الجريمة الخطيرة
تعد الجريمة الجنائية من أكثر الأمور التي تثير القلق وعدم الطمأنينة داخل أي مجتمع، لذا كان على مشرعي القانون على مر التاريخ التدخل بفرض الجزاءات والعقوبات على مرتكبي تلك الجرائم للحد منها، وقد تطورت النظم القانونية الجنائية في المجتمعات بتطور الجريمة بقصد مجابهتها والتصدي لها ومنع تكرارها، خاصة في ظل تفاوت الجرائم من حيث شدتها وخطورتها وتنوعها على حسب الحق الذي تمس به.
أولا: تعريف الجريمة
ثانياً: أركان الجريمة
ثالثا: أقسام الجرائم من حيث خطورتها
رابعاً: أسباب الجريمة وصفات المجرم
خامساً: وسائل وطرق الحد من الجرائم وخاصة الجرائم الخطيرة
سادساً: توصيات مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة
سابعاً: الخاتمة
أولا: تعريف الجريمة
تعرف الجريمة لغة بأنها لفظ مأخوذة من الجرم، وهو الخطأ والذنب والإثم[1].
أما في الاصطلاح فإن مفهوم الجريمة يختلف باختلاف العلم الذي يتعرض لتعريفها، وما يهمنا هنا هو معنى الجريمة في علم الاجتماع وفي القانون، فتعرف الجريمة بأنها كل فعل أو امتناع عن فعل يستحق صاحبه العقاب.
وتعرف الجريمة في القانون الجنائي بأنها كل فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدبير احترازي.
ومدلول الجريمة في القانون الجنائي أن كل فعل يعاقب القانون على فعله أو تركه يعد جريمة، وإذا كان الفعل مستهجنا من العامة، ولكن ليس عليه عقوبة جزائية في القانون فلا يمكن بأي حال إطلاق لفظ الجريمة عليه، والقانون هو مجموعة القواعد السلوكية التي تضعها الدولة وتضع عقابا لمن يخالفها[2].
ويعرف الدكتور مصطفى كاره الجريمة بأنها ارتكاب فعل أو امتناع عن القيام بواجب منصوص عليه قانونا ومعاقب عليه بمقتضى هذا القانون، كما يعرفها أيضا بأنها الفعل أو الترك الذي يخالف لنص القانون الجزائي المشرع من قبل الهيئة السياسية للمجتمع، والذي يتطلب بالضرورة النص على عقوبة مقررة ومحددة، أو غير ذلك من الإجراءات الاحترازية أو بدائل العقاب مما يتم تنفيذه في حالة الإدانة ضد مرتكب الفعل دون سواه، وذلك من قبل سلطة سياسية شرعية مكلفة بتنفيذ الأحكام[3].
ومن جماع هذه التعريفات يمكننا تحديد أركان الجريمة، حيث إنه من خلال توضيح مفهوم الجريمة وأركانها يسهل تحديد الجرائم من حيث خطورتها.
ثانياً: أركان الجريمة
1- الركن المادي
يقصد بالركن المادي للجريمة الفعل المادي المرتكب، فلا يمكن تصور قيام جريمة بدون أن يُرتكب فعل ما، وهذا الفعل هو ما يطلق عليه الفعل الإيجابي، وكذلك الامتناع عن فعل ما كان يجب القيام به وهو ما يسمى بالفعل السلبي، والفعل المقصود هنا هو السلوك المخالف للقانون والذي يستوجب ردعه ورده ومعاقبة فاعله، ومن أهم صور الفعل الإيجابي المعتبر سلوك إجرامي هو قيام السارق بمد يده في جيب المجني عليه قاصدا الاستيلاء على ماله خلسه، أما الفعل السلبي فمن أهم صوره امتناع الأم عن إرضاع صغيرها مما يعرضه للهلاك.
