التصادم البحري
طبيعة الملاحة البحرية ينتج عنها وجود العديد من المخاطر البحرية، والتي في مقدمتها وأخطرها هو “التصادم البحري”، والتصادم البحري لا يقتصر وجوده فقط في البحار العامة، بل يوجد كذلك في السواحل والمناطق الملاحية الضيقة.
وغالباً ما ينتج عن التصادم البحري العديد من الآثار السلبية والخطيرة التي تلحق السفن والبضائع وكذلك الأفراد سواء الطاقم البحري أو المسافرين، وقد يمتد الأثر السلبي للتصادم البحري ليصل إلى التأثير على البيئة البحرية من خلال تسريب المواد السامة التي قد تنقل نتيجة هذا التصادم، وفى هذا المقال أعرض لمختلف جوانب التصادم البحري على الوجه الآتي:
ثالثاً: أحكام المسؤولية عن التصادم البحري
رابعاً: استثناء من أحكام التصادم البحري
خامساً: الاقتراحات الدولية لتفادي التصادم البحري
أولاً: مفهوم التصادم البحري
عرفت المادة الأولى من معاهدة بروكسل لعام 1910 التصادم البحري بأنه: ” التصادم الذي يحدث بين سفينتين بحريتين أو بين سفينة بحرية ومركب ملاحة داخلية بغض النظر عن المياه التي يقع فيها التصادم”.
ويلاحظ من هذا التعريف أن الاتفاقية تعطي اهتماماً خاصاً بالسفن كونها محل التصادم البحري ولم تعط اهتماماً بالمياه التي وقع فيها التصادم سواء كانت مياه داخلية أو مياه البحار، حيث أن الشرط الواضح من التعريف ضرورة أن تكون المنشآت المتصادمة من المنشآت البحرية ليطلق على التصادم مصطلح التصادم البحري.[1]ويتضح من التعريف أيضاً أنه كون السفينة أحد أطراف التصادم البحري فإن ذلك لا يؤكد على ضرورة اشتراط أن يكون الطرف الآخر غير متحرك كالرصيف أو الصخور بل يجب أن يكون الطرف الآخر مركبة ملاحية داخلية على أقل تقدير ليتحقق مفهوم التصادم البحري.
وهذا لأن التصادم البحري يكثر وقوعه بين السفن بسبب العديد من العوامل الخارجية كالرؤية المحدودة وسقوط الأمطار وغيرها من الأسباب، وهذه العوامل قد تحدث بين السفن والمراكب الداخلية على حد سواء فينطبق عليها في هذه الحالة أحكام التصادم البحري التي سيأتي ذكرها لاحقاً.
ووفقاً لهذا التعريف فإنه يتم استبعاد كلاً من التصادم الواقع بين السفن ورصيف الميناء أو الصخور، وكذلك التصادم الذي يحدث بين القاطرات والزوارق البحرية ومراكب الصيد الصغيرة من أحكام التصادم البحري.[2]
وبالرجوع إلى قانون التجارة البحرية الأردني، يلاحظ أنه لم يعمل على تعريف التصادم البحري بشكل مباشر، ولكن تكتفي بتحديد الأحكام الخاصة بالتصادم البحري ومن خلال هذه الأحكام يتضح أنها تأخذ بذات الأسس التي يبني عليها تعريف اتفاقية بروكسل للتصادم البحري ففي (المادة 263) تنص على أنه: “إذا وقع تصادم بين السفن البحرية أو بين السفن البحرية وسفن الملاحة الداخلية فإن التعويض من الضرر اللاحق بالسفن وما على متنها من أشياء وأشخاص يدفع وفقاً للأحكام التالية ولا عبرة للمياه التي حدث فيها التصادم”.[3]
ثانياً: شروط التصادم البحري
1_ أن يحدث فعل الاصطدام أو الارتطام الذي يؤدي إلى الإضرار بالمنشآت البحرية
يعد الشرط الأول لحدوث التصادم البحري أن يحدث اصطدام أو ارتطام أو التحام على بين المنشآت البحرية مما ينتج عنه حدوث تلف وضرر بمختلف أشكاله.
فإذا اصطدمت السفينة بدوامة على سبيل المثال فإن ذلك لا يعد من قبيل التصادم البحري، ويجب أيضاً أن يكون هذا الارتطام له قوة وليست مجرد احتكاك بسيط بين السفينتين.
