جريمة السرقة البسيطة

جريمة السرقة البسيطة

تُعد جريمة السرقة أحد جرائم الاعتداء على الأموال، والتي تتمثل في اختلاس منقول مادي مملوك للغير بنية تملكه، ومن ثم فتلك الجريمة تنطوي انتهاك لحق الحيازة حيث يتعمد الجاني إخراج المال من حيازة المجني عليه وإدخاله في حيازته[1]، وحتى يكتمل البينان القانوني لتلك الجريمة فلابد أولاً من تحقق العديد من الشروط وتمام أركانها التي نص عليها القانون، وسنتعرف في هذا المقال على المقصود بجريمة السرقة وعلى شروطها وأركانها التي توجب قيام العقوبة على مرتكبها ، وعلى تلك العقوبة التي نص عليها المشرع كجزاء على ارتكاب الجاني لجريمة السرقة، وذلك استناداً لقانون العقوبات الأردني لسنة 1960 وتعديلاته، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات

المقصود بجريمة السرقة البسيطة

محل الاعتداء في جريمة السرقة

ملكية الغير للمال محل السرقة

الركن المادي لجريمة السرقة

الركن المعنوي لجريمة السرقة

عقوبة جريمة السرقة في صورتها البسيطة

المقصود بجريمة السرقة البسيطة

إن جريمة السرقة هي من الجرائم العمدية أي المقصودة والتي يُشترط لقيامها توفّر النية الجرمية لدى الفاعل الذي يأخذ مال غيره، خفية أو عنوة، بمعنى أن تتجه إرادة السارق إلى ارتكاب الفعل الجرمي، مع علمه بعدم مشروعيته، ويقصد بوصف جريمة السرقة بالسرقة البسيطة هو أن جرائم السرقة تقسم إلى قسمين جرائم سرقة بسيطة وجرائم سرقة مشددة، وجرائم السرقة البسيطة هي من جرائم الجنح التي لا ترافقها أي ظروف مشددة للعقوبة، فالسرقة هي في الأصل جنحة. إلاّ أنّ القانون ينصّ على عدد من الظروف، التي إن رافقتها من شأنها أن تجعل منها جناية.

محل الاعتداء في جريمة السرقة

حتى نكون بصدد جريمة سرقة فيجب أن تقع الجريمة على مال مادي منقول، وذلك على النحو التالي:

1- المقصود بالمال

يراد بالمال – في عرف جريمة السرقة – كل شيء يصلح محلاً لحق عيني، وعلى وجه التحديد حق الملكية[2]، ويجب أن يكون هذا المال متقوماً أي خاضع لحماية القانون، فإن كان خارجاً عن حماية القانون – وبالتبعية خارجاً عن دائرة التعامل – فإنه لا يصلح أن يكون محلاً لجريمة السرقة.

وجديراً بالذكر أنه لا يشترط في المال أن يكون ذي قيمة مادية، فيصلح أن يكون محلاً للسرقة كل مال ذات قيمة أدبية أو معنوي كما هو شأن الخطابات البريدية أو الصور الفوتوغرافية والتي تمثل قيمة أدبية لدى أصحابها، فتفاهة الشيء المسروق لا تنال من قيام الجريمة طالما أن الشيء يأخذ وصف المال في نظر القانون.

مع ملاحظة أنه لا يشترط في المال محل السرقة أن تكون حيازته مشروعه، ومن ثم فمن يسرق شيء ويسرق منه فإننا نكون بصدد جريمتين لجانيين، وكذلك تقع جريمة السرقة على من يختلس من غيره سلاح غير مرخص أو مواد أو أشياء يحظر القانون التعامل بها كالمخدرات مثلاً.

هل يصلح الإنسان لأن يكون محلاً لجريمة السرقة؟

الواقع من الأمر أن الإنسان لا يُعد مالاً ويستعصي على أن يكون محلاً لحق عيني سواء أكان حق ملكية أو غيره، ولكن الاعتداء على حرية الإنسان تمثل جريمة قد تكون خطف أو غيرها من الجرائم التي قد تنال من حرية الإنسان.

