المزاحمة الشريفة في استعمال علامة تجارية
إن العلامة التجارية تُعد من أهم المواضيع التي تولى المشرع تنظيمها، وتناولها الباحثين بالدراسة والشرح لأثرها بالغ الأهمية في المجال التجاري والصناعي، وقد وفر المشرع لمالك العلامة التجارية العديد من الحقوق التي تتيح له ممارسة سلطته الكاملة بخصوص العلامة المملوكة له، ويكاد يكون أحد أهم هذه الحقوق الحق في الانفراد والاستئثار باستعمال واستغلال العلامة التجارية.
إلا أن المشرع ولاعتبارات خاصة فرضتها الظروف العملية لممارسة التجار والصناع ومقدمي الخدمات لأعمالهم في ظل المنافسة الشريفة التي يجب أن تسود بين هؤلاء، فقد أجاز الاستخدام والاستعمال المتعدد لأكثر من شخص لذات العلامة التجارية أو لعلامات تجارية متقاربة في الشبه، إلا انه لم يدع الأمر على إطلاقه، فأحاط ذلك بضمانات عديدة تكفل حسن تطبيق هذا الاستثناء، ولم يحصر المشرع الحالات التي يباح فيها ذلك وإنما أعطى للمسجل سلطة تقديرية في ذلك على حسب ظروف كل حالة تعرض عليه، ثم فرض الرقابة القضائية على قرارات المسجل في هذا الشأن.
أولاً: حالات جواز تسجيل العلامة التجارية المستعملة باسم أكثر من شخص في نفس الوقت:
ثانياً: الطعن على القرار الصادر من المسجل بشأن تسجيل العلامة التجارية باسم أكثر من شخص:
ثالثاً: الأثر المترتب على الاستعمال المتعدد للعلامة التجارية وتسجيلها باسم أكثر من شخص:
رابعا : بعض اجتهادات محكمة التمييز ومحكمة العدل العليا بشأن المزاحمة الشريفة:
أولاً: حالات جواز تسجيل العلامة التجارية المستعملة باسم أكثر من شخص في نفس الوقت:
تناولت (المادة 18/1) من قانون العلامات التجارية الحالات التي تبيح تسجيل العلامة التجارية باسم أكثر من شخص في نفس الوقت، حيث نصت على أنه: (إذا كان شخص يستعمل بطريق المزاحمة الشريفة علامة تجارية يستعملها شخص آخر أو إذا وجدت أحوال خاصة أخرى يستصوب المسجل معها تسجيل نفس العلامة باسم أكثر من شخص واحد، فيجوز للمسجل أن يسمح بتسجيل تلك العلامة أو أية علامات أخرى قريبة الشبه بها، لنفس البضائع أو الصنف من البضائع باسم أكثر من شخص واحد على أساس القيود والشروط التي قد يستصوب فرضها من حيث طريقة الاستعمال ومكانه وغير ذلك من الأمور).
وباستقراء نص المادة سالفة البيان يتضح لنا أن المشرع قد أجاز ذلك الاستعمال المتعدد للعلامة التجارية وأعطى المسجل مكنة تسجيل ذات العلامة التجارية أو أي علامة أخرى قريبة الشبه بها لنفس البضائع أو الصنف باسم أكثر من شخص واحد، وذلك في حالتين وهما حالة المزاحمة الشريفة، وحالة استصواب المسجل تسجيل العلامة باسم أكثر من شخص وفقا لما يلي:
الحالة الأولى: نظام المزاحمة الشريفة:
في واقع الأمر إن المقصود بالمزاحمة الشريفة لم يرد له تعريف شافي في القانون أو الفقه، وقد يرى البعض أن مفهوم المزاحمة الشريفة يُعرف عن طريق المخالفة لمفهوم المزاحمة غير الشريفة والتي عرفها الفقه بأنها: “كل فعل يهدف إلى جذب زبائن مشتركين بين المزاحم والمشروع الذي تعرض لتلك المزاحمة عن طريق إغرائهم بوسائل غير مشروعة أو غير أخلاقية”.