ويتكون الركن المادي من ثلاث عناصر تتمثل في:
الأول: السلوك الغير مشروع، أي أن يكون الفعل المادي الذي أقدم عليه الفرد معاقب عليه قانوناً.
الثاني: النتيجة المترتبة على الفعل غير المشروع للجاني سواء كان قد تم منه بقصد أو بدون قصد.
الثالث: أن يكون هناك رابط بين الفعل المادي غير القانوني والنتيجة المتحققة، بحيث تكون النتيجة مترتبة على هذا الفعل[4].
وفي بعض الجرائم لا يشترط في الفعل حتى يصبح مجرما أن ينتج عنه أثر أو نتيجة، بل في أحيان كثيرة يعاقب القانون على مجرد الشروع في ارتكاب الفعل الإجرامي، كالعقوبة المقررة على الشروع في السرقة أو القتل وغيرها من الجرائم، وقد نصت (المادة 65) من قانون العقوبات الأردني على أنه (لا عبرة للنتيجة إذا كان القصد أن يؤدي إليها ارتكاب فعل إلا إذا ورد نص صريح على أن نية الوصول إلى تلك النتيجة من عناصر الجرم الذي يتكون كله أو بعضه من ذلك الفعل).
2- الركن الشرعي
يشترط في الفعل المرتكب كركن مادي للجريمة أن يكون فعل غير مشروع ويعاقب عليه قانون العقوبات أو القوانين الأخرى المكملة، وهذا العنصر بديهي فليس من المتصور وصف فعل مشروع بأنه جريمة، فالمقصود بالجريمة هنا في معرض حديثنا الجريمة التي قرر لها المشرع عقابا جزائيا، فعلى الرغم من أن الاعتداء على حياة أحد الأفراد يعد جريمة، إلا أن هناك حالات قد لا يمثل فيها هذا الفعل جريمة، وذلك متى كان الفعل مقصود منه الدفاع الشرعي الذي أجازه القانون وجعله فعلا مشروعا غير معاقب عليه، مادام كان في حدود اللازم لدرء الخطر الذي قد يلحق بنفس المدافع، وقد نصت (المادة 59) من قانون العقوبات الأردني على أنه (الفعل المرتكب في ممارسة حق دون إساءة استعماله لا يعد جريمة).
وأيضاً ما نصت عليه (المادة 60/1) من ذات القانون من أنه (1- يعد ممارسة للحق كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس، أو المال، أو نفس الغير ،أو ماله).
3- الركن المعنوي (إرادة الجاني)
يقصد بالركن المعنوي للجريمة أن تكون إرادة الجاني في إحداث الفعل غير المشروع متوفرة، وقد نصت (المادة 63) من قانون العقوبات الأردني على أن (النية هي إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون)، أي أن يكون الفعل صادر عن إرادة الجاني واتجهت نيته لارتكاب الفعل المؤثم قانونا، وهو ما يعرف قانونا بالقصد الجنائي، أي اتجاه إرادة الجاني لإحداث الفعل الغير قانوني، وألا تكون إرادته وقت ارتكاب الفعل قد لحق بها أي مانع من موانع المسئولية، ويقصد بموانع المسئولية هي ما يعتري الشخص من تغيرات تجعله غير قادر على الاختيار أو التمييز أو كلاهما معا.
– ويشترط حتى تكون الإرادة معتبرة قانونا أن يتوفر لها عنصران، ويتمثلا في التمييز وحرية الاختيار.
والتمييز هو قدرة الشخص على فهم طبيعة الفعل المقدم عليه والنتيجة المترتبة على هذا الفعل.
وحرية الاختيار المقصود بها مقدرة الشخص على دفع إرادته في جهة بعينها من الجهات التي يمكن أن تتخذها [5].
وتتمثل موانع المسئولية في صغر السن، والاضطراب النفسي والعقلي، والغيبوبة الناشئة عن السكر غير الاختياري، والإكراه، وحالة الضرورة[6].
