أوجه الرقابة الدستورية

أوجه الرقابة الدستورية

يُعد الدستور هو الوثيقة ذات السمو التي ينبغي على كافة السلطات في الدولة أن تلتزم بأحكامه وتبتعد عن كل ما يخالف قواعده، فالدستور هو مصدر الشرعية القانونية في الدولة، وهذا الالتزام يقع بوجه خاص على عاتق المشرع الذي يتعين عليه أن يضع نصوص الدستور نصب عينيه أثناء سنه للتشريعات الجديدة.

فالتشريع إن خالف الدستور سيوصم بعدم الدستورية، وهنا يتجلى دور الرقابة على دستورية القوانين التي يمكن أن تمارس بواسطة جهة سياسية أو جهة قضائية، فضلاً عن أن تلك الرقابة قد تمارس في صورة رقابة سابقة أو رقابة لاحقة.

أولاً: مبدأ سمو الدستور:

ثانياً: الرقابة السياسية:

1- تشكيل الهيئة السياسية التي تتولى الرقابة الدستورية:

2- كيفية تحديد طبيعة الهيئة التي تتولى الرقابة الدستورية:

أ- من خلال طريقة التعيين:

ب- من خلال نوع الرقابة:

ج- موقف المحكمة الدستورية العليا المصرية:

3- المجلس الدستوري الفرنسي كأحد الهيئات السياسية:

ثالثا: الرقابة القضائية المتخصصة:

رابعاً: الرقابة القضائية غير المتخصصة:

خامساً: أنواع الرقابة الدستورية:

1- الرقابة السابقة:

2- الرقابة اللاحقة:

أ- الدفع الفرعي:

ب- الدعوى الأصلية:

ج- الإحالة:

د- التصدي:

أولاً: مبدأ سمو الدستور:

قبل التطرق إلى الحديث عن أوجه الرقابة الدستورية لا بد من إبراز معنى مبدأ سمو الدستور الذي يعد الأساس القانوني لممارسة الرقابة على دستورية القوانين، فمعنى مبدأ سمو الدستور أن النصوص الدستورية تعلو على جميع القواعد القانونية في الدولة سواء كانت صادرة عن البرلمان أو تلك التي تصدر عن السلطة التنفيذية في صورة لوائح.

فتأتي الرقابة الدستورية لتكفل احترام القواعد الدستورية وتقرر جزاءً رادعاً لكل قاعدة تنطوي على مخالفة الدستور والذي يتمثل في الحكم بعدم دستورية تلك القاعدة لتصبح هي والعدم سواء.

ومبدأ السمو الدستوري يتحقق من جانبين:

  • السمو الموضوعي : والذي يجد أساسه في القواعد والأحكام التي يتضمنها الدستور والتي تتصل بمقومات الدولة الأساسية، فتلك القواعد الدستورية هي التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم القائم بها، فضلاً عن أنها تبين الحقوق والحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الأفراد.
  • السمو الشكلي : والذي يتبدى في الإجراءات التي تتبع في وضع الدستور وتعديله، حيث إن الدستور يوضع من خلال سلطة تأسيسية والتي تنشأ خصيصاً من أجل مهمة وضع الدستور، فضلاً عن أن إجراءات تعديل الدستور تكون بصورة أكثر تعقيداً من تلك التي تتبع في تعديل التشريعات العادية التي تصدر عن البرلمان.

ومن ثم يمكن القول بأن السمو الموضوعي يوجد في كافة بلدان العالم سواء تلك التي يوجد بها دساتير سواء كانت مكتوبة أم عرفية، وكذلك بغض النظر عن كون تلك الدساتير جامدة أو مرنة.

أما السمو الشكلي للدستور فلا يوجد إلا في الدول التي تمتلك دساتير مكتوبة جامدة، وهو ما يقصد به ذلك الدستور الذي لا يمكن تعديله إلا بإجراءات خاصة تختلف عن تلك التي تتبع في شأن تعديل القوانين العادية[1]، كما هو شأن الدستور المصري والأردني.

