تعريف بقواعد الإسناد في القانون الدولي الخاص
لم يعد للنظرة التقليدية لفكرة تطبيق القوانين مجالاً في ظل العالم المعاصر، حيث كان – سابقاً – يُنظر إلى تطبيق قانون الدولة من قبل محاكمها أنه أمر متعلق بسيادتها، إلا أنه إزاء التطور الذي طرأ على العالم المعاصر أدى إلى طمس تلك الفكرة، وأصبح من المتعارف عليه إمكانية قيام القاضي الوطني بتطبيق قواعد قانونية أجنبية في حالات معينة والتي تتجلى على وجه الخصوص حال وجود عنصر أجنبي يتخلل عناصر الدعوى.
ومن هنا بدت الحاجة إلى وجود ما يسمى بقواعد الإسناد والتي يكمن دورها الجوهري في الإشارة إلى القانون الواجب التطبيق على النزاع الذي يتخلله عنصر أجنبي.
أولا: ماهية قواعد الإسناد بوجه عام:
ثانياً: تعريف قواعد الإسناد عند فقهاء العالم في أوروبا وأمريكا:
ثالثاً: تعريف قواعد الإسناد عند فقهاء العالم العربي:
أولا: ماهية قواعد الإسناد بوجه عام:
إن المشكلة الأساسية لظهور قواعد الإسناد هي تنازع القوانين وتزاحمها لحكم المسألة محل النزاع والتي تكون ذات طابع دولي، والتي تثير سؤال على درجة عالية من الأهمية يتمثل في أي من القوانين المتزاحمة سيكون جديراً بحكم النزاع؟
وفي هذا الصدد تظهر أهمية قواعد الإسناد والتي تُعنى ببيان أي من تلك القوانين المتزاحمة هو الأجدر لحكم النزاع والانطباق على الواقعة المعروضة أمام قاضي الموضوع.
فقواعد الإسناد هي القواعد القانونية التي ترشد القاضي الي القانون الواجب تطبيقه علي العلاقات ذات العنصر الأجنبي، فالمهمة الأساسية لقواعد الإسناد هي إرشاد القاضي إلى القانون الواجب تطبيقه، فما هي إلا على حد تعبير البعض قواعد عمياء هدفها هو إسناد العلاقة إلى أكثر القوانين ارتباطا بها وذلك مثل إسناد أثار الزواج في العراق إلى قانون جنسيه الزوج[1]، ولذلك يشبه الفقهاء الإنجليزيين قواعد الأسناد بأنها مثل مكاتب الاستعلامات في محطات القطار، فهي لا تهدف إلى توصيل المسافر ولكن ترشده فقط إلى القطار الذي سيقله إلى المكان المراد الانتقال إليه.
ويتضح من ذلك أن لقواعد الإسناد خصائص تميزها عن غيرها من القواعد القانونية المختلفة فعلى الرغم من تكون قواعد الإسناد من عنصري الفرض والحكم وهما المكونين لكافة القواعد القانونية الأخرى، إلا أن خصوصية قواعد الإسناد تتمثل في أن عنصر الفرض يتحلل بدوره إلى عنصرين جوهريين وهما: الفكرة المسندة والقانون الواجب التطبيق.
مما يؤدي إلى وجوب تكييف العلاقة القانونية المعروضة على القاضي قبل تطبيق قواعد الإسناد لإمكانية وضعها في الفكرة المسندة الملائمة لها ثم بيان القانون الواجب التطبيق في مرحلة لاحقة، فعلى سبيل المثل يجب تحديد مصدر الضرر الناشئ وهل هو ناشئ عن علاقة تعاقدية أم عن فعل غير مشروع فإن تم تكييفه أنه ناشئ عن فعل غير مشروع – أي مسئولية تقصيرية – فسيدخل في الفكرة المسندة الخاصة بالالتزامات الغير تعاقدية والتي تخضع للقانون المحلي وفقاً لما ذهب إليه العديد من المشرعين.
