السجون ومحال التوقيف
إن مرحلة التحقيق الابتدائي هي مرحلة تختلف بطبيعة إجراءاتها عن مرحلة المحاكمة، وإن كانت كُلاً من المرحلتين تكملان بعضهما البعض، فمرحلة المحاكمة وهي ما تسمى بمرحلة التحقيق النهائي تعتمد على مرحلة التحقيق الابتدائي من حيث النتائج التي تتوصل إليها سلطة التحقيق فيما يخص الكشف عن الجريمة ومرتكبيها، إلا أن معاملة المشتكى عليه المتهم أمام سلطة التحقيق في التحقيق الابتدائي تختلف عن تلك المعاملة التي تأتي نتيجةً لصدور حكم بالإدانة بحقه وتحديداً فيما يعرف بالتوقيف والحبس، حيث أن التوقيف هو من معاملات التحقيق الابتدائي يوضع بموجبه المشتكى عليه الموقوف في الأماكن المعدة لذلك ، أما الحبس هو عقوبة جزائية بحق المتهم المدان بجريمة جزائية أن كانت من نوع جناية أو جنحة ، وتأتي هذه العقوبة بعد انتهاء مرحلة التحقيق النهائي ، أي المحاكمة التي يتوصل من خلالها القاضي أن المشتكى عليه مدان بجريمة تستوجب حبس المتهم في أحد السجون المعدة لذلك.
وسنتعرف في هذا المقال على السجون ومحال التوقيف، وعلى الأساس الذي استند إليه المشرع للتفريق بينهما وذلك وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني.
جدول المحتويات
سبب التفرقة بين السجون ومحال التوقيف
أهمية الفصل بين السجون ومحال التوقيف
دور المحامي في السجون ومحال التوقيف
قرينة البراءة
إن أساس الفصل والتفريق بين السجون ومحال التوقيف هي قرينة البراءة، والتي ترتبط بالمشتكى عليه الظنين أو المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهذا الأصل الذي يبقى لحين ثبوته بصورة قاطعة وجازمة. وقد نص المشرع على هذا المبدأ كقاعدة ثابتة في المادة 147/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إن المتهم بريء في حين أن سلطة التحقيق تدعي خلاف هذا الأصل، فعليها يقع عبء إقامة الدليل على ما يخالف أصل البراءة وبما يثيت عكسه إثبات قاطع فإن لم يكن هذا الإثبات قاطعاً، تعين الإبقاء على الأصل، وإعلان براءة المتهم مما اسند إليه[1]، وعلى هذا الأساس لا يجوز معاملة الموقوف معاملة المحكوم عليه ،وذلك من خلال الفصل بين السجون ومحال التوقيف، فإعمال هذه القاعدة إمر إلزامي على الجهات القضائية تطبيقها في كل إجراء يتطلب يتعين معه ذلك، فالموقوف ليس مدان ولا يجوز معاملته كمعاملة المدان ووضعه في السجون المخصصة لتنفيذ عقوبة الحبس .
التناقض بين التوقيف وقرينة البراءة
إن التوقيف إجراء تحقيقي لا بد من القيام فيه في الجرائم التي تتطلب طبيعتها توقيف المشتكى عليه، وذلك لجعل الموقوف في متناول يد التحقيق، بحيث يمكن استجوابه في أي وقت خلال مدة أقصاها 48 ساعة ، فالمدعي العام ملزم باستجواب المتهم المقبوض عليه حين يتم إحضاره إليه خلال اربع وعشرين ساعة، فإذا تعذر عليه استجوابه فور إلقاء القبض عليه، فيم إيداعه في النظارة لمدة لا تزيد عن أربع وعشرين ساعة، بعد ذلك لا بد من استجوابه، وإلا يتم إيداعه للنيابة العامة ، وعدا عن أهمية التوقيف للاستجواب، فالتوقيف أيضا مطلب مجتمعي يخفف من حدة الغضب على المشتكى عليه والتي قد تؤدي إلى ارتكاب أفعال إنتقامية تعد جرائم بحد ذاتها، وهو بذلك وسيلة لحماية الموقوف من أي اعتداء .
