الصراعات القبلية في أفريقيا

الصراعات القبلية في أفريقيا

بالرجوع لتاريخ البشرية نجد أن الصراعات القبلية لها امتداد منذ القرون الأولى إلا أنها تأخذ أشكالا وأنماطا مختلفة بين الحين والآخر وفقا للمرونة والتغير المعنوي لمصطلح {القبيلة}، وبالولوج لتاريخ إفريقيا نجد أنه ملئ بالأحداث القبلية والعرقية الدامية الباهظة رغم فقر المنطقة، حيث يرجع نشوبها لأسباب وعوامل مختلفة، حيث كان لها تأثيرها الملحوظ على مسار عملية التحول الديموقراطي في إفريقيا، وعلى الاستقرار السياسي والاقتصادي للأنظمة السياسية الحاكمة، وعلى السلام في مجتمعات المنطقة.

وتتعدد نماذج الدول التي تورطت بصراعات قبلية وعرقية في أفريقيا سابقا والآن إلى حوالي أكثر من نصف دول القارة، ويرجع ذلك إلى التعددية الأثنية والدينية والقبلية التي تتمتع بها معظم دول القارة الأفريقية إضافة لمخلفات المستعمر وبعض التدخلات الخارجية { كما سنتعرض لها لاحقا في هذا المقال } بما انعكس حتما على العملية السياسية في هذه الدول.

أولاـ التعريف بمفهوم القبلية والهوية والتعصب:

ثانيا: التعريف بمفهوم الصراعات القبلية في أفريقيا:

ثالثا: أنماط الصراعات القبلية في أفريقيا:

رابعا: أسباب الصراعات القبلية في أفريقيا:

خامسا- الاستعمار والخلافات القبلية في أفريقيا:

سادسا- الصراعات القبلية الأفريقية والكنيسة:

سابعا- الاتحاد الإفريقي وإمكانية تسوية الصراعات القبلية:

أولاـ التعريف بمفهوم القبلية والهوية والتعصب:

1ـ القبلية:

فهي كما عرفها بعض الباحثين بأنها: “ولاء الفرد لمجموعته الأثنية بوصف ذلك رمزا لهويته، ولها مستويات متدرجة قد تصل إلى التعصب المفرط”، والقبيلة في معناها العام هي اتصال مجموعة من الأفراد جينيا، أي وفق رابط الدم بأصل واحد، وهذا ما يعزز من مواجهة المصير الفردي والجماعي على نحو كتلة واحدة، غالبة أو مغلوبة.

2ـ الهوية:

وقد عرف الباحث (Deaux) الهوية تعريفا مختصرا بأنها:(الأسلوب الذي به نعرف أنفسنا بدلالة عضويتنا في جماعة معينة).

وعرفها (تاجفيل) بأنها جزء من مفهوم الفرد عن ذاته الذي يتغذى من إدراكه كونه عضوا في جماعة اجتماعية أو جماعات، وبما تمنحه تلك العضوية من اعتبارات قيمية ووجدانية منسوبة لها.

ويرجع التطور في أبحاث الهوية إلى العالم الاجتماعي (جيفس مارسيا) الذي صنف الهوية إلى أربعة مستويات وهي (الهوية المشتتة، الهوية المغلفة، الهوية المؤجلة، الهوية المنجزة)، والفرد في هذه المستويات يترقى نفسيا واجتماعيا من هوية أقل نموا إلى هوية أكثر تقدما، وهذا التطور في هوية الفرد ضروري، ويعتبر الباحث هيكس بأنه بدون هوية “تستحيل الحياة على البشر سيكولوجيا واجتماعيا”.

3ـ التعصب:

عرفه بعض الباحثين بأنه : “اتجاه نفسي لدى الفرد، يجعله يدرك فردا معينا أو جماعة معينة أو موضوعا معينا إدراكا إيجابيا محبا، أو سلبيا كارها، دون أن يكون لذلك ما يبرره من المنطق أو الشواهد التجريبية”، أو هو اتجاه سلبي يتضمن مجموعة من الأفكار والمعتقدات الثابتة حول الأشياء أو الأشخاص الأخرين بحيث يصدر أحكاما ثابته ضدهم في جميع الظروف، ويتحدد الاتجاه السلبي في الاتجاهات: الشخصية والدينية والقومية.