ويترتب على ذلك أنه لكي يتم الحفاظ على السمو الشكلي للدستور كان من المتحتم أن تكون هناك رقابة على احترام قواعد الدستور من قبل السلطات في الدولة وهي ما يطلق عليها بالرقابة الدستورية.

ثانياً: الرقابة السياسية:

تُعد الرقابة السياسية المصطلح المقابل للرقابة القضائية، وعادة ما يتولى إعمال تلك الرقابة جهة سياسية يعهد إليها بكفالة احترام أحكام الدستور، ومن ثم فيمكن تعريف الرقابة السياسية بأنها “الرقابة التي تباشرها هيئة سياسية أنيط بها كفالة احترام أحكام الدستور بمقتضى نص في الدستور ذاته، وتنبع الصفة السياسية للرقابة في هذه الحالة من طبيعة الهيئة التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين وكذلك من الإجراءات التي تتبع أمام تلك الهيئة”.

1- تشكيل الهيئة السياسية التي تتولى الرقابة الدستورية:

بداية يجب ألا تنتمي تلك الهيئة إلى الجهات القضائية ولا يمكن أن يطلق عليها وصف محكمة، ويتولى الدستور بيان تشكيل تلك الهيئة والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضائها.

ولما كانت تلك الهيئة توصف بأنها هيئة سياسية فكان من الطبيعي أن تشكل من رجال سياسة أو شخصيات عامة تُعرف بالنزاهة والحياد أو من رجال قانون أو قضاء، ومن ثم فلا يلزم أن تشكل تلك الهيئة من رجال قضاء وذلك بخلاف الجهات القضائية التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين التي يغلب العنصر القضائي في تشكيلها.

2- كيفية تحديد طبيعة الهيئة التي تتولى الرقابة الدستورية:

لا تثور ثمة مشكلة عندما ينص الدستور على طبيعة الهيئة التي تباشر الرقابة الدستورية، ولكن يجب أن ننوه إلى أنه من النادر أن ينص الدستور على أن هيئة سياسية هي التي تتولى إعمال الرقابة الدستورية وذلك بخلاف ما هو عليه الأمر عندما تكون الرقابة بواسطة هيئة قضائية، حيث أن الدستور هو الذي ينص على وجود هيئة قضائية تتولى مباشرة الرقابة الدستورية، كما هو الحال في شأن الدستور المصري الصادر عام 1971 الذي أنشأ المحكمة الدستورية العليا، وكذلك الدستور الأردني المعدل عام 2011 والذي أنشأ المحكمة الدستورية الأردنية بموجب ما طرأ عليه من تعديلات حيث نصت المادة (58) من هذا الدستور على أن (تنشأ بقانون محكمة دستورية يكون مقرها في العاصمة وتعتبر هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها, وتؤلف من تسعة أعضاء على الأقل من بينهم الرئيس يعينهم الملك).

أ- من خلال طريقة التعيين:

ففي الحالات التي لا ينص فيها الدستور على طبيعة الجهة التي تباشر الرقابة على دستورية القوانين يمكن أن تحدد طبيعتها من خلال النظر في كيفية تعيين أعضائها، فإن كان يتم تعيين أعضائها من قبل الجهات السياسية فإنه يغلب عليها أن تكون هيئة سياسية، وذلك كأن ينفرد رئيس الدولة بتعيين أعضائها أو يكون تعيين الأعضاء باشتراك رئيس الدولة مع البرلمان.

إلا أن هذا الرأي لم يسلم من النقد، ذلك أن العديد من الأنظمة الدستورية التي اختارت إنشاء قضاء دستوري متخصص تتولاه جهة قضائية، عادة ما تمنح السلطة التنفيذية سلطة تعيين أعضاء جهة القضاء الدستوري، أو يكون المختص بتعيين أعضاء تلك الجهة القضائية البرلمان مشركاً مع السلطة التنفيذية، ورغم ذلك لا يمكن إنكار أن تلك الهيئة تُعد هيئة قضائية.

