التفاوض الدبلوماسي بين الدول
إن الدبلوماسية واستراتيجية التفاوض تلعب دوراً هاماً وكبيراً في إدارة الأزمات الدولية ووسيلة فعالة في حل النزاعات الدولية بطريقة سلمية، فيمكن لها التدخل في حل جميع أنواع القضايا والنزاعات الدولية دون الحاجة إلى اللجوء لاستخدام القوة ونشوب الحروب أو اللجوء إلى القضاء والمحاكم الدولية وسوف نعرض ذلك من خلال هذا المقال:
أولاً: مفهوم المفاوضات الدولية:
ثانياً: مفهوم المفوضين الدبلوماسيين:
ثالثاً: مبادئ التفاوض الدبلوماسي:
رابعاً: وسائل التفاوض الدبلوماسي بين الدول:
خامساً: التفاوض الدبلوماسي بين الدول كاستراتيجية لحل النزاعات الدولية سلمياً:
أولاً: مفهوم المفاوضات الدولية:
هي أحد الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الدبلوماسية في تحقيق أهدافها الدولية، والمفاوضات عبارة عن عملية دولية تتم بين طرفين أو أكثر متنازعين أو مختلفين في آراء معينة، فيطرح كل طرف منهم وجهات نظره في الموضوع محل النزاع حتى تتم التسوية ومحاولة تقريب وجهات النظر والمناقشة المباشرة أو غير المباشرة حتى يتم الوصول إلى اتفاق وأرضية مشتركة في القضايا محل النزاع.
ويتم الانتهاء من هذه المفاوضات باتفاقيات إما مقبولة لدى جميع الأطراف وتحقق مصالح الجانبين وتكون ملزمة لهم، وإما بقرارات غير مقبولة، فمن الممكن أن يتم رفض هذه القرارات النهائية وبهذا تفشل المفاوضات في حل النزاع، فالمفاوضات طريقة سلمية لحل النزاع وتتسم بالمرونة فيمكن للدول أطراف النزاع القبول بقرارات التفاوض النهائية أو رفضها فهي ليست ملزمة للأطراف.
وعرفها كلا من: G. Eisen /C. Barlow “أسلوب اتصال عقلي بين طرفين متنازعين يستخدم كلا منهما ما لديه من مهارات وأساليب الاتصال اللفظي لتبادل الحوار الإقناع، ليصل كلا من الطرفين إلى تحقيق مكاسب ومصالح مشتركة”[1].
ثانياً: مفهوم المفوضين الدبلوماسيين:
المفوضين الدبلوماسيين هم من أشخاص السلك الدبلوماسي، يتم ترشحهم من قبل دولهم لحل النزاعات أو الخلافات التي قد تنشا بين دولهم والدول الأخرى، ويعتمدون على أدوات دبلوماسية معينة تجعلهم قادرين على تسوية المنازعات منها القوة التفاوضية وهذه القوة تعتمد على مدى السلطة أو الحيز السياسي الممنوح لهم من قبل دولهم.
كما يعتمدون أيضاً على المعلومات والدراسة الموضوعية والتحليلية لجميع الأطراف المشتركة في العملية التفاوضية، ويخضع المفوض الدبلوماسي وفقاً لذلك لنظامين الأول؛ وهو النظام الذي حدد شروط اختياره ومنحه صفة المفوض الدبلوماسي وهو نظام القانون الداخلي لدولته والثاني؛ وهو النظام الذي يحدد له مهامه وواجباته كمفوض دبلوماسي وهو القانون الدولي.
ثالثاً: مبادئ التفاوض الدبلوماسي:
- مبدأ القوة الذاتية: وهي قدرة المفاوض الدبلوماسي على دراسة القضية محل النزاع ومحاولة فهمها من جميع الزاوية حتى يستطيع الخروج من هذه الدراسة بأبعاد وأفكار تساهم في الوصول إلى تفاوضيات مقبولة، وقدرته على فهم الأطراف الأخرى وأفكارهم حتى يستطيع التواصل معهم وإقناعهم والوصول إلى أفضل الحلول التي تحقق مصالح دولته.
- مبدأ المنفعة: المنفعة وهي الغاية التي تسعى كل دولة عند دخولها في تفاوض أو عقدها لاتفاقيات إلى الوصول إليها وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح، وتقليل الخسائر قدر المستطاع.
