السدود والمجاري المائية الدولية في القانون الدولي
تقام السدود على الأنهار أو المجاري المائية للعديد من الأغراض؛ منها الاحتفاظ بالمياه أو منع تدفقها لبعض الأراضي -كالفيضانات- ومنها استخدامها لغرض توليد الكهرباء… إلى آخره من الأغراض، وهو ما جعل عدد السدود في العالم في تزايد مستمر، والسدود لا تمثل أي إشكالية متى كانت سدود تقام على أنهار داخلية، فما هو الحال إذا كانت تلك السدود تقطع أنهاراً دولية تنبع من دول وتمر بأخرى وتصب في ثالثة؟
وفي هذا المقال سنتحدث عن السدود والمجاري المائية الدولية وسنتعرض لموضوع سد النهضة وموقف القانون الدولي منه.
ثانياً: اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية
ثالثاً: أبرز السدود التي تم استهدافها
أولاً: ما المقصود بالسدود؟
السدود هي جدران عالية يتم بناؤها عبر الأنهار لتقطع مجراها، ويستخدم في بنائها مواد البناء المختلفة من صخور وخرسانة، ويستهدف منها حجز المياه المتدفقة في الأنهار بغرض إيجاد بحيرات اصطناعية تخزم فيها المياه وتسمى خزانات، حيث يتم استخدام تلك المياه في الأغراض التنموية كالري والشرب وتوليد الكهرباء وغيرها من الأغراض الأخرى.
وتختلف الأنهار التي قد تقطع السدود مجراها من حيث النوع، فهناك الأنهار الوطنية وأيضاً الأنهار الدولية، أما عن الأنهار الوطنية فهي أنهار تجري من منبعها إلى مصبها في إقليم دولة واحدة؛ وبالتالي فهي لا تثير أي مشاكل قانونية دولية من أي نوع؛ حيث إنها تخضع في كل ما يخص شؤونها سواء في أغراض الملاحة أو غيرها للقانون الوطني. بينما الأنهار الدولية أو كما اصطلح على تسميتها “بالمجاري المائية” فهي تلك الأنهار التي تقع أجزائها في إقليم أكثر من دولة لتسمى الدولة الأولى على النهر بدولة “المنبع”، وما يليها من الدول التي يمر بأراضيها النهر بدول “المجرى الأوسط للنهر”، وصولاً لآخر دولة يمر بها النهر وتسمى بدولة “المصب”، وبالتالي يكون لكل دولة يمر بها النهر مصالح في مياهه[1]، وطالما وجدت المصالح وجد التعارض بينها، لذا فهي تسبب العديد من المشاكل القانونية الدولية التي تتسم بكونها على جانب كبير من الدقة والأهمية، لاسيما إذا تعلق الأمر بالاستخدامات غير الملاحية؛ التي من ضمنها إقامة المشروعات بوجه عام على المجاري المائية، مثل إقامة السدود الدولية.
ثانياً: اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية
1- تبرير الاتفاقية
سعياً للحد من هذه المشكلات التي تنشأ عن استخدامات الأنهار الدولية – والتي من ضمنها مسألة بناء السدود – ووضع نظام قانوني لضبطها، وتحديد حقوق والتزامات دول المجرى المائي، فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 2669 (د – 25) بتاريخ 8 كانون الأول/ ديسمبر 1970 توصية بعمل لجنة للقانون الدولي، لتقوم تلك اللجنة بتقنين القواعد القانونية المتعلقة بالاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية، وقامت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 51/229 باعتماد الاتفاقية الخاصة بقانون “استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية”[2].
2- أهم ملامح الاتفاقية
لهذه الاتفاقية الكثير من الملامح أوثقها صلة بالسدود الدولية هو ما يخص (الإخطار والتشاور والموافقة المسبقة)، حيث تنص الاتفاقية في موادها من (12 إلى 16/ الباب الثالث) على أنه يجب على أي دولة قبل أن تقوم بالسماح أو بإقامة أي مشروع أو نشاط على المجرى المائي الدولي؛ من شأنه أن يؤثر على صحة أو بيئة دولة أخرى أن تقوم بالآتي:
أ- إخطار مسبق
على أي دولة تشرع في إنشاء أي مشروع أو نشاط على المجرى المائي بما قد يكون من شأنه التأثير على صحة أو بيئة دولة أخرى، أن تقوم بشكل مسبق بإخطار الدول التي قد تتأثر بالنشاط بكافة البيانات العلمية المتعلقة بهذا النشاط وبكل دقة، على أن يتم الإخطار صراحة وفي صورة مكتوبة[3].
