الإبادة الجماعية في القانون الجنائي الدولي

الإبادة الجماعية في القانون الجنائي الدولي

تُعد جريمة الإبادة الجماعية من أخطر الجرائم التي تهدد البشرية، فكلمه إبادة تعني التدمير والفتك، ونلاحظ مدى قوة وبشاعة التعبير لإيذاء أرواح خلقها الله لإعمار الأرض والسعي فيها.

وتُعد جريمة الإبادة الجماعية أحد جرائم الاعتداء على النفس التي حرم الله قتلها، وتلك الجريمة تمثل انتهاك لحق الأشخاص في الحياة وإلحاق الضرر بهم عمدا ويكون مفهوم الإبادة أشد تعقيدا وقسوة إذا كانت الإبادة تستهدف جماعات كاملة لأسباب اجتماعيه عديدة قد تكون دينيه، أو أثنيه، أو عرقية، أو قومية.

أولاً: التعريف بجريمة الإبادة وبيان خطورتها:

ثانياً: خصائص جريمة الإبادة:

ثالثاً: أركان جريمة الإبادة:

أولاً: التعريف بجريمة الإبادة وبيان خطورتها:

1- تعريف جريمة الإبادة:

عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة جريمة الإبادة بأنها: ” إنكار حق الوجود لجماعات إنسانية بأكملها، ولقد نصت المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها والتي صدقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها الصادر عام 1948 على أن: (تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي، أو الجزئي لجماعة قومية ،أو أثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه:

  • قتل أعضاء من الجماعة،
  • إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة،
  • إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا،
  • فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة،
  • نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخري[1]).

2- خطورة جريمة الإبادة:

نظرا لكون جريمة الإبادة من أبشع وأخطر الجرائم التي تمس حياه الإنسان وأمنه فإنها تتطلب تدخل جميع الدول لإنقاذ البشرية من شرورها، فلقد حملت تلك الجريمة تجاوزات خطيرة ضد البشرية في نهاية القرن العشرون ومطلع القرن الحادي والعشرون تمثلت في مذابح الهوتو والتوستى في رواند.

فخلال العهد الاستعماري عندما كانت رواندا مستعمره بلجيكية وكانت تتكون من نوعين من الجماعات الأثنية وهما الهوتو وكانوا يمثلون الأغلبية وكان يعمل اغلبهم بالزراعة، وكان التوتسي يمثلون الأقلية وتم تعينهم في الوظائف الحكومية على أيدي الاحتلال البلجيكي وكانت الأثنية المفضلة من قبل المستعمرين الأوربيين، وعام 1994 بدأت عمليه الإبادة في رواندا على يد ميلشيات الهوتو وكانت الأدوات الزراعية هي الوسيلة  المستخدمة في عمليه الإبادة ومنها  المناجل في قتل التوتسي  الذين كانوا يمثلون الأقلية واستمرت عمليات الإبادة لمدة 100 يوم.

وقد تكون الدوافع التي تدفع مرتكبي جريمة الإبادة ذات طابع عرقي على سبيل المثال العنصرية التي اشتهر بها نظام جنوب إفريقيا السابق المعروف بسياسيه “الأبارتايد” وكانت هذه السياسة تفرض قيودا ظالمة على حرية التنقل والحركة وعلى الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لغير البيض، وأيضا الإبادة التي حدثت في  البوسنة والهرسك التي لم يسلم منها حتى الرضع ولم يفرقوا بين الرجال والنساء والأطفال والتي أدت إلى إبادة ما يقرب من 300000 مسلم  من جانب الصرب في يوغسلافيا السابقة والقبض على الآلاف من المدنيين المسلمين وحبسهم في معتقلات وتعذيبهم بقصد إبادتهم.

ثانياً: خصائص جريمة الإبادة:

1- دولية جريمة الإبادة:

تتسم جريمة الإبادة بالطابع الدولي، حيث إن المسئولية الناجمة عنها تقع على كل من الأفراد والدول معاً، وهذا ما تأكد بصدور لائحة نورمبرج حول الجرائم ضد الإنسانية والتي تم اعتبارها جرائم دولية طالما كانت مرتبطة بجرائم ضد السلام أو بجرائم حرب، في حين اعتبرت جريمة إبادة الأجناس من الجرائم الدولية دون قيد أو شرط.