أما إذا كان الضرر مصدره التزام تعاقدي – أي مسئولية تعاقدية – فسيوضع مصدر الالتزام في الفكرة المسندة الخاصة بالالتزامات التعاقدية والتي تخضع بدورها لقانون مختلف عن القانون المحلي والذي قد يتمثل في قانون بلد الإبرام أو قانون الإرادة وذلك وفقاً لما يحدده كل مشرع فقاً لسياسته التشريعية.
يتضح إذن أن دور قواعد الإسناد يتجلى في نطاق المنازعات التي يتخللها أحد العناصر الأجنبية بحيث يكون دور قواعد الإسناد هو تحديد أي قانون هو القانون الواجب التطبيق على النزاع، مما يدعنا نشير إلى أن تلك القواعد لم يكن لها دوراً تؤديه في سابق العهد نظراً لرفض كافة الدول تطبق قانون أجنبي على إقليمها وذلك لأن المفهوم الذي كان سائداً هو تعلق تطبيق القوانين الوطنية على إقليم الدولة بسيادة تلك الأخيرة.
ثانياً: تعريف قواعد الإسناد عند فقهاء العالم في أوروبا وأمريكا:
قام العديد من فقهاء القانون بتعريف قواعد الإسناد، ونذكر من تلك التعريفات ما يلي:
يعرفها البعض بأنها: (القواعد التي تعتبرها محاكم بلد معين وتحكم بمقتضاها لاختيار القانون الذي يجب أن يطبق في القضايا التي يكون فيها عنصر أجنبي وكذلك القواعد التي تقرها وتحكم بمقتضاها لتحديد اختصاصها هي بوجه عام أو اختصاص غيرها من المحاكم). [2]
ويتضح أن هذا التعريف يضع قيوداً على دور قواعد الإسناد، يتمثل أولهما في وجوب أن يكون القانون الذي تشير إليه قاعدة الإسناد صادر عن دولة تعترف بها دولة القاضي الذي يحكم النزاع، وإلا لامتنع القاضي عن تطبيق ذلك القانون، فلو تصورنا أن هناك عقد ابرم داخل الكيان الصهيوني وصار بشأنه نزاع أمام القاضي السعودي وأشارت قاعدة الإسناد إلى تطبيق قانون بلد الإبرام فإن القاضي السعودي سيضرب بذلك عرض الحائط لأن دولته لا تعترف بما يسمى بالكيان الصهيوني.
والقيد الثاني يتمثل في أن هذا التعريف قد أوضح من خلال ألفاظه بأن القانون الواجب تطبيقه لا يكون في أغلب الحالات قانون أجنبي فقد يكون القانون الوطني هو الذي تشير إليه قاعده الإسناد، لذلك يُطلق على قواعد الإسناد أنها قواعد مزدوجة الجانب، حيث أنها قد تشير إلى قانون أجنبي وقد تشير إلى قانون وطني، بل وفي بعض الحالات لا تشير إلا إلى القانون الوطني، وذلك مثلما هو الحال في مواد الزواج في أغلب تشريعات البلدان العربية والتي تجعل من قانونها هو الواجب التطبيق على الشروط الموضوعية للزواج وأثاره إذا كان أحد الزوجين يتمتع بجنسية تلك الدولة لحظة إبرام الزواج، وهذا ما اتجه إلية المشرع المصري وقرره بموجب (المادة 14) من القانون المدني والتي نصت على أن: (في الأحوال المنصوص عليها في المادتين السابقتين إذا كان أحد الزوجين مصرياً وقت انعقاد الزواج، يسري القانون المصري وحده، فيما عدا شرط الأهلية للزواج).