وهذا الحكم لا يقتصر على الإنسان ككل، وإنما يمتد ليشمل كافة أعضائه، ومن ثم من يستطيع أن يحصل على عضو من أعضاء الإنسان حتى ولو كان ذلك بغرض بيعه فإنه لا يعد مرتكباً لجريمة سرقة، وإن كان يمكن ملاحقته عن جرائم أخرى مثل الإتجار بالبشر.

ولكن إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للإنسان ذاته، فإنه يصلح أن يكون محلاً لجريمة السرقة ما يرتديه الإنسان من أطراف صناعية ذلك أن تلك الأشياء تُعد أموالاً تصلح لأن تكون محلاً لجريمة السرقة.

أما عن جثة الإنسان فهي أيضاً لا تُعد مالاً متقوماً، ومن ثم لا يُعد سارقاً من يختلس جثة إنسان، وإن كان يمكن أن يُلاحق عن جريمة انتهاك حرمة القبور، وعلى عكس ذلك يتصور أن تكون جثة الإنسان محلاً لارتكاب جريمة السرقة وذلك في حال كونها مملوكة لأحد المتاحف أو مراكز الأبحاث العلمية، فإذا قام أحد باختلاس الجثة في تلك الحالة فإنه يُعد مرتكباً لجريمة سرقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحيوان يعتبر من قبيل الأموال التي تصلح أن تكون محلاً لجريمة السرقة، فيُعد مرتكباً لجريمة سرقة من يختلس حيواناً مملوكاً للغير.

2- الطبيعة المادية للمال

يُعد محلاً لجريمة السرقة كل مال له طبيعة مادية، أي له كيان مادي يمكن إدراكه بكافة حواس الإنسان، ومن ثم فإن هذا المال قد يكون صلباً أو سائلاً أو غازياً، وذلك مثل غاز الكلور وغاز الإضاءة وغاز البوتاجاز، فهذه الغازات تصلح أن تكون محلاً لجريمة السرقة.

ومن ثم فإننا نكون بصدد جريمة سرقة في حالة قيام أحد الأشخاص بتوصيل ماسورة مياه لمنزله من الماسورة الرئيسية للشركة دون أن يجعلها تمر بالعداد المخصص لحساب كميات المياه المستهلكة، مع ضرورة الإشارة إلى أننا لا نكون بصدد جريمة في الحالة التي يُسجل فيها العداد كميات المياه المستهلكة ثم يتم التلاعب في العداد حتى يبين قراءة خاطئة وإن أمكن ملاحقة الفاعل عن جريمة أخرى مثل الغش المدني.

أما إذا انتفت الطبيعة المادية عن الشيء فإنه لا يصلح أن يكون محلاً لجريمة السرقة، ومن ثم لا يعتبر مرتكباً لجريمة سرقة من يقوم بالتسجيل لغيره خلسة، ولا من يقوم بتقليد أفكار غيره ونسبتها لنفسه.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك من ذهب إلى أن التيار الكهربائي لا يُعد محلاً لجريمة السرقة ذلك أنه لا يعد مالاً منقولاً وإنما يُعد بمثابة طاقة، لذلك تتجه بعض التشريعات إلى وضع نصوص خاصة للمعاقبة على سرقة التيار الكهربائي كجريمة مستقلة عن جريمة السرقة لأن النص السرقة لا ينطبق على التيار الكهربائي إعلاءً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والذي من مقتضياته أن يتم تفسير النص تفسيراً ضيقاً.

ولكن يذهب الرأي الراجح فقهاً وقضاءً إلى اعتبار الكهرباء من المنقولات ذات الطبيعة المادية والتي تصلح لأن تكون محلاً لجريمة السرقة.

3- أن يكون المال منقولاً

نص المشرع الأردني في (المادة 399/1) من قانون العقوبات على أن: (السرقة هي اخذ مال الغير المنقول دون رضاه)، وهذا يبين أن محل جريمة السرقة يجب أن يكون مالاً منقولاً، ذلك أن الأموال العقارية لا تُعد محلاً لجريمة السرقة، ولكن هذا لا يمنع من أن المشرع يخصص لها نصوصاً قانونياً تكفل حمياتها.