وتكاد لا تخلو أي معاهدة دولية تخص الأنهار الدولية من النص على مبدأ “الإخطار والتشاور المسبق” وكذا مبدأ “الموافقة المسبقة”، ومن أبرز هذه المعاهدات اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية في الأغراض غير الملاحية، حيث تنص المادة (12) منها على أن: “قبل أن تقوم دولة من دول المجرى المائي أو تسمح بتنفيذ تدابير مزمع اتخاذها يمكن أن يكون لها أثر سلبي جسيم على دول أخرى من دول المجرى المائي، عليها أن توجه إلى تلك الدول إخطارا بذلك…”.
ب- الموافقة المسبقة
وهو من مبادئ القانون العرفي التي تستند جزئياً إلى الممارسة الدولية، ويقضي هذا المبدأ بضرورة موافقة الدولة التي تم إخطارها بالمشروع – أو السد – المزمع إقامته، حيث تنص (المادة 14) من اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية على أنه “… ولا يجوز لها أن تتخذ التدابير المزمع اتخاذها أو أن تسمح بتنفيذها بدون موافقة الدول التي تم إخطارها”، ونرى أن الأساس القانوني لتطلب الموافقة المسبقة يكمن في أن الأنشطة التي قد يقوم بها الطرف الأول قد ينتج عنها آثار ضارة على البيئة أو المصالح المادية أو على استخدام الطرف الآخر لموارده، فيمنح الطرف الثاني فترة مناسبة لدراسة آثار هذا النشاط وموافاة الطرف الأول بالرد إما بالموافقة أو بالرفض[4].
3- هل للاتفاقية قوة ملزمة؟
في ظل ما سبق نجد سؤالاً هاماً يطرح نفسه على الساحة وهو ماذا إذا خالفت الدول هذه الأحكام وقامت ببناء سد خرساني على النهر تَحرِم بموجبه باقي الدول من المياه؟
بادئ ذي بدئ فإن مجال هذا السؤال يكون بخصوص دول المجرى المائي أجمعها عدا دولة المصب، حيث إنه من غير المتصور أن تتسبب دولة المصب بأذى لباقي دول المجرى المائي جراء بنائها للسد. مثال ذلك السد العالي بجمهورية مصر العربية[5].
أما عن باقي دول المجرى المائي فهم ملتزمون بعدم إيذاء غيرهم من دول المجرى المائي خلال الأخطار والتشاور والموافقة المسبقة عند الشروع في تشييد أي مبنى أو مشروع – مثل السدود – على ضفاف المجرى المائي، حيث إن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمجاري المائية مثلها مثل أي معاهدة دولية تتكون من اتفاق ملزم لأطرافه الذين صدقوا عليه طبقا لقاعدة “وجوب الوفاء بالعهد”، حيث تفرض المعاهدة التزامات على مختلف الأجهزة الحكومية للدولة المصدقة على الاتفاقية، بل وأحياناً تُرَتِب آثار مباشرة تجاه الأفراد، وهذا ما يتجلى من نصوص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969؛ حيث تقرر في مادتها رقم 26 من الفصل الأول بالجزء الثالث بأن “كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية”[6].
وأقرت ذات المبدأ ديباجة ميثاق منظمة الأمم المتحدة في سطورها الأولى، بأوسع معنى حين أشارت إلى “…احترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي…”، بل وعلى وجه الخصوص أشارت في المادة 2/2 على أن “…لكي يكفل أعضاء الهيئة لأنفسهم جميعاً الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية يقومون في حسن نية بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا الميثاق”[7].
ويثير ذلك تساؤل آخر أكثر أهمية وهو ما هي فعالية هذه القواعد، أي هل تستطيع هذه القواعد وما شابهها أن تمنع دولة ما في مجرى مائي من الإخلال بالمعاهدة المنظمة لحقوق والتزامات دول المجرى المائي، على سبيل المثال بعدم بناء سد يؤثر على بيئة غيرها من دول المجرى المائي بالسلب؟
في حقيقة الأمر لا توجد سلطة فوق الدول في النظام القانوني الدولي، فلا يوجد هنالك سلطة ما لها من الوسائل ما تمكنها من إجبار الدول على تنفيذ المعاهدة جبراً إذا ما أخلّت بأحكامها.