- مبدأ احترام الالتزام: عند دخول الأطراف المتنازعة في عملية تفاوض دبلوماسي فإن هذا التفاوض ينتج عنه عدد من القرارات لحل هذا النزاع سلمياً، فإذا وافقت الدول محل النزاع على هذه القرارات وجب عليها احترام هذه القرارات والالتزام بها.
- مبدأ أخلاقيات التفاوض: العلاقات التفاوضية يجب أن تقوم على مبادئ أخلاقية بمعنى أن كل طرف يجب أن يحترم الطرف الثاني وأفكاره، ويجب أن يختار المفوض كلماته فلا يعتمد على الكلام القاسي والردود العدائية والتفكير الجيد في الكلام ولغة الحوار حتى لا تنقلب ساحة الحوار إلى ساحة حرب وتزداد حدة النقاش مما يؤدي إلى انسحاب الطرف من المفاوضات وفشلها[2].
رابعاً: وسائل التفاوض الدبلوماسي بين الدول:
إن التفاوض الدبلوماسي من الطرق السلمية التي تعتمد عليها الدول في حل الخلافات أو المنازعات الدولية، وذلك من أجل تجنب استخدام القوة وانتشار الحروب بين الدول وزعزعة السلام الدولي، وذلك وفقاً لما ورد في الفقرتين الأولى والثانية من المادة (33) من الفصل السادس، من ميثاق الأمم المتحدة، والخاص بحل المنازعات حلاً سلمياً؛ حيث نصت على أنه:
- يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريقة المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها لاختيارها.
- يدعو مجلس الأمن أطراف النزاع إلى أن يسووا ما بينهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ضرورة ذلك.
وأيضا لما ورد في المادة (5) من ميثاق جامعة الدول العربية، والخاصة بحل المنازعات حلا سلميا؛ حيث نصت على أنه:
لا يجوز الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة؛ فإذا نشب بينهم خلاف لا يتعلق باستقلال الدولة، أو سيادتها، أو سلامة أراضيها، ولجأ المتنازعون إلى المجلس لفض هذا الخلاف كان قراره عندئذ نافذاً وملزماً.. وفي هذه الحالة لا يكون للدول التي وقع بينها الخلاف الاشتراك في مداولات المجلس وقراراته.. ويتوسط المجلس في الخلاف الذي يخشى منه وقوع حرب بين دولة من دول الجامعة، وبين أية دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها للتوفيق بينهما.. وتصدر قرارات التحكيم والقرارات الخاصة بالتوسط بأغلبية الآراء[3].
ووفقاً لهذه المواد فإن الدولة لحل النزاعات التي قد تنشأ بينها يمكن لها اللجوء إلى أي طريقة من طرق التفاوض مثل (الوساطة – التوفيق – التحكيم)، ويعد لجوء الدول إلى طرق التفاوض أمراً اختيارياً يرجع إلى اتفاق أطراف النزاع ما لم يوجد اتفاق سابق بين هذه الدول المتنازعة. وهذه الطرق هي:
1. المفاوضات الدبلوماسية التقليدية أو الاعتيادية:
ويمكن اعتبارها أول الحلول أو الطرق التي يمكن أن يلجأ إليها أطراف النزاع الدولي، ولذلك يطلق عليها المفاوضات الاعتيادية، وتتم هذه المفاوضات عن طريق إرسال المبعوثين الدبلوماسيين المختارين من قبل دولهم لمناقشة الأوضاع ومحاولة الوصول إلى حلول مرضية للجانبين، وتتسم هذه الطريقة بالبساطة والسهولة والسرعة في حل الخلافات لأنها تقوم على اللقاء المباشر بين أطراف النزاع.