إلا أنه من الأهمية بمكان أن نشير في هذا المقام إلى أن مدلول المنقول في نطاق قانون العقوبات يختلف عن مدلوله في نطاق القانون المدني، فالأخير يفرق بين المنقولات بطبيعتها والعقارات بالتخصيص، ويضفي على الأخيرة بعض الأحكام الخاصة بالعقارات.

أما في نطاق القانون الجنائي فإن المنقول في نظره كل ما يمكن نزعه وتحريكه من مكان لأخر دون أن يعتريه تلف سواء كان منقولاً عادياً أم كان مرصوداً لخدمة عقار – أي عقار بالتخصيص – وهذا ما يجعلنا نقول إن التفرقة بين المنقولات بطبيعتها والعقارات بالتخصيص لا يوجد لها ثمة أهمية في قانون العقوبات، حيث يُعد سارقاً من ينزع باب حجرة خلسة ليستولي عليه، ولا يقبل منه دفعاً بأن يقول إن هذا يُعد عقاراً بالتخصيص، حيث إن العبرة تكون دائماً بطبيعته المادية المنقولة فقط.

وكذلك فإن المنقولات المعنوية لا تصلح لأن تكون محلاً لجريمة السرقة، حيث لا يرتكب جريمة سرقة من يقوم بنسبة مؤلف غيره إلى نفسه، لأن حق المؤلف هو حق معنوي وليس حقاً مادياً، وإن كان يمكن ملاحقة الجاني عن ارتكاب جريمة الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية حال توافر أركانها.

ملكية الغير للمال محل السرقة

حتى نكون بصدد جريمة سرقة يجب أن يكون المال محل الاعتداء مملوكاً للغير، ولكن متى يكون المال مملوكاً للغير؟

إجابة على هذا التساؤل يجب أن نفرق بين فروضاً ثلاث:

1- المال المملوك للمتهم

لا يعتبر سارقاً – كقاعدة عامة – من يستولى على مال مملوك له، ولو كان سيء النية يعتقد وقت الاستيلاء أن المال مملوك لغيره، فمن يختلس منقولاً آل إليه دون علمه عن طريق الميراث فإنه لا يُعد معتدياً على ملكية الغير ولا يمكن أن يُنسب إليه ارتكاب جريمة سرقة.[3]

وكذلك لا يُعد مرتكباً لجريمة سرقة من يسترد ماله الذي في حيازة الغير من خلال اختلاسه، حيث لا تقوم جريمة السرقة في حال قيام المودع بسرقة الشيء المودع من المودع لديه لامتناع الأخير عن تسليم الشيء عندما طالبه المودع بذلك، ويجب أن يلاحظ أن عدم قيام السرقة في هذه الحالة – أو مثيلاتها – لا تحول دون تحقق جريمة أخرى بأركان مختلفة كجريمة انتهاك حرمة منزل المودع لديه مثلاً.

2- المال غير المملوك لأحد

تنتفي جريمة السرقة في حالة كون المال غير مملوك لأحد، وهو يكون بتلك الصفة في حالتين:

أ- الأموال المباحة

هي الأموال التي لا يوجد لها مالكاً، حيث يُعد مالكاً لها أول من يقوم بالاستيلاء عليها، وذلك مثل المياه في البحار، أو الأنهار، أو الأسماك، أو الأصداف البحرية، ومن ثم لا يعد مرتكباً لجريمة سرقة من يقوم بالاستيلاء على تلك الأشياء، بل أن الاستيلاء يُعد أحد الوسائل المشروعة لكسب الملكية.

ولا يغير من وصف المال بأنه مباح أن يحصل شخص أخر على ترخيص بالحصول على المال الموجود في مكان معين، فإذا نازعه شخص وتحصل على بعض منه فإنه لا يكون مرتكباً لجريمة سرقة.

ب- الأموال المتروكة

وتُعد كذلك أموالاً لا تخضع لجريمة السرقة تلك التي يتخلى عنها المالك بإرادته الحرة، فتنتقل ملكيتها لأول من يضع يده عليها، ولكن هذه الحالة تختلف مع حالة المالك الذي يفقد مال مملوكاً له حيث لا يمكن أن يكون قد تخلى عنه إرادياً في هذه الحالة، وبذلك يرتكب جريمة سرقة من يستولى على حيوان منزلي ضل الطريق عن صاحبه.

