مسؤولية الناقل الجوي عن الأعمال الإرهابية
كثرت في الآونة الأخيرة الأعمال الإرهابية والتي لم يكن النقل الجوي بمنأى عنها والتي نتج عنها أضرار هائلة مادية وبشرية، ويُعد الناقل الجوي مسؤولًا عن كافة الأعمال التي تقع على متن الطائرة.
والإرهاب يعتبر حادثًا متوقعًا ويُمكن للناقل الجوي دفعة واتخاذ ما يلزم من تدابير لمجابهة ذلك، بما في ذلك تدعيم الطائرة والطاقم المرافق لها بجميع الوسائل التي تكفل التصدي لما يقع من اعتداءات إرهابية.
ونشير إلى أن الراكب بوصفة الطرف الضعيف في عملية النقل يتعين تعويضه عن أضرار الإرهاب التي تلحق به.
وسنتناول في هذا المقال مسؤولية الناقل الجوي عن الأعمال الإرهابية من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
أولًا: تحديد المقصود بالناقل الجوي:
ثانياً: صور الإرهاب التي يمكن أن تتعرض لها الملاحة الجوية:
ثالثاُ: الأساس القانوني الذي تقوم عليه مسؤولية الناقل الجوي:
رابعاً: طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي:
خامساً: التعويض عن أضرار الإرهاب في مجال النقل الجوي:
سادساً: السوابق القضائية الخاصة بمسؤولية الناقل الجوي عن أعمال الإرهاب:
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابق ذكرها فيما يلي:
أولًا: تحديد المقصود بالناقل الجوي:
عندما يبرم الناقل الجوي الدولي بنفسه عقد النقل الجوي للركاب، فإن ذلك لا يثير أي صعوبات فيما يتعلق بتحديد هوية الناقل، لكن الأمور في الواقع العملي لا تسير ببساطة ووضوح على هذا النحو، خاصةً عندما يتم النقل بواسطة وكلاء النقل أو من قِبَل مستأجر الطائرة، أو في حالة تعدد الناقلين في النقل المتتابع.
1. وكلاء النقل:
“يلتزم وكلاء النقل في حال اتفاقهم مع الراكب على نقله جوًا إلى وجهتهم المقصودة مباشرةً بصفتهم متعاقدين أصليين، لكن في الحقيقة ليسوا هم الذين سينفذون فعلًا عملية النقل الجوي، بل إن الذي سيقوم بهذه المهمة هو الموكل له من شركات ومؤسسات الطيران الذين يعدون الناقلين الفعليين”([1]).
2. تأجير الطائرات:
تلجأ بعض شركات الطيران في مواسم ومناسبات معينة إلى الاستعانة بشركات طيران أخرى عن طريق استئجار بعض طائراتها؛ لتتمكن من تنفيذ عقود النقل التي أبرمتها مع الركاب، وهنا يُثار تساؤل هام جدًا: من الذي يعد الناقل الجوي لهؤلاء الركاب؛ وتنهض بالتالي مسؤوليته عن الأعمال الإرهابية التي يمكن أن تقع على الطائرة، شركة الطيران المؤجرة، أم الشركة المستأجرة؟
للإجابة عن هذا السؤال، يفرق الفقه القانوني بين نوعين من إيجار الطائرات، هما:
- إيجار الطائرة عارية: في هذه الحالة يعمل المستأجر على تزويد الطائرة بطاقم ملاحها الذي يكون تابعًا له ومسؤولًا عن نتائج ما يحدث من أضرار للركاب وغيرهم نتيجة لوقوع أي من الأعمال الإرهابية.
لذا، فإن المستأجر هو الذي يكتسب صفة الناقل الجوي المسؤول في علاقته بالركاب، أما المالك المؤجر فلا تتعدى صفته أكثر من كونه طرفًا في علاقة إيجارية بينه وبين المستأجر للطائرة ويتقاضى منه بدل الإيجار.
- إيجار الطائرة مجهزة: بموجب هذا العقد يلتزم المالك المؤجر بأن يضع تحت تصرف المستأجر طائرة لمدة معينة مع طاقمها الذي يبقى تابعًا له ويعمل تحت رقابته وإشرافه، وبالتالي يكون مسؤولًا عن أفعالهم وما يلحق من أضرار للركاب طبقًا لقواعد مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه؛ لذا:
يعد المالك المؤجر ناقلًا فعليًا، أما مستأجر الطائرة فهو الذي يستغل الطائرة خلال فترة الإيجار، ويُعد الناقل المتعاقد مع الركاب، ويكون هو والمالك المؤجر متضامنان في المسؤولية تجاه الركاب”([2]).