2. الوساطة:
وهي من أكثر الطرق المتداولة في تسوية المنازعات الدولية، وتتم هذه الوسيلة عن طريق ظهور طرف ثالث في النزاع، يتدخل هذا الطرف من أجل فض وإنهاء النزاع وذلك عن طريق تقديم اقتراحات وحلول مناسبة لكلاً من الطرفين لحل الخلاف القائم بينهم، فيقوم الوسيط بدور الجسر الذي يربط بين الأطراف، ويكون الأخذ بطريقة الوسيط اختيارية فدول النزاع يمكن أن تأخذ بهذه الطريقة ولها أن ترفضها إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق بين هذه الدول على اتباع الوساطة كطريقه لحل أي نزاع يمكن أن يحدث بينهم، كما أن الحلول والقرارات التي يتخذها الوسيط غير ملزمه لأطراف فيمكن لهم قبولها أو رفضها. وللوساطة أنواع منها:
- الوساطة المباشرة: وهي التي يكون فيها الطرف الوسيط طرفاً واحداً فقط مشترك، ويتواصل فيه الوسيط مع أطراف النزاع بطريقه مباشرة لحل النزاع بطريقه سلمية.
ب ـ الوساطة غير المباشرة: والتي يتدخل فيها ليس وسيط واحد، بل أكثر من وسيط، وذلك عن طريق أن الطرف الأول في النزاع يقوم باختيار وسيط والطرف الثاني يقوم باختيار وسيط أيضاً ثم يقوم وسيط الطرف الأول بالتفاوض مع الطرف الثاني ويقوم وسيط الطرف الثاني بالتواصل مع الطرف الأول حتى يتم في النهاية الوصول إلى أرضية مشتركة وحلول ترضي الجانبين، وهذه الطريقة تلجأ إليها الدول في أغلب الأوقات عندما تكون العلاقة بين هذه الدول قد وصلت إلى حد نشوب الحرب.
- الوساطة الإجبارية: في هذا النوع من الوساطة تقوم دولة بفرض نفسها كوسيط في نزاع دولي قائم، ويمكنها أيضاً أن تتخذ قرارات يمكن لها أن تصب في مصلحة دولة دون الأخرى في النزاع، وقد ظهر هذا النوع من الوساطة في النزاعات الدولية لأول مرة في عام 1990م، عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض وساطتها الإجبارية على الدول العربية وكانت قراراتها تصب في مصلحة العدو الصهيوني.
- الوساطة الاتفاقية أو التعاقدية: في هذا النوع من الوساطة يكون هناك اتفاق أو معاهدة بين دولتين أو أكثر على أن تكون وسيلة التفاوض إذا نشب بين هؤلاء الدول نزاع أو خلاف هي الوساطة، وبذلك فإن دول هذا الاتفاق يكونوا ملزمين بالرجوع إلى الوساطة إذا نشب بينهم نزاع على حسب الاتفاقية التي تمت بينهم.
3. المبعوث الدبلوماسي الخاص:
يأتي دور المبعوث الدبلوماسي الخاص بعد إتمام إجراء التمثيل الدبلوماسي ويكون مهمته متابعة التغيرات التي قد تحدث في العملية الدبلوماسية أو التفاوضية، وتتولى تنظيم مهمته المنظمات الدولية مثل “الأمانة العامة للأمم المتحدة”، ومن أمثلة المبعوث الخاص “دنيس روس” منسق مفاوضات الشرق الأوسط و “غسان سلامة” مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا.
4. المساعي الحميدة:
وهو تدخل من جانب طرف ثالث في النزاع من أجل تقديم المساعدة، ويتميز هذا الطرف بامتلاكه لوسائل ضاغطة أو مؤثرة على أطراف النزاع ويكون هدفها هو تقريب وجهات النظر وحل النزاع بطريقه حيادية نزيهة، هذا الطرف يمكن أن يكون منظمة أو دولة أو شخصية معروفه ذات سيادة كرئيس أو وزير، وذلك للتوصل لحل وقرارات سلمية يمكنها أن تساهم في فض النزاع والحفاظ على السلم والأمن الدولي، ومن أمثلة هذه المساعي الحميدة الدور الذي لعبه الرئيس السابق محمد حسني مبارك في النزاع الذي نشب بسبب الحدود بين الدولتين بين كلا من دولة قطر والمملكة العربية السعودية في عام 1992م، وتم فض هذا النزاع بفضل المساعي الحميدة التي قدمها الرئيس السابق وتشكلت لجنة دولية حسب الاتفاقية قامت هذه اللجنة برسم الحدود بين الدولتين لإنهاء النزاع.