وهذا – أيضاً – ما أقرته كل من اتفاقية منع الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي، حيث قررا أن جرائم الإبادة لا تخضع لمطلق الاختصاص الوطني، وإنما تلقي تلك الجريمة بمسئولية على الدول أمام المجتمع الدولي باعتبار أن تلك الجريمة من الجرائم الماسة بالمجتمع الدولي ككل.

2- جريمة الإبادة جريمة غير سياسية:

أقرت كل من اتفاقية منع الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي أن جريمة الإبادة لا تدخل ضمن عداد الجرائم السياسية، وهذا ما انعكس على فكرة تسليم المتهمين بتلك الجريمة، حيث قررت كل من الاتفاقية ونظام روما الأساسي اعتبار جريمة الإبادة من الجرائم التي لا يسري عليها عدم تسليم المتهمين، فيتعين على الدول تسليم المتهمين بجرائم الإبادة ما لم يكونوا متمتعين بحصانة دبلوماسية أو حصانة تتعلق بدولة ثالثة، دون وضع اعتبار للحصانات المستمدة من الصفة الرسمية للجاني متى ثبت اقترافه لتلك الجريمة.

3- مسئولية الفرد الجنائية الدولية عن جرائم الإبادة الجماعية:

لقد تم الاعتراف للفرد الطبيعي بالمسئولية الجنائية منذ محاكمات نورمبرج، وتوسع الاعتراف بتلك المسئولية بعد إبرام معاهدة منع جريمة إبادة الأجناس والمعاقبة عليها والتي قررت عقاب كل من يرتكب تلك الجريمة سواء أكان الجاني من الحكام أو الموظفين أو الأفراد العاديين.

4- وطنية الاختصاص القضائي والجزاء العقابي:

أقرت اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها التزام الدول الأطراف باتخاذ الإجراءات التشريعية اللازمة لتطبيق أحكامها خاصة من حيث النص على الجزاءات الجنائية الكفيلة بعقاب كل من يرتكب جريمة الجنس البشري.[2]

ولقد أسندت تلك الاتفاقية اختصاص ملاحقة الجناة إلى القضاء الوطني، في حين أنه من الممكن أن يحال مرتكبي تلك الجرائم إلى المحاكم الجنائية الدولية متى انعقد اختصاصها بتلك الجرائم وفقاً لنظامها الأساسي، وهذا ما يؤكده نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي قرر اختصاص المحكمة بجرائم الإبادة الجماعية بالتنسيق مع القضاء الوطني.

ثالثاً: أركان جريمة الإبادة:

إبادة الجنس البشرى مثلها كمثل أي جريمة لابد من توافر شروط لاكتمالها واعتبرها جريمة إبادة، وتشمل أركانها الركن المادي والركن المعنوي والشرعي فضلاً عن ضرورة اشتمالها على ركن خاص يميزها عن أركان الجريمة الداخلية وهو الركن الدولي.

1- الركن الدولي:

جريمة الإبادة الجماعية ذات طابع دولي، فقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إبادة الجنس في نظر القانون الدولي جريمة دولية يدينها العالم، وقد نصت المادة الرابعة من اتفاقيه الأمم المتحددة المتعلقة بمنع جريمة الإبادة في هذا الشأن على أن يتم معاقبه مرتكب هذه الجريمة سواء كانوا فاعلين أصليين، أو شركاء، أو حكاما، أو أفراد عاديين، حيث نصت على أن: (يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية أو أي فعل من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة، سواء كانوا حكاما دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادا).

وكان أول حكم يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية أصدرته المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، فقد تمت إدانة رجل يدعى جون بول بسبب تورطه في ارتكاب جريمة إبادة جماعية عندما تقلد منصب عمده بلده تابا الرواندية، كما أكد نظام المحكمة الجنائية الدولية على أنه لا اعتداد بالحصانة أو الصفة الشخصية لأي متهم ارتكب جريمة تقع في نطاق اختصاص هذه المحكمة.

