الأحلاف الدولية
العلاقات الدولية في واقعنا المعاصر اتخذت أشكالًا وصورًا متعددة فرضتها طبيعة المصالح والتحديات التي تواجه الدول المختلفة، مما ألجأها إلى إبرام العديد من الاتفاقيات والمعاهدات فيما بينها للحفاظ على مصالحها وبطبيعة الحال فإن أكثر ما يشغل بال وفكر الدول هو الحفاظ على بقائها، والمحافظة على أمن وسلامة أراضيها واتخاذ التدابير لمواجهة التهديدات الخارجية، وقد يكون هذا الخطر مما يُصعب على دولة منفردة التصدي له مما يضطرها إلى عقد اتفاقيات مع دولة أو دول أخرى يهددها نفس الخطر بغية حماية هذه الدول من هذا الخطر المحتمل.
وسنتولى في هذه المقالة إلقاء الضوء على الأحلاف الدولية في القانون الدولي، وذلك من خلال بيان مفهوم الأحلاف الدولية وتمييزه عن غيره من صور العلاقات الدولية، ثم بيان شروط صحته وإجراءات إبرامه، وبيان موقع قواعد الحلف من القانون الداخلي للدولة، ونختتم المقالة بالحديث عن مكانة نفاذ المعاهدات والأحلاف الدولية في النظام القانوني الوطني الأردني.
أولاً: مفهوم الأحلاف الدولية وما يميزه عن غيره من المفاهيم:
ثانيًا: التمييز بين التحالف وغيره من صور التجمعات الدولية
ثالثًا: شروط صحة الأحلاف الدولية وطرق إبرامها:
رابعًا: سريان معاهدة التحالف من حيث الزمان ونفاذها في القوانين الوطنية:
خامسًا: منزلة معاهدات التحالف ونفاذها في النظام القانوني الأردني:
أولاً: مفهوم الأحلاف الدولية وما يميزه عن غيره من المفاهيم:
1_ تعريف التحالف ( (Alliance :
والتي تسمى أيضا بالتحالفات الدولية ومفردها الحلف الدولي ويُعرف قاموس العلوم السياسية التحالف على أنه: “الحلف في القانون الدولي والعلاقات الدولية هو علاقة تعاقدية بين دولتين أو أكثر يتعهد بموجبها الفرقاء المعنيون بالمساعدة المتبادلة في حالة الحرب ….”[1].
ويُعرِّفه الدكتور “محمد بدوي” على أنه: “اتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة ولحماية أعضائه من قوةٍ أخرى، وتبدو هذه القوة مهدِدة لأمن كل من هؤلاء الأعضاء”[2].
وقد ضيَّق بعض الباحثين من مفهوم التحالف من حيث حصر صوره والأنشطة التي تترتب عليه في صورة تنظيم الدفاع المشترك بين الدول المحالفة حيث جاء في القاموس السياسي لأحمد عطية “الأحلاف معاهدات تحالف ذات طابع عسكري تُبرم بين دولتين أو أكثر للتعاون في تنظيم دفاع مشترك بينهما”[3] .
ومن هذه التعريفات السابقة يتضح لنا أن الأحلاف الدولية تتم وتكون ذات طابع عسكري بين الدول بغية اتخاذ تدابير معينة ضد دولة أو مجموعة من الدول، بل وضد جماعات وكيانات غير رسمية (التحالف الدولي ضد داعش).
وغالباً ما يُستخدم استعمال القانون الدولي لكلمة حلف ( (Alliance للدلالة على اتفاق يجمع عدة دول تحقيقاً لمصلحة مشتركة أياً كانت هذه المصلحة، وهذا ما يؤكده تعريف David- Edwards للحلف الدولي بأنه “التزام مشروط ذو طابع سياسي أو عسكري بين مجموعة من الدول باتخاذ التدابير التعاونية في مواجهة دولة أو مجموعة دول”.