3. النقل المتتابع:
تنص الفقرة الثالثة من المادة الأولى من اتفاقية وارسو على أن: “النقل الذي يتولى تنفيذه عدة ناقلين جويين متتابعين يعتبر في خصوص تطبيق هذه الاتفاقية نقلًا واحدًا إذا كانت إرادة المتعاقدين قد اتجهت إلى اعتباره عملية واحدة، سواء تم الاتفاق بشأنه في صورة عقد واحد أو في سلسة من العقود. ولا يفقد هذا النقل صفته الدولية لأن أحد العقود أو بعضها يتعين تنفيذه كاملًا في إقليم خاضع لسيادة، أو لإمارة، أو لانتداب، أو لسلطة طرف واحد من الأطراف السامية المتعاقدة”([3]).
ووفقًا لما سبق، فإن النقل الجوي المتتابع هو الذي يقوم به عدد من الناقلين الجويين على خطوط جوية مختلفة على طائراتهم بالتتابع. والسؤال الذي يُطرح نفسه هنا: ما المركز القانوني لكل من الناقلين المتتابعين الذين اشتركوا في عملية نقل الركاب، وما هي مسؤولياتهم؟
وفي هذا الصدد، أجابت (المادة 30) من اتفاقية وارسو على هذا السؤال، فبالنسبة لنقل الركاب فإنه لا يحق للراكب أو لورثته الرجوع على الناقل الذي وقع الحادث أو التأخير في رحلة النقل التي تولاها مالم يكن الناقل الأول قد أخذ على عاتقه تحمل المسؤولية عن الرحلة بأكملها.
ثانياً: صور الإرهاب التي يمكن أن تتعرض لها الملاحة الجوية:
تتعدد صور الإرهاب التي يمكن أن تتعرض لها الملاحة الجوية، ومن أبرزها:
1. اختطاف الطائرات:
“يعتبر خطف الطائرات أو الاستيلاء غير المشروع عليها من أكثر الأعمال الإرهابية شيوعًا والتي يرجع سببها في الغالب إلى بواعث سياسية”([4]). وكمثال على ذلك، في 6/9/1970م، اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أربع طائرات مدنية، وطالبت بالإفراج عن مسلحين (أعضاء في الحركة الفلسطينية) معتقلين في ألمانيا وسويسرا وإسرائيل. وتم نقل طائرتين إلى مهبط سابق لسلاح الجو الملكي البريطاني في وسط الصحراء الأردنية والمعروف باسم مهبط داوسون، وتم تفجير الطائرة الثالثة في القاهرة بعد إطلاق سراح الركاب وطاقمها.
2. تدمير الطائرات:
“تعتبر أعمال التخريب والتدمير أحد أهم التهديدات لأمن الملاحة الجوية، والأكبر خطرًا من الاستيلاء غير المشروع على الطائرات، وذلك بالنظر إلى الأضرار البشرية والمادية الناجمة عنها كتدمير الطائرات، وقتل الطاقم والركاب”([5]).
3. تهديدات الإرهاب الجوي الحديثة:
“تمثلت التهديدات في حادث الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك باختطاف أربع طائرات ركاب في رحلات جوية داخلية واستخدامها في هجمات انتحارية ضد أبراج التجارة العالمية في نيويورك، وكانت تلك الأعمال الإرهابية سببًا في تغيير كامل لفكرة استخدام الطائرات كأسلحة تدمير، واعتبارها خطرًا على الطيران المدني، ولذلك تعد سببًا في تغيير مفاهيم أمن الطيران المدني على الصعيدين الفني والتقني، ومن ثَمَّ على الصعيد القانوني، والتي تظهر أهميته في تحديد المسؤول عن تلك الأعمال الإرهابية”([6]).
ثالثاُ: الأساس القانوني الذي تقوم عليه مسؤولية الناقل الجوي:
اختلفت الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية للنقل الجوي كثيرًا حول الأساس القانوني الذي تقوم عليه مسؤولية الناقل الجوي، كما خضعت الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالنقل الجوي لتعديلات كثيرة بهذا الخصوص.
