنصيب كل سفينة مشاركة أخرى، وذلك متى تعذر تحديد نسبة مشاركة كل منها بسبب الظروف المحيطة بالحادث.
  • إذا كان التصادم البحري قد تسبب في أضرار أصابت الركاب، أو البضائع، أو الأمتعة، أو أي حمولة على السفن المتصادمة، فتكون السفين التي ثبت في حقها الخطأ عن التصادم متحملة لتعويض تلك الأضرار وعلى ذات الأسس السابقة، فتتحمل كل سفينة من التعويض ما يعادل نسبتها في المشاركة في الخطأ، أو بنسب متساوية متى تعذر تحديد مشاركة كل منها في الخطأ.

3- التصادم بسبب القوة القاهرة أو الشك في سبب التصادم

يتخذ سبب التصادم البحري في هذه الحالة أحد صورتين، وإن كانا يتحدا في حكمهما إلا أنهما يختلفان من حيث الشكل، وهذين السببين هما القوة القاهرة والسبب المشكوك فيه.

أ- أن يقع التصادم بسبب قوة قاهرة

يقصد بالقوة القاهرة الواقعة التي تجعل من تحقيق النتيجة أمراً مستحيلاً، وذلك بسبب واقعة محددة غالباً ما تكون الطبيعة هي المسببة لها، فتكون مفاجئة بحيث لا يمكن توقع حدوثها أو تجنب وقوعها، وهي في ذلك تختلف عن الظروف الطارئة في أن الأخيرة تجعل تحقيق النتيجة أمراً مرهقاً، بينما القوة القاهرة يصبح تحقيق النتيجة فيها ضرباً من ضروب المستحيل[4].

وبالتالي يلزم أن تتوافر في القوة القاهرة شرطين رئيسيين، وهما أن تكون مستحيلة التوقيع ومستحيلة الدفع أو التجنب، وذلك كما هو الحال في وجود ضباب أو شبورة كثيفة غير متوقعة تتسبب في اصطدام سفينتين، في حين أن تلك الشبورة أو الضباب الكثيف لا يعد من قبيل القوة القاهرة متى كان متوقعاً أو يمكن تجنبه، كما لو كانت منطقة الحادث التي تبحر بها السفن هي منطقة متعارف على أنها منطقة ضباب كثيف.

ب- أن يقع التصادم بسبب مشكوك فيه

يقصد بالتصادم البحري بسبب مشكوك فيه هو أن يكون حادث التصادم البحري قد وقع بالفعل، ولكن تحوم الكثير من الشكوك حول كنه الأسباب التي تحقق معها هذا الحادث، كما هو الحال في أن يتم الاشتباه في عدة أسباب يمكن أن يكون أياً منها هو سبب وقوع التصادم، أو أن تكون شهادة طاقم السفينة بشأن الحادث متضمنة لأقوال متضاربة، أو أن تعجز المعاينة عن إثبات سبب التصادم، أو غيرها من الحالات التي يتعذر تحديد سبب وقوع التصادم البحري.

ج- أحكام التعويض عن التصادم البحري في هاتين الحالتين

ساوى القانون بين التصادم البحري الحاصل بسبب قوة قاهرة أو بسبب مشكوك فيه، واعتبر أن كل سفينة أصيبت بضرر من جراء التصادم البحري تتحمل ما أصابها من ضرر، فلا مجال لمطالبة أي سفينة لسفينة أخرى بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن التصادم البحري.

وبالتالي متى أقامت إحدى السفن دعواها المدنية لمطالبة سفينة أخرى بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها نتيجة تصادم بحري، وكان التصادم قد حدث نتيجة قوة قاهرة، أو لم يتمكن القاضي من التيقن من سبب حدوث التصادم، فيجب عليه عندئذ القضاء برفض الدعوى لانتفاء سببها، حيث تلتزم كل سفينة في هذا الحادث بما أصابها هي فقط من ضرر، ويرجع ذلك إلى عدم إمكانية تحديد مرتكب الخطأ لتحميله بالتعويض.

ثالثاً: أحكام الدعوى المدنية للتصادم البحري

سوف نتناول في هذا الجزء من المقال الأحكام التي تخضع لها الدعوى المدنية التي تقام عن التصادم البحري، لاسيما وأن طبيعتها الخاصة جعلت المشرع يخصها بأحكام خاصة تميزها عن الدعوى المدنية العادية، موضحين في سياق ذلك المقصود بالدعوى المدنية في هذا المقام، وماهية شروطها، والمهلة الزمنية التي منحها القانون لإقامة هذه الدعوى، والمحكمة التي تختص بنظر هذه الدعوى.

1- المقصود بالدعوى المدنية في التصادم البحري

مصطلح “الدعوى المدنية” في إطار الحديث عن التصادم البحري يقصد بها الدعوى التي تقام من المضرور على المتسبب في الضرر، وذلك ليطالبه بموجبها بالتعويضات اللازمة لجبر الضرر الذي أصاب سفينته أو حمولتها أياً كان نوعها، فالدعوى المدنية هناك لم يتم فصلها عن تنظيم القانون المدني للدعوى المدنية إلا لكونها تخضع لبعض الأحكام الخاصة التي تفرضها طبيعة مجال العمل البحري، والظروف الخاصة التي تحيط بحوادث التصادم البحري، والتي يصعب للقواعد المدنية التي تخضع لها الدعوى المدنية العادية أن تضبطها بالشكل المناسب.

2- شروط الدعوى المدنية في التصادم البحري

تتطلب الدعوى المدنية المقامة بالتعويض عن حوادث التصادم البحري مجموعتين من الشروط، المجموعة الأولى هي الشروط العامة، والمجموعة الثانية هي الشروط الخاصة.

