المياه الأرخبيلية

المياه الأرخبيلية

في بداية الحديث عن المياه الأرخبيلية يمكننا القول بأن جغرافية بعض الدول وتكوينها في شكل جزر قريبة فيما بينها يتخللها مياه من جميع نواحي تلك الجزر بأن هذا ما يطلق عليه المياه الأرخبيلية ، ويجدر بنا تعريف الأرخبيل طبقا للاتفاقيات الدولية لقوانين البحار والذي يُعد مجموعة من الجزر، وأجزاء من الجزر والمياه التي توصل بينهما تشكل كيانا مستقلا من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية والجغرافية، وبالتالي الدولة التي بها مياه أرخبيلية تسمى دولة أرخبيلية ولها سيادة على مائها.

وتلك السيادة مبينة في القوانين الدولية كما سنوضحها بهذا المقال، وسنبين كيفية قياس حدود تلك المياه المحددة الحاكمة لها داخل الدولة الأرخبيلية أو خارجها، والاستثناءات الموضحة لرسم تلك الخطوط.

فتلك التوضيحات سنتطرق إليها بالتفصيل في خلال هذا المقال والمشمولة بهذه العناوين:

أولًا: تعريف المياه الأرخبيلية :

يمكننا أن نعرف المياه الأرخبيلية طبقا لتعريف الأستاذ عبد المعز عبد الغفار حيث قام بربط تعريف المياه الأرخبيلية بتعريف الدولة الأرخبيلية وقال بأنها: ” تتكون من مجموعة من الجزر أو الجزر وأجزاء من الجزر، مثل إندونيسيا التي تتكون من أكثر من ثلاث عشرة ألف جزيرة أو جزء من الجزيرة، والفلبين التي تتكون من أكثر من سبعة ألاف جزيرة، أو قد يتاخم سواحلها أرخبيل أو أكثر، مثل النرويج والسويد وفنلندا وشيلي”.

وعرفت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدولة الأرخبيلية بأنها تلك التي تتكون كليا من أرخبيل واحد أو أكثر وقد تضم جزرا أخرى ويعني الأرخبيل مجموعة من الجزر، بما في ذلك أجزاء من الجزر، والمياه الواصلة بينها والمعالم الطبيعية الأخرى والجزر والمياه والمعالم الطبيعية الأخرى كيانا مستقلا جغرافيا واقتصاديا وسياسيا، أو التي اعتبرت كذلك تاريخيا[1]

ويقول الفقيه عبد الكريم عوض خليفة في تعريفه للمياه الأرخبيلية وذلك أثناء توضيحه لمعنى الأرخبيل بأنه: “يعني الأرخبيل مجموعة من الجزر، بما في ذلك أجزاء الجزر، والمياه الواصلة بينهما والمعالم الطبيعية الأخرى كيانا جغرافيا واقتصاديا وسياسيا قائما بذاته، أو التي اعتبرت كذلك تاريخيا”[2]

ثانيًا: المياه الأرخبيلية في الاتفاقيات الدولية:

حيث تم البحث عن المراكز القانونية في دورة انعقاد جمعية القانون الدولي ستوكهولم سنة 1924م للمياه الأرخبيلية، ويأتي بعدها في البحث فيينا عام 1926م، وعرض الفقيه الألماني شوكينك الأساسيات التي بها تقاس المياه الأرخبيلية، وذلك في بلاهاي سنة 1930م، وفي إحدى النزاعات القائمة بين بريطانيا والنرويج تم عرض موضوع الارخبيلات، عند الفصل في النزاع بينهما والمتعلق برسم الخطوط الأساسية وذلك للجزر التي تكون في اتجاه الإقليم البري لها عام 1951م.[3]

أ_ المياه الأرخبيلية طبقا لاتفاقيات 1958م:

كانت من الدول الأكثر بحثا وتركيزا واهتمام في البحث عن السيادة لدول المياه الأرخبيلية الفليبين وإندونيسيا، وذلك لكثرة النزاعات والاختلافات في الآراء حول تحديد أسس تلك السيادة للدول على مياها الأرخبيلية، محاولين وجاهدين لترسيخ القوانين والقواعد التي تحكم المياه الأرخبيلية، وجاء بعد ذلك المؤتمر المنعقد لقانون البحار بجينيف 1958 والذي لم يؤت ثماره بنتائج حول تحديد الارخبيلات، وذلك لأن الاختلاف في تطبيق الطريقة المتبعة لخطوط الأساس المستقيمة عليها.[4]

ب_ المياه الأرخبيلية طبقا لاتفاقية قانون البحار 1982:

تم انعقاد مؤتمر ثالث لقانون البحار وذلك بعد مطالبات بالسيادة والتحكم في المياه الأرخبيلية، وفية سعت كل من دولة إندونيسيا والفليبين وفيجي بعرض بعض الأسس، والتي يكون من بينها توضيح مدي امتداد سيادة الدولة الأرخبيلية ونطاق البحر الإقليمي للأرخبيل، ومرور الأجانب البري بسفنهم، لكن من منطلق الاختلافات الجغرافية لكل دولة أرخبيلية اختلفت في تطبيق تلك الأسس.