البداية كانت في اتفاقية وارسو لعام 1929م الخاصة بتوحيد بعض القواعد القانونية المتعلقة بالنقل الجوي الدولي، والتي تقرر فيها تأسيس مسؤولية الناقل الجوي على الخطأ المفترض في جميع حالات الإضرار بالركاب والبضائع، وبالطبع هذه الحالات تشمل حالة الإضرار الناجمة عن الأعمال الإرهابية. ثم جاء بروتوكول لاهاي لعام 1955م ليؤكد على طبيعة مسؤولية الناقل الجوي القائمة على الخطأ المفترض، مع إقرار بعض التعديلات الطفيفة على اتفاقية وارسو لعام 1929م، لا سيما تعديل (المادة 23/1) من الاتفاقية المذكورة بالنص فيها على جواز الاتفاق على إعفاء الناقل الجوي من المسؤولية، وذلك فقط بالنسبة للضرر الناتج عن طبيعة البضاعة أو عيب ذاتي فيها، كما تم إلغاء الفقرة الثانية من (المادة 20)، والتي كانت تعفي الناقل من المسؤولية عن الخطأ الملاحي بخصوص نقل البضائع والأمتعة.
“وبعد ذلك جاء بروتوكول مونتريال لعام 1966م ليتبنى مبدأ المسؤولية الموضوعية للناقل الجوي، والتي تقوم على المخاطر وتحمل التبعة في جميع حالات الأضرار الناجمة عن تنفيذ عقد النقل الجوي، ثم تبعه بروتوكول غواتيمالا لعام 1971م ليعترف بالمسؤولية الموضوعية بالنسبة لوفاة الركاب، أو إصابتهم بإضرار جسدية، أو فقدان أمتعتهم، أو تلفها فقط، في حين بقيت مسؤولية الناقل قائمة على الخطأ المفترض بخصوص الأضرار التي تصيب البضائع أو تأخر إيصالها، وكذلك الحال بالنسبة لتأخر الركاب و/أو أمتعتهم”([7]).
“ولاحقًا لذلك جاء بروتوكول مونتريال لعام 1975م ليعدل بروتوكول غواتيمالا المذكور، وليوسع نطاق المسؤولية الموضوعية للناقل الجوي لتشمل هلاك البضائع وتلفها. ومؤخرًا تم إقرار اتفاقية مونتريال لعام 1999م، والتي ألغت – بنص صريح في المادة 55 منها – اتفاقية وارسو لعام 1929م، وجميع البروتوكولات المعدلة لها، وتبنت مبدأ المسؤولية الموضوعية كقاعدة عامة، ولكنها -بالوقت ذاته- احتفظت بقاعدة المسؤولية القائمة على الخطأ المفترض بخصوص حالات محددة في نصوص الاتفاقية”([8]).
أما بخصوص المسؤولية عن وفاة الراكب والأضرار الجسدية، فرقت اتفاقية مونتريال لعام 1999م بين حالتين:
الأولى: في حال كان التعويض المستحق للراكب لا يتجاوز (100.000) وحدة حقوق سحب خاصة، تكون مسؤولية الناقل مسؤوليةً موضوعيةً.
الثانية: في حال كان التعويض المستحق للراكب يتجاوز (100.000) وحدة حقوق سحب خاصة، فعندها تكون مسؤولية الناقل قائمةً على الخطأ المفترض (المادة 17).
أما بخصوص الأضرار التي تصيب البضائع فقد تبنت الاتفاقية المذكورة بشأنها مبدأ المسؤولية الموضوعية في (المادة 18) منها، في حين بقيت المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن التأخير في تنفيذ عملية النقل مسؤولية قائمة على الخطأ المفترض من جانب الناقل الجوي وفقًا لما نصت عليه (المادة 19) من الاتفاقية ذاتها.
رابعاً: طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي:
تختلف طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي بحسب الأساس القانوني الذي تقوم عليه المسؤولية، وعلى اعتبار أن الأسس القانونية المعتمدة في اتفاقية وارسو لعام 1929م والبروتوكولات المعدلة لها، وفي اتفاقية مونتريال لعام 1999م لا تخرج المسؤولية القائمة عن الخطأ المفترض والمسؤولية الموضوعية؛ لذلك سنبحث أولًا طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي القائمة على الخطأ المفترض، ثم نوضح طرق دفع مسؤوليته عندما تكون مسؤولية موضوعية.
1. طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي القائمة على الخطأ المفترض:
بخصوص إمكانية دفع مسؤولية الناقل الجوي القائمة على الخطأ المفترض، تنص (المادة 20/1) من اتفاقية وارسو لعام 1929م على أنه: “لا يكون الناقل مسؤولًا إذا أثبت أنه وتابعوه اتخذوا كل التدابير الضرورية لتفادي الضرر، أو أنه كان يستحيل عليهم اتخاذها”([9]).
أما الفقرة الثانية من (المادة 20) من الاتفاقية المذكورة، فجاء فيها أن: “الناقل لا يكون مسؤولًا في حالة نقل البضائع والأمتعة إذا أثبت أن الضرر تولد عن خطأ في القيادة أو تسيير الطائرة أو في الملاحة، وأنه هو وتابعيه قد اتخذوا من كافة الوجوه الأخرى كل التدابير الضرورية لتفادي الضرر”([10]).
وكذلك تنص (المادة 21) من الاتفاقية ذاتها على أنه: “إذا أثبت الناقل أن خطأ الشخص المضرور تسبب في الضرر، أو ساهم في وقوعه جاز للمحكمة طبقًا لقانونها أن تستبعد مسؤولية الناقل أو تخفف منها”([11]).
وورد أيضًا في اتفاقية مونتريال لعام 1991م بشأن طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي عن التأخير في نقل الركاب أو الأمتعة أو البضائع، والتي تقوم على الخطأ المفترض: “… غير أن الناقل لا يكون مسؤولًا عن الضرر الذي ينشأ عن التأخير إذا أثبت أنه اتخذ هو وتابعوه ووكلاؤه كافة التدابير المعقولة اللازمة لتفادي الضرر، أو أنه استحال عليه أو عليهم اتخاذ مثل هذه التدابير”([12]).
استناداً لما جاء في النصوص المذكورة أعلاه والواردة في اتفاقية وارسو 1929م واتفاقية مونتريال لعام 1999م، نلاحظ أنه عندما تكون مسؤولية الناقل الجوي قائمة على الخطأ المفترض يستطيع دفع المسؤولية عنه في حالة وقوع أعمال إرهابية بنفي الخطأ من جانبه، وذلك بوسيلتين رئيسيتين: اتخاذ الناقل الجوي وتابعوه كل التدابير الضرورية أو المعقولة لتفادي الضرر، أو أنه استحال عليه وعلى تابعيه اتخاذ مثل هذه التدابير.
- اتخاذ الناقل أو تابعيه التدابير الضرورية أو المعقولة لتجنب الأعمال الإرهابية:
عندما يكون الأساس القانوني لمسؤولية الناقل الجوي هو الخطأ المفترض؛ فإن إثبات اتخاذ الناقل الجوي اتخاذه وتابعيه كل التدابير الضرورية أو المعقولة لتفادي الضرر ينفي عنه المسؤولية.
- استحالة اتخاذ الناقل أو تابعيه التدابير الضرورية أو المعقولة لتجنب الأعمال الإرهابية:
لم يرد أي نص في اتفاقية وارسو لعام 1929م ولا في اتفاقية مونتريال لعام 1999م، يعفي الناقل الجوي صراحةً من المسؤولية في حالة القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ، وإنما استدل على هذه الأسباب من عبارة: “… أو أنه كان من المستحيل عليهم اتخاذها”، والتي وردت في (المادة 20) من الاتفاقية الأولى، (والمادة 19) من الاتفاقية الثانية. ومفاد ذلك أن الناقل الجوي يُعفى من المسؤولية إذا أثبت أنه هو وتابعيه استحال عليهم اتخاذ التدابير اللازمة لتفادي الضرر، وأن الضرر الواقع يعود لقوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المضرور ذاته.
2. طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي القائمة على المسؤولية الموضوعية:
لم تتبنَّ اتفاقية وارسو لعام 1929م مبدأ المسؤولية الموضوعية للناقل الجوي، وإنما تقرر هذا المبدأ في البروتوكولات المعدلة لها، حيث تم تبني المسؤولية الموضوعية في جميع حالات الإضرار في بروتوكول مونتريال لعام 1966م، وفي حالات محددة في بروتوكول غواتيمالا لعام 1971م، وتبع ذلك بروتوكول مونتريال 1975م الذي عاد ووسّع نطاق تطبيق المسؤولية الموضوعية مقارنةً مع ما تم إقراره في بروتوكول غواتيمالا.