ثالثا: أقسام الجرائم من حيث خطورتها
تنقسم الجرائم بحسب جسامتها وخطورتها إلى جنايات وجنح ومخالفات.
1- أساس التقسيم الثلاثي للجرائم
لما كان الأصل أن النصوص القانونية العقابية تسن بغرض مواجهة سلوك إجرامي معين، ولما كان هذا السلوك نفسه متباين ومختلف من حيث أثره وضرره، كان لزاما على المشرع وهو في معرض وضع النص العقابي أن يجعل العقوبة مكافئة ورادعة للفعل المؤثم قانونا، دون تساهل مفرط يفقد العقوبة جديتها والغرض منها ويجعلها في معرض عدم الاحترام من الأفراد، وفي نفس الوقت لا تكون شديدة فتجاوز الغرض من العقاب إلى الانتقام، وتجعل من العقوبة أداة ذبح لا أداة إصلاح وتقويم للجاني، ولا شك أن الغرض الأساسي من العقوبة هو ردع المجرم المخالف للقانون وتهذيبه وإصلاحه لا مجرد الانتقام منه.
– لذلك فالمشرع الأردني سار على نهج الفقه القانوني والتشريعات القانونية في الدول المختلفة في تقسيم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات، وجعل من ذلك معيارا لتحديد الجرائم الخطيرة من الجرائم الأقل خطورة.
أ- الجرائم الجنائية
هي الجرائم التي يكون الجزاء أو العقاب المقرر لاقترافها هو الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة، أو الاعتقال المؤبد، أو الأشغال الشاقة المؤقتة، أو الاعتقال المؤقت، وذلك
تطبيقا لنص (المادة 14) من قانون العقوبات الأردني.
ب- الجرائم الجنحية
هي الجرائم التي قرر لها المشرع في (المادة 15) من قانون العقوبات الأردني عقوبة الحبس، أو الغرامة.
ج- جرائم المخالفات
هي الجرائم التي قرر لها المشرع في (المادة 16) من قانون العقوبات الأردني عقوبة الحبس التكديري، أو الغرامة.
وبالنظر إلى هذا التقسيم نجد أن المشرع قد قسم الجرائم بحسب جسامتها وخطورتها الى أقسام ثلاث، وجعل لكل قسم منها نوع من العقوبات يختلف عن غيرها من الجرائم، فعقوبة الحبس التي قررها المشرع للجرائم الجنحية لا يزيد فيها الحبس عن ثلاث سنوات، بخلاف الجنايات التي تكون فيه العقوبة السجن، أو الإعدام، والمقصود بالسجن هو الحبس الذي تزيد مدته عن ثلاث سنوات، والمخالفات التي جعل عقوبتها الحبس التكديري الذي لا يزيد عن أسبوع أو الغرامة النقدية، ولا شك في أن هذا المعيار سهل التطبيق ويمكننا من خلاله تحديد وتقدير جسامة الجريمة بحسب موضعها في هذه الأقسام سالفة البيان.
2- فائدة التقسيم الثلاثي للجرائم
يستفاد من هذا التقسيم تحديد العقوبات التي تتناسب مع خطورة الجرائم، بحيث تكون ملائمة لها وتؤدي الغرض الأساسي المرجو من العقوبة وهو الردع العام والخاص، وتسهيلا على المخاطبين بأحكام هذا القانون، خاصة أن قانون العقوبات من القوانين التي لا يعذر أحد بجهله بها.
كما أن في هذا التقسيم للجرائم تمييز للجنايات والجنح بعدة ميزات لا تنضم المخالفات لهما فيها مثل:
– أن الشروع يعاقب عليه في الجنايات وفي بعض الجنح، أما المخالفات فلا عقاب على مجرد الشروع فيها، وقد عرفت (المادة 68) من قانون العقوبات الأردني الشروع بأنه (الشروع هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية الى ارتكاب جناية أو جنحة، فاذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي ……..).
