الخطأ الطبي
إن الطبيب وهو في صدد مباشرته لعلمه يجب أن يكون أكثر الناس حرصاً وأبعدهم عن احتمالات الخطأ ذلك أنه بخطئه قد يودي بحياة إنسان أو يسبب له عاهة تظل ملازمة له طيلة حياته، فتشخيص الطبيب الخاطئ لحالة المريض أو إرشاده إلى علاج غير صحيح قد يؤدي إلى إبعاد المريض عن تحقق فرص علاجه، بل وفي بعض الأحيان قد يؤدي إلى ملاقاة مصرع المريض.
وفي مقالنا الحالي سنبين ماهية الخطأ الطبي وبعض صور الأخطاء الطبية التي يرتكبها الأطباء وذلك على النحو التالي:
خامساً: الخطأ الواقع من الفريق الطبي:
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الخطأ الطبي:
أولاً: تعريف الخطأ الطبي:
بداية يجب أن نشير إلى أنه ليس كل عمل يصدر عن الطبيب يكون خائب الأثر في تحقيق الشفاء المرجو للمريض يُعد من قبيل الخطأ الطبي، فالأصل أن عمل الطبيب واجب “والواجب لا يتقيد بشرط السلامة”، حيث يتعين على الطبيب أن يبذل العناية المتطلبة والتي تمليها عليه أصول وقواعد مهنته، فإن بذل تلك العناية فلا يُنسب له ثمة خطأ حتى ولو لم تتحقق النتيجة المرجوة المتمثلة في شفاء المريض، بل وحتى لو توفي المريض.
أما الخطأ الطبي فيتمثل في كل فعل يصدر من الطبيب ينطوي على إخلال بالالتزامات الخاصة التي تمليها عليه مهنته الطبية دون أن يكون متعمد الإضرار بالغير، بغض النظر عن كون هذا الإخلال تمثل في الإحجام عن عمل كان من المتعين على الطبيب القيام به أو أن يكون الطبيب قد قام بعمل كان من المتعين عليه أن يحجم عن إتيانه.
ولقد عرفت (المادة 2) من قانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني الخطأ الطبي بأنه: (أي فعل أو ترك أو إهمال يرتكبه مقدم الخدمة ولا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر).
ثانياً: أركان الخطأ الطبي:
للخطأ الطبي أركان ثلاثة لا يتحقق دون توافرها وهي:
1- التعدي الخطأ:
والتعدي يمكن أن يُعرف بأنه الانحراف في السلوك عن الوضع المألوف، ويُرجع في بيان ماهية الوضع المألوف إلى سلوكيات الرجل المُعتاد، ويكون ضابط التعدي في هذه الحالة هو مُخالفة ما يمليه الشرع أو العرف الخاص بمهنة الطب.
ومن ثم يمكن بيان ماهية التعدي بأنه خروج الطبيب عن السلوك الطبي الاعتيادي والمألوف وما يقتضيه من يقظة وتبصر إما بالإهمال والتقصير وقلة الاحتراز أو بالإخلال بالواجبات الخاصة التي تفرضها مهنته دون قصد إحداث الضرر.[1]
والتعدي بهذا المعنى قد يأخذ أحد صورتين وهما:
أ- التعدي السلبي:
والذي يتمثل في امتناع الطبيب عن القيام بعمل كان من المتعين عليه القيام به، بغض النظر عن كون مصدر التزامه في القيام به هو التشريع أو العرف أو العقد المبرم بينه وبين المريض، وذلك كأن يمتنع عن إسعاف المريض أو يمتنع عن إتمام علاجه.
ب- التعدي الإيجابي:
وهو يعني أن يقوم الطبيب بعمل كان من المتعين عليه ألا يقوم به مما ترتب عليه إلحاق ضرر بالمريض، كأن يصف له علاج خاطئ نتيجة رعونة من الطبيب أو يشخص حالته تشخيص خاطئ دون فحص للمريض لمعرفة سبب ما يُعاني منه.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك حالات تخرج عن نطاق الخطأ الطبي وهي:
- ترجيح رأي علمي وهو ما يندرج تحت ما يسنى “بالاجتهاد الطبي”، وذلك عندما يختار الطبيب أحد الوسائل المطروحة لعلاج المريض طالما كانت تلك الوسيلة متعارف عليها في عُرف مهنة الطب.