وتنص (المادة 17) من اتفاقية مونتريال لعام 1999م على أن: “يكون الناقل مسؤولًا عن الضرر الذي ينشأ في حالة وفاة الراكب أو تعرضه لإصابة جسدية، بشرط أن تكون الحادثة التي سببت الوفاة أو الإصابة قد وقعت فقط على متن الطائرة أو أثناء أي عملية من عمليات صعود الركاب أو نزولهم”([13]).
وفي صياغة مشابهة بخصوص الضرر الذي يلحق بالبضائع، نصت (المادة 18) من الاتفاقية ذاتها على أن: “يكون الناقل مسؤولاً عن الضرر الذي ينشأ في حالة تلف البضائع أو ضياعها أو تعييبها، بشرط أن يكون الحدث الذي ألحق الضرر على هذا النحو قد وقع فقط خلال النقل الجوي”([14]). ويستفاد من هذه النصوص أن الناقل الجوي عندما تكون مسؤوليته موضوعيةً لا يمكنه نفي المسؤولية عنه إلا إذا أثبت انتفاء صفة الحادث الجوي عن العمل الإرهابي الذي تسبب بالأضرار، أو أن العمل الإرهابي وقع خارج فترة النقل الجوي.
- نفي صفة الحادث الجوي عن العمل الإرهابي:
تشترط جميع التشريعات الدولية والوطنية المتعلقة بالنقل الجوي ضرورة أن تكون الأضرار الجسدية والمادية التي تلحق بالركاب والأمتعة والبضائع ناشئةً عن “حادث”. فعلى سبيل المثال في (المادة 17) من اتفاقية وارسو لعام 1929م تم النص صراحةً على مسؤولية الناقل الجوي عن الأضرار التي تصيب الركاب والأمتعة والبضائع متى كانت هذه الأضرار ناجمة عن حادث وقع خلال عملية النقل الجوي.
- وقوع العمل الإرهابي خارج مدة تنفيذ عملية النقل:
لقد جاء نص (المادة 17/1) من اتفاقية مونتريال لعام 1999م مطابقًا لنص (المادة 17) من اتفاقية وارسو لعام 1929م، بما نصها: “يكون الناقل مسؤولا عن الضرر الذي ينشأ في حالة وفاة الراكب أو تعرضه لإصابة جسدية، بشرط أن تكون الحادثة التي سببت الوفاة أو الإصابة قد وقعت فقط على متن الطائرة أو أثناء أي عملية من عمليات صعود الركاب أو نزولهم”([15]). ويستدل من هذا النص على أنه يشترط لانعقاد مسؤولية الناقل الجوي وقوع الحادث خلال فترة تنفيذ عملية النقل، أي خلال الفترة التي يضع الراكب نفسه تحت رقابة وإشراف الناقل الجوي إلى حين تحرره منها، وهذا يعني أن الناقل الجوي يكون مسؤولًا عن الأعمال الإرهابية التي تقع خلال فترة تنفيذ عملية النقل، أما ما يقع من حوادث خارجها، أي قبل بدء عمليات الصعود للطائرة أو بعد انتهاء الهبوط منها؛ فلا يُسأل عنها طبقًا لأحكام الاتفاقيتين وارسو 1929م ومونتريال 1999م.
خامساً: التعويض عن أضرار الإرهاب في مجال النقل الجوي:
“حددت (المادة 21) من اتفاقية مونتريال قدر التعويض الذي يتحمله الناقل إذا أصيب الراكب بضرر من جرَّاء عملية نقله، ويختلف هذا القدر وفقًا لنوع المسؤولية التي يتحملها الناقل الجوي، على النحو التالي:
- بالنسبة للمسؤولية المشددة التي تتميز بقيامها دون حاجة إلى إثبات الخطأ، إلى جانب عدم إمكان دفعها إلا بإثبات خطأ المضرور، فقد حددت الفقرة 1 من المادة (21) من اتفاقية مونتريال لعام 1999م قدر التعويض الذي يتحمله الناقل بما لا يتجاوز 100.000 وحدة حقوق سحب خاصة.
- بالنسبة للمسؤولية غير المشددة التي حددتها الفقرة 2 من المادة (21) والتي يمكن دفعها بإثبات عدم خطأ الناقل، أو انتفاء علاقة السببية بين الضرر وخطأ المضرور، أو خطأ الغير، ونظرًا لأن هذه المسؤولية أيسر في دفعها فقد أطلقت المادة (12 / 2) مداها ولم تقصر معها التعويض على قدر معين.