وأجدر مثال على ذلك المحكمة الدستورية الأردنية التي يعين أعضائهما من قبل الملك ومع ذلك لا يمكن إنكار وصف الجهة القضائية عليها، حيث قد نصت المادة (5) من قانون المحكمة الدستورية الأردني على أن (يعين الملك الرئيس والأعضاء لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد….).

ب- من خلال نوع الرقابة:

في حين أن بعض الفقهاء يذهبون إلى إمكانية تحديد طبيعة الهيئة من خلال بيان نوع الرقابة التي تمارسها تلك الهيئة، فإن كانت تمارس رقابة سابقة وصفت بأنها هيئة سياسية، أما إن كانت تمارس رقابة لاحقة فيغلب عليها أن تكون هيئة قضائية.

ولكن هذا الرأي محل نظر، ذلك أنه لا يوجد ما يمنع من أن تباشر الهيئة السياسية رقابة لاحقة، في حين تتولى الجهة القضائية الدستورية إعمال رقابة سابقة على القوانين، ويتجلى ذلك في المحكمة الدستورية العليا في مصر، فعلى الرغم من أنها جهة قضائية دستورية إلا أنها كانت تمارس رقابة سابقة على بعض القوانين التي توصف بالقوانين المكملة للدستور وهو ما ظل سائداً حتى دستور 2014 الذي ألغى الرقابة السابقة وأكتفى بالرقابة اللاحقة ، وعلى الجانب العكسي يمارس المجلس الدستوري الفرنسي الرقابة اللاحقة في بعض الحالات على الرغم من أنه يُعد النموذج الأمثل للهيئات السياسية التي تتولى إعمال الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا، حيث أدخلت الرقابة اللاحقة على المجلس الدستوري عام 2008.

ج- موقف المحكمة الدستورية العليا في مصر:

وفقا لما قضت به المحكمة الدستورية العليا في حكمها رقم (10) لسنة 26 الصادر بجلسة 9 إبريل سنة 2006م والتي قضت فيه بأن (وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل في نزاع معين يفترض أن يكون اختصاص هذه الجهة محدداً بقانون، وأن يغلب على تشكيلها العنصر القضائي ، الذى يلزم أن تتوافر في أعضائه ضمانات الكفاية والحيدة والاستقلال، وأن تكون لها ولاية الفصل في خصومة بقرارات حاسمة، ودون إخلال بالضمانات القضائية الرئيسية التي لا يجوز النزول عنها ، والتي تقوم في جوهرها على إتاحة الفرص المتكافئة   لتحقيق دفاع أطرافها وتمحيص ادعاءاتهم على ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفاً، ليكون القرار الصادر في النزاع مؤكداً للحقيقة القانونية مبلوراً لمضمونها في مجال الحقوق المدعى بها أو المتنازع عليها).

ومن ثم يتجلى لنا من الحكم السابق أنه حتى يتم إسباغ وصف الجهة القضائية على الهيئة التي أنيط بها الرقابة على دستورية القوانين فلابد من توافر عدة شروط، فإن تخلف أياً من تلك الشروط فإن الهيئة توصف بأنها هيئة سياسية، تلك الشروط هي:

  • أن يغلب على تشكيل الهيئة العنصر القضائي والذي من شأنه أن يوفر للهيئة العديد من الضمانات التي تكفل لها تحقيق فاعلية في الرقابة على دستورية القوانين. ويلاحظ أن الشرط المتعلق بغلبة العنصر القضائي لا يعني أبداً أن جميع أعضاء المحكمة يتعين أن يتحلوا قبل انتظامهم في سلك المحكمة بالصفة القضائية، فأغلب الأنظمة الدستورية المقارنة تتيح لغير القضاة الانتظام في سلك المحكمة الدستورية وهو امر شائع في القضاء الدستوري المقارن وليس من شأنه الإخلال بالطبيعة القضائية للرقابة[2].
  • يجب أن تستمد الجهة القضائية الدستورية اختصاصها من نص دستوري أو تشريعي، وعادة ما يكون إسناد الاختصاص إلى الجهة القضائية الدستورية بمقتضى نص في صلب الدستور، كما هو الحال في المحكمة الدستورية الأردنية التي وجدت اختصاصها بمقتضى نص دستوري والمقرر بموجب نص المادة (59) من الدستور الأردني والتي نصت على أن (تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك )، وهو ذات ما انتهجه – أيضاً – المشرع المصري فيما يتعلق بإسناد الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين للمحكمة الدستورية العليا الذي ورد بمقتضى نص دستوري. ولكن يجب أن يلاحظ أن هذا الشرط ليس بالشرط الجوهري الذي يفصل بين الطبيعة السياسية والقضائية للهيئة التي تتولى الرقابة الدستورية، ذلك أن الهيئات السياسية التي تراقب على دستورية القوانين قد تستمد اختصاصها من الدستور ذاته.
  • يجب أن تتمتع المحكمة بسلطة الفصل في المنازعات الدستورية التي تنظرها بقرارات ملزمة تحوز حجية مطلقة تلزم كافة الجهات في الدولة، ومن ثم يجب أولاً أن يكون ما يعرض على المحكمة يوصف بأنه منازعة تتحقق فيها إتاحة الفرصة لإبداء دفاع أطرافها، وثانياً يجب أن يكون حكم المحكمة حكماً ملزماً يتعين تنفيذه من قبل كافة الجهات بالدولة.

فإذا ما توافرت تلك الشروط السابقة فإننا نكون بصدد رقابة دستورية تمارس من خلال جهة قضائية، أما إذا تخلفت تلك الشروط فإننا سنكون بصدد رقابة دستورية تمارس من خلال هيئة سياسية.

3- المجلس الدستوري الفرنسي كأحد الهيئات السياسية:

يُعد المجلس الدستوري الفرنسي المثال الأجدر على نظام الرقابة الدستورية من خلال هيئة سياسية، فالمتأمل في تكوين المجلس الدستوري سيجد أنه يُشكل من طائفتين وهما:

  • أعضاء بقوة القانون والمتمثلين في رؤساء الجمهورية الفرنسية السابقين، حيث يكون لهم الحق في عضوية المجلس الدستوري بعد انتهاء مدة رئاستهم لمدى الحياة.
  • والأعضاء المعينون وهم من يعينون لمدة تسع سنوات على أن يراعى تجديدهم بمقدار الثلث كل ثلاث سنوات ويتولى رئيس الجمهورية تعيين ثلاثة منهم من بينهم رئيس المجلس، في حين يتولى رئيس الجمعية الوطنية تعيين ثلاثة ويكون لرئيس مجلس الشيوخ تعيين ثلاثة أعضاء.

ويمارس المجلس رقابته على دستورية القوانين من خلال آليتين، فمن حيث الأصل تكون رقابة المجلس الدستوري رقابة سابقة، أي أن تعرض عليه القوانين قبل إصدارها ليبت في مدى توافقها مع الدستوري، ولكن في عام 2008 تم إدخال الرقابة الدستورية اللاحقة في فرنسا، ومن ثم فقد يدفع بعدم دستورية قانون أمام إحدى المحاكم فإذا رأت جدية هذا الدفع فإنها تصرح لصاحب الدفع برفع الأمر إلى المجلس الدستوري الذي يبت في مدى دستورية القانون المطعون فيه.

