المنطقة المتاخمة
تنشأ فكرة المنطقة المتاخمة من رغبة بعض الدول فرض سيطرتها على البحار الإقليمية الملاصقة لشواطئها، وذلك للاستفادة القصوى استراتيجيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ففرض الدول لسيطرتها على تلك الشواطئ المجاورة لإقليمها البحري مفيد للتحكم في محيطها البحري في حاله الحرب للحفاظ على أمنها وسلامتها.
والمنطقة المتاخمة تُعد مكملة للبحر الإقليمي أو مجاورة له، فتلك المنطقة مرتبطة ارتباط وثيق بعرض البحار الإقليمية وأساليب تحديدها وقياسها، والطريقة المحددة لقياس عرض البحر كخط أساس تعد نفس طريقة قياس المنطقة المتاخمة.
وهناك اتفاقيتين متعلقتين بمياه البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة وهما جينيف لعام 1958، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتحدد بهم تلك الحدود والقوانين التي تحكمها.
ثانيًا: المنطقة المتاخمة وفق الاتفاقيات الدولية:
ثالثًا: سلطات الدولة الساحلية في المنطقة المتاخمة:
رابعًا: تحديد اختصاصات الدولة الساحلية على المنطقة المتاخمة:
خامسًا: تعيين حدود المنطقة المتاخمة:
يمكننا تعريف المنطقة المتاخمة بأنها المنطقة الساحلية المجاورة للبحر الإقليمي للدول الشاطئية، والملاصقة لها والتي تعطي لدولتها مهام وسلطات من شأنها المحافظة على الدولة، وتتشكل تلك المهام في المراقبة الأمنية والجمركية والصحية على العديد من الممارسات التي تعد اختراق لقوانين الدولة عن طريق السلطة الرقابية خارج مياهها الإقليمية ([1])، ولكن بعض الدول قامت بالاعتراض على هذه الممارسات واعتبرتها خرق لمبدأ حرية أعالي البحار.
وتُعتبر إنجلترا هي أول الدول التي قامت بهذه الممارسات الرقابية وأنشأت قوانين لذلك أطلقت عليها اسم (قوانين الذئاب) ([2])، وتلتها الولايات المتحدة الأمريكية بحيث أنشئت العديد من المعاهدات والاتفاقيات الثنائية، والتي ترتب عليها أن الدول المشتركة في تلك المعاهدات لها الحق في تطبيق الرقابة على السفن خارج بحرها الإقليمي[3].
ويوجد عدة تعريفات من الفقهاء للمنطقة المتاخمة منها تعريف سعيد الكريم عوض خليفة إذ عرفها بأنها: ” المنطقة المتاخمة أو المجاورة أو الملاصقة هي منطقة تلي البحر الإقليمي للدول الساحلية، تمارس بها بعض الاختصاصات لكي تحافظ علي الدولة وكيانها”[4]، فالمنطقة المتاخمة هي التي تبدأ من نهاية حدود البحر الإقليمي بمقدار 12 ميل بحري.
ثانيًا: المنطقة المتاخمة وفق الاتفاقيات الدولية:
1_ مؤتمر لاهاي 1930:
وفيه أوضحت 19 دولة بالاقتراح الموضح لأن يكون امتداد البحر الإقليمي لثلاث أميال وتكون له منطقة متاخمة، من خلالها تقوم الدول بممارسة الاختصاصات الرقابية وقامت بالاعتراض تسع دول على رأسهم بريطانيا ومنع ذلك من إقرار ذلك النظام للمنطقة المتاخمة[5].
2_ اتفاقية جينيف للبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة لعام 1958:
اعتمدت تلك الاتفاقية في مؤتمر جينيف على فكرة المنطقة المتاخمة واعتبرتها قانون يستقل بذاته عن فكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي من شأنها أن تجعل الحق للدولة في استعمال واكتشاف مصادر الثروة في منطقتها، وفي نفس ذات الوقت تشكل فكرة المنطقة المتاخمة في الرقابة والوقاية للدول الشاطئية الساحلية لتحافظ على كيان الدولة وحماية شئونها الأساسية جمركية أو صحية أو أمنية.