- بالنسبة للأضرار المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة (17) والتي لا تتجاوز قيمتها 113100 وحدة سحب خاصة على كل راكب، لا يكون الناقل مسؤولًا إذا ثبت ما يلي: –
- أن هذا الضرر لم ينشأ عن الإهمال أو الخطأ أو الامتناع من جانب الناقل أو تابعيه أو وكلائه.
- أن هذا الضرر نشأ فقط عن الإهمال أو الخطأ أو الامتناع من جانب الغير”([16]).
ويتبين مما سبق أن حدود التعويض المذكورة لا تحول دون أن تقضي المحكمة بمصاريف الدعوى ونفقات التقاضي التي تكبدها المدعي، وهذا وفقًا لما نصت عليه (الفقرة 6 من المادة 21) من اتفاقية مونتريال لعام 1999م
وقد اتجهت بعض الدول إلى إصدار التشريعات الخاصة بتأمين ضحايا حوادث الإرهاب، وإلزام شركات التأمين بتغطية التعويضات المستحقة للمتضررين، ولكون أغلب حوادث الإرهاب في النقل الجوي تقع خارج حدود الدولة التابعة لها الطائرة؛ فقد شملت هذه التشريعات استحقاق المتضررين للتعويض، حتى لو وقعت تلك الحوادث خارج الحدود الإقليمية للدولة صاحبة التشريع.
ومما يسبق؛ يكون من حق الراكب المتضرر من حوادث الإرهاب أن يقيم دعوى المسؤولية ضد الناقل الجوي، بالإضافة إلى حقه في مطالبة شركة التأمين بالتعويض عما أصابه من أضرار، استنادًا إلى التضامن المفترض بين الناقل الجوي وشركة التأمين، وبشرط ثبوت مسؤولية الناقل بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن هذا الحادث.
سادساً: السوابق القضائية الخاصة بمسؤولية الناقل الجوي عن أعمال الإرهاب:
إن القضاء في العموم لا يتقبل من الناقل الجوي أي حجة تعفيه من المسؤولية في حال وقوع عمل إرهابي أثناء عملية النقل الجوي. وكمثال على ذلك: “قضية ساليرنو ضد شركة الطيران بان أمريكان (Salerno v. Pan American World Airway)، والتي تتلخص وقائعها بأن السيدة ساليرنو استقلت الطائرة التابعة لشركة بان أمريكان من ميامي إلى أرغواي ذهابًا وإيابًا، وأثناء رحلة العودة علم طاقم الطائرة بوجود قنبلة على متن الطائرة، فتم التفتيش عنها حتى تم العثور عليها، وفي أثناء ذلك أصاب الركاب ذعر شديد؛ مما تسبب للسيدة ساليرنو بانهيار عصبي أدى إلى إجهاض حملها.
وعلى إثر ذلك رفعت السيدة ساليرنو الدعوى ضد الشركة مطالبة إياها بالتعويض، وعند نظر الدعوى من قبل محكمة جنوب نيويورك قررت بأن الحادث الذي أصاب السيدة ساليرنو بالإجهاض غير متوقع ويخل بالسير العادي للرحلة، ومن ثَمَّ يعد من قبيل الحوادث الجوية التي يسأل عنها الناقل الجوي، رغم أن التهديد بوجود قنبلة هو أمر خارج عن إرادة ونطاق مسؤولية الناقل الجوي”([17]).
أيضًا لا يعتبر القضاء خطف الطائرة عمومًا لا من فعل الغير ولا من قبيل القوة القاهرة، ولا يقبله كسبب لإعفاء الناقل الجوي من المسؤولية. وينسب البعض ذلك إلى شيوع حوادث خطف الطائرات، بحيث أصبح يعتبر من الحوادث المتوقعة في دائرة نشاط الناقل الجوي، فعلى سبيل المثال “حُكِم بمسؤولية الناقل الجوي عن حادث خطف الطائرة الذي وقع في الأردن عام 1970م، وتم إلزامه بدفع التعويضات للمضرورين”([18]).
كما تبنى القضاء التفسير الموسع لعمليات الصعود والهبوط في العديد من أحكامه، كما هو الحال في قضية (Evangelinos v. Trans World Airlines Inc.)، حيث “أقرت المحكمة بمسؤولية الناقل الجوي عن الأعمال الإرهابية التي حدثت في مطار أثينا عام 1978م، رغم أن المسافرين كانوا في “صالة الانتظار” ولم يكونوا على متن الطائرة كما دفعت الشركة.