وقد أوردت اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية أن المنافسة أو المزاحمة غير المشروعة تكون عن طريق استخدام وسائل غير متوافقة مع الأعراف والعادات التجارية الشريفة التي من شأنها أن توجد لبسا مع منشأة احد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي أو التجاري، مثال الادعاءات المخالفة للحقيقة في مزاولة التجارة والتي من طبيعتها نزع الثقة عن منشأة احد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي أو التجاري، البيانات أو الادعاءات التي يكون استعمالها في التجارة من شأنه تضليل الجمهور بالنسبة لطبيعة السلع أو طريقة تصنيعها أو خصائصها أو صلاحيتها للاستعمال أو كميتها 0
وقد يرى البعض أن المقصود بالمزاحمة الشريفة ما تناوله المشرع الأردني في نص المادة السابعة عشر من قانون العلامات التجارية حال قيام عدة أشخاص بطلب تسجيل علامات تجارية متماثلة أو قريبة الشبه بعضها ببعض، وكانت تلك العلامات تتعلق بنفس البضائع أو الصنف، حيث جعل القانون تسوية ذلك النزاع بشأن حقوقهم يتم بإحدى الطرق الآتية:
- إما بالاتفاق فيما بينهم على وجه يوافق عليه المسجل.
- بواسطة محكمة العدل العليا التي يحيل المسجل الخلاف عليها عند عدم الوصول إلى مثل هذا الاتفاق.
ويجوز للمحكمة عند عرض الأمر عليها أن تأمر بتسجيل العلامة لأكثر من شخص بالشروط والقيود التي تستصوبها، وبذلك تسجل العلامة لكلا المتنازعين، فلا يتم تغليب مصلحة أحد المتنازعين على الآخر، ومن القيود التي قد تفرضها المحكمة على مالكي العلامة التجارية، تعديل العلامة أو فرض قيد مكاني على استعمالها، أو تحديد طريقة الاستخدام لكل من أصحاب العلامات، ويكون حق كل شخص مقيد بالشروط والقيود التي وضعتها المحكمة.
إذن فالمزاحمة الشريفة وفقا لهذا التعريف هي “حق قانوني ومشروع أجازه المشرع فسمح بأن يكون هنالك أكثر من شخص طبيعي أو اعتباري أن يستعمل علامة تجارية مطابقة أو مشابهة لنفس صنف البضاعة، وجعل إقرار تلك المزاحمة الشريفة يتم إما عن طريق اتفاق الأطراف على استعمال نفس العلامة التجارية، وإما عن طريق القضاء وفقا لقيود وضوابط معينة”.
وفي حالة توافر المزاحمة الشريفة وفقا لتلك الأسس فإنه يجوز للمسجل في تلك الحالة تسجيل تلك العلامة باسم كل الأطراف المنطبق عليهم نظام المزاحمة الشريفة.
الحالة الثانية: الأحوال الخاصة التي يستصوب المسجل معها تسجيل نفس العلامة باسم أكثر من شخص واحد:
مثلما لم يورد المشرع تعريفا للمزاحمة الشريفة، لم يورد أيضا بيانا أو أمثلة للأحوال الخاصة التي قد يستصوب معها المسجل تسجيل نفس العلامة التجارية باسم أكثر من شخص واحد ليتم الاسترشاد بها في هذا الخصوص، فأعطى المسجل سلطة تقديرية في تقدير مثل تلك الظروف والأحوال التي تبرر اللجوء إلى مثل ذلك الأمر، كما أعطاه ذات السلطة التقديرية في تحديد الأسس والقيود والشروط التي قد يستصوب فرضها من حيث طريقة الاستعمال المشترك للعلامة التجارية ومكانه وغير ذلك من الأمور الأخرى التي لم يرد لها حصر في القانون، وإن فرض عليه تسبيب قراره وبيان الأسباب التي دعته إلى إصدار قراره، ثم اخضع القرار الذي يصدره المسجل للرقابة القضائية حتى لا تكون يد المسجل مطلقة في ذلك الشأن.
