المسئولية الجنائية للدولة

المسئولية الجنائية للدولة

بداية إن الحديث عن المسئولية بصفة عامة يعني واجب احترام القانون، وفي حالة الإخلال بهذا الواجب فإن هذا يفرض المسئولية، وتلك التي يُفهم منها في الغالب المسئولية الفردية أي مسئولية الفرد عن أخطائه أو عدم احترامه للقانون.

 وطالما حصل خرق لقواعد القانون الدولي وعدم احترام لها من قبل الدولة فتترتب المسئولية وتشمل المسئولية الجنائية من ناحية، ومن ناحية أخرى المسئولية المدنية تجاه الدولة بدفع التعويضات للدولة التي وقع عليها الضرر، وهذه المسئولية تُعد هي الأصل في قواعد القانون الدولي أما المسئولية الجنائية للدولة فهي فكرة استحدثها الفقه القانوني الدولي واختلف حول وجودها.

فالجريمة الدولية لا تقع إلا من شخص طبيعي أي فرد يعمل لحساب دولة معينه، أما موضوع ارتكاب الشخص المعنوي متمثلا في الدولة للجريمة الدولية فهو أمر كان بعيدا كل البعد عن تصوره، ولكن في الفترة الأخيرة اتجه الفقه الحديث إلى إمكانية ارتكاب الدولة الجريمة وبالتالي إمكانية محاسبتها جنائيا على ذلك.

أولا: مفهوم المسئولية الجنائية للدولة

ثانيا: موقف الفقه من المسئولية الجنائية للدولة

ثالثا: شروط المسئولية الجنائية للدولة

رابعا: مبررات مسئولية الدولة الجنائية

خامسا:  بعض النصوص القانونية وأحكام محكمة العدل الدولية الخاصة بمسئولية الدولة الجنائية

أولا: مفهوم المسئولية الجنائية للدولة

ويُقصد بالمسئولية الجنائية للدولة هو مسائلة دولة ما عن فعل ارتكبته يشكل جريمة طبقا لنصوص القانون الدولي، ومعاقبتها على هذا الفعل وفقًا لقواعد القانون الدولي.

ولقد عرفت (المادة19) من مشروع المسئولية الدولية عام 1996 الجريمة الدولية بأنها: “ فعل غير مشروع دوليا ناجم عن إخلال دولة ما بالتزام دولي أساسي لحماية المصالح الأساسية للمجتمع الدولي بحيث يعتبر هذا المجتمع بأسره الإخلال بهذا الالتزام جريمة”([1]).

ثانيا: موقف الفقه من المسئولية الجنائية للدولة

لقد اختلف الفقه وانقسم بين مؤيد ومعارض لفكرة المسئولية الجنائية للدولة:

1- أسانيد الاتجاه الرافض لفكرة المسئولية الجنائية للدولة

ويري أنصار هذا الاتجاه أن الدولة غير مسئولة جنائيا عن انتهاكاتها لقواعد القانون الدولي الجنائي واستندوا في ذلك للأسانيد الآتية:

أ- إن مسئولية الدولة عن الجرائم الماسة بالسلم والأمن الدوليين للإنسانية هي مسئولية سياسية وليست قانونية، مؤكدا هذا الاتجاه أن حمل دولة معينة على المثول أمام القضاء الجنائي الدولي هو أمر يبدو محالا.

ب- عدم تصور نسبة المسئولية الجنائية للدولة وذلك لعدم توافر الجهاز القضائي الذي يستطيع مقاضاة الدولة حيث إن الجهاز الوحيد هو محكمة العدل الدولية والذي يقوم على القبول الاختياري من جانب الدول، وأمر المحاكمة وفقا للمعنى المقصود هو الإحالة للمحكمة، وهذا لا يتفق مع سلطات مجلس الأمن استنادا إلى الفصل السابع من الميثاق لعدم تضمنها على اختصاص قضائي([2]).