ومن أشكال التعصب: التعصب الديني أو المذهبي والتعصب الشخصي، والتعصب القومي، وهو يؤدي حتما إلى تصنيف الفرد للعالم إلى صنفين: “أنا/نحن” بمقابل “هم/الأخر” ويكون “الأنا” دائما هو المثالي، ويؤدي ذلك إلى ما يعرف على مستوى المجموعة بالصراع الاثني وهو في تعريف براون: “النزاع حول القضايا السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية بين مجموعتين اثنتين أو أكثر”.

إذ تعد متغيرات التمييز والتمايز: (القبلي، والاثني، والديني) هي جوهر الصراعات كما تعتبر أهم المتغيرات المسؤولة عن نشوب الحروب الأهلية والصراعات القبلية بإفريقيا، وإن كان الباحثون والكتاب يختلفون حول كون هذه المتغيرات وتبعاتها أسبابا مباشرة، أو ثانوية، أو وقودا مغذيا مؤجج للصراعات[1].

ثانيا: التعريف بمفهوم الصراعات القبلية في أفريقيا:

هي أحداث العنف والتمردات والحروب الأهلية الدائرة بين دولتين أو أكثر في قارة إفريقيا. وقد تُحفز هذه الصراعات ذات الأساس القبلي إما بسبب التدخلات الخارجية أو لأسباب اقتصادية (مثل التنازع على اقتسام بعض الثروات والموارد الطبيعية)، أو لأسباب سياسية (مثل التنازع على السلطة)، وتسود حالة من الحروب الأهلية والتمرد والتدخلات الإقليمية السافرة دول أفريقيا خصوصا الواقعة جنوب الصحراء، من سيراليون في أقصى الغرب الأفريقي إلى الصومال في القرن الأفريقي، مرورا بمنطقة البحيرات العظمى التي ترسخت فيها الحروب الأهلية في رواندا وبورندي والكنغو الديمقراطية.

ويقصد بالصراع القبلي بمفهوم أكثر إحكاما: “النزاع الذي يكون فيه أحد طرفيه أو كلاهما مجموعات قبلية”. أي لها أصول عرقية أو عشائرية واحدة، أو تشترك معها في لغة وديانة واحدة، ويعد الوعي السياسي بصورة عامة هو المؤدي إلى تحول المجموعات العرقية أو اللغوية أو الثقافية إلى مجتمعات عرقية.

فإذا ساد الوعي بين أفراد المجموعة بأنهم ذو أفضلية ومتميزون عن غيرهم من الأشخاص المتواجدين في المكان الذي يعيشون فيه وتم تغذية هذا الوعي بالطموحات السياسية قناعة كان أم سيكولوجيا، فإن الجماعة العرقية تصير وحدة قبلية مترابطة اجتماعيا وتصبح نشيطة سياسيا وتتجه إلى الاعتزاز بإرثها التاريخي وتراثها وتتمسك بخصوصيتها الثقافية في مواجهة السلطات الحاكمة والقبائل الأخرى، ومن ذلك مثلا تمسك البربر في الجزائر بلغتهم الأمازيغية، وممارستهم ضغوطا على النظام السياسي للاعتراف بلغتهم كإحدى اللغات الرسمية في البلاد، والسماح باستخدامها في المؤسسات التعليمية، وأيضا ما ظهر جليا بتمسك قبيلة الدينكا في السودان بلغتها ومناداتها بقومية اللغات وذلك قبل انفصال جنوبه في العام 2011م، وكذلك قبيلة الزغاوة بغرب السودان.

وتزداد الصراعات القبلية إذا ما صاحبتها اختلافات طائفية أو اختلاف في الديانات بين الأطراف، وعلى ذلك نجد أن نموذج الصراعات في السودان قبل انفصال جنوب السودان في العام 2011م كانت ذو تداخلات دينية نوعا ما مما زاد من حدتها وحال دون تقارب وجهات النظر، وهذا ما كان متوقع من قبل كثير من الباحثين.

ثالثا: أنماط الصراعات القبلية في أفريقيا:

على الرغم من تعدد أشكال الصراعات الداخلية في أفريقيا وتنوعها، إلا أنه يمكن القول إنها لا تخرج عن ثلاثة أنماط رئيسية، وذلك على النحو الاتي:

1ـ نمط الصراعات العرقية العنيفة:

ولعل منطقة البحيرات العظمى تطرح نموذجا واضحا لهذا النمط من الصراعات، فليس بخاف أن أحد إشكاليات الصراع وعدم الاستقرار في هذه المنطقة يرتبط في المقام الأول بحقيقة الروابط والتفاعلات القبلية بين التوتسي Tutsi والهوتو Hutu وعدم تطابقها مع الحدود السياسية الموروثة عن العهد الاستعماري.