ثالثًا: الطبيعة القانونية للمياه الأرخبيلية:

حيث تكون للدولة الأرخبيلية الحق في السيطرة والسيادة على مياهها والتي تكون في شكل خط مستقيم يصل بين أكثر النقاط بعدا في أبعد الجزر عن وسط تلك المياه الأرخبيلية.

وجاء ذلك في (المادة 49) من قانون البحار لعام 1982 بالآتي:

  1. تتضمن سيادة الدولة الأرخبيلية إلى المياه التي تكون في نطاق خطوط الأساس الأرخبيلية المرسومة وفقا (للمادة 47)، والتي تعرف بالمياه الأرخبيلية، بغض النظر عن عمقها وعن ابتعادها عن الساحل.
  2. تمارس هذه السيادة هنا بمراعاة هذا الجزء.
  3. لا يمس نظام المرور في الممرات البحرية الأرخبيلية المقررة في هذا الجزء في نواح أخرى، وضع المياه الأرخبيلية، بما في ذلك الممرات البحرية، ولا ممارسة الدولة الأرخبيلية لسيادتها على هذه المياه وحيزها الجوي وقاعها وباطن أرضها وإلى الموارد الموجودة فيها.
  4. تمتد هذه السيادة إلى الحيز الجوي فوق المياه الأرخبيلية، وكذلك إلى قاعها وباطن أرضها وإلى الموارد الموجودة فيها.[5]

ويتبين لنا من هذا النص القانوني أن الدول الأرخبيلية تتقيد بثلاث نقاط في سيادتها على المياه الأرخبيلية التابعة لها، أولهم أنه يتعين احترام الدولة لحقوق الدول المجاورة والاتفاقيات الخاصة بذلك طبقا لنص (المادة 51 ) من هذه الاتفاقية لعام 1982م، وثانيا حق جميع الدول أن تمر بريا عن طريق المياه الأرخبيلية وفقا لنص (المادة 52 ) من تلك الاتفاقية، وثالث نقطة تتقيد بها سيادة الدولة على مياهها الأرخبيلية تخص حق المرور عن طريق الممرات الأرخبيلية طبقا لنص تلك (المادة 53 ) من هذه الاتفاقية.

ويجدر بنا أن نشير لأنه يوجد اختلاف وفروقات بين الشكل القانوني لتلك المياه الأرخبيلية وموقع البحر الإقليمي الخاص، فالدول الأرخبيلية لها حقوق بسبب المياه الأرخبيلية أكثر من الحقوق المحددة لتلك الدول بالنسبة للبحر الإقليمي.

وأوضحت الاتفاقية أن المياه الأرخبيلية لا تشكل جزءا من أعالي البحار خاصة وأن سيادة تلك الدول الأرخبيلية أتت من منطلق مدى الأهمية الخاصة بالمسطحات البحرية والمتعلقة بالأمن القومي واقتصاد هذه الدول الأرخبيلية.

لكن نظرا للمصلحة العامة للمجتمع بأكمله، ولتحقيق التوازن بين كل المصالح الحيوية والاقتصادية والأمنية للدول الأرخبيلية، وأيضا لضمان حرية الملاحة الدولية فإنه تم اعتماد النظام الذي يشبه النظام الخاص بالمرور العابر عن طريق المضائق المستعملة بالملاحة الدولية على المياه الأرخبيلية.

رابعًا: تعيين حدود المياه الأرخبيلية:

يتبين من تعيين الحدود وفقا لاتفاقية 1982م للمياه الأرخبيلية بأنه لا يوجد فرق بين الدول الأرخبيلية والدول الساحلية الأخرى، فبصفه عامه الإمدادات البحرية للدول الأرخبيلية يتم قياسها من خطوط الأساس الخاصة بتلك الدول مثلما هو محدد في (المادة 47 ) من اتفاقية 1982م ، وسنوضحه في النقطتين التاليتين مبينين الخطوط الأساسية والاستثناءات الواردة عليها:

أ_ خطوط الأساس الأرخبيلية:

فبينت اتفاقية 1982 في نص (المادة 47 ) المعايير التي لابد أن يتحدد طبقا لها رسم خطوط المياه الأرخبيلية الأساسية والتي من بينها:

  • لابد ألا يتجاوز طول خطوط الأساس عن 100 ميل بحري، وإذا تجاوز هذه المسافة فتكون بنسبة 3 في المئة من المجموع الأساسي لعدد الخطوط التي تضم أرخبيل محدد، بحد أقصى 125 ميلا بحريا.
  • للدول الأرخبيلية تحديد خطوط أساس ما بين أبعد نقطة في أبعد جزر وبين الشعاب المتقطعة في مياه الأرخبيلية في هيئة خطوط مستقيمة، وذلك متعلق بشرط وهو أن الخطوط الأساسية تشمل الجزر الرئيسية وقطاعا تكون نسبة المياه به بينها وبين نسبة اليابس وبه الحلقات المرجانية ما بين 1 إلى 10 في المئة.
  • ألزمت الاتفاقية للدول الأرخبيلية بضرورة الإعلان عن الخرائط التي تبين القوائم المتعلقة بالإحداثيات الجغرافية وخطوط الأساس الأرخبيلية، وأن تتواجد نسخة منها لدى الأمين العام للأمم المتحدة.
  • الالتزام بعدم الميل خارج نطاق خطوط الأرخبيلية الأساسية، وألا ينتج من رسم خطوط الأرخبيلية الأساسية انفصال البحر الإقليمي عن المنطقة الاقتصادية الخالصة أو عن أعالي البحار لدولة أخرى.[6]

ب_ الاستثناءات الواردة على خطوط الأساس الأرخبيلية:

فمن الممكن أن تؤدي طريقة رسم خطوط الأساس للأرخبيل إلى عدم المطابقة بين الوحدة الطبيعية والوحدة السياسية، لأنه من الممكن تواجد الجزر خارج نطاق الأرخبيل المحدد ويكون تابع لنفس الدولة ،وذلك بسبب تلك الطريقة من الرسم، أيضا يمكن تواجد جزيرة ثانية في نطاق الأرخبيل وهنا تقوم بقطع خطوط الأساس للوحدة الطبيعية له ويتم تحديده إلى أجزاء تابعة للدولة الأرخبيلية.[7]

ويمكن أيضا تقاطع البحار الإقليمية للدول المقابلة أو المجاورة مع البحر الإقليمي للدول الأرخبيلية وهنا يكون عسيرا تحديد نطاق البحر الإقليمي بين الدول المتقابلة أو المتجاورة التي تكون طبقا لنصوص (المادة 15 ) من اتفاقية 1982.

خامسًا: نظام المرور في المياه الأرخبيلية:

حيث تم التأمين والتأكيد على فكرة الأرخبيلات في المؤتمر الثالث لقانون البحار على الدول الكبرى البحرية وذلك لتحقيق الأمان والحرية الملاحية الدولية، ومن ثم تم التوصل لنتيجة مهمه وهي تحديد نظام مزدوج للملاحة بتلك المياه الأرخبيلية وتم تحديد حق المرور البريء في المياه الأرخبيلية وحق المرور في الممرات البحرية الأرخبيلية:

أ_ حق المرور البريء في المياه الأرخبيلية:

فتم الإقرار بحق السفن بالمرور البريء لجميع الدول عن طريق المياه الأرخبيلية، كذلك للدول الأرخبيلية الحق في توقف المرور البريء، وذلك من غير التفرقة فعلا أو قانونا ما بين السفن الأجنبية وهذا التوقف يكون مؤقت، ويكون محددا على قطاعات من المياه الأرخبيلية وهذا عن رؤية أن ذلك التوقف من شأنه حفظ الأمن للدولة الأرخبيلية، ويجب الإعلان عن هذا التوقف ليبدأ تنفيذه فإعلانه واجب لبدء السريان وذلك كله وفقا لاتفاقية 1982 بنصوص الجزء الرابع منها تحديدا المادة 52.[8]

ب_ حق المرور في الممرات البحرية الأرخبيلية:

لا يوجد نص يعطي الحق بالمرور البريء للطائرات في اتفاقية 1982، ولكن (المادة 53 ) رتبت حق المرور من خلال البحر الإقليمي والمياه الأرخبيلية، ولكن لا يوصف هذا النوع من المرور أيا ما كان عابرا أو برئ، وأتت كلمة المرور العابر وسط هذا القانون المحدد ويستدل من ذلك أنه يحق للطائرات والسفن المرور عن طريق المياه الأرخبيلية ليصلو للبحر الإقليمي للدول الملاصقة الأخرى في حالة عدم وجود ممرًا آخر لها، فالفرق بين المرور البري والمرور العابر أن البريء يخصص للسفن أما العابر يكون للطائرات والسفن معا.

كتابة: شيماء عبد المجيد

[1]  عبد المعز عبد الغفار نجم، الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي الجديد للبحار، ص132.

[2]  عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي للبحار دراسة في ضوء أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ص41.

[3] محمد الحاج حمود، القانون الدولي للبحار، ص224-ص226.

[4]  خليل حسين، موسوعة القانون قانون البحار والجو الفضاء الخارجي الحرب والحياد وطرق تسوية المنازعات، ص50-51.

[5]  عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي للبحار دراسة في ضوء أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ص44.

[6]   المرجع نفسه، ص 137-138.

[7] محمد الحاج حمود، القانون الدولي للبحار، ص 231.

[8]حسنى موسى محمد رضوان، سلسلة الرسائل العلمية-رسالة دكتوراه-القانون الدولي للبحار، ص134-135.

Scroll to Top