ج-  إن اجتهاد محكمة العدل الدولية بشأن انطباق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي أبرمت بمناسبة دعوى البوسنة والهرسك ضد يوغسلافيا السابقة بوصفه دليلا على أن أعمال الدول الجنائية تشكل مجموعة من القوانين الدولية غير صحيح, لأن الدعوي لا تتضمن أي إشارة سواء في بيانات المحكمة أو في مرافعات الأطراف تدل على أن المقصود بالاتفاقية هو المسئولية الجنائية للدول بالمعنى الجنائي كما أن (المادة 9 ) من الاتفاقية لا تشير إلى المسئولية الجنائية للدول, إذ تنص على أنه: ” تعرض على محكمة العدل الدولية بناء على طلب أي من الأطراف المتنازعة النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة”([3]).

د- تعارض المسئولية الجنائية للدولة مع فكرة السيادة المطلقة للدولة على اعتبار أنها الفكرة السائدة([4]).

ه- لا يمكن إسناد المسئولية الجنائية لمن لا يدرك ولا إرادة له، إذ أن الدولة شخص معنوي والشخص المعنوي لا يتوافر فيه الإدراك والإرادة.

و- تعارض المسئولية الجنائية للدولة مع مبدأ شخصية الجريمة والعقوبة، إذ أن هذا المبدأ يقوم على ارتكاب الشخص بنفسه للجريمة التي تضعه تحت المسائلة الجنائية، ويتم إنزال العقوبة عليه بشخصه، وهنا الدولة لا ترتكب بذاتها الجريمة، كما أنه عند إنزال العقوبة على الشخص فلا يتوافر هذا في الشخص المعنوي المتمثل في الدولة، إذ أن المقصود هنا الشخص الطبيعي وليس المعنوي.

2- أسانيد الاتجاه الذي انتهي إلى المسئولية الجنائية للدولة

 ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الدولة مسئولة جنائيا عن الأفعال التي تشكل جريمة وفقا للقانون الدولي، إذ أنها هي المخاطبة بأحكام القانون الدولي وليس الفرد، فالقانون الدولي لا يخاطب إلا الدول، فالفرد ليس شخصا من أشخاص القانون الدولي بعكس الدولة التي تعد شخصا من أشخاصه وبالتالي فهي المخاطبة به([5]), واستندوا إلى الأسانيد الآتية :

أ- المساواة في السيادة بين الدول، أي السيادة النسبية للدولة وليست المطلقة كما كان سائدا، حيث يتم مراعاة ما للدول الأخرى من سيادة مماثلة والمصالح المتوازية للدول، إذ أن كل نشاط للدولة يخالف قاعدة قانونية يولد المسئولية الدولية لها، لأن مسألة سيادة الدولة وإقرارها لا يتعارض مع مسألة إقرار المسئولية الجنائية للدولة في حالة مخالفة القوانين الدولية([6]).

ب- إن المسئولية الجنائية للدولة قد وضعت، بهدف وضع قواعد القانون الدولي موضع التنفيذ في حالة الإخلال من جانب الدولة، إذ أن الإخلال بالقواعد القانونية في حد ذاته موجبا للمسئولية، فالمسئولية جزاء فعال لضمان احترام قواعد القانون الدولي([7]).

ج- إن الاعتراف بالحقوق المدنية التي تلتزم بها الدولة للمضرورين لهو دليل على ثبوت مسئولية الدولة الجنائية وإمكانية مساءلتها عن الإخلال بقواعد القانون الدولي وتوقيع العقوبة الجنائية عليها، إذ تعد العقوبات التي توقع على الدولة بموجب عهد عصبة الأمم المتحدة (العقوبات الاقتصادية), بمثابة عقوبات توقع على الدولة في حالة ثبوت المسئولية الجنائية([8]).

د- واقعية الشخص المعنوي، أي أن الدولة ( الشخص المعنوي) ذو وجود حقيقي وليس كائن افتراضي له إرادة خاصه به ومستقلة عن إرادة الأشخاص المؤسسين له وهو يتمتع بأهلية ارتكاب العمل غير المشروع، ويتحمل مسئولية نتيجة خطأه سواء كان خطأ مدني أم جنائي مثل الشخص الطبيعي لا خلاف بينهما، كما أن للدولة إرادة ومن الممكن أن تكون هذه الإرادة إجرامية([9]).