5. دبلوماسية المؤتمرات والاجتماعات الدولية:
المؤتمرات الدولية من الوسائل السلمية الفعالة لحل النزاعات الدولية، يتم عقد هذه المؤتمرات بدعوة الممثلين الدبلوماسيين لكل دولة معنية، وتعتبر هذه الطريقة أكثر مرونة من الدبلوماسية المباشرة، تخضع هذه الاجتماعات لتنظيم المنظمات الدولية؛ فالنظام الذي تتبعه هذه الدبلوماسية يشجع الدول للأخذ به؛ وذلك يرجع لعدة أسباب منها أن جلسات هذه المؤتمرات والمناقشات تكون سرية وذلك حتى لا يؤثر على هذه المناقشات أي عامل من العوامل الخارجية التي من الممكن أن تعرقل سير التفاوضات، أيضاً هذه الدبلوماسية تتبع مبدأ المساواة بين الأطراف فكل دوله لها حق التصويت ولها صوت واحد كما أنها تتبع مبدأ الأخذ بالإجماع عند التصويت.
6. التوفيق:
التوفيق من طرق المفاوضات السلمية الحديثة وتتم عن طريق لجان تسمى “لجان التوفيق”، ولكن هذه اللجان تختص فقط بالخلافات غير القانونية، وتُشكل هذه اللجان من خمسة أعضاء وتنشأ بموجب اتفاقية دولية سابقة على نشوب الخلاف أو من الممكن اللجوء إليها بعد نشوب اٍٍلخلاف، ولها فترة زمنية معينة تنتهي مهمتها بانتهاء الهدف الذي تشكلت من أجله، ومهمة فريق التوفيق جمع المعلومات والمصادر عن القضية محل النزاع والتحقيق فيها وفحصها جيداً، ثم بعد هذه الدراسة تطرح حلاً وتمنح الدول الأطراف في النزاع وقتاً مقبولاً لقبول هذا الحل أو رفضه.
وفرق الدكتور الرابي بين كلاً من وسيلة التحقيق ووسيلة التوفيق وذلك في قوله: “أن هناك بعض التشابه بين أعمال لجان التحقيق وأعمال لجان التوفيق، هذا التشابه يكمن في أن لجان التوفيق مهمتها القيام بالتوفيق بين أطراف النزاع، وذلك عن طريق تقديم بعض من المقترحات للمساعدة في حل النزاع القائم وذلك دون أن يكون لهذه المقترحات طابع الإلزام، في حين أن مهمة لجان التحقيق فقط القيام بسرد الحقائق المطلوب منها التحقيق في موضوعها”[4].
7. التحكيم:
التحكيم هو تسوية المنازعات والخلافات الدولية بطريقة سلمية وذلك باللجوء إلى قضاة يتم اختيارهم عن طريق الدول الأطراف في النزاع، فهذه الدول تمتلك الخيار في اللجوء إلى طريق التحكيم أو لا وذلك ما لم يوجد اتفاق بين هؤلاء الدول عكس ذلك بأن يكون هناك اتفاق سابق للجوء للتحكيم عند حدوث نزاعات بينهم.
ويعتبر من التعريفات الهامة للتحكيم الدولي، هو التعريف الذي جاءت به المادة (37) من اتفاقية لاهاي الدولية لسنة 1907م، والمتعلقة بالتسوية السلمية للمنازعات والخلافات الدولة، حيث عرفت هذه المادة التحكيم بأنه وسيلة لتسوية المنازعات الدولية بطريقة سلمية وذلك بواسطة قضاة من اختيارها وتبعا لأسس احترام القانون، وأن وسيلة الرجوع إلى طريقة التحكيم تلزم تعهداً من قبل الأطراف بالخضوع للحكم المقرر بحسن نية، ومن خلال هذا التعريف يتضح أن هناك تشابه كبير بين كلاً من التحكيم والتسوية القضائية، حيث أن كلا منهما أسلوبان لتسوية الخلافات الدولية، وأن الفرق بين كلاً من التحكيم والقضاء الدولي هو فرق شكلي، وهذا الفرق الشكلي يتمثل في أن التحكيم يقوم على أساس اتفاقي يتشكل في معاهدة ثنائية بين أطراف النزاع، وذلك من أجل تسوية نزاع محدد دون سواه، أما بالنسبة للجهاز القضائي الدولي فيكون الاتفاق معين سلفا[5].