ثانيًا: التمييز بين التحالف وغيره من صور التجمعات الدولية
أ_ التمييز بين الحلف والعلاقات الخاصة:
فالحلف يطلق إجمالا على تنظيم أو التزام عدد من الدول باتخاذ تصـرفـات تـعـاونـيـة مـعـيـنـة ضـد دولـة أو دول أخـرى فـي ظروف معينة بشكل رسمي، أما العلاقات الخاصة فهي أن تتعاون دولاً في مواجهة دول أخرى دون أن يتخذ ذلك طابع الرسمية والمثال الأشهر على ذلك العلاقة بين أمريكا وبريطانيا[4] .
ب_ التمييز بين الحلف والانحياز:
التحالف هو عبارة عن تعاون بين الدول يضفي عليه طابع الرسمية، ومُنظَّم باتفاقية، أما الانحياز فليس كذلك فهو غير مُنظم باتفاقية مما جعل البعض ومنهم جورج ليسكا “يقول إن التحالف ما هو إلا انحياز أصبغ عليه طابع الرسمية”، والانحياز قد يؤدي إلى التكتل نتيجة تعرض الدول التي ترفض الانصياع لتوجيهات الدول الكبرى، من أجل أن تُخفف الضغط عنها، والمثال الأشهر على ذلك هو (كتلة عدم الانحياز).
ج- بين التكتل ( Block or Coalition ) والتحالف:
إن كلاً من التكتل والتحالف عبارة عن تجمع يضم دولتين أو أكثر تربطهم نفس المصالح والأهداف المشتركة إلا أنهما يختلفان من ناحيتين الأولى موضوع كل منهما، فإن التحالف عادة ما يكون ذو طابع عسكري بالدرجة الأولى، بخلاف التكتل الذي يهدف إلى التعاون السياسي والاقتصادي في المقام الأول، أما من الناحية الشكلية أو الإجرائية فالتحالف كقاعدة عامة لابُد أن يُضفى عليه طابع الرسمية عن طريق تنظيمه في معاهدة دولية بالمعنى الفني، بل والأمر قد يصل إلى ضرورة وجود منظمات وهيئات تنظم العمل بمقتضى التحالف[5].
ثالثًا: شروط صحة الأحلاف الدولية وطرق إبرامها:
1_ شروط صحة التحالف:
أ_ الأهلية:
إن حق إبرام الاتفاقيات ومن ثم التحالفات الدولية هو حق أصيل للدول وذلك ما أكدته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات[6]، في (المادة 6) والتي نصت على أن: “لكل دولة أهلية لعقد المعاهدات” [7]، فجعلت الأهلية التي بموجبها يتولد الحق في إبرام المعاهدات للدول فقط وهذا كان اتجاه سائداً في الفقه في ذلك الوقت؛ إلا أن الحق يجعلنا بالتسليم لأشخاص القانون الدولي العام أي الدول والبابا والمنظمات الدولية أهلية إبرام المعاهدات، أما بالنسبة للمنظمات الدولية فقد منحتها (المادة ١٠٤) من ميثاق الأمم المتحدة الأهلية القانونية لمباشرة مهامها على النطاق الدولي.
ب_ الرضا (سلامة الإرادة):
التحالف الدولي يُعتبر اتفاق أو عقد بين دولتين أو أكثر يرتب حقوق والتزامات لكل طرف على الطرف الآخر، وبالطبع ينبغي أن تكون إرادة الدولة فيه كاملة وخالية من عيوب الإرادة المعروفة (الغلط ـ التدليس ـ الإكراه).
غير أن الإجراءات والمراحل التي يستلزمها إبرام المعاهدات قلل من احتمال وجود هذه العيوب، ومع ذلك أقر القانون الدولي للدولة التي شاب إرادتها عيب من هذه العيوب أن تطلب إبطال المعاهدة [8].
وقد يأخذ التعبير عن الإرادة للالتزام بالمعاهدات ومن ثم الأحلاف الدولية إحدى هذه الصور: التصديق، أو التوقيع، أو إيداع الوثائق، أو الانضمام للمعاهدة .