ولكن هذا لا يعني أننا في مجتمع دولي تعمه الفوضى تفعل به الدول ما تشاء من الاعتداء على حقوق غيرها، بل هناك من الآليات السلمية والحربية ما يكفي -إلى حد ما- لكفالة احترام الدول لحقوق بعضها البعض، منها على سبيل المثال:
- ما يقضي به الواقع المادي المعاصر المتمثل في حاجة الدول لبعضها البعض لأجل تنمية التعاون فيما بينها؛ مما يحثها دائماً على تطبيق القانون الدولي في علاقاتها المتبادلة؛ حيث تدرك جميع الدول أن احترام حقوقها يكون بقدر احترامها لحقوق غيرها من الدول، وهذا ما يجسده مبدأ المعاملة بالمثل. وتكون الحاجة لهذا التعاون في أزهى صورها على وجه الخصوص بالنسبة لدول المجاري المائية.
- مقاطعة الدولة اقتصاديا مما قد يحدث بها الكثير من الأضرار إلى حد قد يهدد استقرارها.
- إن عدم احترام دول المجرى المائي للاتفاقية المنظمة لحقوق والتزامات كل منهم ببنائها سد على هذا المجرى من شأنه أن يكون دافعاً للحرب والدمار وبالتالي عدم الاستقرار الدولي في المنطقة المقام بها السد، وهذا ما لم تسمح به منظمة الأمم المتحدة التي تقوم بشكل أساسي على حفظ السلم والأمن الدوليين، خاصة بوجود أداتها التنفيذية الدائمة “مجلس الأمن” فهو الجهاز صاحب المسؤولية الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين[8]، وذلك مع الأخذ في الاعتبار القوة التدميرية الهائلة للسدود إذا ما تم استهدافها عسكرياً نظراً لما تحويه من كمية هائلة من المياه قد تكون كافية -في بعض الأحيان- لإحداث فيضان يغرق حضارة عن بكرة أبيها.
وكانت هذه الخطورة البالغة هي الكامنة وراء تحريم استهداف السدود في اتفاقية جينيف 1977 حيث تنص بمادتها 57/1 على ” 1-لا تكون الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة ألا وهي السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربية محلاً للهجوم، حتى ولو كانت أهدافاً عسكرية… “، ذلك جراء استخدام السدود في الحروب عدة مرات خاصة في الحرب العالمية الثانية.
ثالثاً: أبرز السدود التي تم استهدافها
من أبرز الأمثلة على استهداف السدود:
1- استهداف السدود الثلاث المقامة على نهر الرور بألمانيا وهم سد (موهن) وسد (ايدرسي) وسد (سوربي) من جراء الغارات الجوية البريطانية، مما افضى إلى ما يزيد عن 1300 قتيل أثناء الحرب العالمية الثانية في عام 1943.
2- استهداف سد (سوي-هو) الياباني من قبل الغارات الجوية الأمريكية أثناء فترة الحرب الأهلية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، حيث تم تدمير السد بشكل شبه كامل بنسبة 90% في غضون عام 1952.
3- استهداف سد (دنيبرو) بأوكرانيا من قبل الاتحاد السوفييتي باستخدام أطنان من الألغام سنة 1941، مما أفضى إلى وفاة ما يقرب من 100 ألف شخص.
وها قد عاد الحديث عن تدمير السدود إلى الساحة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” عن الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة الأثيوبي في أكتوبر عام 2020 حيث قال:
“it’s a very dangerous situation because Egypt is not going to be able to live that way and they will end up blowing up the dam, and I said it and they say it loud and clear they will blow up that dam, and they have to do something…Because they could have stopped it, they should stop it long before it was started. I said how do you let it get built and then you say they have a dam!”.
فما هي أزمة القاهرة وأديس أبابا بخصوص سد النهضة وهل من المتصور فعلاً أن تقوم مصر كما قال الرئيس الأمريكي السابق بمهاجمة السد أم لا، هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني من المقال.