– الاتفاق على ارتكاب جناية أو جنحة يعاقب فيه الشريك، أما في المخالفات فلا يعاقب الشريك، وفي ذلك نصت (المادة 76) من قانون العقوبات الأردني على أنه (إذا ارتكب عدة أشخاص متحدين جناية أو جنحة، أو كانت الجناية أو الجنحة تتكون من عدة أفعال، فأتى كل واحد منهم فعلا أو أكثر من الأفعال المكونة لها وذلك بقصد حصول تلك الجناية أو الجنحة، اعتبروا جميعهم شركاء فيها وعوقب كل واحد منهم بالعقوبة المعينة لها في القانون، كما لو كان فاعلا مستقلا لها).
– تطبق شروط الظروف المخففة للعقوبة في الجرائم الجنائية والجنحية دون المخالفات، مثلها في ذلك مثل أحكام المصادرة.
* وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الجرائم من حيث خطورتها هي جرائم خطيرة جدا وتتمثل في الجنايات، وهي الجرائم التي تعد دائما صاحبة العقوبات الأشد، وجرائم أقل خطورة وهي الجرائم الجنحية، ثم تأتي في آخر مرتبة الجرائم الأقل في الخطورة والجسامة وهي المخالفات.
رابعاً: أسباب الجريمة وصفات المجرم
إن البحث عن الجريمة وأسبابها وطرق الوقاية منها له تاريخ طويل، وقد عنى الفلاسفة مثل أرسطو، وسقراط، وأبقراط بالجريمة والسبب في حدوثها، وقد أرجعوا الجريمة إلى أسباب جسدية في جسم المجرم وتكوينه الجسدي، وتوالت النظريات المفسرة لأسباب الجريمة على أساس التكوين الجسدي والمظهر الخارجي للمجرم.
– ثم ظهرت نظرية لومبروزو التي ربطت بين المجرم والعوامل الوراثية، وأرجعت أسباب ارتكاب الفرد للجريمة إلى عوامل وراثية، بمعنى انتقال الصفات الإجرامية بين أفراد العائلة الواحدة وتوارثها فيما بينهم، وقد لاقت كل هذه النظريات انتقادات شديدة وعدم قبول مجتمعي لها.
ثم جاء العالم إنريكو فيري بنظرية مفادها أن الجريمة ترجع إلى ثلاثة عوامل أساسية وهي العامل الجغرافي، والعامل البيئي، والعمال النفسي، وافترض أن وجود ضغوط على شخص ما ومؤثرات نفسية في بيئة معينة ذات طبيعة جغرافية معينة قد يكون سببا رئيسيا في ارتكابه الجريمة، وقد انتهجت جميع التشريعات الجنائية حول العالم هذه النظرية، واعتبرتها تفسيرا منطقيا لارتكاب الفرد جريمة معينة، وقد كان لهذه النظرية دورا كبيرا في تطور القانون الجنائي حول العالم، ورسخت لفكرة أن العقوبة يقصد منها الحفاظ على المجتمع والدفاع عنه ضد الجريمة ومرتكبها، وجعلت المشرعين يفطنون إلى ضرورة ألا يتوقف الأمر عند مجرد تشريع العقوبات، بل يمتد إلى تشريع تدابير احترازية يكون الغرض منها منع وقوع الجريمة مرة أخرى، أو على الأقل الحد منها[7].
– ولما كانت الجنايات هي أِشد الجرائم خطورة فنرى من اللازم عرض بعض صور جرائم الجنايات حتى يمكنا تصور لماذا يتم تنصيفها على أساس أنها جرائم خطيرة، وسنكتفي في ذلك بذكر مثالين تظهر فيهم الجريمة، وكيف تصدى المشرع الأردني لها حسب جسامتها.
