المسؤولية الطبية عن المخدرات والمؤثرات العقلية

المسؤولية الطبية عن المخدرات والمؤثرات العقلية

يعتبر حظر استخدام المخدرات والمؤثرات العقلية هو الأصل في جميع التشريعات القانونية على مستوى العالم، وذلك لما يترتب على استخدام مثل تلك المواد المحظورة من أضرار عديدة تصيب الإنسان في صحته وماله، إضافة إلى ما يترتب على ذلك من زعزعة أمن المجتمع وترابطه، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك أباحت جميع التشريعات العربية والغربية استخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأغراض الطبية بغية علاج المرضي والتخفيف من ألامهم، باعتبار ذلك الأمر مطلب إنساني وأخلاقي للحفاظ على صحة الإنسان والذي يمثل الركيزة الأساسية في بناء وتطور المجتمع.

وقد أحاطت جميع تلك التشريعات ذلك الاستثناء بالعديد من الشروط والضمانات التي تكفل حسن استخدامه بما لا يضر بسلامة الأشخاص والمجتمع، وذلك حتى لا يؤول الأمر إلى الفوضى، فقصر استخدام أو صرف مثل تلك المواد الضارة من حيث الأصل على فئة الأطباء، ومن ثم فلا يجوز لسواهم إعطاء مثل تلك المواد مباشرة للمرضى أو وصفها لهم، كما لم يجعل سلطة الأطباء في ذلك مطلقة بل حصرها في الأغراض العلاجية فقط، وبما لا يتجاوز ما يحتاجه المريض بالفعل.

وسوف نتناول في مقالنا هذا الموقف القانوني من إعطاء المريض المخدرات والمؤثرات العقلية، على أن نستهل بحثنا بتعريف ماهية المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وأسباب إباحة استخدامها، وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا: التعريف بماهية المواد المخدرة والمؤثرات العقلية:

ثانيا: إباحة استخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأعمال الطبية بغرض العلاج والتداوي:

ثالثا: المقصود بالعمل الطبي وتعريفه:

رابعا : شروط إباحة إعطاء المريض المواد المخدرة والمؤثرات العقلية:

خامساً: إعطاء المريض المواد المخدرة بغير غرض العلاج أو تخفيف الألم وإنما بغرض الرحمة:

سادساً: حكم إعطاء المريض المخدرات والمؤثرات العقلية حال تخلف شرط من شروط الإباحة:

أولا: التعريف بماهية المواد المخدرة والمؤثرات العقلية:

يمكن تعريف المواد المخدرة والمؤثرات العقلية بأنها مجموعة من العقاقير، التي تؤثر على النشاط الذهني لمتعاطيها والحالة النفسية له، إما بتنشيط الجهاز العصبي أو بإبطاء نشاطه، أو بتسببها للهلوسة والتخيلات، وهذه العقاقير تسبب للشخص المتعاطي الإدمان وينجم عن تعاطيها الكثير من مشاكل الصحة العامة والمشاكل الاجتماعية.[1]

وقد عرفت لجنة المخدرات في الأمم المتحدة المواد المخدرة من ناحية علمية وطبية بأنها: (كل مادة خام أو مستحضرة تحتوي على مواد منبهة أو مسكنة من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية أو الصناعية أن تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان عليها، مما يضر بالفرد والمجتمع صحياً ونفسياً واجتماعيا).

وقد عرف المشرع الأردني في المادة الثانية من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 23 لسنة 2016 المادة المخدرة بأنها: ( كل مادة طبيعية أو تركيبية من المواد المدرجة في الجداول ذوات الأرقام (1) و(2) و(3) و(4) الملحقة بهذا القانون).

كما عرف المستحضر بأنه: ( كل مزيج سائل أو جامد يحتوي على مخدر وفقا لما هو منصوص عليه في الجدول رقم (10) الملحق بهذا القانون).

كما عرف المؤثرات العقلية بأنها: (كل مادة طبيعية أو تركيبية من المواد المدرجة في الجداول ذوات الأرقام (5) و(6) و(7) و(8) و(9) الملحقة بهذا القانون).