رابعاً: قضية سد النهضة
1- فحوى قضية سد النهضة
لا يكتمل الحديث عن السدود إلا بالحديث عن أزمة سد النهضة القائمة بين السودان ومصر من ناحية وإثيوبيا من ناحية أخرى، وهم دول ثلاثة – من بين 11 دولة وهم تنزانيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وجمهورية السودان وجمهورية مِصر العربية – تشترك في مجرى مائي واحد يسمى “نهر النيل”[9]. ويعد هذا النهر هو المصدر الرئيسي للمياه لدولتي المصب “السودان ومصر”، فبالنسبة لمصر تشكل مياه النيل حوالي 97% من مياه الري والشرب بمصر، ويعيش معظم سكان مدنها على ضفاف النيل بداية من وادي النيل بأسوان.
وتكمن الأزمة في شهر إبريل عام 2011 حيث شرعت دولة إثيوبيا بإقامة سد خرساني ضخم على ضفاف النيل قرب الحدود السودانية زاعمه حقها في ذلك وفقا لما يسمى “بنظرية هارمون”[10]، وهو يُعد أكبر سد طاقة كهرومائية في إفريقيا الغرض من بنائه توليد وتصدير الكهرباء، حيث يستوعب قرابة 70 مليار متر مكعب من المياه أي ما يعادل تقريبا حصتي مصر والسودان السنوية من مياه النيل، ويبلغ ارتفاع السد حوالي 170 متر، وعرضه 1800 م وتبلغ تكلفة بنائه ما يقارب 5 مليار دولار، وتم بناء السد من الخرسانة المضغوطة التي تتميز بالقوة الكبيرة وعدم تأثرها بالسوائل الهيدروليكية أو النفطية، وتسعى أثيوبيا لملئ السد في فترة من 5 إلى 7 سنوات مما سيؤثر على حصتي مصر والسودان السنوية من مياه النيل، وحتى الآن ترفض أثيوبيا كل الخطط المقترحة من دولتي المصب وتصر على ملئ السد طبقاً لجدولها الزمني.
2- طبيعة الحقوق المصرية على نهر النيل
يثور هنا تساؤل: هل لمصر حق الانتفاع من مياه النيل؟ وإن كان لها حق فما هي حصتها من هذه المياه؟
أ- اتفاقيات انتفاع مصر بنهر النيل
عقدت مصر العديد من الاتفاقيات بخصوص الانتفاع بمياه النيل وقسمت هذه الاتفاقيات إلى ثلاثة أقسام منها ما يخص الهضبة لإثيوبية والتي يرد منها 85% من مجموع نصيب مصر، ومنها الهضبة الاستوائية والتي يرد منها 15% من مجموع نصيب مصر من مياه النيل وتضم ستة دول وهم كينيا، تنزانيا، أوغندا، الكونغو الديمقراطية، رواندا وبوروندي. وأخيرا اتفاقيات ثنائية بين مصر والسودان، وسنأخذ بالبيان أوثق هذه الاتفاقيات صلة بموضوع المقال. وهي الاتفاقيات الخاصة بالهضبة الأثيوبية.
فقد عقدت مصر العديد من الاتفاقيات لتنظيم الانتفاع بمياه النيل؛ بداية من بروتوكول روما الموقع في 15 أبريل عام 1891، مروراً باتفاقية أديس أبابا الموقعة في 15 مايو 1902، واتفاقية لندن الموقعة في 13 ديسمبر 1906، واتفاقية روما عام 1952، وأكدت كل هذه الاتفاقيات بما لا يدع مجالا للشك على حق مصر والسودان في مياه النيل، بل وعدم أحقية إثيوبيا في إقامة أي مباني أو منشآت على ضفاف النهر قد يكون من شأنها أن تنقص كمية المياه بالنسبة لدولتي المصب ولو كانت هذه المنشآت لغرض الري.
وكان الطرف المشترك في هذه الاتفاقيات دول استعمارية مثل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا[11]؛ وهذا ما دفع إثيوبيا إلى محاولة التنصل منها متمسكة بمبدأ “السجل النظيف”، إلا أن هذه الاتفاقيات هي اتفاقيات ذات طابع عيني، لتعلقها المباشر بالإقليم مثلها مثل معاهدات الحدود، فتكون ملزمة للدول مهما تغيرت السلطة الحاكمة بها، وهذا ما تؤكده المادة (12) من اتفاقية فيينا 1978 حيث نصت على عدم جواز التنصل من الالتزامات الدولية التي أبرمتها “دولة السلف”، باستثناء المعاهدات الخاصة بالقواعد العسكرية الأجنبية المقامة في الإقليم الوطني، بالتالي من غير الجائز لأي دولة التنصل من تلك الاتفاقيات.