وللتخفيف من تناقض التوقيف مع قرينة البراءة، بين المشرع الحالات التي يجوز فيها التوقيف، وأحاطه بضمانات وقيود حتى لا يساء استخدامه، ومن هذه الضمانات أن يكون مكان التوقيف مختلفاً في تنفيذه عن عقوبة الحبس المحكوم بها والتي تصدر عن محكمة مختصة وبقرار فاصل في الدعوى.
الحرية الشخصية مصونة
انطلاقا من هذه القاعدة القانونية والتي نص عليها الدستور الأردني في المادة 7/1، فقد نص المشرع على الأحكام القانونية التي تنظم التوقيف كإجراء تحقيقي ابتدائي، بحيث يحد من المساس بالحرية الشخصية للفرد، وهذا ما أمر به الدستور في المادة 8 منه حيث جاء فيه:
- لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون.
- كل من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز تعذيبه، بأي شكل من الأشكال، أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين، وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يعتد به.
وعليه فقد حرص المشرع على وضع أحكام خاصة لكل من إجراء على حدا، فوضع الأحكام التي تنظم معاملة القبض، والأحكام التي تنظم التوقيف، والأحكام التي تنظم الحبس، والحقيقة أن المشرع حرص على وضع الأحكام القانونية التي تنظم كل إجراء جزائي، وجعل مكان التوقيف مختلفاً عن مكان الحبس هو من أهم الأمور التي تراعي مبدأ صيانة الحرية الشخصية للفرد، ومنع المساس بها قدر الإمكان.
سبب التفرقة بين السجون ومحال التوقيف
بالإضافة الى ما ذكرناه في السابق، إن التوقيف ليس بعقوبة، فالعقوبة لا تصدر إلا بحق المتهم المدان بحكم صادر عن المحكمة المختصة، بحيث تنتفي قرينة البراءة عنه، ولذلك لا يجوز وضع الموقوف في السجون المعدة لتنفيذ العقوبات الجزائية، فهو ليس مدان بعد، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وحتى تثبت الإدانة لا بد من معاملته معاملة البريء وهذا الأصل، وذلك حتى يثبت العكس.
أهمية الفصل بين السجون ومحال التوقيف
إن للفصل بين السجون ومحال التوقيف أمر ذات أهمية كبيرة، فهو حماية للمشتكى عليه من مساوئ الاختلاط بغيره من السجناء المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية، كمت أوجب المشرع عزل الموقوفين عن النزلاء المحكومين، كما أوجب تصنيف هؤلاء النزلاء إلى فئات حسب العمر ونوع الجريمة ودرجة خطورتها[2].
محال التوقيف
نصت المادة 104 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه تنظم السجون ومحال التوقيف وتعين بمراسم قانونية.
إن أماكن التوقيف المؤقتة عادةً ما تكون في المراكز الأمنية والنظارات لدى دوائر الادعاء العام، وذلك إذا كانت مدة التوقيف تتراوح من أربع وعشرين ساعة ولغاية ثمانية وأربعين ساعة، وفي حال قرر المدعي العام أن تكون مدة التوقيف أطول يتم تحويل الموقوف إلى أحد مراكز الإصلاح والتأهيل في المملكة.
السجون
إن مراكز الإصلاح والتأهيل هي السجون التي يتم وضع النزلاء المحكومين والنزلاء الموقوفين فيها ، إلا أنه يتم الفصل بينهما، وذلك سنداً لنص المادة 11/1 من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل والذي ينص على أنه يجب عزل النزلاء الموقوفين عن المحكومين، ويفهم من هذا النص أن محال التوقيف التي تطول مدتها عن 48 ساعة قد تكون هي ذاتها السجون إلا أن هناك فصل بين النزلاء الموقوفين والنزلاء المحكومين في ذات المركز، حتى أن العزل يتم بين النزلاء المحكومين أيضا، فيتم تصنيفهم إلى فئات وذلك حسب الفئات العمرية ونوع الجريمة ودرجة خطورتها ومدة العقوبة .