ه- ما ورد بمشروع قانون الجرائم المخلة بسلم الإنسانية وأمنها من نصوص على مسئولية الدولة عن تلك الجرائم، إذ أن محاكمة الأفراد عن الجرائم ضد الإنسانية كجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب لا يعفي الدولة من أي مسئولية يرتبها القانون الدولي على فعل أو امتناع يمكن إسناده إليها.

ثالثا: شروط المسئولية الجنائية للدولة

أ- الركن المادي

وهو ارتكاب الدولة خطأ أخلاقيا دوليا(العدوان)، أو خطأ قانوني يتمثل في اللجوء غير المشروع لاستعمال القوة وشن الحرب العدوانية.

فقديما وقبل بدايات القرن العشرين كان العدوان مباح لاسترداد الدولة حقها وذلك في ظل فكرة السيادة المطلقة للدولة، ولكن بعد التطور الذي شهده العالم في العلاقات الدولية وإصدار العديد من الاتفاقيات الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول وظهور مبدأ السيادة النسبية للدولة فقد اعتبر العدوان جريمة أخلاقية دولية، وتحاكم الدولة مرتكبه العدوان إذا ما استعملت القوة المسلحة غير المشروعة علي دولة أخري.

ب- الركن المعنوي

وهو توافر النية لارتكاب الخطأ، إذ لا يتصور أن تكون هناك جريمة بدون توافر الركن المعنوي وهو هنا لا يعني اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب هذه الجريمة بقدر ما يكون معناه علاقة السببية بين الفعل الخطأ والنتيجة المترتبة عليه، دون الاعتداد بالإرادة التي يظهر أثرها في مجرد وجود الجريمة.

ج- دولية الجريمة

وتعني أن ترتكب الدولة أو الشخص المعنوي أو من يمثله الفعل المخالف أخلاقيا أو قانونيا بالاعتداء على دولة أخرى وفي هذه الحالة تكون الجريمة خاضعة لأحكام القانون الدولي الجنائي، وهو أحد فروع القانون الدولي العام.

رابعا: مبررات مسئولية الدولة الجنائية

إن تفعيل قواعد القانون الدولي والحفاظ على طبيعتها يستلزم أن تضفي على الدولة المسئولية الجنائية، بأن تكون مسئولة عما تقوم به من أفعال تشكل جريمة وفقا لقواعد القانون الدولي، وتحقيق ذلك يؤدي إلى احترام قواعد القانون الدولي والحفاظ على حقوق أشخاصه من الدول.

لذلك فتأتي المسئولية الجنائية للدولة  – التي تنتهك قواعد القانون الدولي أو تخل بالتزاماتها الدولية أو السلوك القانوني الدولي الواجب عليها اتباعه- ضرورية, وهو ما تؤكده العديد من الاتفاقيات الدولية بصورة صريحة أو ضمنية, ومن هذه الاتفاقيات النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية في المواد(7) , (8) والخاصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب, إذ تنص في (المادة 7)على أنه: ” 1- لغرض هذا النظام الأساسي, يشكل أي فعل من الأفعال الآتية “جريمة ضد الإنسانية” متى ارتكب في اطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم…………… “, وتنص المادة (8) على أنه” 1- يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب ولا سيما عندما ترتكب في اطار خطة أو سياسة عامة أو في اطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم……………”.

خامسا:  بعض النصوص القانونية وأحكام محكمة العدل الدولية الخاصة بمسئولية الدولة الجنائية

1- في ظل القانون الدولي الإنساني

يزخر القانون الدولي الإنساني بالعديد من الالتزامات التي تنشئ مسئولية الدول عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني , حيث تنشأ مسئولية الدول من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين, أي أن كل معاهدة نافذه تلزم أطرافها ويجب أن ينفذها الأطراف بحسن نية([10]), وحتى خارج نطاق الالتزامات التعاقدية تشير مشارع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسئولية الدول إلى المبدأ العام في القانون الدولي القائل, إن الإخلال بالتزام دولي من التزامات الدولة يشكل فعلا غير مشروع دوليا تترتب عليه المسئولية الدولية للدولة, وبذلك فان الدولة تعد مسئولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني في سياق النزاع المسلح إذا كان ينسب إليها انتهاكات مثل([11]):

أ- الانتهاكات التي ترتكبها أجهزتها بما في ذلك قواتها المسلحة.