ثانيا: إباحة استخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأعمال الطبية بغرض العلاج والتداوي:

ذهب المشرع الأردني إلى إباحة استخدام بعض المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأعمال الطبية بغرض العلاج والتداوي، والتي ثبت وجود فائدة طبية من استخدامها، فنص في المادة الثالثة من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 23 لسنة 2016 على انه :

أ- يحظر استيراد أي مادة من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو تصديرها أو إدخالها إلي المملكة أو نقلها أو الإتجار بها أو إنتاجها أو تملكها أو حيازتها أو إحرازها أو بيعها أو شراؤها أو تسليمها أو تسلمها أو التبادل بها أو التنازل عنها أو تداولها بأي صورة أو التوسط في أي عملية من تلك العمليات إلا إذا كانت للأغراض الطبية أو العلمية بمقتضى ترخيص خطي من الوزير وفي الأحوال والشروط المنصوص عليها في التشريعات المعمول بها.

ب- يحظر استيراد أي مستحضر أو تصديره أو صرفه طبيا أو التداول أو التعامل به إلا للأغراض الطبية أو العلمية وفي الأحوال والشروط المنصوص عليها في التشريعات المعمول بها.

كما نص في المادة الرابعة من ذات القانون على أنه:

أ- يحظر صنع أي مادة من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو السلائف الكيميائية إلا إذا كانت للأغراض الطبية أو العلمية أو الصناعية بمقتضى ترخيص خطي من الوزير ووفقاً لأحكام التشريعات النافذة.

ب- يحظر صنع مستحضر صيدلاني تدخل في تركيبته أي مادة مخدرة أو مؤثرات عقلية في أي مصنع للأدوية إلا بمقتضى ترخيص خطي من الوزير ووفقاً لأحكام التشريعات النافذة، ولا يجوز لهذه المصانع استعمال المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو السلائف الكيميائية التي في حوزتها إلا في صنع المستحضرات الصيدلانية أو لغايات علمية.

كما ذهب المشرع بمقتضى المادة (62/2/ج) من قانون العقوبات إلى رفع العقاب عن استخدام المواد المخدرة متى تم بغرض العلاج والتداوي حيث نص على أنه: ( يجيز القانون: العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضا العليل أو رضا احد والديه أو ممثله الشرعي أو في حالات الضرورة الماسة).

ومما سلف بيانه يتبين لنا أن القانون قد أباح تداول واستخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأغراض الطبية وعلاج المرضى، ومن ثم فإن إعطاء المرضى لتلك المواد بقصد العلاج يخرج بها عن دائرة التجريم والعقاب المقررين من حيث الأصل لتداول تلك المواد واستخدامهم.

ثالثا: المقصود بالعمل الطبي وتعريفه:

يمكن تعريف العمل الطبي بأنه ذلك العمل الذي يقوم به شخص متخصص من أجل شفاء الغير، طالما استند هذا العمل إلي الأصول الطبية المقررة في علوم الطب، فاللجوء إلى العلم من أجل شفاء المريض هو الذي يميز الطب عن أعمال السحر والشعوذة،[2] كما عرفه البعض بأنه كل عمل يكون ضروريا أو ملائما لاستعمال الطبيب حقه في ممارسة مهنة الطب لتحقيق الغرض الاجتماعي الذي يستهدفه الطب كعلم وفن.[3]

ومن ثم ومن خلال هذه التعريفات يمكن استخلاص جواز استخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأعمال الطبية إذا كان الغرض منها علاج الأمراض أو تخفيف الآلام عن المرضى.

رابعا : شروط إباحة إعطاء المريض المواد المخدرة والمؤثرات العقلية:

يشترط لإباحة استخدام المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في الأعمال الطبية توافر عدة شرط بما يكفل حسن استخدام هذه المواد بما يفيد صحة الأفراد وسلامة المجتمع، وحتى لا يساء استخدام تلك الإباحة بما يخرج بها عن الغرض الأساسي منها، وسوف نتناول تلك الشروط وفقا لما يلي:

1- أن يتم فعل الإعطاء بواسطة طبيب متخصص مرخص له بمزاولة المهنة:

فيلزم أن يكون من أعطى المريض المادة المخدرة أو المؤثرة عقليا أو أوصى له باستخدامها طبيب مرخص له قانونا بمزاولة مهنة الطب، وعلة ذلك أن المشرع القانوني لا يعطي الثقة بمباشرة مثل تلك الأعمال التي تؤثر على صحة الإنسان إلا للطبيب المختص المرخص له بمزاولة الأعمال الطبية، لأنه هو من تتوافر لديه الدراية والخبرة العلمية للقيام بمثل هذا العمل الطبي وفقا للأصول العلمية من أجل شفاء المريض،[4] ومن ثم فلا يجوز إعطاء المريض المواد المخدرة أو المؤثرات النفسية من قبل شخص حاصل على بكالوريوس الطب ولو كان الغرض من إعطاءه للمريض هو علاجه أو التخفيف من ألامه، بل ولو تحقق القصد منه بشفاء المريض، إذ أن فعله قد وقع غير مشروع ابتداء فيسأل عن نتائجه كغيره من الناس كجريمة عمديه.[5]

والترخيص بمزاولة مهنة الطب قد يكون عاما شاملا لجميع أعمال المهنة، وقد يكون خاصا بمباشرة أعمال معينة منها، وفي هذه الحالة لا تتحقق الإباحة إلا إذا كان العمل داخل في حدود الترخيص المقرر،[6] ووفقا لذلك لا يجوز للطبيب العادي إعطاء المريض المادة المخدرة التي يتم حقنه بها قبل إجراء العمليات الجراحية، إذ أن إعطائها للمريض يقتصر على أطباء التخدير فقط دون سواهم، لأن إعطائها من قبل الطبيب العادي يعرض المريض للخطر كما يعرض الطبيب نفسه للمسئولية الجنائية والمدينة.

وقد نصت المادة (7) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 على أنه: ( على مقدم الخدمة الالتزام بالقواعد والمعايير والإجراءات الخاصة بممارسة المهنة تبعا لدرجته ومجال تخصصه).

2- رضاء المريض:

لا يكون إعطاء المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية للمريض مباحا إلا إذا تم برضاء وموافقة المريض، فرضاء المريض يجب أن يكون سابق على إعطاءه تلك المواد سالفة البيان، وعلة هذا الشرط هو ما يتمتع به جسم الإنسان من خصوصية وحصانة، فلا يجوز أن يمس به أحد إلا برضاء صحيح من المريض، ويجب أن يكون رضاء المريض صحيحا بأن يكون المريض على بصيرة من أن العقار الذي يتناوله من المواد المخدرة أو المؤثرة على العقل، فإذا وقع في غلط أو تدليس أو إكراه فإن رضاءه يتجرد من القيمة القانونية،[7] ذلك أنه لا يتسنى للمريض قبول أو رفض تحمل مخاطر العلاج إلا بعد أن يكون على بصيرة بحقيقة هذا العلاج ومدى ما ينطوي عليه من مخاطر.

ويجب أن يصدر الرضاء من المريض نفسه إذا كان بالغا رشيدا متمتعا بقواه العقلية، فإذا كان المريض عديم أو ناقص الأهلية أو كان في وضع لا يسمح له بإبداء ذلك الرضاء بأن كان في غيبوبة مثلا، فإنه يلزم الرضاء بإعطاء المواد المخدرة أو المؤثرة على الصحة النفسية ممن يعينه القانون ممثلا له.[8]

وقد نصت (المادة 8/أ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية على أنه: (يحظر على مقدم الخدمة ما يلي: معالجة متلقي الخدمة دون رضاه وتستثنى من ذلك الحالات التي تتطلب تدخلا طبيا طارئا ويتعذر فيها الحصول على الموافقة لأي سبب من الأسباب أو التي يكون فيها المرض معديا أو مهددا للصحة أو السلامة العامة وفق ما ورد في التشريعات الناظمة).

3 – قصد العلاج:

لا يكون إعطاء المواد المخدرة والمؤثرات العقلية مشروعا إلا إذا قصد به علاج المريض، أما إذا لم يتوافر لدى الطبيب قصد العلاج زال حقه وانعدم قانونا بانعدام علته وزوال أساسه، وجرى عليه حكم القانون أسوة بسائر الناس، فيسأل عن فعله جنائيا، ذلك أن سلامة جسم الإنسان من النظام العام وحمايتها أمر يقتضيه الصالح العام، ولا يجوز الخروج على هذا الأصل إلا إذا كان فعل المساس يحقق فائدة للإنسان ذاته بعلاجه من مرض أصابه، أو التخفيف من آلامه، ومن ثم فإن رضاء المريض وحده لا يكفي لإباحة إعطائه المواد المخدرة أو المؤثرة على العقل، لأن الهدف العلاجي شرط لازم لإباحة تعاطي أو استخدام مثل تلك المواد في العمل الطبي.[9]

وقد قضي بأنه إذا كان عمل الطبيب بغير قصد العلاج بل كان بغرض تسهيل تعاطي المواد المخدرة فإنه يسأل جنائيا عن عمله مسئولية عمديه.[10]

وتطبيقا لذلك المعنى فقد نصت المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية الأردني على أنه: (يعاقب بالإشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن عشرة ألاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار كل طبيب حرر إلى أي شخص وصفة طبية بمواد مخدرة أو مؤثرات عقلية أو قدمها له مباشرة وذلك لغير العلاج الطبي وهو عالم بذلك).