ج_ مشروعية المحل (الموضوع):
عند الحديث عن التحالفات الدولية، نلاحظ أنها تخضع للقواعد الآمرة في القانون الدولي العام، فقواعد القانون الدولي العام هي الحاكم على مدى مشروعية بنود التحالف الدولي من عدمه، ونسلم أن القاعدة العامة، هي أن للدول حرية مطلقة في تحديد موضوع الاتفاقية وطبيعته، إلا أن هذه الحرية تُقيد بمبدأ المشروعية، وعليه فلا ينبغي بحال من الأحوال أن يخالف موضوع التحالف ما يلي:
- القواعد الآمرة في القانون الدولي أو النظام الدولي العالمي[9].
- يجب ألا يتنافى موضوع المعاهدة مع الآداب العامة أو الأخلاق الدولية أو المبادئ الإنسانية العامة كالاتفاق على تجارة البغاء[10].
- بحسب (المادة 103) من الميثاق فإنه يجب ألا تتعارض المعاهدة مع التزامات الدولة التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة والذي قضى بأنه: “إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق “.
فكل اتفاق أو تحالف لا ينسجم ويختلف غرضه عن ميثاق الأمم المتحدة يُعد باطلاً، ومن الأمور المخالفة للميثاق، العدوان والتعدي على سيادة الدول، ولقد رأينا أن فلسفة الأحلاف الدولية تكون في المقام الأول ذات طابع عسكري الهدف منه هو الدفاع المشروع عن النفس، وهذا الدفاع قد أقره ميثاق الأمم المتحدة[11].
وقد راعت اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي هذا الأمر، حيث نصت في (المادة 2) على أنه: “وتطبيقا لأحكام المادة السادسة من ميثاق جامعة الدول العربية والمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة. يخطر على الفور مجلس الجامعة ومجلس الأمن بوقوع الاعتداء وما اتخذ في صدده من تدابير وإجراءات”.
2_ مراحل إبرام التحالفات الدولية:
أ_ المفاوضة:
إن من الأمور البديهية مرور أي اتفاق سواءً كان بين أفراد القانون الخاص أو العام بما يُسمى بالمفاوضة أو المساومة، وفيها يتباحث ممثلي الدول حول الحقوق والالتزامات التي سيتحملها كل طرف، وكذلك الأهداف من وراء التحالف، والوسائل التي سيتم اتخاذها، وبالجملة يتم في هذه المرحلة الاتفاق على كافة البنود والاشتراطات فهي المرحلة التمهيدية والأساسية لإنشاء أي تحالف، أو إبرام أي اتفاقية على الصعيد الدولي[12].
ب_ تحرير اتفاقية التحالف:
الأحلاف والتحالفات الدولية لابُد أن تتسم بطابع الرسمية وقد نظمت اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية ذلك الأمر في مادتها الثالثة، حيث اعتبرت الاتفاقية الكتابة شرطاً لازما لتسمية الاتفاقية بالمعاهدة، غير أن هذه الشكلية لا تؤثر في القوة الملزمة للاتفاقية التي لا تتخذ شكلا مكتوبا إلا أن الاتفاقية ذاتها لم تُجرد الاتفاقيات الشفوية من قوتها القانونية[13].
ج_ التصديق:
وهو الإجراء الذي تعبر به الدول عن رضاها بقبولها الرسمي للمعاهدة من قبل السلطة التي يحددها الدستور. ومعظم الدول تشترط هذه الشكلية وسبب ذلك أن المعاهدات كثيراً ما تفرض التزامات على عاتق الدولة، بل قد تمتد آثارها إلى الأفراد أو الشعب أو تمس نظامها السياسي، ولذلك تفضل الدول أن تتحمل هذه المسؤولية السلطات الدستورية سواء البرلمان أو رئيس الدولة. ويعرف وشهد التاريخ الحديث الكثير من الخلافات بين السلطة التنفيذية )رئيس الدولة( والسلطة التشريعية بسبب رفض هذه الأخيرة معاهدة وقعها الرئيس[14].
وقد نصت اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية على ذلك في (المادة 7) حيث نصت على أن: “يعتبر الأشخاص التالون ممثلين لدولهم بحكم وظائفهم، ودون حاجة إلى إبراز وثيقة التفويض الكامل:
(أ) رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، من أجل القيام بجميع الأعمال المتعلقة بعقد المعاهدة.