فإذا كان إجمالي سكان كل من رواندا وبورندي يبلغ قرابة ثلاثة عشر مليون نسمة، فإن 85% منهم ينتمون إلى قبائل الهوتو موزعين عبر الحدود الرواندية مع دول الجوار الأخرى، فثمة حوالي أربعمائة ألف من التوتسي (وبعضهم من الهوتو) يحاولون اقتفاء أثار أجدادهم في منطقة شرق الكنغو الديمقراطية سواء في مقاطعة شمال كيفو(البانيا رواندا) أو في مقاطعة جنوب كيفو (البانيا مولينجي ).

كما أن هناك قرابة المليون من الهوتو موزعين على الحدود التنزانية مع كل من رواندا وبورندي أضف إلى ذلك عشرات الألاف من (التوتسي والهوتو) الذين يعيشون في منطقة الحدود الأوغندية الرواندية ولا سيما في مقاطعة (كيسورو)، ولا يخفى أن هذه الروابط القبلية هي التي خلقت تحالفات سياسية إقليمية كتلك القائمة بين نظام حكم الرئيس (موسيفيني) في أوغندة ونظام حكم الأقلية من (التوتسي) في كل من رواندا وبورندي، ومن جهة أخرى فإن الهوتو يجدون تعاطفا من قبل دول مثل: تنزانيا، وكينيا، والسودان.

2ـ نمط الدولة المنهارة (الدولة الحارسة):

تجلى هذا النمط الجديد من أشكال الدولة الأفريقية خلال الحقبة الحديثة للعولمة، بحيث نجد ذلك واضحا مثلما هو عليه الحال في جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبريا وسيراليون والصومال وتشاد وإفريقيا الوسطى.

وتبعا لقوة وحدة الصراعات التي يشهدها النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات فإن بعض النخب المحلية والإقليمية تحصل على أرباح خيالية من خلال عمليات النهب والسلب المنتظمة للموارد الطبيعية التي تتمتع بها هذه الدول إضافة لتجارة الأسلحة.

ومن الملاحظ أنه كلما ازدادت حدة الصراعات بين القوات الحكومية وقوات المتمردين في الكنغو الديمقراطية كلما ازدادت عائدات تجارة الألماس بشكل خيالي إضافة لتجارة الأسلحة، ونظرا لأن هذه المنطقة غنية بالمعادن، ومن ثم يضحى الحافز على إنهاء الصراع لدى هذه النخب المسيطرة يكون ضعيفا كما هو غير مرحب به في ظل مجتمع تسوده اللامعرفة بذاته واحتياجاته.

3- نمط العنف السياسي المرتبط بالتحول الديمقراطي:

لقد أدت ظروف التحولات الديمقراطية التي شهدتها كثير من الدول الأفريقية منذ أواخر الثمانينات إلى حدوث اضطرابات عنيفة ويفسر البعض ذلك بأن حالة الانفتاح والحرية السياسية تؤدي إلى ظهور التناقضات والانقسامات المجتمعية التي ظلت مكبوتة فترة طويلة في ظل نظم الحكم التسلطية والاستبدادية، ولا سيما إذا كانت جماعة عرقية معينة مسيطرة على الحكم وتقوم بقمع الجماعات الأخرى.

فالتحول الديمقراطي لا يضمن احتواء التناقضات العرقية، أو الصراعات الداخلية في الدول الأفريقية، وهناك الكثير من الدول الأفريقية التي أخفقت في ذلك (كأنجولا وكوت ديفوار وبورندي).

وأيا كان الأمر فإن حدة الصراعات العرقية والسياسية في الواقع الأفريقي ترتبط بدرجة الاستجابة لمطالب الجماعات القبلية فثمة مطالب قابلة للتفاوض كالمطالبة بالمساواة في عملية توزيع السلطة والثروة، ومطالب أخرى يصعب التفاوض بشأنها مثل السعي من أجل انفصال أو استقلال الإقليم عن الدولة الأم[2].

رابعا: أسباب الصراعات القبلية في أفريقيا:

تتلخص أسباب الصراعات القبلية في أفريقيا على نحو أساسي على الأسباب التالية :

1ـ قيام حكومات جامدة تتسم بالدكتاتورية والاستبداد، كما يمكن التيقن بأنها غير مواكبة لتطلعات العصور الحديثة والتقدم الاجتماعي العالمي، بحيث تستخدم الأعلام الإلكتروني والاتصالات الكوكبية لتدعيم وتثبيت مواقفها وإطالة أمد بقائها، فيما يظل أساسها القمعي والاستبدادي ثابتا في أساليب إدارة بلدانها.