1- جريمة القتل
يعرف القتل بأنه إزهاق روح إنسان دون مبرر قانوني، ومما لا شك فيه أن جريمة القتل هي أشد وأخطر أنواع الجرائم نظرا لأن الاعتداء فيها ينصب على حياة إنسان بريء، سواء كان الدافع من جراء ارتكابها الانتقام الغاشم، أو الكره، أو السرقة، أو أي باعث آخر غير مبرر قانونا، وجريمة القتل هي أول جريمة ارتكبت على الأرض، وهي من أكثر الجرائم التي عنى المشرع بها، ووضع لها جزاء جنائي ومدني حازم بقصد ردع كل من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء، ونحن في حديثنا هنا عن جريمة القتل نقصد بالطبع جريمة القتل العمد باعتبارها من أِشد الجرائم خطورة، لأنها تنصب على حرمان شخص من حياته واعتداء سافر على حقه في الحياة، مما يفتح باب رغبة أهل المجني عليه في الانتقام من الجاني، ولا شك في أن ذلك يثير القلاقل ويجعل الحالة الأمنية غير مستقرة، خاصة وأن تكوين المجتمعات العربية يتسم بالاتحاد الأسري و القبلي، لذلك جاءت الشريعة الإسلامية الغراء قبل القوانين الوضعية لتضع حكما قاطعا للقتل العمد، وهو وجوب القصاص كما أمرنا سبحانه وتعالى في محكم آياته (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) في سورة البقرة بـ (الآية 179)، وعلى ذلك النهج سارت معظم التشريعات القانونية الوضعية في البلاد العربية، فجعلت عقوبة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد الإعدام، وفق ما نصت عليه (المادة 328) من قانون العقوبات الأردني من أن (يعاقب بالإعدام على القتل قصدا إذا ارتكب مع سبق الإصرار، ويقال له (القتل العمد))، ويظهر جليا أن المشرع قد قرر أقصى جزاء ممكن على الجاني في جناية القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وهو إنهاء حياة الجاني بالإعدام شنقا، وذلك نظرا لشدة خطورة الجريمة ووقعها واثرها في نفوس الناس، وإنذار لكل من تسول له نفسه ارتكابها في أن يتراجع عنها، ولا شك أن في ذلك حماية للأنفس وأنفع للأفراد.
2- جرائم أمن الدولة
وهي من صور الجرائم شديدة الخطورة، وهي جرائم منها ما يحدث داخل إقليم الدولة ومنها ما يحدث خارجها بغرض الإضرار بمصالح الدولة، وخطورة هذه الجرائم ترجع الى الأثار المترتبة عليها كمحاولة تغيير نظام الدولة والإضرار بمصالحها العليا.
ولما كانت هذه الجرائم على هذه الدرجة من الخطورة فقد جابهها المشرع بعقوبات شديدة الصرامة، فالمشرع الأردني في قانون العقوبات قد قرر عقوبة الإعدام لكل شخص حمل السلاح ضد الدولة في صفوف دولة معادية أثناء الحرب معها وفقا لما قررته (المادة 110) من قانون العقوبات الأردني، وكذلك يعاقب بالإعدام كل من اعتدى على حرية أو حياة جلالة الملك، وكل من يعمل على تغيير الدستور بشكل غير مشروع.
ولا شك أن هذه الجرائم كلها جرائم شديدة الخطورة استلزمت التصدي لها بعقوبات شديدة الصرامة، نظرا لتأثيرها المباشر على المملكة وتعريض استقرارها الاقتصادي والأمني للمخاطر.
خامساً: وسائل وطرق الحد من الجرائم وخاصة الجرائم الخطيرة
المقصود بوسائل الحد من الجريمة هي الإجراءات التي يجب على الدولة بسلطاتها الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية اتخاذها للحد من الجريمة ومنع حدوثها أو التقليل منها.