3_ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982:
وقد أوضحت هذه الاتفاقية أن المنطقة المتاخمة تلاصق وتحازي البحر الإقليمي للدول الشاطئية الساحلية، وذلك بنص القانون في (المادة 33) من تلك الاتفاقية.
ثالثًا: سلطات الدولة الساحلية في المنطقة المتاخمة:
من المعلوم أن المنطقة المتاخمة تُعتبر جزء من أعالي البحار، وقد أوجبت الضرورة إعطاء الدول الساحلية بعض الحقوق المستثناة من حرية أعالي البحار، ولذلك فهذا الاستثناء لا يمكن التوسع به، وقد بينت اتفاقية الأمم المتحدة سنه 1982 لقانون البحار سلطات الدول الساحلية لمنطقتها المتاخمة حصرا في (المادة 33) في فقرتها الأولى، والمنصوص بها الآتي:
للدولة الساحلية في منطقة متاخمة لبحرها الإقليمي تعرف بالمنطقة المتاخمة أن تمارس السيطرة اللازمة من أجل:
- منع خرق قوانينها ولوائحها الجمركية، أو الضريبية، أو المتعلقة بالهجرة، أو الصحة داخل إقليمها، أو بحرها الإقليمي.
- المعاقبة على أي خرق للقوانين والأنظمة المذكورة أعلاه حصل داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي.
رابعًا: تحديد اختصاصات الدولة الساحلية على المنطقة المتاخمة:
أظهرت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982م واتفاقية جينيف لعام 1958الهدف من توضيح الاختصاصات للدول الساحلية في المنطقة المتاخمة بثلاث أهداف متفرقين أو مجتمعين منهم ما يلي:
1_ الرقابة الخاصة بشؤون الصحة:
تعد الصحة والهجرة والصيد من أهم الأهداف التي أدت لإنشاء المنطقة المتاخمة، فاتخذت تلك الدول الشاطئية الساحلية كافة التدابير الصحية كطريقة من طرق للحد من انتشار الأمراض المعدية والتي تجلبها السفن الأجنبية، كذلك السعي لاتخاذ الإجراءات الصحية للحد من التلوث البحري ولحماية البيئة البحرية، ويجوز اتخاذ كل الإجراءات الاحترازية لتوقف السفن عن الإبحار في حال انتهاكها للقوانين الصحية لتلك الدول الشاطئية.
2_ الرقابة الخاصة بالشؤون الجمركية والضريبية:
فالهدف الأسمى لوجود المنطقة المتاخمة هو المصالح الضريبية والمالية، والذي من شأنه أن يزيد الدخل الضريبي والجمركي للدول الشاطئية، مما يساهم في إصلاح وتطور الاقتصاد الوطني، وأيضا إصلاح السفن الأجنبية يزيد من الدخل الوطني عند حدوث ضرر بها داخل مراسم تلك الحدود.
والمنطقة المتاخمة بقوانينها تجعل هناك ضمان لتبادل ودخول السلع للدول الشاطئية بشكل قانوني منظم، بدفع الرسوم الضريبية والجمركية لها، ويشكل أي اعتراض أو اعتداء على تلك القوانين الجمركية اعتداء على الدولة نفسها، فهذه الضرائب يرتكز عليها كثير من الدول في ميزانيتها، لذلك فإن الدول الساحلية لها حق الرقابة والمحاسبة على كل تصرف من شأنه يعارض قوانين الدولة الساحلية وأنظمتها الجمركية والمالية.
3_ الهجرة غير الشرعية:
تشكل الهجرة غير الشرعية خطر يهدد الأمن الوطني للبلاد الشاطئية وبخاصة مع الازدياد المستمر للأفراد المهربين بطريق البحر، فتقوم الدول الشاطئية الساحلية بالإجراءات والتدابير الحاكمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية في مناطقها المتاخمة، وذلك للحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
خامسًا: تعيين حدود المنطقة المتاخمة:
يوجد الكثير من الاختلافات في تحديد الحدود الإقليمية للدول الساحلية لحدود المنطقة المتاخمة، ولكن اتفاقية جنيف 1958والأمم المتحدة 1982م حسمت ذلك وسنوضحه في الآتي:
1_ في اتفاقيات جنيف1958م:
لم يرد نصا بخصوص الدول المتلاصقة أو المتجاورة بسواحلها وذلك في المشروع النهائي للجنة القانون الدولي سنة 1956، وذلك لتحديد المنطقة المتاخمة وحدودها بين دولها الساحلية، وأتت قاعدة عامة في المشروع النهائي للقانون الدولي (بالمادة66) وذلك حول اتساع المنطقة المتاخمة وحقوق الدولة الساحلية عليها.