كما عرفها الأستاذ سيتلمان الأستاذ بجامعه بون (BOON) في ألمانيا بأنها: (القواعد القانونية التي تبين أي قانون من القوانين المتعددة المعمول بها في الجهات المختلفة يجب تطبيقه على قضية معينه خاصه بالأفراد).[3]
كما تم تعريفها بأنها: (مجموعه القواعد الموضوعة لحل التنازع الذي يمكن أن يحصل بين دولتين مستقلتين بخصوص قوانينها الخاصة أو المصالح الخاصة برعاياها).[4]
كما عر فها الفقيه الألماني دس بانييه الأستاذ بجامعه بوردو بأنها: (القواعد التي يجب اتباعها في تنازع القوانين الخاصة بين الحكومات المختلفة).[5]
كما قال الأستاذ أسر ( الأستاذ بجامعه أمستردام ) أن قواعد الإسناد هي: (مجموعه المبادئ التي تبين أي القوانين يطبق على الصلات القانونية التي تنشأ بين أشخاص تابعين لحكومات مختلفة أو بالنسبة لأعمال حصلت في الخارج أو بالاختصار في كل الأحوال التي يكون فيها محل لتطبيق قانون حكومة معينه داخل حدود حكومة أخري).[6]
من خلال هذه التعريفات المختلفة للأساتذة الكبار يتبين أن قواعد الإسناد هي جزء من القانون الوطني الخاص بالدول وأن قواعد الإسناد تحكم العلاقات التي يتخللها أحد العناصر الأجنبية سواء تمثلت في أشخاص النزاع، أم مكان التنفيذ ،أم مكان الإبرام ،أم مكان مصدر الالتزام.
ثالثاً: تعريف قواعد الإسناد عند فقهاء العالم العربي:
فقد عرفها البعض بأنها: (القواعد التي تكون وظيفتها الأساسية الإشارة والإسناد إلى قانون يتولى حل النزاع في العلاقات ذات الطابع الدولي). [7]
كما عرفها البعض[8]: (بأنها قاعده قانونيه ترشد القاضي بشأن علاقات قانونيه ذات عنصر أجنبي أو أكثر أو بأنها قواعد قانونيه تم بمقتضاها تحديد القانون واجب التطبيق على المنازعات).
كما عرفها الدكتور جابر عبد الرحمن بأنها: (قواعد وطنيه وضعها المشرع الوطني تشير إلى تطبيق القانون واجب التطبيق على العلاقات ذات العنصر الأجنبي هدفها تحقيق العدالة والمنفعة ولا تصطدم بمصالح الدولة العليا أو السياسة).[9]
كما عرفها الدكتور سلامه أحمد عبد الكريم بأنها: (عباره عن قاعده قانونيه يضعها المشرع الوطني وهدفها هو إرشاد القاضي إلى القانون الواجب التطبيق على المسألة المشتملة على عنصر أجنبي). [10]
وكذلك قام الدكتور حافظ عبد الكريم ممدوح بتعريفها بأنها: (القواعد القانونية التي يتكفل المشرع الوطني غالبا بتنظيمها بتشريع أو مصادر أخرى لغرض الوصول إلى القانون واجب التطبيق على العلاقات القانونية المعروضة أمام القضاء والمشوبة بعنصر أجنبي).[11]
مميزات قواعد الإسناد:
أن قواعد الإسناد هي قواعد من صنع المشرع الوطني بحيث يستأثر في صياغتها وفقاً لما يراه ملائماً لمصلحة دولته ووفقاً للسياسية التشريعية المتبعة في تلك الدولة، الأمر الذي يحتم أن تكون تلك القواعد متماشية مع دستور الدولة وإلا لوصمت بعدم الدستورية.
فضلاً عن أن قواعد الإسناد لا يتم إعمالها إلا إذا كان هناك تنازعاً في القوانين بالمعنى الدقيق، أي وجود تنازع بين قانونين – أو أكثر – ينتميان إلى دول مختلفة ذات سيادة معترف بهما على المستوى الدولي بوجه عام ومن دولة القاضي بوجه خاص.
لذلك لا يقوم التنازع بين قانون دولة وقانون بلد لا يتمتع بهذا الوصف، وذلك كما لو ثار نزاع أمام أحد القضاة ووجد أن الخصم يتمسك بشرائع قبيلة لم ترق إلى حد الدولة، فإن القاضي في هذه الحالة سيضرب بتلك الشرائع عرض الحائط ولا يمكن القول بوجود تنازع في تلك الحالة لانتفاء وصف الدولة عن تلك القبيلة.