ب- الانتهاكات التي يرتكبها أشخاص أو كيانات مخولة لممارسة عناصر من سلطة الحكومة.

ج- الانتهاكات التي يرتكبها أشخاص أو جماعات تتصرف في الحقيقة بناء على تعليماتها أو بتوجيه منها أو خاضعة لرقابتها.

ويؤكد كلا من القضائيين الدولي والإقليمي أنه يترتب على مسئولية الدولة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التعويض للضحايا وأسرهم عن الأضرار التي تلحقهم، واتخاذ التدابير القانونية اللازمة لمنع الانتهاكات في المستقبل([12]).

2- في ظل أحكام محكمة العدل الدولية والاتفاقيات الدولية

أ_ أحكام محكمة العدل الدولية

– ومن خلال مسئولية الدولة عن سلوك وكلائها أو أجهزتها:

أ- وقد أكدت محكمة العدل الدولية أنه: ” وفقا لقاعدة راسخة في القانون الدولي لأي طبيعة عرفية فإن سلوك أي دولة ما يجب اعتباره عملا من أعمال تلك الدولة”([13]).

ب- في قضية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا، لقد أيدت محكمة العدل الدولية أن: ” سلوك الجنود والضباط الأفراد بقوة الدفاع الشعبية الأوغندية( مجموعة أوغندية داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية) يجب اعتباره سلوك أحد أجهزة الدولة … بمقتضى الوضع العسكري …. ولذلك فإن الرأي القائل إن الأشخاص المعنيين لم يتصرفوا أشخاصا يمارسون سلطة حكومية في الظروف المعنية لا يقوم عل أساس(فقره213)([14]).

وفي القضية ذاتها, أكدت المحكمة أنه عند نسبة أفعالهم لأوغندا فسواء كان جنود قوة الدفاع الأوغندية تصرفوا بما يخالف التعليمات المقدمة لهم أم أنهم تجاوزا سلطاتهم فإنه أمر غير ذي صلة, وأكدت المحكمة أنه: ” وفقا لقاعدة راسخة ذات طبيعة عرفية كما ورد في المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الربعة عن احترام القوانين وأعراف الحرب البرية 1907 وكذلك المادة(91)من البروتوكول الأول الإضافي الاتفاقيات جنيف 1949 يكون أحد أطراف نزاع مسلح مسؤولا عن جميع الأفعال التي يقوم بها الأشخاص الذين يشكلون قواته المسلحة”(فقرة214).

– ومن خلال مسئولية الدولة عن تصرفات الجماعات المسلحة من غير الدول والتي تعمل تحت سيطرتها:

وتتعدد تلك الصور في الوقت الراهن حيث يكثر استخدام هذه الوسيلة لتتدخل بعض الدول وخاصة الدول الكبرى في شئون دول صغيرة أو دول العالم الثالث لتنشر الفوضى والقلاقل بما يعود على تحقيق أهدافها ومصلحتها ومن هذه الجماعات جماعة داعش في العراق وسوريا والتي أدت إلى تدمير هاتان الدولتان ولا زال الوضع غير مستقر، وفي السابق كانت هناك العديد من القضايا التي نظرتها محكمة العدل الدولية والمثيلة لذلك منها:

أ- الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراجوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية وفيها قررت المحكمة: ” ……. سواء كانت علاقة الكون ترا بحكومة الولايات  المتحدة الأمريكية علاقة اعتماد من جانب وسيطرة من الجانب الآخر إلي حد أنه يكون من الصواب المساواة بين الكونترا لأغراض قانونية وبين أحد أجهزة حكومة الولايات المتحدة أو بأنها تعمل نيابة عن الحكومة (الفقرة109), وأكدت المحكمة أن مشاركة دولة ما في تمويل وتنظيم وتدريب وإمداد وتجهيز جماعة مسلحة من غير الدول لا يكفي لغرض نسبة أفعال وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني التي ارتكبتها هذه الجماعة في الدولة المعنية (الفقرة115), وكي يحّمل هذا التصرف الدولة المسئولية القانونية يجب مبدئيا إثبات أن الدولة لديها السيطرة الفعلية على العمليات العسكرية أو شبه العسكرية أثناء ارتكاب الانتهاكات المزعومة (فقرة115), وهذه السيطرة “الفعلية” تتضمن اعتماد الجماعة الكامل على الدولة أو أن الدولة أمرت الجماعة بشكل مباشر ارتكاب الأفعال الجنائية المزعومة وإذا لم يتسنى التوصل لهذه الدرجة من السيطرة تبقى الدولة مسئولة عن سلوكها هي وخاصة إذا كانت المساندة الجماعية تعتبر غير مشروعة وإذا كانت الدولة على علم بالانتهاكات التي ارتكتها هذه الجماعة (الفقرة116)([15]).