ولا يشترط لقيام هذه الجريمة أن يؤدى الفعل المرتكب إلى التدمير الكلى أو الجزئي للجماعة فيكفي أن تتوافر النية لدى مرتكب الجريمة والحصول على هذه النتيجة، وهذا ما تم تطبيقه منذ محاكمات نورمبرغ مرورا بمحكمتي يوغسلافيا السابقة ورواندا.

وجديراً بالذكر أنه في سبيل قمع تلك الجريمة فقد تطورت المسئولية الجنائية للفرد الطبيعي وأمكن عقابه على ارتكابه جرائم دولية تأتي على رأسها جريمة الإبادة الجماعية، وهذا ما انتهجته المحكمة الجنائية الدولية.

2- الركن المادي:

ورد تجسيد الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية بموجب المادة الثانية من اتفاقيه منع جريمة إبادة الجنس البشري – السابق بيانها – والمادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ونلاحظ أنه لا يوجد أي اختلاف بين المادتين من حيث الأفعال التي يتكون منها الركن المادي لجريمة الإبادة إلا من حيث الصياغة ويتحقق الركن المادي من خلال أفعال ماديه ملموسة كالقتل، أو إعاقة نسل ،أو التهجير القسري للأطفال ،أو وضع الجماعة في ظروف معيشية مهلكة:

أ- قتل أفراد الجماعة:

تنص (المادة 6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن يتساوى مرتكب هذه الجريمة سواء أن تم القتل بوسائل مباشره أو غير مباشره أدت إلى قتل أفراد هذه الجماعة، ومن قبلها ما ورد بالمادة الثانية من اتفاقيه منع ومعاقبه إبادة الأجناس لعام 1948 والتي جرمت السلوك الإيجابي في قتل أفراد الجماعة المتمثل في أفعال القتل المختلفة المتعارف عليها في النظم القانونية الداخلية، وكذلك جرمت السلوك السلبي الذي يؤدى إلى إزهاق الأرواح مثل الامتناع عن تقديم الدواء لمريض أو الامتناع عن تقديم الغذاء لأحد الأفراد المنتمين لهذه الجماعة

ومن أمثله هذه الجريمة ما ارتكبه الكيان الصهيوني في دير ياسين عام 1948، ومذبحة مخيم جنين في فلسطين عام 2002.

ويلاحظ أنه يكفي قتل شخص واحد ينتمي لهذه الجماعة ولا يشترط قتل أفراد الجماعة كلها طالما كان الشخص المقتول منتمياً إلى تلك الجماعية المراد إبادتها، وكذلك يكفي لقيام تلك الجريمة إلحاق أذى أو ضرر جسدي أو نفسي خطير وجسيم بأعضاء الجماعة.

وبالرغم من أن هذه الحالة تقف عند حد الإيذاء البدني أو الذهني أو النفسي الجسيم فإنها تُعد أشد تعقيد من الفعل الأول من حيث صعوبة إثباته، وعلى الرغم من ذلك فقد استطاعت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا تحديد الأذى الجسدي أو النفسي في قضية المتهم روتا جندا.

وفي هذا الصدد ذكرت المحكمة أن أفعال التعذيب والمعاملات غير الإنسانية والاعتداءات الجنسية والاضطهاد والتي وردت بالمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة إبادة الأجناس والمعاقبة عليها لا تقتصر على المساس الروحي وإنما تشتمل المساس العقلي والإنساني والمتمثل في أي ضرر يلحق بالفرد يعيقه عن إنجاز مهامه العادية والعقلية.

وأردفت قائلة إن إلحاق الأذى بالجماعة قد يكون عن طريق إمراضهم أو تعذبيهم وإحداث عاهات مستديمة لهم، أو تعذبيهم للحد الذي يصيب قواهم العقلية.

ولكي تقوم جريمة الإبادة الجماعية لابد أن يكون مرتكب الجريمة له دوافع دينية، أو عرقية، أو أثنية، أو قومية وأن يكون المجني عليهم يخالفون الجاني، ومثال على ذلك في عام 2002 تم تسويه مخيم جنين بالقنابل ووأد الأشخاص أحياء تحت المباني واستعمال كافة وسائل العنف والتعذيب للجماعة.

ونشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أصدرت إعلانا تؤكد فيه اشتراط ضرراً دائماً حتى يمكن القول بقيام جريمة الإبادة الجماعية.