  • أما الشروط العامة فيقصد بها الشروط التي يستلزم القانون توافرها في كافة الدعاوى التي تقام أمام القضاء بسائر أنواعها، وهذه الشروط هي:
  • أن يتمتع من يقيم الدعوى بالأهلية القانونية التي تتيح له أن يكون طرفاً في خصومة أمام القضاء، فيكون لدى مالك السفينة أو مجهزها ومستأجرها والمضرور الأهلية الي يتطلبها القانون لمباشرة حقوقه القضائية، فيكون قد بلغ سن الثامنة عشر، وليس محجوراً عليه لأي سبب من الأسباب، فإن لم يكن فإن من ينوب عنه قانوناً هو من يمثله في الدعوى، ومتى كان أحد الخصوم في الدعوى هو شخص اعتباري – شركة أو مؤسسة أو هيئة – فإن ممثلها القانوني هو من يمثلها في الدعوى مدعياً أو مدعى عليه.
  • أن يكون رافع الدعوى ذو صفة ومصلحة في إقامتها، فيلزم أن يقيم الدعوى هو المضرور بنفسه أو عن طريق من ينوب عنه، كما يلزم أن يكون هناك ضرراً قد أصابه لتكون له مصلحة في إقامة الدعوى.
  • في حين تتمثل الشروط الخاصة بالدعوى في الشروط المتعلقة بطبيعة الدعوى ذاتها، وهي التي سبق وأن تعرضنا لها في هذا المقال، وتتمثل في حدوث تصادم فعلي ومادي، وأن يكون أحد طرفي التصادم على الأقل هو سفينة، ونحيل في شأن هذه الشوط إلى ما جاء سلفاً بهذا المقال[5].

3- سقوط الدعوى المدنية الخاصة بالتصادم البحري بمرور الزمن

منح المشرع الأردني للمضرور باعتباره صاحب الحق القانوني في إقامة الدعوى المدنية بالتعويض عن حادث التصادم البحري مهلة قانونية محددة، وألزمه بأن يقيم دعواه خلال تلك المدة والتي حددها بسنتين يبدأ احتسابهما من تاريخ وقوع حادث التصادم.

وقد أورد المشرع هذه المهلة بنص المادة (247) من قانون التجارة البحرية، والتي نصت على أنه (يسقط بحكم مرور الزمن حق كل دعاوى التعويض من الأضرار الناجمة عن التصادم بانقضاء مهلة سنتين بعد الحادث ….).

فإذا ما أقام المضرور دعواه بعد تلك المدة فإن القاضي المعروض عليه الدعوى يقضي فيها بعدم سماعها لسقوط الحق في إقامتها بمرور الزمن، حيث يلزم على المضرور إقامتها قبل مرور اليوم الأخير من هاتين السنتين.

4- المحكمة صاحبة الاختصاص بنظر الدعوى المدنية للتصادم البحري

قرر المشرع في نص المادة (246) من قانون التجارة البحرية الأردني على أن (إذا وقع تصادم فللمدعي الخيار في أن يقيم الدعوى أمام محكمة المدعى عليه أو أمام محكمة مربط السفينة الصادمة، إن المحكمة التابع لها ميناء العقبة عندما تدخله احدى السفينتين بعد تصادمهما تكون صالحة للقيام بكل تحقيق او كشف فني، تعود الصلاحية في المياه الاقليمية الاردنية الى المحكمة البدائية التابع لها الميناء).

وهو ما يعني أن المشرع الأردني قد منح الخيار للمضرور في أن يختار بين محكمتين يمكن أن يقيم دعواه المدنية الخاصة بالتصادم البحري أمام أياً منهما، حيث يكون للمضرور الحق في أن يرفع دعواه إما أمام محكمة المدعى عليه، ويقصد بها المحكمة التي يتبعها موطن المدعى عليه، وإما أن يرفعها أمام محكمة مربط السفينة الصادمة، والمقصود بها المحكمة التي يتبعها الميناء المسجل به السفينة التي أحدثت الأضرار، وقد حاول المشرع بذلك منح المضرور الفرصة لاختيار المحكمة الأقرب له والأكثر يسراً عليه في الوصول إليها.

رابعاً: الخاتمة

نظم المشرع الأردني – وبحق – التصادم البحري وكافة ما يخضع له من أحكام بصورة تتسم بالدقة البالغة، بحيث لم يترك أي تساؤل يمكن أن يثور حول هذا الموضوع إلا ووضع له القاعدة التي يمكن أن يتم استخلاص إجابته من خلالها، وإن كنا نرى من وجهة نظرنا الشخصية المتواضعة أن هذا التنظيم سيصبح مكتملاً بشكل أكبر متى تم وضع تعريف للتصادم البحري، لاسيما وأن هناك تشريعات عربية قد وضعت تعريفاً صريحاً للتصادم البحري، وهو أمر أثبت فائدته على أرض الواقع العملي، لاسيما وأنه ييسر الأمور على القاضي المعروض عليه الدعوى المدنية عن حادث التصادم، فيمكنه بسهولة أن يعرف حقيقة النزاع المعروض وتكييفه القانوني الصحيح.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – عبد الحميد الشواربي – قانون التجارة البحرية – منشأة المعارف – مصر – 2003 – ص 549.

[2] – عبد الرحمن يعقوب – التصادم البحري – منشأة المعارف – مصر – 2006 – ص33.

[3] – مصطفى كمال طه – القانون البحري – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 2000 – ص405.

[4] – يعقوب الحمادي – التصادم البحري – ط1 – منشأة المعارف – مصر – 2012 – ص90.

[5] – يراجع البند أولاً من هذا المقال – الفقرة رقم (2) – بعنوان “الشروط اللازم توافرها في التصادم البحري”.

Scroll to Top