(ب) رؤساء البعثات الدبلوماسية من أجل اعتماد نص المعاهدة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمدين لديها.
(ج) الممثلون المعتمدون من قبل الدول لدى مؤتمر دولي أو لدى منظمة دولية أو إحدى هيأتها وذلك من أجل اعتماد نص المعاهدة في ذلك المؤتمر أو المنظمة أو الهيئة”.
د_ التوقيع:
بعد الاتفاق على أحكام الاتفاقية وصياغتها يتم التوقيع عليها من طرف المفاوضين، والتوقيع هو إجراء شكلي يصدر من الدول المشاركة في المفاوضات. وهو شرط ضروري لكنه ليس كافياً، وعادة ما يتم التوقيع على مرحلتين التوقيع بالأحرف الأولى، ويعني ذلك إعطاء فرصة للمفاوضين للرجوع إلى حكوماتهم لتبدي رأيها النهائي في المعاهدة قبل الالتزام بها رسمياً، ويسمى أيضاً بالتوقيع بشرط المشاورة، أما المرحلة الثانية فهي التوقيع النهائي أو الرسمي، وقد جعلت معاهدة فيينا التوقيع على الاتفاقية من وسائل التعبير عن الرضا بالالتزام بالمعاهدة[15].
ومع ذلك فهناك حالات تلتزم فيها الدول الأطراف بالمعاهدة بمجرد التوقيع عليها[16].
و_ إيداع الوثائق:
تتم هذه العملية بإرسال نسخة من وثائق التصديق إلى الدول الأطراف في المعاهدة الثنائية، أما في المعاهدات الجماعية فتكون عاصمة الدولة التي عقد فيها المفاوضات مقراً لإيداع التصديقات، وبالنسبة للمعاهدات التي تتم تحت إشراف الأمم المتحدة فيكون مقر الأمم المتحدة هو مكان الإيداع[17].
وقد اعتمدت اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي نظامي التصديق، وإيداع الوثائق كمظهر للتعبير عن إرادة الدول المشاركة في الحلف حيث نصت (المادة 13) من الاتفاقية على أن: “يُصدق على هذه المعاهدة وفقاً للأوضاع الدستورية المرعية في كل من الدول المتعاقدة، وتودع وثائق التصديق لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية”.
رابعًا: سريان معاهدة التحالف من حيث الزمان ونفاذها في القوانين الوطنية:
1_ سريان المعاهدة من حيث الزمان (النطاق الزمني):
من المُسلم به في قواعد القانون الدولي العام أن المعاهدة أياً كان موضوعها هي التي تحدد موعد بدء سريانها، والتزام كافة الأطراف بها، أي أنه ينبغي أن تُضَمّن معاهدة التحالف على موعد بدء سريانها، أما إذا خلت المعاهدة من مثل هذا النص، فإن موعد سريانها يكون بموافقة جميع أطراف الاتفاقية سواء بالتوقيع أو التصديق أو بالشكل الذي تُحدده الاتفاقية[18].
وقد نصت اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي على موعد نفاذ وسريان المعاهدة قِبل من صدَّق عليها، وحددته بانقضاء خمسة عشر يوماً من تاريخ استلام الأمانة العامة وثائق أربع دول على الأقل[19].
2_ منزلة المعاهدات في القوانين الوطنية:
لكي تحقق المعاهدات والاتفاقيات والأحلاف الدولية أغراضها ينبغي أن تكون لها قوة الإلزام لكي تحمل أطرافها على الوفاء بالالتزامات الناشئة عن صور التعاون الدولي (الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق والأحلاف)، فقد نصت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات في (المادة 27) على ضرورة احترام القوانين الداخلية للمعاهدات والاتفاقيات الدولية بنص قاطع ومفاده: “لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة ….” لذلك تحرص الدول على التأكيد على أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية ـ أياً كان نوعها، تُعد من قبيل القوانين الوطنية، وتُشكل مع التشريعات المحلية النظام القانوني للدولة، إلا أن اتجاهات الدول تختلف في إنزال المعاهدات الدولية في السلم التشريعي الوطني فمنهم من يجعلها في منزلة الدستور، فكل تشريع يُخالف أي معاهدة دولية يقع باطلا لعدم دستوريته، بل ومنها من يجعل الاتفاقيات الدولية في منزلة المواد فوق الدستورية، ومنها من يجعلها في منزلة التشريعات والقوانين العادية، والأقل من ذلك لا يضمن بحال من الأحول الوفاء بالالتزامات المترتبة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومن ثم الإخفاق في تحقيق الأهداف المرجوة منها.