وفي عام 1993 وقع الرئيسان المصري والإثيوبي اتفاقية لتنمية موارد النيل وتعزيز مصالحهما الاقتصادية والسياسية، وتم الإشارة في أحد بنود الاتفاقية إلى تعهد الطرفان بعدم إقامة أي نشاط يؤدي إلى إحداث ضرر للطرف الآخر فيما يخص مياه النيل، وكذا الالتزام بمبادئ التشاور والتعاون بين الدولتين.
وهذا الاتفاق يعد اعترافا صريحا من إثيوبيا بحقوق مصر التاريخية المكتسبة في مياه النيل، وبالتالي إقامة أي مشروع على ضفاف النيل من أثيوبيا دون التشاور يعد أمرا محظوراً وفقا للقانون الدولي العام.
ب- حصة مصر في مياه نهر النيل
أما عن قدر حصة مصر في مياه النيل فهذا ما تبينه اتفاقية 1959 المبرمة بين مصر والسودان، حيث تضمنت الاتفاقية العديد من الجوانب أهمها التأكيد على احتفاظ مصر بحصة من مياه النيل تقدر بـ 48 مليار متر مكعب سنويا من المياه، وكذلك التأكيد على حق السودان في أربعة مليار متر مكعب سنويا من المياه.
ومن خلال هذه الاتفاقية اتفقت كل من مصر والسودان على توزيع الفائدة المائية من السد العالي والبالغة 22 مليار متر مكعب سنوياً على الدولتين بحيث يصل أن يكون إجمالي حصة كل دولة سنوياً إلى 55.5 مليار متر مكعب بالنسبة لمصر و18.5 مليار متر مكعب بالنسبة للسودان.
ولما كانت إثيوبيا ليست بطرف في هذه الاتفاقية فهي غير ملزمة لها طبقا للقانون الدولي العام، فلم تسفر هذه المعاهدة عن اعتراف دول حوض النيل – عدا السودان – بالحصة التاريخية المقررة لمصر، لذا سعت مصر لذلك من خلال وضع اتفاق شامل ونهائي بين دول حوض النيل في شهر أبريل من عام 2010، إلا أن هذه المفاوضات بائت بالفشل، حتى وجدت مصر نفسها في شهر إبريل من العام التالي أمام واقع وضع حجر الأساس لسد النهضة.
وفي يوم 23 مارس من عام 2015 عقدت قمة ثلاثية بين دول مصر والسودان من ناحية وإثيوبيا من ناحية أخرى، بمناسبة إعلان عشرة مبادئ تلتزم بها الدول الثلاثة بخصوص أزمة سد النهضة، ونشير فيمما يلي لأهم ما ورد في الإعلان:
1- موافقة دولتي المصب على بناء السد، واستكمال أثيوبيا، بحسن نية، لبناء السد وفقاً للتوصيات الخاصة بأمان السد الواردة في تقرير لجنة الخبراء الدولية.
2- عدم تسبب أي دولة من الدول الثلاثة بأي ضرر ذي شان لدولة أخرى خلال استخدامها للنيل الأزرق، واستخدام الدول الثلاثة مواردها المائية بأسلوب منصف ومناسب بما في ذلك الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة.
3- مبدأ التعاون المشترك بين الدول، والتعاون في الملء الأول وإدارة السد، على ان يستغرق الملء الأول للسد خمسة عشر شهراً منذ بداية إعداد الدراستين الموصي بهما من جانب لجنة الخبراء الدولية.
4- انشاء آلية تنسيقية بين الدول الثلاثة خلال الوزارات المعنية بالمياه للتنسيق والتعاون حول عملية تشغيل سد النهضة.
5- تسوية المنازعات التي قد تنشأ عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق خلال المشاورات أو التفاوض أو الوساطة.
إلا أن الإعلان لم يسفر عن الاعتراف بقدر حصة مصر التاريخية من مياه النيل، ومع ذلك لم تلتزم إثيوبيا بالإطار الزمني الخاص بمليء السد طبقا لما تزعمه دولتي المصب مما دعا بهما إلى دعوتها للتمسك بإعلان المبادئ سالف الإشارة اليه.