فضلاً عن ضرورة الاعتراف بالدولة الأجنبية التي أشارت إلى قانونها قواعد الإسناد من قبل دولة القاضي وإلا سيمتنع القاضي عن تطبيق ذلك القانون.
ولكن في هذا الصدد يثار التساؤل عن مدى ضرورة الاعتراف بحكومة الدولة التي أشارت إلى قانونها قواعد الإسناد؟
على الرغم من وجود خلاف فقهي في هذا الصدد إلا أن الرأي الراجح يذهب إلى الاكتفاء بالاعتراف بالدولة دون ضرورة الاعتراف بالحكومة حتى يقبل القاضي تطبيق قانون الدولة التي أشارت إليها قواعد الإسناد.
وأخير نشير إلى أن يتضح من مطالعة التعريفات السابقة أن قواعد الإسناد لا يُعمل بها إلى في مجال التنازع بين القوانين الخاصة، أما في مجال القانون العام فلا يوجد مجاد لإعمال قواعد الإسناد وذلك نظراً لرفض الدول تطبيق قانون عام أجنبي على إقليمها.
وعلى الرغم من ذلك يوجد اتجاه فقهي يشير إلى إمكانية إدخال نظم القانون العام داخل مجال قواعد الإسناد، ويضربون مثالاً يظهر كيفية ذلك يتمثل في تمسك أحد الخصوم بعدم دستورية قانون أجنبي سبق وأن أشارت إليه قواعد الإسناد، ألم يدفع ذلك القاضي إلى البحث في دستور تلك الدولة الأجنبية للوقوف على مدى دستورية القانون الأجنبي؟
لذلك يرى البعض أن هناك حالات يمكن فيها إدخال القوانين التي تنتمي إلى فرع القانون العام داخل مجال إعمال قواعد الإسناد.
وأخير ينبغي الإشارة إلى أن إعمال قواعد الإسناد يجب ألا ينطوي على ما يُخالف النظام العام في دولة القاضي، فإذا وجد القاضي أن قواعد الإسناد أشارت إلى قانون ينطوي على مخالفة ظاهرة وجلية لأسس النظام العام في دولته لتعين عليه إقصاء هذا القانون وتطبيق قانون أخر قد يكون هو قانونه الشخصي أو قانون آخر تشير إليه قاعدة إسناد احتياطية.
كتابة : وليد سيد
مراجعة وتدقيق : المحامي سامي العوض
[1] ماده 19 مدني من القانون العراقي رقم 40 لسنه 1951م
[2] Dicey-A Digest of the Law of England with Reference to the conflict of laws, third.by Dicey and Berridalc Keith London ,1923 ترجمه الدكتور عبدالحميد أبو هيف
[3] Zitelmann— Internationales privatreeht 2 vol. Leipzig 1912. page10
[4] Weiss—Trqile elemntqire de Droit international prive. Paris 1800 page 30
[5] Despagnet de boeck- precis du Droit international prive, 5. cdition. paris 1909. page19
[6] Asser — Elements de Droit international prive ou des conflits
Des lois, iraduit par Alphones Rivier. Paris 1884. page 19
[7] د ابراهيم احمد ابراهيم (2002) القانون الدولي الخاص تنازع القوانين صفحه 153 دار النهضة العربية. عمان . الاردن
[8] د سلامه احمد عبد الكريم (2008) القانون الدولي الخاص صفحه 291 دار النهضة العربية. القاهرة
[9] د جابر عبد الرحمن (1969) تنازع القوانين صفحه 169. دار النهضه العربية . عمان . الأردن
[10] د سلامه احمد عبد الكريم (2002) الأصول في التنازع الدولي للقوانين صفحه 480 دار الثقافة للنشر والتوزيع. عمان . الأردن
[11] د حافظ عبد الكريم ممدوح (1973) القانون الدولي الخاص وفق القانون العراقي والمقارن صفحه 263 دار الحرية انطباعه. بغداد