8. التسوية القضائية:
إلى جانب الطرق الدبلوماسية لفض المنازعات الدولية بالطرق السلمية يوجد أيضاً الطرق القانونية، وذلك باللجوء إلى القضاء الدولي، والذي يتمثل في محكمة العدل الدولية؛ وهي عبارة عن جهاز قضائي تابع للأمم المتحدة، تم تشكيل هذه المحكمة سنة 1922م وعدد أعضائها خمسة عشر عضو يتم انتخابهم عن طريق ترشيح من محكمة التحكيم لمدة تسع سنوات، ومن هذه القضايا التي تناقشها المحكمة:
- تفسير أحد المعاهدات الدولية.
- التحقيق في الوقائع التي يكون فيها اختراق لأحد الالتزامات الدولية.
- التعويضات التي تترتب على خرق هذه الالتزامات الدولية.
- تفسير المواضيع التي يكون فيها اختلاف على بعض القوانين.
- تقديم الآراء الاستشارية والقانونية لقضايا مجلس الأمن أو الجمعية العامة.
ويكون خيار اللجوء إلى المحكمة الدولية اختيارياً وليس إجبارياً إلا إذا كان هناك اتفاق على عكس هذا.
خامساً: التفاوض الدبلوماسي بين الدول كاستراتيجية لحل النزاعات الدولية سلمياً:
1. التفاوض الدبلوماسي كوسيلة سلمية:
التفاوض كما ذكرنا هو وسيلة سلمية تلجأ إليها الدول عند نشوب نزاعات دولية من أجل تسوية وحل هذه النزاعات سلمياً، وهي طريقة اختيارية يمكن للدول أن تقبل اللجوء إليها أو لا تقبل ما لم يوجد اتفاق بينهم على اللجوء إليها عند وقوع خلاف، وفي العادة تقوم المفاوضات بين الدول بأرسال البعثات الدبلوماسية لكل دولة من دول النزاع.
ولقد تم الإشارة في المادة الثالثة والثلاثون من ميثاق الأمم المتحدة إلى أن المفاوضات الدبلوماسية من الوسائل الأولية لفض الخلافات والنزاعات الدولية، وأيضاً قرار محكمة العدل الدولية بأن المفاوضات هي الوسيلة الأكثر ملائمة لحل النزاعات الدولية، والتي يكون ضمن أهدافها الأولية تحقيق أهداف ومصالح الأطراف المعنية. هذا ولقد أوجبت أيضاً المادة الثالثة والثلاثون من ميثاق الأمم المتحدة على أنه يجب على الدول المتنازعة اللجوء إلى وسيلة المفاوضات عند قيام خلافات بينها، والمادة العاشرة من إعلان “مانيلا” التي جاءت بشأن تسوية الخلافات الدولية باستخدام الطرق السلمية نصت على “أنه ينبغي على الدول دون المساس بحق حرية الاختيار بين الوسائل، بأن تعلم أن المفاوضات المباشرة، هي وسيلة تتسم بالمرونة والسرعة وأنها فعالة وقادرة على تسوية منازعاتها الدولية بالطريقة السلمية، فإذا كان اختيارها للمفاوضات المباشرة فينبغي عليها في هذا الوضع أن تتفاوض على نحو بناء، ويكون هدفها في ذلك التوصل إلى تسوية مبكرة وسريعة ومرضيه للأطراف[6].
وهكذا فإن التفاوض يعتبر وسيلة مهمة في حل النزاعات الدولية بطريقه سلمية والوصول إلى وجهات نظر متقاربة والاتفاق، ويتم هذا الاتفاق بينهم إما بطريقه مباشرة عن طريق التفاوض المباشر بين الدول أطراف النزاع والتوصل إلى حل مرضي لجميع الأطراف أو استخدام الطريقة غير المباشرة واللجوء إلى طرف ثالث وسيط لحل النزاع.
وبعد هذه المناقشات والتفاوضات بين الدول الأطراف في النزاع يتم التواصل إما إلى نتائج أو حلول مشتركة ايجابية ومرضية للطرفين وفي هذه الحالة يتم التواصل بين الأطراف وإصدار إعلان مشترك بهذه القرارات، أو يتم تبادل الوثائق أو الاتفاقيات بين الطرفين والتوقيع عليها وتكون هذه الاتفاقيات الموقع عليها من جانبهم ملزمه لأطرافها، مثال على ذلك الأزمة الكويتية سنة 1962م والتي انتهت بالمفاوضات السلمية.