3- مسار المفاوضات بشأن سد النهضة
خاضت الدول الثلاثة العديد من الجلسات التفاوضية لوضع ضابط لمسألة ملء سد النهضة، كان أهمها الاجتماع الرابع بأديس أبابا في اطار سلسلة الاجتماعات الأربعة في يناير عام 2020، حيث صرحت وزارة الري المصرية عقب انتهاء المفاوضات “أن أطراف التفاوض الثلاثة لم تتمكن من الوصول إلى توافق حول التصرفات المائية المنطلقة من سد النهضة في الظروف الهيدرولوجية المختلفة للنيل الأزرق … ولم يكن هنالك إجراءات واضحة من الجانب الإثيوبي للحفاظ على قدرة السد العالي في مواجهة الآثار المختلفة التي قد تنتج عن ملء وتشغيل سد النهضة خاصة إذا واكب ذلك فترة جفاف أو جفاف ممتد لعدة سنوات متتابعة”.
وأمام فشل كل هذه المفاوضات، لم يكن أمام مصر – من السبل السلمية – سوى اللجوء إلى الوساطة وفقاً لما تقرره اتفاقية المبادئ، حيث تنص على إنه “في حال تعثر المفاوضات يمكن اللجوء إلى الوساطة”، وبالفعل توسطت الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي في المفاوضات بين الدول الثلاثة.
إلا أن كل هذه المفاوضات لم تحفظ لدولتي المصب حقهما المتمثل في حصتهما السنوية من مياه النيل، خلال التوصل لاتفاق ملزم لإثيوبيا حول عمليتي تشغيل وملئ السد.
وظلت الأمور في تصاعد سعياً من دولتي المصب إلى التوصل لاتفاق ملزم لإثيوبيا حول عمليتي ملئ وتشغيل السد، حتى وصل الأمر لمجلس الأمن والذي عقد جلسة بشهر يوليو من عام 2021 تعد هي الأولى من نوعها، والتي خصصها لنظر هذه الأزمة لما في القضية من تهديدات مصيرية للدول الثلاثة وزعزعة للاستقرار في المنطقة، وقامت الدول الثلاثة بتقديم حججهم أمام المجلس في إطار ما بدى معركة دبلوماسية لكسب آراء أعضاء مجلس الأمن الدولي، وانتهى الاجتماع بترحيل وإحالة مجلس الأمن أزمة سد النهضة إلى غرفة الوساطة الإفريقية، والتي لم تفلح بدفع إثيوبيا إلى تغيير موقفها وسط اتهامات باستخدام المياه كسلاح، وهو ما اعتبرته السلطات الإثيوبية مكسباً دبلوماسياً.
ولكن العودة إلى الوساطة الأفريقية لم تمنع السلطات المصرية من الترحيب بوساطة روسية لوضع حل لهذه المسألة، وها قد بدأ الملء الثاني للسد مع موسم فيضان النيل في الرابع من يوليو، وسيستمر لمدة أسبوعين أي حتى 20/7/2021، وبحسب الخبراء المصريين سيكون التخزين الثاني 3 مليارات متر مكعب بدلاً من 13 مليار ونصف، لكن أثيوبيا تقول إن الأمور تسير كما هو مقرر وهو تخزين لا يمكن منعه، ولا نعلم لأين ستؤول الأمور إلى الآن.
خامساً: الخاتمة
إن الخلاف في مشكلة سد النهضة باعتباره أبرز المشكلات الدولية المتعلقة بالسدود الدولية والمجاري المائية الدولية ليس في وجود السد في حد ذاته، بل في طريقة ملئه وتشغيله، حيث ترغب مصر في أن يتم ملئ السد في فترة 10 سنوات مع مراعات سنوات الجفاف، أما إثيوبيا فتعتبر مسألة السد حق من حقوقها السيادية، وترغب في ملئه في فترة بين 4 إلى 7 سنوات، وهو ما سيؤثر بالتأكيد على حصة مصر في مياه النيل، وتعتبر إثيوبيا السد من أهم مشاريعها للوفاء باحتياجاتها الاقتصادية، حيث أنفقت عليه كما سلف البيان ما يعادل 60% من ميزانيتها السنوية[12]، وبالتالي تعتبر السد مشروع قومي يتوقف عليه نمو البلاد، وفي نفس الوقت يعد نهر النيل مسألة وجودية بالنسبة لدولتي المصب لاسيما مصر.