- الخطأ الطبي الناتج عن تماثل أعراض بعض الأمراض مما يؤدي في بعض الأحيان إلى التشخيص الخاطئ لحالة المريض.
- الخطأ في تشخيص حالة المريض الراجع إلى تعمد المريض تضليل الطبيب.
2- حدوث ضرر:
حيث لا يكتفي بأن يُنسب إلى الطبيب خطأ حتى تُثار مسئوليته عن الخطأ الطبي، بل يجب أن يكون هناك ثمة ضرر لحق بالمريض جراء هذا التعدي، وفي هذا الصدد يجب أن نشير إلى أن عدم شفاء المريض أو فشل العملية التي أجراها الجراح لا تُعد ضرر يعول عليه في تحديد مسئولية الطبيب.
ولكن إذا كان عدم شفاء المريض أو فشل العملية الجراحية التي أجريت له أو حدوث له مضاعفات طبية نتيجة مباشرة لخطأ الطبيب ففي هذه الحالة تُثار مسئولية الطبيب عن الخطأ الطبي الذي ارتكبه.
والضرر الذي قد يُصاب به المريض يُصنف إلى نوعين وهما:
الضرر المادي: وهو الذي يُصيب المريض في سلامة جسده، كأن يترتب على الخطأ الذي وقع فيه الطبيب إصابة المريض بعاهة وذلك مثل بتر أحد الأعضاء أو عدم قدرتها على مباشرة وظائفها بصورة كلية أو جزئية.
الضرر الأدبي: أو الضرر المعنوي والذي يتمثل في إلحاق الأذى النفسي بالمريض أو التسبب في شعوره بالألم.
3- علاقة السببية:
لا يكفي مجرد أن يقع من الطبيب خطأ وأن يحدث للمريض ضرر حتى نقول إن هناك مسئولية مترتبة على الخطأ الطبي الذي وقع فيه الطبيب، وإنما يتعين أن يكون هناك علاقة سببية مباشرة تربط بين الخطأ الذي ارتكبه الطبيب والضرر الذي وقع على المريض.
ثالثاً: معيار الخطأ الطبي:
من المسلم به أن التزام الطبيب – كقاعدة عامة – هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، ومن ثم ليس من الصحيح أن يُقال إن الطبيب يُعد مرتكباً خطأ إذا فشل في بلوغ النتيجة المرجوة نظراً لأن ذلك يتعارض مع طبيعة التزامه والمتمثل في بذل العناية وليس تحقيق النتيجة.
فالعقد الذي يتم بين الطبيب والمريض يوجب على الأول إن لم يكن بطبيعة الحال التزام بشفاء المريض فعلى الأقل بأن يبذل عناية لا من أي نوع، بل جهوداً صادقة يقظة متفقة مع الظروف التي يوجد بها المريض ومع الأصول العلمية الثابتة،[2] ولكن تجب ملاحظة أن التزام الطبيب ببذل عناية لا يتضاهى مع الالتزامات الأخرى التي تقوم على بذل العناية، فالطبيب يتعين عليه أن يبذل قصارى جهده وأن يتخذ كافة تدابير الحيطة والحذر ذلك أن أقل خطأ منه إن لم يودِ بحياة المريض فقد يعرضه لأن يُعاني من ألم أو مرض أو عاهة طيلة حياته.
وهذا ما تؤكده محكمة صلح جزاء شرق عمان في حكمها رقم 10764 لسنة 2018 والتي قضت فيه بأن: (التزام الطبيب من حيث الأصل هو التزام ببذل عناية سواء أوجد عقد بين الطبيب والمريض أم لا وهناك حالات استثنائية يلتزم فيها الطبيب بتحقيق نتيجة، وفيما يتعلق ببذل العناية فهي بذل الطبيب الجهود الصادقة التي تتفق والأصول الطبية وتهدف إلى تحسين حالة المريض الصحية وأي إخلال بهذا الأمر يعد خطأ طبي يرتب مسؤولية الطبيب، والمستقر عليه فقهاً وقضاءً أن المسؤولية الطبية بين الطبيب والمريض تقوم على بذل العناية اللازمة وعدم التقصير والإهمال وليس الشفاء أي بذل عناية وليس تحقيق غاية وإن من أركان هذه المسؤولية لغايات مساءلة الطبيب عن الخطأ الطبي تقوم على: 1. خطــأ طبــي .2. ضــرر.3. علاقة السببيــة، وحيث إن معيار الخطأ الطبي الذي يسأل عنه الطبيب في حال تحقيقه هو سلوك الطبيب الوسط من المستوى نفسه في الظروف الخارجية نفسها المحيطة بالطبيب المعالج).