وإما تنتهي المفاوضات بقرارات سلبية غير مرضية للجانبين وبهذا تكون المفاوضات قد فشلت في مهمتها، ويكون على الأطراف اللجوء إلى الطرق القانونية الأخرى لفض المنازعات، مثال على ذلك الأزمة العراقية سنة 2003م التي فشلت المفاوضات السلمية في حلها وانتهت بحرب مدمرة للعراق.
2. نماذج لدور المفاوضات في حل الازمات الدولية:
1. أزمة إقليم دارفور:
يقع إقليم “دارفور” غرب السودان؛ وفي عام 2003م نشب خلاف مسلح بين بعض القبائل العربية وجماعات “الفور”، كانت هذه الجماعات تشكل كيانات سرية سياسية من أجل السيطرة على جميع أراضي “دارفور” وإخراج جميع القبائل العربية من إقليمها، وظلت هذه النزاعات العرقية المسلحة العنيفة بين الفور والعرب مما أدى إلى قيام الأمم المتحدة بالتدخل وإصدار عدة قرارات من بينهم:
– القرار رقم (1556) لسنة 2004م حيث أصدر مجلس الأمن عقوبات على السودان إذا لم تقوم ميليشيا الجانجويد في دارفور بنزع سلاحها خلال ثلاثون يوماً.
– والقرار رقم (1593) لسنة 2006م الصادر من مجلس الأمن والذي يتعلق بإحالة الملف المتعلق بقضية إقليم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية الواقعة في لاهاي، ومؤكدة أن الأوضاع في السودان تهدد السلام والأمن الدوليين.
– أيضا القرار رقم (1769) لسنة 2007م الصادر من مجلس الأمن بنشر قوات تسمى “قوات الهجين” في دارفور، ولكن هذا القرار قوبل بالرفض في البداية من قبل الحكومة السودانية ثم تم نشر هذه القوات وذلك في بداية عام 2008م واستطاعت هذه القوات القيام بالتخفيف من حدة الصراع القائم وحماية المدنيين.
كما تم عقد عدة اتفاقيات لحل هذه النزاعات القائمة في إقليم دارفور بطريقه سلمية كان منها:
– اتفاق سلام دارفور لسنة 2006م في مدينة “أبوجا” تحت رعاية كلاً من (الاتحاد الأفريقي – والولايات المتحدة الأمريكية – والاتحاد الأوروبي)، قام هذا الاتفاق بين حكومة السودان وثلاث من الجماعات المتمردة في دارفور وتم التفاوض بينهم على إنهاء النزاع والأزمة القائمة، ولكن الجماعات المتمردة رفضت مما أدى إلى فشل هذا الاتفاق.
– واستمرت الاتفاقيات واللقاءات لحل النزاع حتى بداية فبراير سنة 2010م تم توقيع اتفاق لحل النزاع ووقف إطلاق النار والالتزام بإطلاق سراح أسرى الحرب والتعهد بالتفاوض من أجل تحقيق السلام النهائي.
– وفي أبريل سنة 2011م تم تقديم مشروع للسلام بين الحكومة السودانية وحركة العدل وظلت المفاوضات بينهم حتى توقفت في مايو 2011م بسبب قيام خلاف بينهم على المفاوضات.
– واستمرت التفاوضات حتى أصدرت الحكومة السودانية في 27 ديسمبر 2011م مرسومين، بموجب هذين المرسومين تم حل السلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور وتشكيل سلطة دارفور الإقليمية، ثم بعد ذلك في يناير 2012م تم إصدار ثلاثة مراسيم من قبل الحكومة؛ بموجب هذه المراسيم تم إنشاء ولاية إضافية في وسط دارفور وعاصمتها “زالنجي” وولاية إضافية أخرى شرق دارفور وعاصمتها الضعین.
وبهذا نرى أن هذه الأزمة التي ظلت لسنوات في إقليم دارفور قد انتهت بالمفاوضات السلمية وحل النزاع بإنشاء سلطة إقليمية لدارفور والأخذ بالقرارات التي انتهت إليها التفاوضات بين كلاً من جماعة فور والحكومة السودانية.