4- الالتزام بالأصول الطبية الصحيحة وعدم تجاوزها:

أنه وإن كان الأصل أن للطبيب حرية تقدير وسيلة العلاج وأساليبه، إلا أن ذلك مشروط بأن يتم في حدود القواعد الطبية المقررة بين الأطباء فلا يتجاوزها،[11] فلا يجوز للطبيب أن يعطي المريض المادة المخدرة أو المؤثرة عقليا إلا في الحدود المسموح بها طبيا والموصي بها في العلاج من قبل صناع الدواء أنفسهم، حيث أنهم هم الأعلم بطبيعة الدواء وأضراره بناء على التجارب والملاحظات السريرية التي تم إجراءها على الدواء، وقد نصت (المادة 8/ج) من قانون المسئولية الطبية والصحية على أنه: (يحظر على مقدم الخدمة ما يلي: جـ – استعمال وسائل تشخيصية أو علاجية أو أدوية غير مجازة لعلاج متلقي الخدمة)، ومن ثم فإن أي تجاوز يتم من قبله في هذا الشأن يسأل عن نتائجه باعتباره من قبيل الخطأ الطبي الذي يحاسب عنه مدنيا وجنائيا، وإن كان هدفه من وراء ذلك هو علاج المريض وشفاءه، وقد نصت المادة ( 5 ) من قانون المسئولية الطبية والصحية تطبيقا لذلك على أنه: ( يجب على مقدم الخدمة تأدية عمله وفقا لما تقتضيه أخلاقيات المهنة ودقتها وأمانتها ووفقا للأصول العلمية المتعارف عليها، وبما يحقق العناية اللازمة للمريض وعدم استغلال حاجته لغرض تحقيق منفعة غير مشروعة لنفسه أو لغيره ومن دون تمييز بين المرضى والالتزام بالتشريعات المعمول بها ).

خامساً: إعطاء المريض المواد المخدرة بغير غرض العلاج أو تخفيف الألم وإنما بغرض الرحمة:

رأينا أنه يشترط أن يكون إعطاء المريض المخدرات أو المؤثرات العقلية بغرض العلاج أو تخفيف الألم، وأن يتم ذلك وفقا للأصول الطبية الصحيحة، وما تتطلبه الحالة الصحية للمريض دون زيادة أو نقصان، بحيث لا يؤدي تعاطيها إلى الإضرار بالمريض، حيث أن الغرض من إعطائه تلك المواد هو الإسهام في شفائه وليس زيادة مرضه، إلا أنه قد يقدم الطبيب في بعض الأحيان على إعطاء المريض المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية بجرعات زائدة عن المألوف مما قد يضر به، وذلك بدافع الشفقة للتخفيف من آلامه المبرحة والتي لا يمكن تفاديها إلا بإعطاء مثل تلك الجرعات العالية، والتي قد تخفف من آلام المريض حال تعاطيها إلا أنها تؤثر على صحته وسلامة جسده لاحقا، مثال ذلك: إصابة شخص ما بمرض سرطان الكبد أو سرطان العظام، فقام الطبيب المعالج بإعطائه جرعة عالية من المسكنات المورفينية الموصوفة لمثل تلك الحالات على الرغم من تأثيرها السلبي على صحة المريض، وذلك بغرض تخفيف الآلام الشديدة التي يعاني منها المريض، فما هو الموقف القانوني لمثل هذا الطبيب؟