ويدق السؤال في هذه الحالة حول مدى اعتبار الاستيلاء على الأكفان والأشياء التي توضع مع جثث الموتى مشكلاً لجريمة سرقة؟

استقر الفقه والقضاء في كل من مصر وفرنسا على عدم اعتبار تلك الأشياء من الأموال المتروكة، في هذا تقول محكمة النقض المصرية في حكمها ر قم ١١٧٥ لسنة ٦ قضائية بأن: (الأكفان والملابس والحلي وغيرها من الأشياء التي اعتاد الناس إيداعها القبور مع الموتى تعتبر مملوكة لورثتهم، وقد خصصوها لتبقى مع جثث موتاهم لما وقر في نفوسهم من وجوب إكرامهم.

في أجداثهم على هذا النحو موقنين بأن لاحق لأحد في العبث بشيء مما أودع، فهذه الأشياء لا يمكن عدها من قبيل المال المباح السائغ لكل شخص تملكه بالاستيلاء عليه. فمن يشرع في اختلاس شيء من ذلك يعد شارعاً في سرقة وعقابه واجب قانوناً).

3- المال المملوك للغير

تقع جريمة السرقة على كل مال مملوكاً لغير المتهم بغض النظر عن كونه مملوكاً لشخص طبيعي أو معنوي، ولا يغير من وصف الفعل بأنه يشكل جريمة سرقة أن يتعذر معرفة هوية مالك الشيء المسروق.

إلا أن هناك عدة فروض يختلط فيها الأمر من حيث كون الفعل مُشكل لجريمة سرقة أم لا، وذلك في الحالات التالية:

أ- تملك المشتري للمال المبيع

من المسلم به أن انتقال الملكية قد يكون آجلاً فور إبرام العقد وقد يرجئ إلى تمام دفع كامل الثمن، وفي الحالة الثانية فإن ملكية المال لا تنتقل إلى المشتري إلا بعد أن يقوم بدفع الثمن، ومن ثم يعد مرتكباً لجريمة سرقة إذا قام باختلاس هذا المال قبل أن يسدد كامل الثمن المتفق عليه.

وكذلك في حالة المنقول المعين بالنوع والذي تنتقل ملكيته بالإفراز، فإنه قبل أن يتحقق الإفراز فلا يكون مملوكاً للمشتري، ومن ثم فإذا قام الأخير باختلاسه فإنه يكون بذلك مرتكباً لجريمة سرقة.

ب- المال المملوك على الشيوع

يُعد سارقاً كل من يستولى على مال مملوك على الشيوع بينه وبين غيره من الأشخاص حتى ولو كانت نسبة ملكيته في المال تعلو على شركائه، حيث إنه من المتعارف عليه أن المالك على الشيوع يكون له ملكية تامة في كل ذرة من ذرات المال الشائع، ومن ثم فإنه من يستولى على هذا المال فإنه يكون معتدياً على حق غيره من الشركاء ويكون فعله مشكل لجريمة سرقة.

ولا يغير من وصف الفعل بأنه جريمة السرقة أن يؤل الشيء المسروق إلى ملكية السارق سواء بالقسمة أو بغيرها، فالعبرة هي بوصف المال لحظة وقوع الفعل.

ج- استيلاء الدائن على مال مدينه

إذا قام الدائن بالاستيلاء على أموال مدينه فإنه يعد مرتكباً لجريمة سرقة حتى ولو كان أجل الدين قد حل، بل حتى ولو كان المبلغ المستولى عليه يعادل أو يقل عن مبلغ الدين الذي للدائن في ذمة المدين.

الركن المادي لجريمة السرقة

يتمثل الركن المادي لجريمة السرقة في الاختلاس والذي يترتب عليه خروج المال من حيازة المجني عليه ودخوله في حيازة شخص أخر.