وقبل ختام الحديث عن الرقابة السياسية لابد أن نشير أن ذلك النوع من الرقابة ينطوي على العديد من المساوئ ويُعد من أهما:

  • أعضاء الهيئة السياسية عادة لا يكونوا رجال قانون، وغني عن البيان أن الرقابة على دستورية القوانين هو عمل قانوني بحت لذلك فإن الأجدر على القيام بهذه المهمة هم رجال القانون وليس رجال السياسة.
  • أن أعضاء الهيئة عادة ما يتأثرون بالوضع السياسي القائم في الدولة لذلك لن تتسم أحكامهم في مدى دستورية القوانين بالحيادية.

ثالثا: الرقابة القضائية المتخصصة:

تعني الرقابة القضائية الدستورية المتخصصة أن يُعهد إلى محكمة واحدة باختصاص نظر مدى دستورية القوانين الصادرة عن البرلمان، ويتعين أن تكون هذه المحكمة منفصلة عن جهات القضاء التي توجد بالدولة.

ففي ظل النظام القانوني المصري نجد أن هناك أربع جهات للقضاء وهم جهة القضاء العادي وجهة القضاء الإداري وجهة القضاء العسكري وجهة القضاء الدستوري، حيث إن دستور 1971 قد أسند إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها سلطة الفصل في دستورية القوانين واللوائح، ويكون الحكم الصادر منها حكماً ملزماً لكافة جهات وسلطات الدولة.

وكذلك الأمر في ظل النظام القانوني الأردني عندما عهد دستور 2011 إلى المحكمة الدستورية باختصاص حصري بنظر دستورية القوانين والتي يكون حكمها نهائي لا يقبل الطعن ملزماً لكافة السلطات، وهذا ما تقرر بموجب نص المادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية والتي نصت على أن (تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك، ويكون الحكم الصادرة عنها نهائيا وملزما لجميع السلطات والكافة).

ويشير مصطلح الرقابة المتخصصة إلى فكرة المركزية في الرقابة الدستورية، حيث إنه في ظل المركزية الدستورية تمتنع المحاكم العادية عن التعرض لبحث دستورية القوانين، حيث يكون القول الفصل – فقط – للجهة القضائية الدستورية التي منحها الدستور الاختصاص الحصري بنظر دستورية القوانين.

والواقع أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تتسم بالعديد من الميزات والتي تتمثل في:

  • أن الرقابة القضائية يتولاها رجال قانون وهم يكونون الأقدر على بحث دستورية القوانين، حيث إن تلك المهمة هي مهمة قانونية بحتة تحتاج إلى قدر عالي من الخبرة القانونية.
  • من المسلم به أن رجال القضاء يتمتعون بالحيدة والاستقلال، ومن ثم سيكون من العسير التأثير عليهم من قبل السلطتين التشريعية أو التنفيذية.
  • عادة ما يتبدى العوار الدستوري الذي يعتري القانون عقب إعمال النص وليس قبل إعماله، إذ أن التطبيق العملي هو الذي سيكشف عن هذا العوار، ولما كانت الجهات القضائية تمارس رقابة لاحقة فستكون أقدر على كفالة ضمان عدم مخالفة التشريعات العادية للدستور.

رابعاً: الرقابة القضائية غير المتخصصة:

يعني هذا النوع من الرقابة أنه يكون للمحاكم العادية التحقق من دستورية النصوص القانونية، ويكون لهذه المحاكم الحق في الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور.

وهذه الصورة من الرقابة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة الأمريكية عندما اعترفت المحاكم لنفسها بحق النظر في دستورية القوانين التي تطبقها، ومنحت نفسها حق الامتناع عن تطبيق القانون الذي يكون مخالفاً لأحكام الدستور الأمريكي.

ولم تر المحكمة الاتحادية العليا أي غضاضة في الاعتراف لنفسها وللمحاكم العادية الأخرى بحق رقابة دستورية القوانين التي تطبقها، وعلقت على ذلك قائلة بأن الدستور قد خلا من أي نص يمنح هذا الاختصاص بصورة حصرية لأي جهة، فضلاً عن أنه لما كان الدستور هو الوثيقة العليا في الدولة فيترتب على تعارضه مع أي نص آخر أن يتم طرح النص الآخر الذي يتعارض مع نصوص الدستور.