2_ أن يقع الاصطدام بين منشأتين بحريتين أحدهما سفينة
يشترط لوقوع التصادم البحري أن يتم بين منشئتين أحدهما على الأقل سفينة بحرية، حيث تقام أحكام التصادم البحري طالما أن أحد من المنشأتين التي وقع بينهما التصادم سفينة بحرية.
فطالما وجدت سفينة بحرية في حادثة التصادم البحري سواء كانت هي الصادمة أو المصدومة فإن ذلك يتطلب انطباق أحكام التصادم البحري التي ينص عليها المشرع أو الاتفاقية محل التطبيق.[4]
3_ أن يكون التصادم مادياً
يجب أن يكون التصادم أو الاحتكاك مادياً بين المنشأتين البحريتين، ويكون الارتطام مادياً سواء كان مباشراً بين المنشأتين أو الإلحاق بضرر للسفينة الأخرى نتيجة عدم الالتزام بالقواعد والأحكام طبقاً للقانون البحري أو التسبب بأضرار من خلال الأشخاص والأشياء على السفينة الصادمة.
ويوضح قانون التجارة البحرية الأردني هذا الشرط في كلاً من نص (المادة 238) التي تنص على أن: “إذا كان التصادم مسبباً عن خطأ إحدى السفن فيتوجب التعويض من الأضرار على المسؤول عن هذا التصادم”، وكذلك (المادة 241) التي تنص على أن: “تطبق الأحكام السابقة في غير وقوع التصادم على التعويض من الأضرار التي تسببها سفينة لسفينة غيرها أو لما على متنها من أشياء، أو أشخاص بقيامها بحركة، أو بإغفالها حركة، أو بعدم مراعاتها للأنظمة”
ثالثاً: أحكام المسؤولية عن التصادم البحري
يوجد العديد من الأسباب التي ينتج عنها وقوع التصادم البحري بمعناه السابق ذكره، ووفقاً لاختلاف هذه الحالات تختلف الأحكام التي تنطبق على التصادم البحري، وهذه الحالات هي:
1_ التصادم الناتج عن خطأ إحدى المنشأتين
الحالة الأولي التي يتم تحديد أحكام التصادم البحري على أساسها هي حالة وقوع خطأ من إحدى السفينتين، مما يجعل السفينة المتسببة في وقوع التصادم البحري ملزمة بتعويض السفينة الأخرى.
وفى هذا الحالة قد يكون الخطأ منسوباً إلى ربان السفينة أو أحد الضباط على السفينة في حالة عدم إعطاء الأوامر بمرور السفينة الأخرى التي يكون لها أولوية المرور مما ينتج عنه حدوث التصادم البحري.
وقد يكون الخطأ منسوب إلى مجهز السفينة الذي سمح لها بالسفر وهي غير صالحة للملاحة، وقد يكون منسوباً كذلك إلى المجهز في حالة خطأ المرشد.[5]
وأشار قانون التجارة الأردني إلى حكم هذه الحالة في (المادة 238) التي تنص على “إذا كان التصادم مسبباً عن خطأ إحدى السفن فيتوجب التعويض من الأضرار على المسؤول عن هذا التصادم”.
ويعمل قانون التجارة البحرية الأردني بتحديد الأحكام اللازمة للربان حال وقوع التصادم البحري والتي تتعلق بالمساعدة البحرية والإنقاذ في (المادة 242) و(المادة 243) التي نصت على أن: “على ربان كل سفينة اصطدمت بغيرها أن يغيث السفينة الأخرى وبحارتها وركابها بقدر ما يتيسر له ذلك دون أن تتعرض سفينته وبحارته وركابه لخطر جدي”.
“على الربان أيضاً أن يعلم السفينة الأخرى على قدر المستطاع باسم سفينته ومربطها والميناء الآتية منه والميناء الذاهبة إليه، لا يعد صاحب السفينة مسؤولاً بمجرد المخالفة للأحكام السابقة”.
2- التصادم الناتج عن الخطأ المشترك
قد ينتج التصادم البحري عن خطأ مشترك من السفينتين، كأن يقوم كل من الربان على السفينة الصادمة والمصدومة بارتكاب الأخطاء التي تؤدي إلى التصادم البحري.