وإذا كنا بصدد الحديث عن الجريمة الخطيرة ومعيار تحديدها ومدى تأثيرها الضار على المجتمع بأكمله، كان من اللازم تحديد الوسائل التي تقلل من ارتكابها، والتي تجعل من يفكر في اقترافها يتراجع عن السير فيها، ولا شك أن الجزء الأكبر يقع على عاتق الدولة بمؤسساتها للحد من تلك الجرائم، وقد انتهجت الدول وسائل تقليدية للحد من الجرائم تتمثل في الوسائل التالية.
1- العقوبة
وهي أهم وسائل الحد من الجرائم، وتعرف العقوبة بأنها جزاء يوقع باسم المجتمع تنفيذا لحكم قضائي على من تثبت مسئوليته عن ارتكاب جريمة[8].
ويتمثل دور العقوبة كوسيلة من وسائل الحد من الجريمة في أنه بتوقيع العقوبة العادلة على المجرم، يتحقق الردع العام لجميع أفراد الدولة، وتنذرهم بأن القيام بفعل غير مشروع سيؤدي حتما الى عقوبة، مما يحجم أي فرد منهم عن التفكير في ارتكاب الجريمة، وكذلك الردع الخاص للجاني والمقصود به ما يلحق بالمتهم من ألم نفسي وبدني نتيجة العقوبة، فيجعله يندم على ارتكاب الفعل غير المشروع، والعزم على عدم العودة إليه مرة أخرى، إلى جانب أن العقوبة قد يكون فيها صلاح المجرم، فالجاني قد يشعر بمقدار الظلم الذي مارسه على المجني عليه ويندم على ذلك، إلى جانب ما انتهجته التشريعات الحديثة من وجوب إعادة تأهيل المجرمين، وتعليمهم حرف وصناعات حتى يتمكنوا من الاندماج في المجتمع بعد خروجهم من المؤسسة العقابية، ونزع فكرة العودة الى الجريمة مرة أخرى من أذهانهم.
2 – التدابير الاحترازية
المقصود بالتدابير الاحترازية هي مجموعة من الضوابط التي يتم تطبيقها على المجرم الخطير الذي يتوقع منه العودة لارتكاب الجريمة بقصد حماية المجتمع منه[9].
فالمجرم الخطير الذي تكمن في شخصيته صفات إجرامية ويخشى من عودته إلى ارتكاب الجريمة، تتخذ ضده أحد التدابير الاحترازية المنصوص عليها في القانون، بقصد الحفاظ على المجتمع من خطورته ومنعه من ارتكاب جريمة أخرى.
والتدابير الاحترازية في قانون العقوبات الأردني متعددة منها ما هو مانع للحرية كالاعتقال أو العزل، وذلك متى كان المجرم شديد الخطورة على المجتمع، أو الإيداع في أحد المصحات النفسية أو مصحات علاج إدمان المخدرات وفقا لمفهوم (المادة 14) من قانون المخدرات، ومنها ما هو مقيد للحرية مثل الوضع تحت المراقبة وفقا لما نصت عليه (المادة 13) من قانون منع الجرائم حيث نصت على أنه (تسري على الشخص الذي يوضع تحت رقابة الشرطة أو الدرك القيود التالية جميعها أو بعضها حسبما يقرر المحافظ. 1- أن يقيم ضمن حدود أي قضاء أو مدينة أو قرية معمورة في المملكة وألا ينقل مكان إقامته إلى أي قضاء أو مدينة أو قرية أخرى دون تفويض خطي من قائد المنطقة. 2- أن يحظر عليه مغادرة القضاء أو المدينة أو القرية التي يقيم فيها دون تفويض خطي من قائد المنطقة.
3- أن يعلم قائد المنطقة التي يقيم فيها عن تغيير منزله أو مسكنه. 4- أن يحضر إلى أقرب مركز للشرطة كلما كلفه بذلك مأمور الشرطة المسؤول عن القضاء، أو المدينة التي يقيم فيها. 5- أن يبقى داخل مسكنه من بعد غروب الشمس بساعة واحدة لغاية شروقها ويجوز للشرطة أو الدرك أن تزوره في أي وقت للتأكد من ذلك).