جاءت (المادة 24) من اتفاقيات جنيف 1958م للبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة في الفقرة الثانية بتحديد مساحة المنطقة المتاخمة بمسافة 12 ميلا بحريا يتم قياسها من بداية خطوط الأساس التي يقاس منها البحر الإقليمي للدولة الساحلية، فجاء نص المادة بأن: “لا يجوز أن تمتد المنطقة المتاخمة إلى أبعد من 12 ميلا بحريا من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي”.
أما في الحالات التي تكون فيها سواحل دولتين متلاصقتين أو متقابلتين وتكون المساحة بين سواحل الدولتين لا تسمح بوجود منطقتين متاخمتين فنصت على طريقة رسم حدود تلك الدولتين للمنطقة المتاخمة كما جاء في نفس المادة بالفقرة 3 منها بأنه: “عندما تتقابل أو تتجاوز سواحل دولتين فإن أي من الدول لا يحق لها عندما يتعذر الوصول إلى اتفاق بينهما أن تمد منطقتها المتاخمة إلى ما وراء الخط المتوسط الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين”.
حيث جاءت هذه المادة وتحديدًا في الفقرة الثالثة منها مؤكده على ضرورة تعيين وتحديد لنطاق المنطقة المتاخمة وذلك بناء على الاتفاق بين الدول المعنية بذلك، ولكن عند عدم اتفاق بين كلا من الأطراف المعنية فهنا لابد من الالتزام بطريق خط الوسط كما جاء بالاتفاقية.
ولكن ظروف كل دولة الجغرافية منها والجيولوجية لسواحل الدول الشاطئية تجعل هناك إجحاف وجمود في تنفيذ هذه القاعدة، وهذا ما يؤخذ على المشرع من إغفاله لهذه الفروقات التي تعوق التنفيذ، ومن منطلق العدالة كان يتعين مراعاة ظروف كل دولة بهدف تحديد نطاق الحدود للمنطقة المتاخمة للوصول لنتيجة محققة لحل تلك النزاع القائم بين الدول[6].
2_ في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982م:
جاءت في (المادة 33) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على تحديد النطاق أو الحدود الخارجية للمنطقة المتاخمة في فقرتها الثانية بأنه: “لا يجوز أن تمتد المنطقة المتاخمة إلى ابعد من 24 ميلا بحريا من خطوط الأساس التي يقاس منها البحر الإقليمي “، وبناء على هذا فإن خط نهاية البحر الإقليمي هو نفسه خط بداية لتحديد وقياس المنطقة المتاخمة، فخط نهاية البحر الإقليمي هو ذلك الحزام الحدي البحري للبحر الإقليمي والممتد من شاطئ الدولة الساحلية موازيا للشواطئ باتجاه أعالي البحار.
فيما يخص تعيين الحدود للمنطقة المتاخمة بين سواحل الدول المتقابلة والمتلاصقة فأغفلت الاتفاقية أي نص لها، ولكن تم إحالتها لنص (المادة 15) في الاتفاقية 1982م والمحددة طرق تحديد الحدود بين الدول المتقابلة والمتلاصقة في البحر الإقليمي.
كتابة: شيماء عبد المجيد
[1] د/احمد أبو الوفا محمد، القانون الدولي الجديد للبحار، ص235.
[2] د/صلاح الدين عامر، القانون الدولي للبحار، ص195.
[3] د/صلاح الدين عامر، قانون البحار الجديد والمصالح العربية، ص31.
[4] عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي للبحار دراسة في ضوء أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ص66.
[5] حسني موسي محمد رضوان، سلسلة الرسائل العلمية-رسالة دكتوراه-القانون الدولي للبحار ص70
[6] د/محمد عبد الرحمن الدسوقي، النظام القانوني للجزر في القانون الدولي للبحار، ص457.