ويتناول قانون التجارة البحرية هذه الحالة في (المادة 239) والتي تنص على أن: ” إذا كان الخطأ مشتركاً فتكون تبعة كل سفينة بنسبة فداحة الخطأ الذي ارتكبته، ولكن إذا حالت الأحوال دون إثبات هذه النسبة أو إذا بدت الأخطاء كأنها متوازية فتوزع التبعة حصصاً متساوية، وأن الأضرار الملحقة بالسفن، أو بحمولتها، أو بأمتعة البحارة، أو الركاب وبسائر أموالهم، أو أي شخص آخر وجد على متن السفينة تتحملها السفن المخطئة بالنسبة المذكورة وبدون تكافل تجاه الغير”.
ووفقاً لهذا النص فإن يتم تقسيم تبعة الخطأ الناتج عن ك سفينة وفقاً لمقدار الخطأ الذي تسببت فيه، وفى حالة عدم القدرة على تقسيم هذه التبعات فيتم اعتبار أن الخطأ متساوي فيما بينهما.
3- التصادم الناتج عن القوة القاهرة
توضح (المادة 237) من قانون التجارة البحرية الأردني حالة حدوث التصادم البحري نتيجة وجود القوة القاهرة بالنص على أن: “إذا وقع التصادم عرضاً أو إذا سببته القوة القاهرة أو إذا حام الشك حول أسبابه فيتحمل المتضرر ما يلحقه من ضرر. ويستمر العمل بمقتضى هذا النص إن كانت السفن أو إحداها راسية حين تصادمها”.
وبالتالي عندما يكون سبب التصادم وجود القوة القاهرة يتحمل المتضرر الأضرار التي تلحقه دون الحصول على التعويض من الطرف الآخر في التصادم البحري، وينطبق هذا الحكم أيضاً في حالة أن تكون السفن راسية وقت التصادم.
4- التصادم نتيجة أسباب مجهولة
قد يحدث التصادم البحري نتيجة أسباب غير معروفة ويصعب إثباتها، فلا يتم التمكن من معرفة إن كان السبب هو الخطأ المشترك أم القوة القاهرة.
وينطبق على هذا الحالة أحكام المادة الخاصة بالقوة القاهرة حيث إن قانون التجارة البحري قد أدمج الحالتين في (المادة 237) السابق ذكرها. [6]
رابعاً: استثناء من أحكام التصادم البحري
1_ التصادم البحري مع السفن العامة
تخرج السفن العامة بأنواعها عن القواعد والأحكام الخاصة بالتصادم البحري السابق الإشارة إليها، والسفن العامة تنقسم إلى كلاً من السفن الحربية والسفن المخصصة لخدمة عامة غير حربية.
أ_ السفن الحربية
وفقاً لاتفاقية جنيف لأعالي البحار لعام 1958م فإن السفن الحربية هي “السفينة التي تعود للبحرية الحربية لدولة ما، والتي تحمل الإشارات الخارجية المميزة للسفن الحربية للدولة التي تحمل جنسيتها، ويكون قائدها في خدمة الدولة واسمه موجود على قائمة ضباط أسطولها الحربي ويخضع طاقمها لقواعد النظام العسكري”.[7]
وينطبق هذا الوصف على السفن التي تكون تابعة للإدارة العسكرية وتكون مسجلة في وزارة الدفاع الوطني بسجل خاص ومراقبة من وزير الدفاع الوطني.
ب_ السفن المخصصة لخدمة عامة غير حربية
وهي النوع الثاني من أنواع السفن العامة، وتكون هذه السفن مملوكة للدولة وتقوم باستخدامها في القيام بأنشطة مختلفة تتعلق بالمرافق الحكومية دون تحقيق الأرباح.
2_ الحكم الاستثنائي للتصادم البحري مع السفن العامة
الأصل عدم انطباق قواعد وأحكام التصادم البحري على السفن العامة سواء كانت السفن حربية أو مخصصة لخدمة عامة غير حربية حيث ان هذه السفن تتمتع بحصانة قضائية أمام المحاكم الدولية وفقاً لأحكام القانون الدولي البحري.