2ـ نشوء وتوسع التيارات التمييزية والانفصالية، على وجه الخصوص جنوبي الصحراء، وذلك ما لا يدعم التحولات الديمقراطية التي أصبحت أولى متطلبات الشعوب، كما أن التمادي في هذا الاتجاه من شأنه أن يساهم في السماح بالتدخلات الخارجية على نحو أقوى من ذي قبل إبان عهد الاستعمار، كما نجده لا يخدم متطلبات الدولة الحديثة الوطنية وفق المبادئ العالمية التي تناولتها كثير من الاتفاقيات، وذلك كمعاهدة وستفاليا الشهيرة في عام 1648.

3- مخلفات القهر والاستبداد الاستعماري (ميراث المستعمر) ، ويقصد به الأوضاع المتخلفة عن حقبة الاستعمار الغربي الذي ظلت القارة الأفريقية تعاني من وطأته على مدار عقود طويلة، فمنها ما يمتد إلى قوى الاستعمار الأول (الدخول الأول لإفريقيا) ، البرتغال وإسبانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر ومنها ما يتوزع بين قوى الاستعمار اللاحق إنجلترا وفرنسا بالذات خلال سنوات القرن التاسع عشر، وصولا إلى قوى الاستعمار الحديث أو النيوو-إمبريالية خلال سنوات القرن العشرين.

ونجد أن كل ذلك أدى إلى حالة من استغلال موارد إفريقيا المادية منها والبشرية إلى حد الاستنفاد والنضوب في بعض الأحيان، الأمر الذي دفع ببعض الباحثين للقول بأن خصائص أفريقيا الجغرافية وقوة استراتيجيتها تعتبر مانعا للتقدم والتطور، ثم نجد أيضا من مخاض المستعمر التطويح بأجيال متلاحقة من الأفارقة بعيدا عن أطر التعليم والتثقيف ومن ثم التحديث والتطوير وربما باستثناء أقليات أو بعض النخب التي تولت بعد الاستقلال (في عهد الستينات) مقاليد الأمور في بلدانها، فمنهم من حقق إنجازا ومنهم من فقد موروثه الاستعماري.

4- النتائج الكارثية التي تنجم عن اجتياح الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأعاصير والجفاف ومن ثم أفة التصحر (زحف الصحراء) وهي كوارث تزيد من وطأتها – بداهة – ضعف الهياكل والمرافق والبنى التحتية للقارة الأفريقية القادرة على التصدي لهذه الكوارث إن لم يكن غياب هذه الهياكل والمرافق واقعا[3].

خامسا- الاستعمار والخلافات القبلية في أفريقيا:

إذ أن الإمبريالية الممتدة في أفريقيا منذ المستعمر الأول تعتبر صورة من صور أزمات الهوية الأفريقية، حيث أن التقسيم العشوائي للقارة الأفريقية الذي تم في مؤتمر برلين 1885م لم يأخذ في الاعتبار إلا مصلحة الاستعماريين وحدهم، قد كان من أهدافه المباشرة تمزيق وتفتيت القارة الإفريقية، وذلك بإجبار مجموعات أثنية على العيش في رقعة جغرافية محددة دون الاكتراث لعواصف الماضي الذي جمع بين تلك القبائل، ويزداد الأمر سوءا حين تشعر بعض القبائل بأنها قد تعرضت لتغيير ديموغرافي من مواقعها التاريخية إلى مواقع أخرى – وعلى سبيل المثال مجموعة (باستو) التي مزقت بين ليسوتو وبين جمهورية جنوب أفريقيا. وحتى بعد هذا التفتيت للقارة فإن الإدارة الاستعمارية قد عمدت إلى كل دولة -على حدة – فقامت بتفتيتها داخليا وتقسيمها إلى مناطق أثنية طمعا في التفريق والتمزيق وقد ذهب الباحث أوباري Uebari إلى وصف هذا الوضع بنيجيريا –مثلا- بأنه:” قد أدى إلى تفكيك الدولة وتحطيمها وليس بنائيها وتأسيسها”.

سادسا- الصراعات القبلية الأفريقية والكنيسة:

على الرغم من أن الصراعات الأهلية والفرقة الوطنية بأفريقيا لا تستجيب لمتغير واحد فإن الدور الكنسي في إحداث تلك النزاعات، وفي تعميق الهوة بين الإثنيات له أثر ملموس في أكثر من بلد إفريقي على امتداد التاريخ الإفريقي الحديث ومنذ العصر الاستعماري.