ولكن يتعين عندما يتم النظر في مدى تحقق خطأ طبي من الطبيب المعالج من عدمه أن يُراعى ما قد كان من المتعين أن يفعله طبيب عادي في ذات الزمان والمكان وبذات الإمكانيات التي أتيحت للطبيب المعالج أثناء شروعه في علاج المريض.
حيث يجب أن يقدر خطأ الطبيب وفقاً لكفاءته والوسائل التي أتيحت تحت تصرفه أثناء تنفيذه لعمله الطبي، حيث لا شك أن طبيب الريف بإمكانياته البسيطة والمحدودة لا يُطلب منه ما يطلب من طبيب متخصص في مستشفى خاضعة لأعلى درجات التجهيز الطبي، فلا يخفى عن البيان أن التقنيات الطبية الحديثة بأجهزتها وآليتها تؤدي إلى تقليل نسبة الخطأ إلى أقصى درجاته، بحيث يزداد معدل حدوث الأخطاء كلما كان هناك افتقار إلى إمكانية استعمال تلك الأجهزة أو التقنيات الحديثة.[3]
وهذا ما تؤكد عليه (المادة 4) من قانون المسؤولية الطبية والصحية حين نصت على أن: ( تحدد المسؤولية الطبية والصحية بناء على مدى التزام مقدم الخدمة ومكان تقديمها بالقواعد المهنية ذات العلاقة ويدخل في تحديدها مكان تقديم الخدمة والمعايير الخاصة بها والعوامل والظروف التي تسبق أو تتزامن أو تتبع عمل مقدم الخدمة والإجراءات الطبية أو الصحية المقدمة لمتلقي الخدمة).
رابعاً: حالات الخطأ الطبي:
1- حالات الخطأ الطبي المتعلق بالواجبات الإنسانية:
الطبيب يجب أن يكون متحلي بأعلى درجات الإنسانية، فصميم عمليه هو تخفيف آلام الأشخاص الذين يكونوا في حالة تسليم كامل للطبيب واضعين آمالهم في مهارته وخبرته، ومن ثم فإن فكان لزاماً أن يتمخض عن ذلك بعض الالتزامات التي تثقل كاهل الطبيب والتي إن أخل بها أثيرت مسئوليته لوقوعه في خطأ طبي ما كان ليقع فيه:
أ- رفض الطبيب دعوة المريض:
هل يُعد الطبيب في حالة إيجاب عام دائم، أي بمعنى آخر هل يحق للطبيب أن يرفض دعوة علاج من أحد المرضى أم يتعين عليه أن يلبي النداء دوماً في كل حالة يجد فيها مريض يلجأ إليه ليكون له عوناً – بعد إرادة الله – في تخفيف ما يشعر به من آلام؟
والواقع أن الطبيب بحكم مهنته يُلقى عليه التزام بعدم ترك مريض في حالة خطر وعلى وجه الخصوص إذا كان هذا المريض يُعاني من آلام أو أمراض تكاد أن تودي بحياته، وهذا ما قررته محكمة التمييز الفرنسية في أحكامها بأن قررت أن هناك التزام على الطبيب بإجابة دعوة المريض في كل حالة يكون فيها الأخير في حالة خطر توجب التدخل الطبي العاجل.
ولكن هذا لا يعني أن يُعامل الطبيب كالألة التي يتعين عليها أن تدخل في طور التشغيل كلما طُلب منها ذلك، فيتعين مراعاة الظروف التي يمر بها الطبيب والأحوال التي منعته عن تلبية دعوة المريض، حيث لا يُلام الطبيب إذا امتنع عن دعوة المريض لوجود استحالة للانتقال إلى حيث يمكث حتى ولو أخبر أن المريض في حالة خطر توشك على إنهاء حياته.