ب- قضية البوسنة والهرسك ضد الصرب والجبل الأسود، وفيها قضت المحكمة بأنه: ” يجوز المساواة بين الأشخاص أو جماعات الأشخاص أو الهيئات لأغراض المسئولية الدولية بأجهزة الدولة… شريطة أن يكون الأشخاص أو الجماعات أو الهيئات تصرفوا من قبيل الاعتماد الكامل على الدولة التي يعتبرون مجرد أدوات لها”(فقرة392), وأعادت المحكمة إلي الأذهان أن فكرة “الاعتماد الكامل” وغياب الاستقلالية لازمة للمساواة بين أي جماعة مسلحة تمثل الدولة فعليا وبين وكيل الدولة وبالتالي تحميل الدولة المسئولية عن الأفعال المرتبطة (فقرة393), وأضافت المحكمة بأنه يمكن تحميل الدولة فيها المسئولية, ففي حالة عدم وجود معيار “الاعتماد الكامل” يمكن مع ذلك نسبة أفعال الجماعة المسلحة غير الدولية إلى الدولة المعنية إذ ثبت أنها تصرفت وفقا لتعليمات الدولة أو تحت “سيطرتها الفعلية” (فقره400)([16]).

ب_ الاتفاقات الدولية

1- اتفاقية جنيف وبروتوكولاتها الإضافية وهي معاهدات دولية تضم أكثر القواعد أهمية للحد من همجية الحروب وتوفر الحماية للأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية (المدنيون وعمال الصحة وعمال الإغاثة) والذين توقفوا عن المشاركة في الأعمال العدائية (الجرحى والمرضي وجنود السفن الغارقة وأسري الحرب).

ونصت (المادة 80 فقرة ثانية) من البروتوكول الأول الصادر 1977من اتفاقية جنيف الأولى الصادرة 1949 من إجراءات التنفيذ على أنه: ” تصدر الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النزاع الأوامر والتعليمات الكفيلة بتأمين احترام الاتفاقيات وهذا الملحق “البروتوكول” وتشرف على تنفيذها”([17]).

نصت (المادة47) من اتفاقية جنيف الأولى الصادرة 1949, على أنه: ” تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تنشر نص هذه الاتفاقية على أوسع نطاق ممكن في بلدانها في وقت السلم كما في وقت الحرب وتتعهد بصفه خاصة بأن تدرج دراستها ضمن برامج التعليم العسكري والمدني إذ أمكن بحيث تصبح المبادئ التي تتضمنها معروفة لجميع السكان وعلى الأخص للقوات المسلحة وأفراد الخدمات الطبية والدينية”([18]).

ونصت (المادة80 فقرة أولى) من البروتوكول الأول الصادر عام 1977 والملحق باتفاقيات جنيف الأولي الصادرة عام 1949, على أنه: “1- “تتخذ الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النزاع دون إبطاء كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ التزاماتها بمقتضى الاتفاقيات وهذا الملحق البروتوكول” “([19]).

ونصت (المادة50) من اتفاقية جنيف الثانية الصادرة في 1949 , على أنه: ” تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف احدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية المبينة في المادة التالية ([20])”.

 ونصت (المادة 51) من ذات الاتفاقية على أنه: ” المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد، التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو بالصحة، تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع لا تبرره الضرورات الحربية، وبطريقة غير مشروعة وتعسفية”([21]).