ويمكن تناول ذلك تفصيلا على عدة حقائق ووقائع:-

1ـ علاقة الكنيسة بالمستعمر سابقا وحديثا في إفريقيا:

أنه بقدر إيجابياتها هنالك أدوار سلبية لها في أفريقيا، وأن دور الكنيسة السلبي تجاه البلدان الإفريقية يمكن إرجاعه إلى الوفود الكنسية الأولى بأفريقيا، بوصف الكنيسة بأنها اليد الأخرى للمحتل الإمبريالي وكونها من الأجهزة الهامة في تحقيق مقاصد الاستعمار وقد حدث بتوافق تام بين الاثنين، كل منهم وفق مصلحة الأخر، لا على حين غفلة من الكنيسة. ويؤكد الباحث كراوديز هذه الحقيقة في حق الكنيسة بقوله: “إن المبشرين الأوائل بغرب إفريقيا كانت لهم مهمة مزدوجة: الترويج للتجارة بين إفريقيا وأروبا وتحويل الأفارقة إلى المسيحية”.

كذلك يؤكد المؤرخ ولتر رودني هذه الحقيقة قائلا :”أن المبشرين المسيحيين كانوا جزءا مهما للقوات الكولونيالية مثل المستكشفين والتجار والجنود…لقد كانوا أداة للكولونيالية في جانبها العملي سواء اعتبروا أنفسهم كذلك أم لا”، وبتعبير طريف يصف الباحث “عما نويل” الكنيسة بأنها :”الجناح الروحي للإمبريالية العلمانية”.

2- الكنيسة والتفتت القبلي في إفريقيا:

المعروف أن من سياسات الاستعمار الجوهرية سياسة “فرق تسد” ومن مألات وتوجيهات ذلك قيام الإمبرياليين والباحثين والعلماء الموالين بالترويج لنظرية “الفرضية الحامية” أي الأصل الحامي لبعض المجموعات الأفريقية وعلى ضوء ذلك تم تصنيف المجموعات الأفريقية إلى – حامية وبانتوية – والادعاء بأن بعض المجموعات أذكى من الأخرى كالمجموعات ذوات الأصول الحامية هي أذكى وأعلى قدرا من ذوات الأصول البانتوية والعكس تماما.

تبنت الكنيسة هذا الطرح واتفق القساوسة مع الإمبرياليين لتطبيق هذه الفرضية بالمجتمع الرواندي، فزعموا أن الأقلية التوتسي (15%) هي من الأصل الحامي وأنهم “قادة بالأصالة” وأن لها الأولوية في التعليم والوظائف الإدارية وتقلد سدة الحكم، وقاموا بوضع مشروع عرف بمشروع “التوازن القبلي والإقليمي” في مدارس الإرساليات الكاثوليكية، فحددوا نسب قبول الأكثرية الهوتو (84%) بالمدارس الكنسية ب(4%) فقط وهذا ما يعتبر تمييزا على أطر أكثر وضوحا.

3ـ الكنيسة والمحسوبية المؤسسية في إفريقيا:

نجد أن الكنائس أيضا لا تخلو من التعصب القبلي، ويمكن تلمس ذلك في عدة صور أبرزها الهياكل الوظيفية للمؤسسات الكنسية، فهي مثل الوظائف الحكومية تخضع للانتماءات الأثنية، ويؤكد الباحث واروتا ذلك بقوله “إن معظم الجماعات والطوائف الكنسية، حين نتأملها عن قرب نجدها عرقية في تكوينها وفي قيادتها وحتى تلك التي يصادف أن تكون متعددة الإثنيات في إطار تلك التي يصادف أن تكون متعددة الإثنيات في إطار وطني، فإنها موبوءة بخلافات داخلية بين الإثنيات”.

وشكل آخر من التعصب القبلي في الكنائس في الأفريقية أشار إليه “واروتا” وهو يرتبط بالتنصير المستهدف المنمذج، أي توجيه الجهاز التنصيري في فترة من الفترات نحو مجموعة أثنية معينة من أجل أن تقوم فيما بعد بمهمة التكافؤ أو بالأحرى مهمة الندية في وجه مجموعات إثنية أخرى وبخاصة المجموعات الدينية المختلفة، وكثيرا ما تختار المجموعات الإثنية ذات الوجود والكثافة المتواضعة في هذا التنصير المستهدف.