ولكن يجب أن تكون الظروف التي منعت الطبيب من تلبية نداء الواجب وإسعاف المريض ظروف قهرية، أما إذا كانت ظروف اجتماعية عادية فإن ذلك من شأنه أن يثير مسئوليته لوقوعه في خطأ طبي، وهذا ما قررته محكمة التمييز الفرنسية عندما قضت بإثارة مسئولية طبيب نصح أهل طفل مريض بإرساله إلى مستشفى نظراً لكونه مشغولاً في يوم إجازته بالتزحلق على الجليد.
ب- إغفال إعلام المريض بتفاصيل حالته:
يقع على الطبيب التزام – مثله مثل أي مهني – أن يُعلم المريض بكافة تفاصيل حالته الصحية حتى يكون على بينة من أمره ليتسنى له تحديد ما يتوجب على الطبيب فعله، فالطبيب يجب أن يحيط المريض علماً بالوضع الطبي لحالته الصيحة ليكون المريض على مقدرة في أن يوازن بين الفوائد المضار التي ستعود عليه من القرار الذي هو مُقدم على اتخاذه.
وواجب الإعلام يتمخض عنه عدة واجبات ثانوية يأتي على رأسها أن يكون الإعلام في صورة كلام بسيط يستطيع المريض أن يفهم به ما يعيه الطبيب المعالج، فلا يجوز للطبيب أن يستخدم في سبيل إعلام المريض بحالته مصطلحات طبية لا يفهما سوى ذوي التخصص الطبي لأن ذلك معناه أن المريض لن يكون على بينة من أمره.
ويتعين كذلك أن ينتقى الطبيب الأسلوب الذي يخبر به المريض بحيث يكون أسلوب يراعي فيه مدى وطأة الكلام على نفس المريض، ولكن يُلاحظ أن هذا الالتزام يُعد التزام إنساني أكثر منه التزام قانوني.
ويمكن للطبيب أن يخفي حالة المريض عنه إذا كان لذلك مقتضى على أن يبلغ حالته إلى ذويه، وهذا ما تقرره (المادة 19) من الدستور الطبي وواجبات الطبيب وآداب المهنة الأردني بنصها على أن: (يمكن إخفاء خطورة المرض عن المريض ولا يجوز البوح له بالترجيح المميت إلا بكل حيطة وحذر، ولكن يجب أن يحاط الأهل علماً في حالة إخفاء الأمر على المريض).
ج- إفشاء أسرار المريض:
يُعد السر الطبي أحد الأسرار التي تنطوي على قدسية، حيث يلتزم الطبيب بعدم إفشاء سر المريض الذي يكون قد وثق به وأفشى له سره ليتمكن الطبيب من علاجه، فمهنة الطب تُعد أحد أهم المهن التي يلتزم ممتهنيها بالمحافظة على أسرار مرضاهم التي وقعت تحت أيديهم نتيجة لمرور المريض بأقصى درجات الوهن سواء كان النفسي أو العضوي.
ولقد عرفت (المادة 22) من الدستور الطبي وواجبات الطبيب وآداب المهنة الأردني السر الطبي بأنه: (يدخل في نطاق السر الطبي كل ما يطلع عليه الطبيب من أحوال مريضه الصحية والاجتماعية وما قد يراه ويسمعه أو يفهمه من مريضه أثناء اتصاله المهني به من أموره وأمور غيره).
والالتزام بالسر الطبي متلازماً مع عقد العلاج المبرم بين المريض والطبيب، وفي هذا الصدد يجب أن ننوه إلى أن العقد هنا لا يقتصر على المعنى المجرد للعقد المتمثل في حصول إيجاب وقبول من طرفي العقد، إذ أن العقد الطبي له مفهومه الخاص، حيث يذهب العديد من الفقه إلى اعتبار أن هناك عقد بين الطبيب والمريض حتى ولو كان هذا المريض فاقداً للوعي ولم يكن بصحبته أحد من ذويه، ذلك أن الطبيب يُعد في إيجاب عام دائم، والمريض وهو في تلك الحالة المزرية يكون في حالة قبول بخضوعه للعلاج.