وإن كنت أرى أن وضع الموقوفين في ذات المكان المخصص لتنفيذ العقوبات وإن كان يتم الفصل بينهم، إلا أن ذلك يخل بمبادئ الفصل والتي سبق وأن تحدثنا عنها في ذات المقال.
مراكز الإصلاح والتأهيل
إن عدد مراكز الإصلاح والتأهيل الموجودة في المملكة الأردنية الهاشمية بلغ ثمانية عشرة مركزاً، يتم إدارتها من قبل إدارة السجون في جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية.
أسماء مراكز الإصلاح والتأهيل
1_ سجن سواقة
2_قفقفا
3_ سجن الموقر1
4_سجن الموقر 2
5_سجن الكرك
6_ سجن معان
7_سجن العقبة
8_سجن السلط / البلقاء
9_مؤسسة أم لولو
10_سجن سلحوب
11_ سجن الزرقاء
12_ سجن ماركا
13_سجن إربد
14_سجن إربد
15_ سجن الرصيفة للأحداث
16_مراكز التحقيق والتوقيف بدائرة المخابرات العامة
17_ سجن الجويدة
18 _ سجن بيرين
تفتيش السجون ومحال التوقيف
لقد أعطى القانون لكل من رئيس النيابة العامة، والنائب العام، ورؤساء المحاكم البداية والاستئناف الحق في تفقد السجون العامة ومراكز التوقيف الموجودة في مراكز اختصاصهم والتأكد من عدم وجود محبوس أو موقوف بصورة غير قانونية، كما لهم أن يطلعوا على دفاتر مراكز الإصلاح والتأهيل وعلى أوامر التوقيف أو الحبس وأن يأخذوا صوراً منها ، كما أعطى القانون لكل موقوف أو مسجون الحق في أن يقدم في أي وقت إلى مأمور السجن شكوى كتابةً أو شفوياً ويطلب منه تبليغها للنيابة العامة، ويجب على المأمور قبولها وتبليغها للنيابة العامة في الحال بعد إثباتها في سجل يعد لذلك في السجن[3].
وهناك ثلاث هيئات عالمية رئيسية تقوم بمهام التفتيش على السجون وهي هيومن رايس ووتش (Human Rights watch واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) والمركز الوطني لحقوق الإنسان (الأردن).
السند القانوني لصلاحية المدعي العام في القيام بالتفتيش هو المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها إن المدعي العام هو الذي يراقب سير العدالة ويشرف على السجون ودور التوقيف وعلى تنفيذ القوانين ويمثل السلطة التنفيذية لدى المحاكم والدوائر القضائية ويخابر السلطات المختصة رأساً.
دور المحامي في السجون ومحال التوقيف
أن وجود النزلاء الموقوفين أو المحكومين في مراكز الإصلاح والتأهيل لا يعني عدم مقدرتهم على توكيل محامين كونهم داخل السجون، بل من الممكن أن يقوم المحامي بتوكل عن الموقوف أو المسجون وهو داخل هذه المراكز، وذلك عن طريق زيارة المحامي للشخص المراد التوكل عنه وإبراز هوية النقابة مخبراً الجهات الأمنية المتواجدة في المركز برغبة الموقوف أو السجين بتوكيله، وعليه يقوم المحامي بالالتقاء بالموكل الموقوف أو المسجون وأخذ التفاصيل المتعلقة بقضيته وتوقيعه على وكالة رسمية لمباشرة إجراءات التقاضي.
إعداد المحامية: ليلى خالد
[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021، ص238.
[2] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021، ص409.
[3] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشروالتوزيع،2021،ص282.