1- ماهية فعل الاختلاس

حتى نكون بصدد فعل اختلاس فيجب أن يتحقق عنصرين وهما:

أ- نقل الحيازة

حيث أن جوهر الاختلاس يتمثل في نقل الحيازة وذلك يكون بإخراج حيازة الشيء من حوزة المجني عليه خلسة، ولا يهم بعد ذلك أن تدخل في حيازة الجاني أو تدخل في شخص أخر، ولذلك يُعد مرتكباً لجريمة سرقة من يتحصل على أموالاً من أحد الأشخاص على حين غفلة منه ليدسها في حقيبة شخص أخر، ولا يغير من وصف الفعل بأنه جريمة سرقة أن يكون غرض الجاني نبيل من هذا الفعل كما لو كان الشخص الذي دس إليه المال فقيراً، لأن البواعث لا تؤثر في بنيان الجريمة.

ب- عدم رضاء المجني عليه

حتى نكون بصدد جريمة سرقة يجب أن يتم الحصول على المال بدون علم المجني عليه وبدون رضائه، أما إذا تم الحصول على المال استناداً إلى رضاء المجني عليه فإننا لا نكون بصدد جريمة سرقة، ولكن يمكن أن يعاقب الفاعل عن جريمة النصب إن توافرت أركانها.

وجديراً بالذكر أن الرضاء المؤثر في نفي جريمة السرقة هو الرضاء السابق على فعل الاختلاس، أما الرضاء اللاحق فلا يوجد له ثمة أثر على نفي جريمة السرقة.

2- الاختلاس والحيازة

عرف الفقيه الفرنسي “جارسون” الاختلاس بأنه الاستيلاء على مال منقول للغير بدون علم مالكه، وبين أن تسليم المال الذي ينفي جريمة السرقة يتمثل في نقل الحيازة الكاملة أو الناقصة، أما التسليم الذي يقصد به تمكين اليد العارضة فهو تسليم لا ينفي الاختلاس، ويمكن تفسير ذلك على النحو التالي:

أ- الحيازة الكاملة

يقصد بها حيازة المالك والتي تكتسب بأي سبب من أسباب اكتساب الملكية سواء من خلال التعاقد أو التراضي أو الاستيلاء، ومن ثم لا يمكن أن يعد مرتكباً لجريمة سرقة من يستولى على ماله وذلك على نحو ما بيناه سلفاً.

ب- الحيازة الناقصة

وهي التي تمكن الحائز من الجانب المادي للحيازة دون جانبها المعنوي، حيث يكون للحائز سلطات على الشيء، ولكن لا يكون له حق التصرف به، وذلك كمن يستأجر سيارة فإن حيازته على تلك السيارة تكون حيازة ناقصة، فإن استولى عليها وحول حيازته عليها إلى حيازة كاملة فإن فعله لا يشكل جريمة سرقة وإن أمكن أن يشكل جريمة خيانة أمانة أو “تبديد”.

ج- اليد العارضة

لا تُعد اليد العارضة حيازة بالمعنى الدقيق، فهي مجرد حيازة عابرة قد تتمثل في قيام شخص بتوصيل مال إلى شخص أخر، فإن استولى عليه فإن فعله يكون مشكلاً لجريمة سرقة في تلك الحالة.

3- التسليم الذي ينفي الاختلاس

حتى يكون التسليم نافياً للاختلاس فيجب أن يتم عن إرادة حرة كاملة، ومن ثم فإن تسليم الصبي غير المميز أو المجنون لا يُعد نافياً للاختلاس، فمن استولى على المال المسلم إليه من صبي أو مجنون عُد مرتكباً لجريمة سرقة.

وكذلك لا يُعد تسليماً نافياً للاختلاس ما يتم تحت تأثير الإكراه المادي أو المعنوي، فمن يستولي على مال غيره تحت وطأة التهديد – مادياً كان أو معنوياً – فإنه يُعد مرتكب لجريمة سرقة، بل وقد تكون في إحدى صورها المشددة.

مع ضرورة الإشارة إلى أن التسليم الناشئ عن غلط أو تدليس يُعد نافياً للاختلاس، ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:

أ- التسليم الناشئ عن غلط

فإذا وقع الحائز في غلط فسلم المال بصورة خطأ فإن ذلك يُعد تسليماً نافياً للاختلاس، وذلك كمن يسلم شخص نقوداً أكثر مما يكون مستحق له كأن يكون في متجر ويقوم البائع بإعطائه مبلغ اكثر مما يكون مستحق للمشتري، ونظراً لعدم شمول تلك الجريمة بنصوص السرقة فإن المشرع الأردني قرر وضع نص خاصاً لها ليوقع فاعلها تحط طائلة القانون، حيث جاء في (المادة 424) من قانون العقوبات أن: (كل من تصرف المالك في أي شيء منقول دخل في حيازته بسبب هفوة حصلت من المالك وكان يعلم انه حصل عليه بتلك الصورة وكتمه أو رفض إعادته يعاقب بالحبس حتى ستة اشهر أو بغرامة حتى خمسين دينارا).