فهذا العقد – بهذا المعنى – يُعد من بنوده الرئيسية التي لا تحتاج إلى النص عليها أن هناك التزام يقع على الطبيب بأن يلتزم بعد إفشاء بأسرار المريض الذي يشرع في علاجه.
ولكن هل توجد حالات يجوز فيها للطبيب أن يُفشي أسرار المريض؟
هناك بعض الحالات التي يكون فيها للطبيب الحق في إفشاء السر الطبي والتي تتمثل فيما يلي:
- أن يبيح المريض للطبيب الحق في إفشاء هذا السر، سواء أثناء حياته أو بعد مماته.
- إذا تقدم الطبيب إلى المحكمة بصفته خبيراً وأمرته المحكمة بذلك.
- إذا كان إفشاء هذا السر من شأنه أن يمنع خطر محدق.
ولقد أكدت على ذلك (المادة 8/هـ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية وذلك بنصها على أن: (يحظر على مقدم الخدمة ما يلي: إفشاء أسرار متلقي الخدمة التي يطلع عليها أثناء مزاولة المهنة أو بسببها سواء أكان متلقي الخدمة قد عهد إليه بهذا السر وأتمنه عليه أم كان مقدم الخدمة قد أطلع عليه بنفسه، ولا يسري هذا الحظر في أي من الحالات التالية:
- إذا كان إفشاء السر بناء على طلب متلقي الخدمة وبموافقته الخطية.
- إذا كان إفشاء السر لمصلحة الزوج أو الزوجة وتم إبلاغه شخصيا.
- إذا كان الغرض من إفشاء السر منع وقوع جريمة أو الإبلاغ عنها ويكون الإفشاء في هذه الحالة للجهة الرسمية المختصة.
- إذا كان مقدم الخدمة مكلفا بذلك قانونا.
- إذا كان إفشاء السر أمام اللجنة الفنية العليا.
2- حالات الخطأ الطبي المتعلق بالواجبات التقنية:
أ- الخطأ في التشخيص:
غني عن البيان أن التشخيص الصحيح للمرض ليس بالأمر اليسير المنال، حيث إن هناك العديد من الأمراض التي تكون مستحدثة مما يستتبع صعوبة تشخيصها، إلا أن الطبيب في كل الحالات عليه أن يتخذ كافة وسائل الحيطة والحذر عندما يشرع في تشخيص حالة المريض وذلك بأن يطلب من المريض عمل جميع الفحوصات والأشعة التي تساعد الطبيب على الوقوف على نوع المرض المصاب به المريض.
ومن ثم يمكن القول إن مجرد الخطأ في تشخيص المرض لا يثير مسئولية الطبيب ولا يوقعه في خطأ طبي مالم يكن هذا الخطأ ناجم عن إهمال من الطبيب المعالج وذلك كأن يستسهل الطبيب ويتسرع في تشخيص المرض دون أن يحصل على معلومات من المريض ودون أن يطلع على تقارير الفحوصات الطبية اللازمة.
أما قيام الطبيب بعمله وحصوله على كافة التقارير والمعلومات الخاصة بحالة المريض فإن ذلك من شأنه أن يعفيه من المسئولية حتى ولو ثبت فيما بعد وجود خطأ في التشخيص، وهذا ما تؤكده محكمة بداية حقوق أربد في حكمها رقم 469 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (هناك صور متعددة للخطأ الطبي مثل الخطأ في تشخيص المريض والخطأ في التخدير والخطأ في العمل الجراحي والعناية الطبية والخطأ في جراحة التجميل وغيرها وما يهمنا في هذه الدعوى هو الفعل الذي ارتكبه الأطباء التابعين لمستشفى ……. ، والمحكمة باستعراضها للبينات الخطية التي تقدم بها المدعي سيما الملف الطبي للطفل …… نجد أنه لم يثبت للمحكمة وجود أي تقصير أو إهمال أو خطأ في تشخيص حالة الطفل كنان على ضوء الأعراض التي كان يعاني منها عندم مراجعته للمستشفى بتاريخ 20/2/2018 وأن الأطباء قد قاموا بعملهم خير قيام، حيث استقبل الطفل في عيادة الطوارئ وأجريت له الفحوصات الطبية اللازمة من فحوصات دم وصور أشعة و فحص السائل الدماغي الشوكي وأخذ خزعة من ظهر الطفل ثم قيام الأطباء بتحويل الطفل إلى قسم العناية الحثيثة في ذات المستشفى وإعطاءه العلاجات الطبية وفق حالته وهذا ثابت من خلال الملف الطبي للطفل كنان).