ب- فرض تدابير تستهدف الحول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة:

وهذا النوع من الإبادة يسمى بالإبادة البيولوجية بهدف إعاقة نمو أفراد هذه الجماعة كالقضاء على خصوبة الذكور أو تعقيم نسائهم أو إجبارهم على الإجهاض وتشكل تلك الأفعال نوعاً من الإبادة البطيئة التي تُحدث تأثيرها على مدار سنوات.

ج- إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية تؤدى إلى الهلاك الفعلي كليا أو جزئيا:

فوضع جماعة من الناس في ظروف معيشة قاسيه قد يؤدى إلى القضاء الجزئي أو الكلى عليهم، وعلى سبيل المثال وليس الحصر تعمد حرمان أعضاء هذه الجماعة من الغذاء أو حرمانهم من العلاج أو طردهم من منازلهم أو إجبارهم على ترك وطنهم وتشتتهم في أماكن مختلفة.

د- نقل أطفال الجماعة عنوه إلى جماعه أخرى:

يتحقق هذا السلوك الإجرامي بنقل أطفال هذه الجماعة العرقية أو الدينية أو القومية إلى مكان أخر بالقوة أو التهديد أو أي وسيله تعدم مقدره هذه الجماعة عن الدفاع عن أطفالهم وترهيبهم بكافه الوسائل المروعة لهم  ولأطفالهم الذين لا يتجاوزون الثانية عشر من العمر، ويستوي في ذلك أن تكون هذه الجماعة الأخرى داخل نفس الدولة أو خارجها، كما يستوي أيضا إيقاع الجريمة حتى لو كانت الجماعة المنقول إليها الأطفال يتمتعون بمستوى معيشي أفضل وسوف يعتنون بالأطفال طالما أن الجناة يقصدون بهذا الفعل تفكك هذه الجماعة وإضعافها والقضاء على ظاهره تعاقب الأجيال بين الجماعة ومنع اكتساب هؤلاء الأطفال عادات جماعتهم ودينهم ولغتهم.

3- الركن المعنوي:

يتمثل الركن المعنوي لجريمة إبادة الأجناس في اتجاه إرادة الفاعل لارتكاب الأفعال المكونة للسلوك الإجرامي في الجريمة مع معرفته بأن هذا السلوك محظور ومعاقب عليه، ويكون القصد من وراء هذا الفعل هو تدمير جماعة قومية، أو عرقية، أو دينية تدميراً كليا ،أو جزئيا، ولا يكتفي في تلك الجريمة بالقصد العام وهو الإبادة الجماعية، بل يتطلب قصد خاص وهو نية الإبادة أو التدمير الجزئي أو الكلى للجماعة[3].

ويتعين لقيام تلك الجريمة وجود ثمة تعاصر بين كل من الركنين المادي والمعنوي، وذلك ليكًونا معاً التجسيد المادي لجريمة الإبادة الجماعية، مع ضرورة الإشارة إلى أن الركن المعنوي لا يشترط أن يكون متوافراً لدى من يضطلعون بتنفيذ الجريمة، وذلك نظراً لأن اكتمال تلك الجريمة يكون من خلال مرورها بعدة مراحل تأخذ صورة هرمية، تبدأ بالتخطيط واتخاذ القرارات المتعلقة بإبادة جماعة من البشر، وتنتهي بإصدار أوامر لمجموعة من الأشخاص لتنفيذ هذا المخطط.

ولما كان الأشخاص المنفذين لتلك الجريمة هم مجرد آداه استخدمها من تولوا التخطيط، فلا يشترط في المنفذين أن يتوافر لديهم النية الإجرامية – أو القصد الجنائي – لقيام الجريمة، حيث يكتفى بتوافر تلك النية الإجرامية لدى من قاموا بالتخطيط وإصدار القرارات المتعلقة بارتكاب تلك الجريمة.

وهذا لا ينفي عن المنفذين مسئوليتهم الجنائية عن تلك الجريمة، ويؤكد ذلك ما ورد (بالمادة 25/3) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتي نصت على أن: (وفقاً لهذا النظام الأساسي، يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي:

  • ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسئولاً جنائياً.
  • الأمر أو الإغراء بارتكاب، أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.
  • تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
  • المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص، يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها).