إعداد: أ/ معتز بالله عادل سلامة محمد
[1]) حيث يقول البعض أن “النهر الدولي وحدة مائية قائمة بذاتها ورأس مال مشترك بين الدول التي يمر النهر في أقاليمها”، أ.د أشرف عرفات أبو حجازه، الوجيز في القانون الدولي العام، كلية الحقوق – جامعة القاهرة ص 308.
[2] ) ستيفن سي ماكفيري، أستاذ في كلية ماكجورج للحقوق جامعة المحيط الهادئ، اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية United Nations Audiovisual Library of International Law.
Copyright © United Nations, 2010. All rights reserved www.un.org/law/avl. Accessed on 15/7/2021
[3]) ذلك لأن الإخطار يتميز بالطابع الشكلي، والأصل فيه أنه جوازي أي غير إلزامي إلا فيما يخص القواعد التي قد يفرضها القانون الدولي على الدول، ومن أبرز مصادر هذا الإلزام؛ المعاهدات الدولية. انظر د/ كارل زيمانيك، أستاذ متفرغ بجامعة= =فيينا ونائب رئيس الوفد النمساوي إلى مؤتمر الأمم المتحدة لقانون المعاهدات، اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، United Nations Audiovisual Library of International Law.
www.un.org/law/avl. Accessed on 15/7/2021
[4]) وهذا ما أكدت عليه العديد من الاتفاقيات الدولية، وأحكام المحاكم والهيئات القضائية الدولية والإعلانات والقرارات الصادرة عن المؤتمرات والمنظمات الدولية، بالإضافة إلى اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. للمزيد أنظر: أ.د أشرف عرفات أبو حجازة، الوجيز في القانون الدولي العام، كلية الحقوق – جامعة القاهرة ص307 وما بعدها.
([5]) أنظر. د/ أكرم مصطفى الزعابي، مدرس القانون الدولي العام، جامعة الزقازيق، كلية الحقوق، بناء السدود على الأنهار الدولية وفقا لقواعد القانون الدولي العام ص 885. الناشر: جامعة المنصورة، كلية الحقوق، 2017.
([6]) للمزيد نظر الجزء الثالث من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969 تحت عنوان “احترام المعاهدات وتنفيذها وتفسيرها”. http://hrlibrary.umn.edu/arabic/viennaLawTreatyCONV.html جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، Accessed on 21/7/2021.
([7]) ميثاق منظمة الأمم المتحدة https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text Accessed on 21/7/2021.
([8]) انظر م24 من ميثاق الأمم المتحدة https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text Accessed on 21/7/2021.
([9]) وهو النهر الأطول في أفريقيا ويعد من أطول انهار العالم المتتابعة، ويبلغ طوله تقريبياً حوالي 6700 كم (4,130 ميل) ، وله العديد من الروافد والمصادر التي تمده بالمياه؛ أهمها الهضبة الأثيوبية حيث تمده بنحو 71 مليار متر مكعب من المياه سنوياً أي بما يقرب من 85% من متوسط الإيراد السنوي… للمزيد أنظر. د/ أكرم مصطفى الزعابي، مدرس القانون الدولي العام، جامعة الزقازيق، كلية الحقوق، بناء السدود على الأنهار الدولية وفقا لقواعد القانون الدولي العام ص 877 وما بعدها. الناشر: جامعة المنصورة، كلية الحقوق، 2017.
([10]) وهو يقضي بأن تمارس الدولة سيادتها الإقليمية المطلقة على الجزء الواقع تحت إقليمها من المجرى المائي الدولي أياً كانت النتائج أو الأضرار التي ستصيب الدول الأخرى… للمزيد أنظر. د/ أكرم مصطفى الزعابي، مدرس القانون الدولي العام، جامعة الزقازيق، كلية الحقوق، بناء السدود على الأنهار الدولية وفقا لقواعد القانون الدولي العام ص 893 وما بعدها. الناشر: جامعة المنصورة، كلية الحقوق، 2017.
([11]) للمزيد أنظر د/ أكرم مصطفى الزعابي، مدرس القانون الدولي العام، جامعة الزقازيق، كلية الحقوق، بناء السدود على الأنهار الدولية وفقا لقواعد القانون الدولي العام ص 883 وما بعدها. الناشر: جامعة المنصورة، كلية الحقوق، 2017.
([12]) WRR- international rivers organization -September 2013 – vol 28