ب- الخطأ في اختيار أساليب العلاج:
بداية نشير إلى أن الطبيب له حرية كاملة في اختيار طريقة العلاج التي سيتبعها لمعالجة المريض طالما كانت تلك الطريقة متوافقة مع الأصول الطبية المتعارف عليها، بل وحتى لو انطوى ذلك على ترجيح رأي طبي على سواه من الآراء طالما لم يكن هذا الرأي شاذ خارج عن نطاق المألوف.
وجديراً بالذكر أن الطبيب يُحظر عليه أن يقوم بإجراء تجارب للعلاج على المريض دون أن يكون هناك موافقة صريحة من المريض على ذلك، وأن يكون الطبيب قد أحاطه علماً بكافة الآثار الجانبية التي تتمخض عن تجربة هذا العلاج عليه وإلا أثيرت مسئولية الطبيب عن وقوعه في خطأ طبي.
وإذا اختار الطبيب علاج معيناً فيجب عليه أن ينبه المريض إلى كيفية استعماله والجرعات اللازمة ويخبره بالآثار الجانبية التي قد تترتب على تناول هذا العلاج، وهذا ما تؤكده (المادة 7/هـ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني وذلك بنصها على أن: (على مقدم الخدمة الالتزام بالقواعد والمعايير والإجراءات الخاصة بممارسة المهنة تبعا لدرجته ومجال تخصصه وتوثيق ذلك في ملف متلقي الخدمة وعلى الطبيب بشكل خاص الالتزام بما يلي: وصف العلاج وتحديد كمياته وطريقة استعماله كتابة وبوضوح مع بيان اسمه وتوقيعه وتاريخ الوصفة وتنبيه متلقي الخدمة أو ذويه بحسب الأحوال إلى ضرورة التقيد بالأسلوب الذي حدده للعلاج).
ج- إجراء التجارب الطبية:
بادئ ذي بدء نشير إلى أن ليست جميع التجارب الطبية تُعد من صور الخطأ الطبي، ذلك أنه لم يكن للطب أن يتقدم إلا بفضل التجارب التي يتم إجراؤها والتي تنتج طرق وآليات جديدة تُساعد على شفاء المرضى وتفتح آفاقاً جديدة للأطباء في اكتشاف أنواع جديدة من الأدوية التي يكون لها دوراً جوهرياً في القضاء على مرض كان مستعصي شفائه فيما مضى.
إلا أن التجارب الطبية يجب أن تكون مُقيدة بضوابط يأتي على رأسها الالتزام بأن يكون الهدف من التجربة الطبية هو هدف علاجي يتمثل في اكتشاف دواء أو آلية جديدة لعلاج المرضى الذين يعانون من ذات المرض، وكذلك يجب أن يتم الحصول على رضاء المريض وإخباره بكافة الأثار الجانبية التي قد تحدث له نتيجة مروره بتلك التجربة الطبية، ويتعين أن تكون الفائدة التي تنتج من تلك التجربة تعلو على المخاطر المتمخضة عنها.
والمشرع الأردني قيد إجراء التجارب الطبية بعدة قيود، منها حظر إجرائها على الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما فرضته (المادة 5/ج) من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بنصها على أن: (لا يجوز إجراء التجارب أو البحوث أو الدراسات الطبية والعلمية والدوائية على الأشخاص ذوي الإعاقة).
في حين نصت (المادة 8/ي) من قانون المسؤولية الطبية والصحية على أن: (يحظر على مقدم الخدمة ما يلي: إجراء أبحاث أو تجارب طبية على الإنسان إلا بعد موافقته الخطية والحصول على تصريح كتابي بذلك من الجهة التي تحددها الجهات المعنية وحسب التشريعات الناظمة).