وبإمعان النظر في سلطة المسجل نجد أن المشرع الأردني قد منحه سلطة واسعة في تسجيل العلامات التجارية تتجاوز سلطته كموظف مما دفع بعض الفقه إلى وصفها بأنها سلطة قضائية.[1]
ثانياً: الطعن على القرار الصادر من المسجل بشأن تسجيل العلامة التجارية باسم أكثر من شخص:
حفاظا على حقوق الأطراف المتنازعة، وحتى لا تكون يد المسجل سيفا مسلطا على رقابهم، فقد خول القانون للأطراف المتنازعة حق الطعن على القرار الصادر من المسجل بشأن إجازة الاستخدام المتعدد للعلامة التجارية من أكثر من شخص.
1- كيفية الطعن على القرار:
أجاز القانون لمن يتضرر من القرار الذي يصدره المسجل بمقتضى السلطة التي خولتها له (المادة 18) من قانون العلامات التجارية، أن يقوم باستئناف هذا القرار لدى محكمة العدل العليا، ويكون للمحكمة عند نظر الاستئناف ذات الصلاحيات التي خولها القانون للمسجل بمقتضى هذه المادة، فلها أن تقر التسجيل المتعدد ولها أن ترفضه، كما يكون لها في حال قبوله وإقراره أن تفرض على استخدامه القيود التي ترى أن المصلحة الخاصة بأطراف النزاع وكذا جمهور المستهلكين تقتضي بفرضها، مثل إدخال تعديلات على العلامة التجارية المستخدمة، أو وضع قيود مكانية أو زمنية على استعمالها.
2- ميعاد استئناف القرار:
ألزم القانون على المتضرر من القرار الصادر من المسجل أن يتقدم بالاستئناف إلى المحكمة المختصة بمقتضى (المادة 18) من قانون العلامات التجارية خلال 30 يوماً من تاريخ قرار المسجل، وإلا سقط حقه في الطعن وأضحى قرار المسجل باتا واجب النفاذ في حقه.
ثالثاً: الأثر المترتب على الاستعمال المتعدد للعلامة التجارية وتسجيلها باسم أكثر من شخص:
الأصل أن يقتصر الحق في استعمال العلامة التجارية المسجلة تسجيلاً قانونياً على مالكها سواء أكان هذا المالك شخص طبيعي أو شخص معنوي، بمعنى أن مالك العلامة التجارية له وحده الحق في الاستئثار باستعمالها واستغلالها بكافة الطرق المقررة قانونا لتمييز المنتجات والسلع أو الخدمات المقرر وضعها عليها.
إلا انه واستثناء من ذلك: حيث وضعت (المادة 25) من قانون العلامات التجارية على صاحب العلامة التجارية قيدا في الانفراد باستعمالها وذلك في حالة وجود شخصان أو أكثر مسجلين مالكين لعلامة تجارية واحدة – أو علامة كثيرة التشابه بها، وتكون تلك العلامة عائدة لذات البضائع ففي تلك الحالة لا يحق لأي منهما أن ينفرد باستعمالها بموجب التسجيل (إلا بقدر ما عينه له المسجل أو عينته له محكمة العدل العليا من الحقوق)، وفيما عدا ذلك يكون لكل منهم الحقوق ذاتها كما لو كان هو الوحيد المسجل مالكاً لتلك العلامة التجارية[2].
ومن ثم فوفقا لذلك فيكون لجميع الأشخاص الذين تم تسجيل العلامة التجارية بأسمائهم التمتع بكافة الحقوق المقررة لمالك العلامة التجارية المنفرد، من الاستعمال والاستغلال والترخيص للغير باستعمالها، و الحق في منع الغير من استعمال أو استغلال العلامة التجارية وحماية ذلك الحق مدنيا وجزائيا.
رابعا : بعض اجتهادات محكمة التمييز ومحكمة العدل العليا بشأن المزاحمة الشريفة:
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم1661/2019 ما يلي:
– نصت المادة (25/1/ج) من قانون العلامة التجارية على أن : (إذا كان شخصان أو أكثر مسجلين لعلامة تجارية واحدة (أو علامة كثيرة التشابه بها) عائدة للبضائع ذاتها فلا يحق لأي منهما أن ينفرد باستعمالها بموجب التسجيل (إلا بالقدر الذي عينه له المسجل أو عينته له محكمة العدل العليا من حقوق) وعدا ذلك يكون لكل منهم الحقوق ذاتها كما لو كان هو الوحيد المسجل مالكاً لتلك العلامة) وعليه فأن المدعية والمدعى عليها وإلى ما بعد إقامة هذه الدعوى وحتى صدور قرار محكمة العدل العليا رقم (402/2008) تاريخ 11/11/2008 بترقين علامة المميز ضدها هما صاحبتا الحق في استعمال الاسم التجاري موضوع الدعوى وبالتالي تكون معه هذه الدعوى فاقدة لأساسها القانوني ومستوجبة الرد .