ومع ذلك فقد راعت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات حالات يجوز فيها الاحتجاج بقواعد القانون الداخلي على المعاهدات، والاتفاقيات الدولية وذلك فيما يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات إذا كانت مخالفة قواعد الاختصاص خالفت قاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي[20] .
خامسًا: منزلة معاهدات التحالف ونفاذها في النظام القانوني الأردني:
1_ منزلة معادات التحالف في التشريع الوطني الأردني:
أ_ سمو المعاهدات الدولية على التشريع الوطني:
لقد استقر الرأي في الفقه والقضاء الأردني على مبدأ سمو المعاهدات الدولية على التشريعات الوطنية، والبرهان الأكبر على ذلك هو استقرار أحكام محكمة التمييز الأردنية على تطبيق المعاهدات الدولية ولو تعارضت مع التشريع الداخلي، وكذلك ما انتهت إليه المحكمة الدستورية في قرارها التفسيري رقم 1 لسنة 2020، والذي جاء فيه: “أنه لا يجوز إصدار أي قانون يتعارض برمته مع الالتزامات المقررة على أطراف معاهدة كانت المملكة طرفاً فيها”.
ب_ حكم التعارض بين المعاهدة والتشريعات اللاحقة لها:
يرى غالبية الفقه أن المعاهدة الدولية مفضلة دائما على التشريع الداخلي، وواجبة التطبيق دائما سواء كانت متعارضة مع تشريع داخلي سابق على نفاذها أم لاحقة لنفاذها”.
وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي الأردني في قرار حديث له بقوله :
” من المتفق والمستقر عليه قضائيا أن القوانين المحلية السارية المفعول هي الواجبة التطبيق ما لم يرد في معاهدة أو اتفاق دولي ما يخالف أحكام هذه القوانين، وهذه القاعدة لا تتأثر بأسبقية القانون المحلي على الاتفاق الدولي أو أسبقية القانون الدولي على القانون المحلي “.
2_نفاذ المعاهدات في التشريع الوطني الأردني:
نفاذ المعاهدات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة .
ولا تكون هذه المعاهدات نافذة، وكما نص الدستور إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة، ولكن ما هو قصد المشرع الدستوري بشرط “موافقة مجلس الأمة ” وإليه هذه الموافقة ؟
لقد جرت العادة في مجلس الأمة في مثل هذا النوع من المعاهدات أن تكون الموافقة بموجب قانون (1). يتقدم بمشروعه مجلس الوزراء ويناقش في مجلس الأمة ويوافق عليه ويصادق عليه من قبل الملك، وإصداره ونشره في الجريدة الرسمية .
والحقيقة أن منحى مجلس الأمة بالموافقة على المعاهدات بقانون لهو منحى غريب جرت العادة على الأخذ به، ولم ينص عليه المشرع الدستوري ولم يشترطه في (المادة 33) من الدستور، وإنما هو اشترط الموافقة وأن تكون بأبسط صورها، ولو أراد المشرع الدستوري أن تكون الموافقة بقانون لنص على ذلك صراحة، كما فعل لامتياز استثمار المناجم أو المعادن المنصوص عليها في (المادة 117) من الدستور والتي نصت على:
” كل امتياز يعطى لمنح أي حق يتعلق باستثمار المناجم أو المعادن أو المرافق العامة يجب أن يصدق عليه بقانون “[21].