وكذلك يُعد تسليماً نافياً للاختلاس إذا وقع من يسلم الشيء في غلط في شخص المسلم إليه، كأن يتوهم أنه هو الشخص المواجب أن يتم التسليم إليه ويكتشف غير ذلك بعد تمام التسليم.

ب- التسليم الصادر عن تدليس

لا يُعد مرتكباً لجريمة سرقة من يتحصل على مال غيره بناءً على حيل تدليسيه، لأن مناط قيام جريمة السرقة أن يتم الحصول على مال الغير خلسة، أما إذا قام المجني عليه بتسليم المال إلى الجاني بناءً على استعمال الأخير لوسائل تدليسيه فإن ذلك لا يقيم في شأن الجاني جريمة سرقة، وأن كان من الممكن أن يُلاحق عن جريمة نصب إذا توافرت أركانها.

وتعويلاً على ما سبق لا يُعد سارقاً من يدخل إلى مطعم ليتناول الطعام وهو يعلم أن ليس لديه ما يكفي من النقود لدفع قيمة ما تناوله، لأن تسليم الطعام كان بإرادة المجني عليه ولم يتم على حين غفلة منه، وهذا لا ينفي إمكان أن يعاقب الجاني عن فعل أخر بخلاف السرقة.

4- التسليم الذي لا ينفي الاختلاس

كما ذكرنا سابقاً، فإن مجرد تمكين اليد العارضة لا يُعد تسليماً نافياً للاختلاس، ومن ثم من يستولى على المال الذي طلب منه تسليمه إلى الغير فإنه يُعد مرتكباً لجريمة سرقة طالما كانت حيازته لهذا المال حيازة يد عارضة.

ولكن هناك بعض الحالات التي قد يختلط فيها الأمر، ويثور بشأنها التساؤل عن مدى توافر جريمة السرقة بها، وتلك الحالات هي:

أ- تسليم حرز مغلق

إذا سلم شخص لأخر حرز مغلق وقام الأخير بالاستيلاء على ما بداخله، فهل يُعد فعله مشكل لجريمة سرقة أم لا؟

والواقع أنه للإجابة على هذا التساؤل ينبغي أن نفرق بين فرضين:

الفرض الأول: في حال تسليم الحرز مع الاحتفاظ بالمفتاح فإن ذلك يُعد قرينة على عدم انصراف نية المالك إلى تسليم ما بداخل الحرز ومن ثم فإذا قام المُسلم إليه بالاستيلاء على ما بداخل الحرز فإن فعله يُشكل جريمة سرقة.

الفرض الثاني: أما إذا تم تسليم الحرز والمفتاح معاً فإن ذلك يؤدي إلى نقل الحيازة الناقصة للحرز إلى المسلم إليه مما ينفي يؤدي إلى انتفاء جريمة السرقة إذا قام الأخير بالاستيلاء على ما ورد بداخل الحرز.

ب- تسليم المنقولات إلى الخدم والضيوف

في حالة تسليم بعض المنقولات إلى الخدم لاستخدامها في أعمال التنظيف أو غيرها من الأعمال فإن ذلك التسليم لا ينقل سوى اليد العارضة، ومن ثم فإن قيام الخادم بالاستيلاء على تلك الأموال يؤدي إلى إثارة مسئوليته عن ارتكاب جريمة سرقة.

وذات الحكم ينطبق في حالة تسليم منقولات إلى الضيوف لاستعمالها في تناول الطعام والشراب، فإن استيلاء أحدهم على تلك المنقولات يشكل جريمة سرقة، ولا يختلف الأمر كثراً في حال قيام أحد النُزلاء في فندق بالاستيلاء على المنقولات التي تسلم إليه في الفندق حيث يكون بذلك مرتكباً لجريمة سرقة.