د- العمليات الجراحية:
يتعين على الطبيب أن يبذل قصارى جهده أثناء قيامه بعملية جراحية، ويتعين أيضاً قبل أن يشرع الطبيب في إجراء تلك العملية أن يتأكد من ضرورة إجرائها وأنه لا يوجد ثمة سبيل أخر لشفاء المريض سوى القيام بتلك العملية.
وتثار مسئولية الطبيب عن خطئه الطبي إذا وقع منه إهمال أثناء إجرائه لعملية طبية، مثل استخدام أدوات غير معقمة أو ترك أجسام غريبة داخل جسم المريض أو أن يقوم بعمل يُخالف الأصول الطبية.
خامساً: الخطأ الواقع من الفريق الطبي:
كقاعدة عامة فإن الشخص لا يُسأل إلا عن خطأه الشخصي، إلا أن القانون في بعض الحالات يثير مسئولية الشخص عن فعل الغير، كما هو الحال في إثارة مسئولية المتبوع عن فعل التابع، طالما توافر للمتبوع سلطة الرقابة والإشراف على تصرفات التابع.
ومن ثم يمكن القول بأن الطبيب يكون مسئولاً عن خطأ فريقه الطبي طالما كان هذا الفريق خاضعاً لإشرافه وتوجيهاته، مع أن ذلك لا ينفي الخطأ الشخصي عن المخطئ والذي يكون للمريض المضرور الحق في أن يرجع عليه بدعوى المسئولية منفرداً.
وجديراً بالذكر أن ما سبق ذكره ينطبق على طبيب التخدير الذي يشترك في إجراء العملية الجراحية مع الطبيب الجراح، ذلك أن الأخير هو من يتولى – عادة – اختيار طبيب التخدير ومن ثم فإنه يكون مسئولاً عن الأفعال الخاطئة التي قد تصدر منه.
ويترتب على ذلك – وبمفهوم المخالفة – أن الطبيب الجراح لا يكون مسئولاً عن فعل طبيب التخدير إذا كان المريض هو من تولى التعاقد معه دون أن يكون للطبيب الجراح أي دور في اختياره.
إلا أنه في تلك الحالة يظل على الطبيب الجراح التزام بمتابعة حالة المريض، بحيث إذا أصيب المريض بضرر ناتج عن خطأ طبيب التخدير الذي تعاقد معه، ولكن نتيجة لعدم متابعة الطبيب الجراح لحالة المريض لم يتم اكتشاف خطأ طبيب التخدير فإن ذلك من شأنه أن يثير مسئولية الطبيب الجراح إلى جانب مسئولية طبيب التخدير.
سادساً: إثبات الخطأ الطبي:
المسئولية الطبية قوامها الخطأ واجب الإثبات، ومن ثم يتعين على المريض الذي يُطالب بتعويض عما أصابه من ضرر ناتج عن خطأ طبيب أن يثبت وقوع الخطأ من هذا الأخير حتى يمكن إثارة مسئوليته.
ولما كان الخطأ الطبي هو من الأمور المادية فإن ذلك يعني أنه يمكن إثباته بكافة طرق الإثبات، ويأتي في مقدمة تلك الطرق الخبرة الفنية التي يجريها أصحاب المعرفة والاختصاص.
1- صعوبات إثبات الخطأ الطبي:
هناك العديد من الصعوبات التي تكتنف عملية إثبات الخطأ الطبي والتي تتمثل في أن الخبير عادة ما يكون زميل للطبيب المخطئ مما قد يدفعه ذلك إلى الصمت وعدم إجلاء الحقيقة أمام القضاء.
يُضاف إلى ذلك أن التزام المريض بإثبات خطأ الطبيب يجد صعوبته فإن التزام المريض هنا هو إثبات واقعة سلبية تتمثل في إثبات واقعة سلبية مؤداها امتناع الطبيب عن بذل العناية المتطلبة، وهذا – بلا شك – يُعد من الأمر العسيرة في الإثبات والتي قد يتعذر على المريض التمكن من إثباتها.
2- الخطأ الاحتمالي:
للتخفيف من وطأة صعوبة إثبات الخطأ الطبي فقد لجأت بعض المحاكم إلى الاستعانة بفكرة الخطأ الاحتمالي، والتي تعني نسبة الخطأ إلى الطبيب لمجرد وقوع الضرر، وكأن المحاكم في هذا الصدد تطبق فكرة المسئولية القائمة على الخطأ المفترض.