في القرن العشرين قامت دولة “إيران” بإطلاق برنامجها النووي بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية غيرت موقفها معها بعد احتجاز إيران لبعض الرهائن الأمريكية أثناء الثورة الإيرانية 1979م، فقامت الولايات المتحدة بفرض بعض القيود على البرنامج النووي الإيراني، حتى وصلت هذه القيود إلى حظر البرنامج النووي الإيراني سنة 1995م بالكامل، كما أصدر مجلس الأمن سنة 2006م قرار بمنع إمداد مواد وتكنولوجيا يمكن لإيران استخدامهم في الأنشطة النووية، كما فرضت القيود على البنوك الممولة لهذه الأنشطة في إيران وحظرت سفر بعض الشخصيات الإيرانية، وفي التقرير الأول للوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت الوكالة الدولية أن إيران لم تعلن مشروعاتها النووية وأنشطة تخصيب اليورانيوم الخاصة بها، فقامت الوكالة الدولية بالطلب من إيران أن تقوم بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم الخاص بها وكانت حجتها في ذلك أن إيران خالفت قواعد وضمانات السلامة النووية، وفي عام 2003م قامت الوكالة بتحقيق بشان مخالفة ايران لضمانات اتفاق حظر الانتشار النووي، وبعد قيام الوكالة بتقرير إيران بمخالفة ضمانات السلامة طلبت الوكالة الدولية من إيران بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم الخاص بها وفرضت عليها عقوبات وذلك في عام 2009م.
ولمواجهة ذلك قامت إيران باستخدام سلاح التهديد، وكشفت ما لديها من أوراق المواجهة وذلك عن طريق إجراء التدريبات والمناورات العسكرية التي قامت بها في منطقة الخليج العربي، وقيامها بالكشف عن التطورات الحديثة لكلاً من صواريخها وألغامها البحرية وأيضاً قيامها بالضغط والتهديد بوقف عملية تصدير البترول من منطقة الخليج كلياً وذلك من خلال قيامها بإغلاق ممر مضيق هرمز، إلى جانب ذلك أيضاً انتشار العمليات العسكرية في جنوب العراق، واستمرت في اللعب بسلاح التهديد حتي بدأت الدول الأوروبية بالتراجع وعرض مقترحات جديدة على إيران، فقامت إيران بالتخفيف من حدة صراعها، وقبلت بالدخول في مفاوضات ولكن ظلت متمسكة بحقها الذي اكتسبته منذ إعلانها بدء ونجاح تخصيب اليورانيوم في يناير 2006م، هذا إلى جانب قيامها ببدء سلسلة جديدة من التجارب النووية في عام 2009م، الأمر الذي جعل الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي إلى الدعوة بحل النزاع ودياً مع إيران بالطرق السلمية، وذلك الذي ظهر بتعبير طهران بأنها ترغب في العودة مرة أخرى لطاولة المفاوضات السلمية[7].
وهكذا نرى هنا أن المفاوضات كانت لها دوراً هاماً في أبعاد النزاع بين إيران والوكالة النووية بالطرق السلمية والاستقرار على القرارات التي أدلت بها القيادات الأمريكية وهي إعطاء إيران فرصة ثانية لتوضيح حسن النوايا وأنها جادة فيما يخص برنامجها النووي.
إعداد/ يسرا محمد كشك.
[1] ريم خليل عبد الرحمن نتيل، الدبلوماسية وفن التفاوض وآثرهما على اتخاذ القرار السياسي، جامعة الأزهر-غزة، 2014م، ص50.
[2] ريم خليل عبد الرحمن نتيل، الدبلوماسية وفن التفاوض، مرجع سابق، ص53.
[3] د. خالد عبد القادر منصور التومي، الدبلوماسية والتفاوض الدولي، مجلة الطريق للتربية والعلوم الاجتماعية، مجلد رقم 6(5)، ص604.
[4] ريم خليل عبد الرحمن، مرجع سابق، ص42.
[5] ريم خليل عبد الرحمن، مرجع سابق، ص43.
[6] مصطفي علي محمد المجذوب، دور الدبلوماسية العربية في تسوية النزاعات الحدودية بين المغرب والجزائر، جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية بمالانج، 2014، ص41.
[7] ريم خليل عبد الرحمن، مرجع سابق، ص143.