وإفرازا لهذا التنافس الإثني داخل المؤسسة الكنسية فإن كل مجموعة قبلية تجزع إلى اتخاذ قادتها وتأسيس كنائسها وأحيانا يبرز هذا الإجراء باعتبارات لغوية وثقافية، ولكن الحقيقة أن ذلك ناشئ عن منافسة قبلية بين إتباع الكنيسة.

4ـ مواقف الكنيسة من النزاعات القبلية الدامية:

إكمالا لما سبق من سلبيات اجتماعية للكنيسة وذلك بالمساهمة في سياسات التفتيت القبلي وتأجيج الصراع الإثني في المجتمعات الأفريقية، فإنها قد كانت طرفا مباشرا في بعض من حالات النزاعات القبلية الدامية في رواندا وفي نيجيريا وساحل العاج، ففي رواندا كانت الكنيسة الكاثوليكية بشكل أساسي ذات علاقة مباشرة في حرب الإبادة التي أودت بأرواح حوالي مليون ضحية في حوالي مائة يوم فحسب، ومن أبشع نماذج القساوسة الهوتو الذين قتلوا المئات والألاف من أتباعهم:( الأب Athanase Seromba ) راعي كنيسة Nyange الكاثوليكية، وهو الذي أغرق أتباعه على التجمع في كنيسته وقام بنزع أسلحتهم ثم خطط مع المليشيات لقتلهم، بل أمر باستعمال الجرافات لطمر الكنيسة على اللاجئين وقتل منهم ما بين 2000 إلى 25000 بردم البناية عليهم ورمي القنابل اليدوية بينهم – إضافة إلى الأب (Elizaphan Ntakirutimana ) في كنيسة السبتيين الذي أعان على قتل حوالي 8000 من اللاجئين بكنيسته بمدينة Mungonero[4].

سابعا- الاتحاد الإفريقي وإمكانية تسوية الصراعات القبلية:

بدأ الاتحاد الإفريقي مذ التأسيس بالتعرض للصراعات والنزاعات القبلية وينعكس ذلك في كثير من النماذج  كتدخله لاحتواء وتسوية الصراعات القبلية في تشاد، ودارفور بالسودان، وجنوب السودان {نزاعات الدينكا والنوير}، وإفريقيا الوسطى، إلا أنه واجه انتقادات بناءة حينا وهدامة في أحيانا أخرى، ورغم ذلك لم تتوقف المساعي، فقد ساهمت الانتقادات التي وجهت للألية إلى سعي الأفارقة للبحث عن كيفية تفعيلها أو تشكيل ألية جديدة تعمل على تلافي سلبياتها، وبالرغم من أن القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي الذي حل محل المنظمة لم يذكر أو يشير صراحة إلى الألية، مما أثار جدلا واسعا في حينها بين المراقبين بشأن إلغائها أو إنشاء جهاز جديد ينوب عنها، إلا أن الأمر لم يدم طويلا، حيث قررت قمة منظمة الوحدة في أخر اجتماعاتها التي عقدت في لوساكا (يوليو2001) دمج الألية في أجهزة الاتحاد طبقا للمادة (5) الفقرة(2) من القانون التأسيسي للاتحاد له، مع مطالبتها الأمين العام (رئيس المفوضية) بمراقبة الهياكل والإجراءات وطرق العمل بالنسبة لها، بما في ذلك إمكانية تغيير الاسم، ومرة ثانية لم يستمر الأمر سوى عام واحد، حتى جاءت أول قمة للاتحاد الجديد (ديربان 2002) لتقر البرتوكول المنشئ لمجلس السلم والأمن الإفريقيين ليحل رسميا محل الألية[5].

إعداد/ أ/ عادل عثمان

[1] – مجلة ريم أفريك ، صراع الهوية في إفريقيا (التأرجح بين القبيلة والدولة) ، ديسمبر 2017م.

[2] – الصراعات العرقية في أفريقيا / مجلة المعرفة 2007م، ص 3-5 + 19-24.

[3] مجلة البيان، (خمسة أسباب رئيسية للصراعات الدموية في إفريقيا) ، أغسطس 2013م ، ص2.

[4] مجلة ريم أفريك ، صراع الهوية في إفريقيا (مرجع سابق).

[5] د/ بدر حسن شافعي ، تسوية الصراعات في أفريقيا (نموذج الإيكواس) 2009م، ط1، القاهرة دار النشر للجامعات 2009م، رقم الإيداع 1672/2009م، ص45.

Scroll to Top