ورد في حكم محكمة العدل العليا الأردنية رقم 412/2009 ما يلي:
يستفاد من نص المادة ( 18) من قانون العلامات التجارية أنه يجوز تسجيل العلامة التجارية باسم أكثر من شخص إذا وجدت المزاحمة الشريفة أو إذا وجدت أحوال خاصة أخرى يستصوب المسجل معها نفس العلامة.
ومن تدقيق البينة نجد أن العلامات التجارية المسجلة باسم المستأنف عليها الثانية تحت الرقم (14054) في الصنف (3) والرقم (57525) والرقم (57895) في الصنف (3) هي من اجل الكريمات، روائح، مستحضرات تجميل ومن أجل الكريمات من أجل الوجه والأيدي والجسم في حين أن العلامة التجارية المسجلة باسم المستأنفة تحت الرقم (17374) في لصنف (3) من أجل صابون التواليت، سائل صابون، معجون غسيل، مسحوق غسيل، مبيض غسيل، معجون أسنان، معجون حلاقة ) .
مما ينبني على ذلك أنه لا يوجد مزاحمة شريفة بين المستأنفة والمستأنفة عليها الثانية، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المسجل لم يبين في قراره الأحوال الخاصة التي يستصوبها والتي تسمح بتسجيل نفس العلامة باسم المستأنف عليها الثانية.
وبذلك يكون القرار المستأنف قد صدر مخالفاً لأحكام المادة (18) من قانون العلامات التجارية التي استند إليها المستأنف عليها الأول عند إصدار قراره المستأنف.
ورد في حكم محكمة العدل العليا الأردنية رقم 332/1995 ما يلي:
خول القانون مسجل العلامات التجارية سلطة تقديرية لتسجيل علامة تجارية باسم أكثر من شخص عند استعمالها بطريق المزاحمة الشريفة أو إذا وجدت أحوال خاصة أخرى يستصوبها المسجل وذلك طبقا للمادة 18 من قانون العلامات التجارية رقم 33 لسنة 1952م، وعليه وبما أن العلامة التجارية المطلوب تسجيلها تتطابق لفظا وكتابة وشكلا مع العلامة التجارية المسجلة باسم شركة أخرى وكون هذا التطابق يؤدي إلى غش الجمهور حيث أن العلامة تستعمل على بضائع من نفس النوع فيكون بالتالي قرار مسجل العلامات بعدم الموافقة على طلب تسجيل العلامة باسم الشركة المستأنفة متفقا وأحكام القانون ولا يرد الاحتجاج بموافقة صاحب العلامة التجارية لان هذه الموافقة غير ملزمة لمسجل العلامات التجارية.
ورد في حكم محكمة العدل العليا الأردنية رقم 332/1995 ما يلي:
إن المادة 18 من قانون العلامات التجارية أعطت المسجل إذا وجدت أحوال خاصة يستصوب معها تسجيل نفس العلامة باسم أكثر من شخص واحد أن يسمح بتسجيل تلك العلامة أو أية علامة أخرى قريبة الشبه بها لنفس البضائع أو الصنف من البضائع باسم أكثر من شخص واحد على أساس القيود والشروط التي قد يستصوب فرضها من حيث طريقة الاستعمال ومكانه وغير ذلك من الأمور.
إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.
[1] أنظر خالد نواف سلامة، الرقابة على تسجيل العلامات التجارية الوطنية في الأردن، 2013، جامعة الشرق الأوسط، ص24.
[2] أنظر في ذات المعنى إيناس مازن، الحماية المدنية للعلامة التجارية الغير مسجلة وفقاً للقوانين الأردنية، 2010، ص53.