ولا شك في أنه للتدابير الاحترازية دور رئيسي في الحد من الجريمة وإعادة تأهيل المجرم والحفاظ على المجتمع من خطره واحتمالية عودته لارتكاب الفعل الإجرامي مرة أخرى.
سادساً: توصيات مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة
أوصى المؤتمر بعدة توصيات بقصد منع الجريمة والتوصل الى عدالة جنائية ناجزة، وكان من أهم تلك التوصيات:
1 – اعتماد برامج وسياسات وطنية تشمل كل فئات المجتمع للتعريف بالجرائم وخطورتها وأساليب مواجهتها.
2- ضمان المحاكمة العادلة لكل أفراد المجتمع، وانعكاس أثر ذلك على الحد من الجرائم.
3- إعادة تأهيل المجرمين ودمجهم في المجتمع، حتى يتخلصوا من الأفكار الإجرامية الكامنة بداخلهم.
4 – التأكيد على مساواة الأفراد جميعا أمام القانون، وعدم التفرقة بينهم على أساس ديني أو عرقي.
5- الاهتمام بالمساجين من حيث التعليم خاصة تعليمهم الحرف والصناعات لخلق دوافع جديدة وإمكانية إعادة دمجهم مرة أخرى داخل المجتمع.
6- توطيد التعاون الدولي في مجال الكشف المبكر عن الجرائم باستخدام الوسائل العلمية الحديثة.
وعطفا على ذلك نجد أن التوصيات المقترحة إلى جانب الوسائل التقليدية سوف تساعد بشكل ملحوظ في الحد من الجريمة، ولا شك في أن المشرع الأردني قد اهتم اهتماماً واضحاً بموضوع الحد من الجرائم، بل وأصدر قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954 ليكون في مصاف الدول التي أصدرت تشريعات خاصة بالحد من الجرائم، ونقترح أن يتم تعديل القانون وإضافة التوصيات الصادرة في مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر للحد من الجريمة.
سابعاً: الخاتمة
ختاما نجد أن الجريمة الخطيرة في مفهوم علم الإجرام والعقاب هي الجريمة التي قرر لها المشرع عقوبات صارمة كعقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة نظرا لخطورتها الشديدة، ولا يعني ذلك أن باقي الجرائم ليست خطيرة لكن المقصود أن الجريمة كلما كان ضررها على المجتمع والأفراد أكبر كلما اشتدت خطورتها، مما جعل المشرع يقرر لها جزاء عقابي صارم للحد منها والحفاظ على امن وسلامة المجتمع.
كتابة: محمد إسماعيل حنفي
[1] -ابن منظور – معجم لسان العـرب – حـرف الميم – مادة جرم.
[2] – رمضان السيد – الجريمة والانحراف من المنظور الاجتماعي – المكتب الجامعي الحديث – الإسكندرية 1985 – ص 14.
[3] – عبد الخالق جلال الدين ورمضان السيد – الدفاع الاجتماعي من منظور الخدمة الاجتماعية – الإسكندرية – 1994.
[4] – منصور الحفناوي – الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون – الطبعة الأولى – مطبعة الأمانة – مصر – 1986 – ص 121.
[5] – محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات: القسم العام – الطابعة الثامنة (طبعة نادي القضاة) – 2019 – ص 620 – 621.
[6] – محمود نجيب حسني – المرجع السابق – ص 625.
[7] – رمسيس بهنام – محاضرات في علم الإجرام – الطبعة الأولى – ج1 – منشأة المعارف – الإسكندرية – 1961 – ص11 وما بعدها.
[8] – محمود محمود مصطفى – شرح قانون العقوبات: القسم العام – ط10 – دار النهضة العربية – القاهرة، – 1983 – ص 555.
[9] – أحمد عبد اللاه المراغي – شرح قانون العقوبات القسم العام – ط1 – مركز الدراسات العربية – القاهرة – 2018 – ص 31.