ونصت (المادة91) من البروتوكول الأول الصادر1977والملحق باتفاقيات جنيف الصادرة 1949 في المسئولية على أنه: ” يسأل طرف النزاع الذي ينتهك أحكام الاتفاقيات أو هذا الملحق “البروتوكول” عن دفع تعويض إذا اقتضت الحال ذلك، ويكون مسئولا عن كافة الأعمال التي يقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزءا من قواته المسلحة”([22]).

 نصت اتفاقية جنيف الأولى الصادرة 1949في (المادة 51), على أنه: “لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يتحلل أو يحل طرفا متعاقدا آخر من المسئوليات التي تقع عليه أو على طرف متعاقد آخر فيما يتعلق بالمخالفات المشار إليها في المادة السابقة”([23]).

كتابة : د عبد المنعم الشرقاوي

([1]) جيمس كروفورد, المواد المتعلقة بمسئولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا, مكتبة الأمم المتحدة للقانون الدولي, ص8.

([2]) د. حمدي السعيد, مقدمة في دراسة القانون الدولي الجنائي, مطبعة المعارف, بغداد, ط1 ,1971, ص242.

([3]) راجع أحمد منديل, جريمة إبادة الجنس البشري, رسالة ماجستير, كلية القانون, بغداد, القانون الدولي, 2000, ص71وما بعدها.

([4]) د. محمد حافظ الغانم, المسئولية الدولية, معهد الدراسات العربية العالمية, جامعة الدول العربية, 1962, ص16.

([5]) أحمد بشاره موسي, المسئولية الجنائية الدولية للفرد, دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر, 2009, ص30.

([6]) د. عبدالرحيم صدقي, مبادئ القانون الدولي الجنائي, القاهرة, 1986, ص38وما بعدها.

([7]) د, عمر محمد المحمودي, قضايا في القانون الدولي العام, دار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان, ليبيا, ط1, 1986, ص80.

([8]) ناظر أحمد منديل, مرجع سابق, ص63.

([9]) د, عبدالحميد خميس, جرائم الحرب والعقاب عليها, شركة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي وأولاده, مصر, 1955, ص228.

([10]) المادة\ 26من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات والتي تنص علي أنه” كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية”

([11]) الحماية القانونية الدولية لحقوق الإنسان في النزاع المسلح, الأمم المتحدة, حقوق الإنسان, مكتب المفوض السامي, منشورات الأمم المتحدة, نيويورك, 2011, ص74

([12]) الحماية القانونية الدولية لحقوق الإنسان في النزاع المسلح, الأمم المتحدة, حقوق الإنسان, مكتب المفوض السامي, منشورات الأمم المتحدة, مرجع سابق, ص75.

([13]) الفارق فيما يتعلق بالحصانة من الإجراءات القانونية لمقرر خاص للجنة حقوق الإنسان, رأى استشاري, تقارير محكمة العدل الدولية 1999, ص87, فقره62.

([14]) الأنشطة المسلحة علي أراضي الكونغو (جمهورية الكونغو الدمقراطية ضد أوغندا), حكم تقارير محكمة العدل الدولية 2005, ص168, فقرة213.

([15]) حكم, تقارير محكمة العدل الدولية 1986, ص14, فقرات116:109.

([16]) حكم, تقارير محكمة العدل الدولية 2007, ص43, فقرات407:391.

([17]) الجريدة الرسمية للأردن, البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية, والتي وقعها الأردن عام 1977, وصادق عليها في 1979, العدد 4817, بتاريخ 1\4\2007.

([18]) اللجنة الدولية للصليب الأحمر, اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب \ أغسطس 1949, ط4, سويسرا, ص49

([19]) الجريدة الرسمية للأردن, البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية, والتي وقعها الأردن عام 1977, وصادق عليها في 1979, مرجع سابق.

([20]) اللجنة الدولية للصليب الأحمر, مرجع سابق, 84

([21]) اللجنة الدولية للصليب الأحمر, مرجع سابق, ص84

([22]) الجريدة الرسمية للأردن, البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية, والتي وقعها الأردن عام 1977, مرجع سابق.

([23]) اللجنة الدولية للصليب الأحمر, المرجع السابق, ص51

Scroll to Top