وهذا ما تم النص عليه في (المادة 11) من اتفاقية بروكسل والتي نصت على أنه: “لا تطبق أحكام المعاهدة الحالية على السفن الحربية وسفن الحكومة المخصصة كليا لخدمة عامة”.
وبالتالي تخضع المنازعات التي تنشأ بين السفن العامة والسفن الأخرى الخاصة إلى القواعد العامة للمسؤولية ولا تخضع إلى أحكام التصادم البحري، ولكن في حالة تخصيص هذه السفن إلى أغراض تجارية خاصة من الحوكمة فإنها بالتالي تخضع إلى أحكام التصادم البحري.[8]
3_ موقف القانون الأردني
وأشار قانون التجارة البحرية الأردني إلى هذا الاستثناء في نص (المادة 244) حيث نصت على أن: “تطبق أحكام هذا الباب على السفن الحربية وسفن الدولة المخصصة بدائرة رسمية”.
وبالتالي فإن القانون الأردني لم يعتبر السفن العامة استثناء لعدم انطباق أحكام التصادم البحري، حيث إنه يعتبر الجانب الفقهي الذي يؤكد على أن السفن العامة تتعرض لمخاطر بحرية كما هو الحال في السفن الخاصة.
ويلاحظ من النص أن انطباق أحكام التصادم البحري على السفن البحرية وسفن الدولة المخصصة بدائرة رسمية لا يعني أن جميع أحكام المخاطر البحرية تنطبق بدورها على السفن العامة.
خامساً: الاقتراحات الدولية لتفادي التصادم البحري
1_ مراعاة استخدام الإشارات الصوتية
وتعد الإشارات الصوتية بمثابة اللغة المستخدمة بين السفن نظراً لصعوبة التواصل بطرق أخرى، وتعمل السفن على توحيد هذه الإشارات لتكون معتمدة بين جميع السفن مما يقلل من احتمالات حدوث التصادم البحري.
2_ تطبيق قواعد الأنوار والعلامات
وفقاً للعرف الدولي فإنه يجب الالتزام بعلامات وأنوار محددة وفقاً للأوقات المختلفة وكذلك وفقاً لحالات الطقس، ويجب أن يتم توحيد هذه العلامات والأنوار مما يساهم بدوره في منع اللبس في فهم معاني هذه العلامات والأنوار وبالتالي تتقلص نسبة التصادم البحري.
3_ الالتزام بقواعد المناورة
يجب على السفن الالتزام بمختلف القواعد الدولية للمناورة خاصة في حالات الرؤية المحدودة للسفن، وفيما عدا الحالات التي يتقرر فيها عدم وجود أي خطر للتصادم يجب على كل سفينة تسمع بوضوح إشارة ضباب لسفينة أخرى قادمة من اتجاه أمام الخفاء، أو عندما لا يمكن لسفينة تجنب حالة الاقتراب الحرج مع سفينة أخرى موجودة أمام مجراها أن تخفض سرعتها إلى أقل سرعة تمكنها من الحفاظ على خط سيرها، ويجب إذا ادعت الضرورة أن توقف تقدمها للأمام، وفي حالة عليها أن تسير بمنتهى الحرص يزول خطر التصادم.[9]
كتابة: فريدة سليمان
[1] معاهدة بروكسل لعام 1910م.
[2] سعاد حسان، الحوادث البحرية وفقاً للقانون الجزائري والاتفاقيات الدولية، جامعة أبي بكر بلقاي، الجزائر، 2018م، ص 18.
[3] قانون رقم (12) لسنة 1972 قانون التجارة البحرية الأردني
[4] محمد نصر محمد، الوجيز في القانون البحري، مكتبة القانون والاقتصاد، 2012م، ص 300: ص 303.
[5] مصطفى كمال طه، مبادئ القانون البحري، 1991، ص 337: 339.
[6] قانون التجارة البحرية الأردني لعام 1972م
[7] محمد نصر محمد، الوجيز في القانون البحري، مكتبة القانون والاقتصاد، 2012م، ص 307
[8] اتفاقية بروكسل 1910م
[9] منصور عبد الرحمن، التصادم البحري (دراسة مقارنة بين قانون دولة الإمارات العربية المتحدة وقانون جمهورية مصر العربية ومعاهدة بروكسل) ، جامعة الإمارات العربية المتحدة، 2019، ص 20: 24.