ولكن هل توجد علاقة بين نية الإبادة وحجم الجماعة المستهدف تدميرها؟

أو بمعنى آخر هل يجب حتى نكون بصدد جريمة إبادة أن يتم إبادة الجماعة المستهدفة في شتى أنحاء العالم وأينما وجدت، أم يكتفي باستهداف تدمير جزء من أفراد تلك الجماعة؟

أجابت على هذا التساؤل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا حين قررت بإمكانية قيام جريمة الإبادة الجماعية حتى في حال ارتكابها في نطاق جغرافي محدود، طالما وجدت نية لدى الجناة تتمثل في الإبادة الكلية أو الجزئية لتك الجماعة.

إثبات نية الإبادة:

يمكن استخلاص نية الإبادة – وفقاً لما سار عليه القضاء الجنائي الدولي – من كافة الوقائع المادية أو السلوكيات التدميرية التي تهدف إلى إبادة الجماعة المستهدفة.

ولقد استندت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في قضية Akayesu إلى أنه بالنظر للعدد الكبير من المذابح المرتكبة ضد جماعة التوتسي وبالنظر للطبيعة الواسعة لهذه الجرائم حيث ارتكبت في مناطق عديدة في رواندا، ولأن الضحايا جرى اختيارهم وتحديدهم بصورة عمدية ومنظمة وعلى أساس انتمائهم إلى جماعات أخرى تم إقصاؤها واستبعادها من حياة المجتمع ووجوده، فإن المحكمة تستطيع الاستدلال على وجود قصد خاص لارتكاب جرائم الإبادة الجماعية[4].

فيتضح إذن أن إثبات القصد الجنائي – وعلى وجه الخصوص القصد الخاص لجريمة الإبادة الجماعية – يكون من خلال السلوكيات المرتكبة والتي تتمثل في إهلاك جماعات بعينها سواء أكان إهلاك كلياً أو جزئياً، وهذا الأمر هو من الأمور التي تخضع لسلطة المحكمة المختصة التقديرية.

الخاتمة:

تحرم جميع الأديان السماوية القتل بدون حق في جميع الكتب السماوية، حيث نجد أن القتل محرما تحريما قاطعا في الديانة المسحية في ضوء الكتاب المقدس كما نجده محرما في الإسلام بنصوص القران الكريم لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[5])

ومما سبق يتضح لنا مدى خطورة جريمة الإبادة الجماعية على البشرية وتهديد بقائها ولم يعد مفهوم السلم والأمن الدولي يقتصر على أمن الدول فقط، بل امتد ليشمل أمن البشر.

وهذا ما دفع المجتمع الدولي إلى إيجاد مختلف السبل القانونية والآليات القضائية لمواجهه المعتدين الذين يتصفون بالعنف والوحشية ضد البشرية، فقد كان المشرع صارما سواء على الصعيد الدولي أو الصعيد الداخلي إزاء ملاحقه الجناة حتى يقطع دابر الإجرام، وحتى يكون الجناة عبره لمن يعتبر، ورغم إقرار اتفاقيه منع الإبادة الجماعية ودخولها حيز التنفيذ منذ عام 1951 فلم تمنع التجاوزات التي حدثت في أكثر من بلد في العالم، فأعمال الإبادة التي ارتكبتها قوات الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني وقعت ولازالت تقع حتى يومنا هذا، وكذلك المجازر التي ارتكبت ضد الشعب العراقي من قبل الولايات المتحدة.

كتابة : أميرة محمود

[1] أنظر فريحة حسين، جريمة الإبادة الجماعية والقضاء الدولي الجنائي، 2014، ص534، 535.

[2] سامية يتوجي، تأثير التطبيقات القضائية للمحاكم الجنائية الدولية على التعامل مع جريمة الإبادة الجماعية، 2017، ص 541.

[3] أنظر محمد خليل مرسي، جريمة الإبادة في القضاء الجنائي الدولي، أكاديمية شرطة دبي، 2003، ص 22، 23.

[4] محمد خليل مرسي، جريمة الإبادة في القضاء الجنائي الدولي، أكاديمية شرطة دبي، 2003، ص 28.

[5] الآية 151، سورة الأنعام.

Scroll to Top