ولكن يجب ملاحظة أن هناك بعض الحالات يكون فيها التسليم نافياً للاختلاس، كما لو سلم رب العمل خادمه بعض النقود ليقوم الأخير بشراء بعض الأغراض لرب العمل، فإذا استولى الخادم على النقود أو الأغراض فإنه لا يُعد مرتكباً لجريمة سرقة.

ج- تسليم الشيء عند البيع نقداً

إذا قام أحد الأشخاص بالاستيلاء على سلعة معروضة دون دفع ثمنها فإن ذلك من شانه أن يقيم جريمة سرقة، لأن من الطبيعي أن تكون نية المالك قد انصرفت إلى عدم نقل ملكية السلع إلا بعد دفع ثمنها.

د- تسليم النقود على سبيل المصارفة

قد يحدث أن يطلب شخص من الصيرفي أن يغير عملة نقدية، فإذا قام الصيرفي بتسليمه العملة المطلوبة وفر طالب التسليم هارباً بعد حصوله على تلك العملة فإن فعله في هذه الحالة يُشكل جريمة سرقة، لأن انتقال ملكية النقود في هذه الحالة يُعد أمر مُعلق على شرط ضمني والمتمثل في تسليم المقابل.

الركن المعنوي لجريمة السرقة

1- القصد العام

السرقة جريمة عمدية لا يتوافر نموذجها القانوني قط إذا اتخذ ركنها المعنوي صورة الخطأ، مهما كان هذا الخطأ جسيماً، كما لو اختلس شخصاً منقولاً مملوكاً للغير معتقداً بأنه مالك لهذا المنقول مهما أتسم هذا الاعتقاد بالرعونة أو عدم المسئولية[4].

ومن ثم فحتى تتحقق جريمة السرقة يجب أن يتحقق عناصر القصد الجنائي لدى الجاني، والمتمثلين في العلم بأنه يستولى على مال مملوك للغير دون رضاء منه، فضلاً عن وجوب اتجاه إرادته إلى ارتكاب فعل الاختلاس والذي يُحقق ماديات الجريمة.

2- القصد الخاص

ولكن يجب أن يُلاحظ أن جريمة السرقة تُعد من جرائم القصد الخاص، فلا يكفي لقيامها أن يستولى الجاني على مال منقولا مملوك للغير، ولكن يجب أن تتجه إرادته إلى تملك هذا المنقول.

ويترتب على ذلك أنه لا يعد سارقاً من يستولى على مال غيره من أجل استعماله فقط أو من أجل الاطلاع عليه، وكذلك لا يعد سارقاً من يستولي على مال مدينه بنية الرهن لحين قيام الأخير بسداد ما عليه من ديون.

وفي هذا الصدد تقضي محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 521 لسنة 2021 بأن: (جريمة السرقة من الجرائم المقصودة التي يُشترط لقيامها توافر: القصد العام: وهو اتجاه إرادة الشخص إلى ارتكاب فعل السرقة وانتزاع المال وإخراجه من حيازة صاحبه مع علم الجاني بان المال الذي قام بأخذه مملوك للغير، قصد جنائي خاص: ويتمثل نية الفاعل بإزالة تصرف المالك على المال بقصد تملكه ومباشرة سلطات المالك).

3- معاصرة القصد الجنائي لفعل الاختلاس

حتى يكتمل البنيان القانوني لجريمة السرقة يجب أن يتعاصر الركن المعنوي لفعل الاختلاس مع فعل الاختلاس ذاته، مما يؤدي إلى نفي الجريمة إذا توافر القصد الجنائي في وقت لاحق بعد فعل الاختلاس.

حيث لا يُعد مرتكباً لجريمة سرقة من يستولى على مال مملوك لغيره معتقداً أنه هو مالكه ثم يتبين له بعد ذلك عدم ملكيته للمال ويقرر الاحتفاظ به، وذلك لانتفاء التعاصر بين الركن المادي والمركن المعنوي في هذه الحالة.

 عقوبة جريمة السرقة في صورتها البسيطة

ورد عقاب جريمة السرقة في صورتها البسيطة بموجب (المادة 407/1) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (كل من يقدم على ارتكاب سرقة من غير السرقات المبينة في هذا الفصل كالتي تقع على صورة الأخذ أو النشل، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين).