وتتمثل آلية تلك الرقابة في صورة امتناع المحاكم عن تطبيق القانون المخالف للدستور دون أن يمتد الأمر إلى الحكم بعدم دستوريته أو إلغائه، ومن ثم فامتناع المحكمة عن تطبيق القانون المخالف لا ينال من القوة القانونية لهذا للتشريع، إذ يظل العل به سارياً حيث لا يكون للمحكمة سلطة إلغائه.

ولكن يجب ملاحظة أن القضاء الأمريكي على اعتبار أنه ينتمي إلى النظم الأنجلوسكسونية فإنه يعتنق فكرة السوابق القضائية، الأمر الذي يترتب عليه أن حكم المحكمة الاتحادية العليا سيكون ملزماً لكافة المحاكم الأخرى، وهذا ما سيترتب عليه أن القانون الذي ينطوي على مخالفة للدستور سيبقى معطلاً إذا باركت المحكمة الاتحادية العليا اتجاه المحكمة التي امتنعت عن تطبيقه.

خامساً: أنواع الرقابة الدستورية:

1- الرقابة السابقة:

الرقابة السابقة تعني أنه يجب أن يتم عرض مشروع القانون قبل إصداره على الجهة التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين سواء كانت جهة قضائية أم سياسية، إلا أنه عادة ما يمارس هذا النوع من الرقابة الجهات السياسية.

وهذه الصورة من الرقابة تحول دون إصدار قانون مشوب بعوار دستوري، حيث إن الجهة المنوط بها الرقابة ستتأكد – قبل إصدار القانون والعمل به – من أن مشروع القانون لا ينطوي على ثمة تعارض مع الدستور.

ولكن يجب أن ننوه في هذا المقام أنه على الرغم من أن تلك الصورة من الرقابة تساعد على الحد من إصدار قوانين تخالف الدستور تكون عرضة لزوالها بعد العمل بها فترة من الزمن نظراً لوقوعها تحت مغبة عدم الدستورية، إلا أن العوار الدستوري – عادة – لا يتبدى إلا بعد تطبيق القانون والعمل به، فتطبيق القانون هو الذي يبين الجوانب التي خالف فيها القانون الدستور.

2- الرقابة اللاحقة:

وفي هذه الصورة من الرقابة يتم إصدار القانون والعمل به فإذا ما تبين أن ينطوي على مخالفة دستورية فيتم عرضه على الجهة التي تختص بمراقبة دستورية القوانين، سواء كانت جهة سياسية أو قضائية، إلا أنه عادة ما تكون الرقابة اللاحقة من نصيب الجهات القضائية.

ولكن يجب أن نشير في هذا الصدد إلى أن اتصال المحاكم الدستورية بالدعوى الدستورية يختلف عن اتصال القضاء العادي بالمنازعات العادية.

حيث إن اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى الدستورية قد يكون من خلال الطرق التالية:

أ- الدفع الفرعي:

يسمح هذا الأسلوب للأفراد بتحريك الرقابة الدستورية بطريقة غير مباشرة وعن طريقة سلطة عامة وهي السلطة القضائية، ويكون ذلك بإثارة دفع أمام القضاء بمناسبة دعوى أصلية أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها[3]، ويكون لمحكمة الموضوع في هذه الحالة أن تبحث في مدى جدية هذا الدفع، فإن وجدت أن هذا الدفع جدي فإنها تسمح للأشخاص باللجوء إلى القضاء الدستوري ليتولى نظر مدى دستورية القانون الطعين.

وهذا ما تم تقريره بموجب نص المادة (29/ب) من قانون المحكمة الدستورية العليا المصري رقم 48 لسنة 1979 والتي نصت على أن (إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن).