وتطبيقاً لفكرة الخطأ الاحتمالي قضت محكمة التمييز الفرنسية بأن المستشفى تُعد مرتكبة خطأ طبياً لمجرد انتقال عدوى إلى المريض أثناء مكوث المريض بها، وفسرت ذلك بأن إصابة المريض بتلك العدوى لا يمكن تفسيرها إلا أن هناك ثمة خطأ واقع من قبل المستشفى.
ولكن يجب ملاحظة أن فكرة الخطأ الاحتمالي في المجال الطبي هي فكرة تفتقر إلى السند القانوني، ومن ثم فلا يوجد ثمة التزام على المحاكم باتباعها، وهذا ما حدا بمحكمة التمييز الفرنسية إلى نعتها بالفكرة المغلوطة في أحكام حديثة لها.
وتؤكد محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية على وجوب قيام المريض بإثبات خطأ الطبيب لإمكانية إثارة مسئوليته في حكمها رقم 3467 لسنة 2021 والتي قضت فيه بأن: (وحيث أن طبيعة الالتزام في هذه الدعوى هو التزام ببذل عناية فإنه لا يكفي للمستأنف إثبات واقعة الضرر أو عدم تحقق النتيجة المتوخاة من الإجراء الطبي وإنما يجب ابتداء إثبات الخطأ الفني من قبل الطبيب ووسيلة ذلك تكون بالخبرة الفنية الطبية).
ومن ثم نخلص من القول إلى أن إثبات الخطأ الطبي – عادة – لا يكون إلا من خلال عرض المريض على أشخاص من ذوي التخصص والخبرة لإبداء رأيهم الفني واستبيان مدى حدوث خطأ من الطبيب المعالج.
إلا أن هناك بعض الحالات التي يثبت فيها ارتكاب الطبيب لخطأ طبي دون حاجة إلى التأكيد على ذلك من خلال عرض الأمر على الخبراء الفنيين وذلك يتحقق في كل حالة يكون فيها الخطأ الطبي واضحاً جلياً، كأن يتمثل في نسيان الطبيب لأداة أو شيء من الأشياء المستعلمة في إجراء العملية الجراحية داخل جسم المريض.
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الخطأ الطبي:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1202 لسنة 2016 ما يلي:
فإن المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن المسؤولية الطبية بين الطبيب والمريض تقوم على بذل العناية اللازمة وعدم التقصير والإهمال وليس الشفاء أي بذل عناية وليس تحقيق غاية وإن من أركان هذه المسؤولية لغايات مساءلة الطبيب عن الخطأ الطبي تقوم على: 1. خطأ طبي .2. ضرر.3. علاقة السببية، وحيث إن معيار الخطأ الطبي الذي يسأل عنه الطبيب في حال تحقيقه هو سلوك الطبيب الوسط من المستوى نفسه في الظروف الخارجية نفسها المحيطة بالطبيب المعالج. وأن إثبات الخطأ الطبي يتطلب إجراء خبرة فنية من أصحاب المعرفة والاختصاص بمثل هذه الأمور).
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 907 لسنة 2016 ما يلي:
أن تقصير الطبيب في بذل العناية المطلوبة للمريض يجعله مسؤولاً عن الضرر الذي يلحق به جراء هذا الإهمال، وبما أن المسؤولية المدنية للطبيب التي توجب التعويض تتحقق في حال توافر ثلاثة أركان هي الخطأ الطبي والضرر والعلاقة السببية.
وبما أن الأخطاء التي ارتكبها المميزون (المدعى عليهم) هي السبب في الحالة التي آلت إليها المدعية هويدا التي بدورها ألحقت أضراراً بزوجها (المدعي) محمود فإن الحكم بإلزام المدعى عليهم بالتكافل والتضامن يكون متفقاً مع القانون والبينات المقدمة في الدعوى.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] د. ميادة محمد الحسن، الخطأ الطبي، ص 11.
[2] علي عاصم غصن، الخطأ الطبي، 2006، ص11.
[3] أنظر في ذلك بن صغير مراد، الخطأ الطبي في ظل قواعد المسئولية المدنية، دراسة مقارنة، 2011، ص 63.