كان رأي المحكمة يستند إلى قاعدة مفادها أن تقرير مسؤولية الناقل الجوي في مثل هذه المواقف سوف يدفع الشركات إلى تشديد الإجراءات الأمنية في المطارات، مما يساهم – و”بشكل فعال” حسب زعمها – في تقليل مخاطر الحوادث الإرهابية، ذلك أن شركات الطيران لها قوة تأثير أكبر في إقناع سلطات المطار بتشديد الأمن، كما أن ملاءتها المالية تسمح لها بتوظيف عمال أمن وشراء معدات متطورة، وبالتالي تخفيض احتمال وقوع الأعمال الإرهابية”([19]).
وبخصوص مدى مسؤولية الناقل الجوي عن الركاب أثناء تواجدهم في مطار الترانزيت، سبق أن عرضت قضية على القضاء تتلخص وقائعها في “قيام مجموعة من الإرهابيين – وأثناء عملية تفتيشهم من قِبَل السلطات اليونانية – بإلقاء ثلاث قنابل يدوية في صالة الترانزيت بمطار هلنكون في أثينا؛ مما أدى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى. وقد تمت مطالبة شركة الطيران بالتعويض، إلا أن الشركة دفعت بعدم مسؤوليتها عن الأضرار التي أصابت الركاب، استنادًا إلى أنهم كانوا متواجدين خارج عمليات الصعود والهبوط وفق مفهوم نصوص اتفاقية وارسو لعام 1929م الواجبة التطبيق. مع ذلك، رفضت المحكمة هذا الدفع وأكدت بأنه لا يمكن قصر عمليات الصعود والهبوط على صعود الركاب على سلم الطائرة ونزولهم من عليه، وإنما يجب أن تمتد هذه العمليات لتشمل كافة العمليات اللازمة لتوجه الركاب إلى الطائرة وصعودهم إليها، وكذلك الأمر بالنسبة لعمليات الهبوط، مما يعني أن الحادث الإرهابي في القضية المذكورة وقع أثناء عمليات الصعود والهبوط”([20]).
إعداد: محمد محمود
([1]) وضحة فلاح المطيري: “مسؤولية الناقل الجوي في عقد نقل الركاب وفقاً للقانونين الكويتي والأردني والاتفاقيات الدولية”، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، 2011، ص26.
([2]) ا وضحة فلاح المطيري: “مسؤولية الناقل الجوي في عقد نقل الركاب وفقاً للقانونين الكويتي والأردني والاتفاقيات الدولية”، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، ص27-28.
([3]) الفقرة الثالثة من المادة الأولى اتفاقية وراسو لعام 1929م.
([4]) أحمد مصطفى الدبوسي السيد، مسؤولية الناقل عن حوادث الإرهاب الجوي (وفقاً لاتفاقيات الطيران الدولية المطبقة في دولة الإمارات): دراسة تحليلية مقارنة”، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية، المجلد 18، العدد1، ص323.
([5]) أحمد مصطفى الدبوسي السيد، مرجع سابق، ص323.
([6]) أحمد مصطفى الدبوسي السيد، مرجع سابق، ص323.
([9]) المادة 1/20 من اتفاقية وراسو لعام 1929م.
([10]) الفقرة الثانية من (المادة 20) اتفاقية وارسو لعام 1929م.
([11]) المادة 21 من اتفاقية وارسو لعام 1929م.
([12])د/ عمر فارس، مرجع سابق، ص101.
([13]) المادة 17 اتفاقية مونتريال لعام 1999م.
([14]) المادة 18 اتفاقية مونتريال لعام 1999م.
([15]) المادة 17 اتفاقية مونتريال لعام 1999م
([16]) د/ مفرح مطلق السبيعي: “أثر الإرهاب الدولي على مسؤولية الناقل الجوي”، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، السنة الثامنة، العدد 4، ص277.
([17])د/ عمر محمد فارس: “طرق دفع مسؤولية الناقل الجوي عن الأعمال الإرهابية”، الفكر الشرطي، القيادة العامة لشرطة الشارقة – مركز بحوث الشرطة، المجلد27، العدد105، 2018، ص145.
([19]) د/ مفرح مطلق السبيعي: “أثر الإرهاب الدولي على مسؤولية الناقل الجوي”، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، السنة الثامنة، العدد 4، ص157.