النصوص القانونية المتعلقة بجريمة السرقة في صورتها البسيطة

وردت تلك النصوص في قانون العقوبات في المواد التالية:

 جاء في المادة (المادة 399) الآتي:

1- السرقة هي اخذ مال الغير المنقول دون رضاه.

2- وتعني عبارة (اخذ المال) إزالة تصرف المالك فيه برفعه من مكانه ونقله وإذا كان متصلا بغير منقول فبفصله عنه فصلا تاما ونقله.

3- وتشمل لفظة (مال) القوى المحرزة.

وكذلك المادة (407/1) نصت على ما يلي:

كل من يقدم على ارتكاب سرقة من غير السرقات المبينة في هذا الفصل كالتي تقع على صورة الأخذ أو النشل، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين.

 بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بجريمة السرقة

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 397 لسنة 2021 ما يلي:

وحيث ثبت للمحكمة أن المتهم قد أخذ التلفون العائد للمشتكي بناءً على موافقة المشتكي وبرضاه لكي يقوم بفحصه في محلات الخلويات في مدينة المفرق فإن ذلك يستوجب عدم مسؤولية المتهم عن جنحة السرقة المسندة إليه.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية 3015 لسنة 2020 ما يلي:

وجدت المحكمة أن المادة (399) من قانون العقوبات عرفت السرقة (هي أخذ مال الغير المنقول دون رضاه) وتعني عبارة المال أخذ المال وإزالة تصرف المالك فيه برفعه عن مكانه ونقله وإذا كان متصلاً بغير منقول فيفصله عنه فصلاً تاماً ونقله.

حيث إن أركان السرقة هي: –

  • فعل الاختلاس.
  • محل السرقة.
  • القصد الجرمي.

وبما أن النية الجرمية في السرقة عنصر من عناصر الجريمة فلا بد من إثباتها بصورة مستقلة وكلما كانت هذه النية محل شك في الواقعة فلا تكون الجريمة موجودة في نظر القانون لأن استيلاء المتهم وحده على هاتف المجني عليها بدون توفر القصد الجرمي بنية تملكه لا يكفي لاعتبار السرقة قائمة لذلك فإن أخذ الهاتف الخلوي العائد للمجني عليها من أجل تفتيشه لا يكفي لاعتبار السرقة قائمة بدون توفر القصد الجرمي.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية 2280 لسنة 2020 ما يلي:

وحيث أن المادة (399) من قانون العقوبات قد عرفت السرقة بأنها أخذ مال الغير دون رضاه وتعني عبارة أخذ المال إزالة تصرف المالك برفعه من مكان نقله، وحيث إن أركان جريمة السرقة هي ثلاثة أركان وهي محل الجريمة وأن يكون مال مملوك للغير، والركن المادي ويتكون من عنصرين هما عنصر مادي ويتمثل بأخذ المال ونزعه من حيازة صاحبه وإدخاله في حيازة الجاني وظهوره بمظهر المالك لذلك المال وعنصر معنوي وهو عدم الرضا وموافقة مالك المال أو حائزه عن فعل السارق أو الجاني، والركن المعنوي بشقيه القصد العام والقصد الخاص ، وبما أن النية الجرمية في السرقة عنصر من عناصر الجريمة فلا بد من إثباتها بصورة مستقلة وكلما كانت هذه النية محل شك في الواقعة المعروضة على القاضي فلا تكون الجريمة موجودة في نظر القانون لأن الاستيلاء على المال بدون توفر القصد الجرمي بنية تملكه لا يكفي لاعتبار السرقة قائمة.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] مع ملاحظة أن إدخال الجاني المال في حيازته ليس شرطاً ولا ركناً من أركان الجريمة، فسنرى أن الجاني قد لا يدخل المال في حيازته ومع ذلك تتحقق جريمة السرقة.

[2] الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسني، جرائم الاعتداء على الأموال، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثالثة، ص 34،35.

[3] الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 2018، ص197.

[4] الأستاذ الدكتور/ محمد زكي أبو عامر، قانون العقوبات القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 2017، ص810.

Scroll to Top