أما في القانون الأردني فقد نصت المادة (11/ج/أ) من قانون المحكمة الدستورية على أن (مع مراعاة أحكام الفقرة ( د) من هذه المادة، إذا وجدت المحكمة الناظرة للدعوى أن القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى وأن الدفع بعدم الدستورية جدي توقف النظر في الدعوى وتحيل الدفع إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمة، ويكون قرار المحكمة الناظرة للدعوى بعدم الإحالة قابلا للطعن مع موضوع الدعوى).

ومن ثم فإن المشرع الأردني قد منح الحق لمحكمة التمييز في أن تتبين من جدية الدفع المطروح أمام محكمة الموضوع، فإن وجدت أن هذا الدفع جدي وأن القانون يغلب عليه مخالفته للدستور فإنها تحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية التي تتولى النظر في مدى دستورية هذا القانون.

ب- الدعوى الأصلية:

وفي هذه الصورة يكون من حق الأشخاص اللجوء رأساً إلى المحكمة الدستورية العليا لرفع دعوى أمامها بعدم دستورية قانون ما، إلا أن هذا الطريق موصد أمام الأشخاص في القانون المصري حيث لا يجوز لأي شخص في الدولة أن يرفع دعواه مباشرة أمام المحكمة الدستورية العليا في مصر.

أما في القانون الأردني فقد تم إتباع هذا النظام، ولكن تم حصره على جهات محددة على سبيل الحصر، وهو ما يتبدى من نص المادة (9/أ) من قانون المحكمة الدستورية والتي نصت على أن (للجهات التالية على سبيل الحصر حق الطعن مباشرة لدى المحكمة في دستورية القوانين والأنظمة النافذة :

  • مجلس الأعيان .
  • مجلس النواب .
  • مجلس الوزراء.).

ومن ثم فلا يحق للأفراد العاديين في ظل النظام القانوني الأردني اللجوء المباشر إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن على قانون ما لمخالفته للدستور، حيث إن هذا الطريق محجوز فقط لمجلس الأعيان ومجلس النواب ومجلس الوزراء.

ج- الإحالة:

تعني هذه الصورة أنه يكون لمحكمة الموضوع أثناء نظرها للنزاع المعروض عليها إن ترائي لها أن هناك نص يغلب عليه أن مشوب بعدم الدستورية فإنها توقف الفصل في الدعوى وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية التي تتولى بيان مدى دستورية هذا القانون.

ولقد أخذ المشرع المصري بهذا النظام عندما نص عليه بموجب المادة( 29/أ) من قانون المحكمة الدستورية العليا المصري رقم 48 لسنة 1979 والتي نصت أن (إذا تراءى لأحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية).

أما في القانون الأردني فلم ينص المشرع على هذه الصورة لاتصال المحكمة الدستورية بالدعوى، ومن ثم فلا يحق للمحاكم أن تحيل أحد القوانين إلى المحكمة الدستورية طالما لم يتمسك أحد الخصوم بعدم دستورية هذا القانون أمام المحكمة.

د- التصدي:

نظام التصدي يشير إلى أن المحكمة الدستورية يتسنى لها أن تبحث دستورية نص قانوني إذا تراءى لها أن هذا النص مشوب بعوار دستوري وذلك أثناء ممارستها لاختصاصاتها التي خولها لها القانون.

ولقد أخذ المشرع المصري بهذه الصورة لاتصال المحكمة الدستورية العليا بالدعوى الدستورية، وهذا ما يتضح من مطالعة نص المادة (27) من قانون المحكمة الدستورية العليا والتي نصت على أن (يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية).

[1] الأستاذ الدكتور/ إبراهيم عبد العزيز شيحا – القانون الدستوري – 2017 – ص135.

[2] الدكتور/ أيمن فتحي – محاضرات في القضاء الدستوري (الجزء الأول) – الحصري للطباعة – 2019 – ص28،29.

[3] فيصل شطناوي، و سليم حتاملة – الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة أمام المحكمة الدستورية في الأردني – 2013 – ص 624

Scroll to Top