نفاذ المعاهدات الأخرى:
أن المعاهدات التي لا يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة والخاصة تكون نافذة بمجرد مصادقة الملك عليها دون الحاجة لموافقة مجلس الأمة عليها، وهذا ما يمكن التوصل اليه من مفهوم المخالفة للمادة (33) من الدستور.
حكم التصديق المخالف للدستور:
إن التصديق إذا جاء مخالفاً لأحكام الدستور، كأن يكون اشترط موافقة مجلس الأمة على سبيل المثال لنفاذ معاهدات التحالف وغيره كما هو الحال في المادة 33 من الدستور، فإن هذا يعني أن تخلف شرط مصادقة مجلس الأمة على المعاهدة يحول دون نفاذها.
وفيما تعلق بالنشر فالنشر عملية مادية ملحقة بالتصديق، وهو عبارة عن وضع القانون في دائرة التنفيذ، والغرض منه إخطار المواطنين بالقانون، ويكون النشر بواسطة الجريدة الرسمية والمعاهدات التي لا تنشر في الجريدة الرسمية، لا تعد نافذة ولا ملزمة للأفراد المخاطبين بأحكامها وللمحاكم.
كتابة : زياد الأزهري
[1]Joseph Dunner. ”Dictionary of Political Science, Vision Press Ltd. London(1965)P.16.
[2]عادل السلمان ,الأحلاف والتكتلات الدولية ,أبحاث سياسية , الحوار المتمدن , 19\8\2004 ,
[3] أحمد عطية الله، القاموس السياسي، دار النهضة العربية ـ القاهرة
[4] DAVID V. Edwards, International Political Analysis, Holt Rinhart and Winston Inc.(N.Y.
1964)P.206.
[5] د/ محمد عزيز شكري، الأحلاف والتكتلات في السياسة العالمية، دار المعرفة، الكويت (بتصرف)
[6] اعتمدت من قبل المؤتمر الأمم المتحدة بشأن قانون المعاهدات الذي عقد بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2166 المؤرخ في 5 كانون الأول/ديسمبر 1966، ورقم 2287 المؤرخ في 6 كانون الأول/ديسمبر 1967، وقد عقد المؤتمر في دورتين في فيينا خلال الفترة من 26 آذار/مارس إلى 24 آيار/مايو 1968 وخلال الفترة من 9 نيسان/أبريل إلى 22 آيار/مايو 1969، واعتمدت الاتفاقية في ختام أعماله في 22 أيار/مايو 1969 ، وعرضت للتوقيع في 23 أيار/مايو 1969 ودخلت حيز النفاذ في 27 كانون الثاني/يناير 1980
اتفاقية فيينا لقانون للمعاهدات[7]
[8] المادة 50 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
[9] المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات
[10] أكدت محكمة العدل الدولية الدائمة هذا المبدأ في حكمها الصادر في سنة ١٩٣٤ بقولها: “إن المحكمة لا يمكن أن تطبق معاهدة أو اتفاقية يكون محلها منافياً للآداب العامة “.
[11] المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
[12] ماهر ملندي ، ماجد الحموي، القانون الدولي العام.
[13] المادة 3 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
[14] من أبرز هذه التطبيقات رفض مجلس الدومة الروسي التصديق على اتفاقية استرت ٢ للحد من الأسلحة النووية وبعد مفاوضات بين الطرفين تم في هذه السنة ) ٢٠٠٠ ( التصديق على المعاهدة بعد موافقة الرئيس المنتخب )فلاديمير بوتين( إبداء تحفظات على المعاهدة بينما فشل الرئيس الأمريكي حتى الآن في إقناع الكونغرس بالتصديق على المعاهدة.
[15] المادة 11 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات
[16] المادة 12 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات
[17] المادة 16 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات
[18] الفقرتين الأولى والثانية من المادة 24 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات
[19] المادة13 من اتفاقية الدفاع لعربي المشترك والتعاون الاقتصادي
[20] المادة 46 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات.
[21] أمد حمدان الجهني، نفاذ المعاهدات الدولية في النظام القانوني الداخلي الأردني، مركز لدراسات القضائية التخصصي.