في الواقع أن مثل هذا الفعل مجرم قانونا سواء قام به الطبيب من تلقاء نفسه أو بناء على رغبة المريض، لأن الغرض الرئيسي من إعطاء تلك المواد وما يماثلها للمريض هو علاجه أو تخفيف ألامه، ومن ثم فيجوز إباحة إعطاء المريض تلك المواد رغبة من تخفيف الآلام التي يعاني منها فقط وإن لم يترتب عليها علاج مرضه، ولكن ذلك مشروط بألا يترتب على ذلك الإضرار بسلامة جسم المريض وصحته، ذلك أن المهمة الأصلية للطبيب هي المحافظة على صحة المريض وعلاجه، فالطبيب ملزم ببذل عناية لعلاج المريض، ولا يمكن أن تتحول مهمة الطبيب إلى الإضرار بالمريض بإعطائه مثل تلك المواد المخدرة أو المؤثرة على سلامة العقل والتي قد تودي بحياته، أو تؤدي إلى تلف احد أجهزته الحيوية، بحجة التخفيف من ألامه، وهذا القول سبق أن أكد عليه الطبيب الخاص بنابليون عندما طلب  منه إنهاء حياة المرضى من جنوده في عكا بحجة تخفيف الآلام التي يعانوا منها، فرفض الطبيب ذلك الأمر قائلا ” إن واجبي هو  المحافظة على الحياة  وليس إنهاءها “.

سادساً: حكم إعطاء المريض المخدرات والمؤثرات العقلية حال تخلف شرط من شروط الإباحة:

إن تخلف احد الشروط التي تبيح إعطاء المريض المخدرات والمؤثرات العقلية، كأن يتم عن طريق شخص غير مصرح له بذلك، أو أن يتم بغير رضاء المريض، أو بغير غرض العلاج، استتبع ذلك عدم مشروعية ذلك الفعل، حيث أن الفعل من حيث الأصل خاضع لنصوص التجريم والتي تحظر استخدام تلك المواد، ولا يباح استخدامه إلا استثناء بتوافر تلك الشروط السابق ذكرها، وانتفاء أحد هذه الشروط يعني انتفاء سبب الإباحة ذاته.[12]

ولكن قد لا تقوم المسئولية الجنائية على الرغم من انتفاء شروط الإباحة إذا توافرت حالة الضرورة، وذلك إذا ثبت أن ثمة خطرا جسيما على وشك الوقوع بما يشكل تهديدا لصحة المريض، ولم يكن من سبيل لدفعه بغير ذلك الفعل امتنعت مسئولية مرتكبه.[13]

مثال ذلك: وقوع حادثة لشخص على الطريق تسببت في بتر أحد أعضائه مما ترتب عليه شعوره بالألم لا قبل له بتحملها، وكان لا توجد مستشفى قريبة لنقله إليها، وخشي من إصابته بصدمة عصبية قد تؤدي إلى وفاته، فقام صاحب صيدلية بإعطائه أحد المواد المخدرة المحظور تناولها إلا بوصفة طبية، بغرض التخفيف من آلامه لحين نقله إلى المستشفى، فمثل هذا الفعل وإن تخلف عنه أحد شروط الإباحة وهو أن يصدر من قبل طبيب مرخص له بإعطاء مثل هذا المخدر، ولم يتم بناء على رضاء المريض أو موافقته أو موافقة أحد ذويه، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك لا يرتب مسئولية جنائية قبل ذلك الصيدلي لتوافر حالة الضرورة الملحة.

إعداد/ المحامي أكرم محمد محمود .

[1] د. عيد محمد فتحي، جريمة تعاطي المخدرات في القانون المقارن 2006 الرياض، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، ص121.

[2] د. جميل عبد الباقي الصغير، شرح قانون العقوبات، جرائم الاعتداء على الأشخاص، ط1999 جامعة عين شمس، ص 201.

[3] د. محمود نجيب حسني، الأساليب الطبية الحديثة والقانون الجنائي، ندوة علمية نظمها مركز بحوث ودراسات مكافحة الجريمة ومعاملة المجرمين بحقوق القاهرة، نوفمبر 1993، ص 30.

[4] د. محمود نجيب حسنى، شرح قانون العقوبات القسم العام، رقم 180، ص 177.

[5] نقض مصري 2 مارس 1981 مجموعة أحكام النقض س32 رقم 31 ص196.

[6] نقض مصري 11/3/ 1974 مجموعة أحكام محكمة النقض س 25 رقم 59 ص 263.

[7] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام، رقم 280 ص 255.

[8] د. وديع فرج، مسئولية الأطباء والجراحين المدينة، مجلة القانون والاقتصاد، سنة 1942، س 12 ص 427.

[9] د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات القسم العام، رقم 115 ص 181.

[10] نقض مصري 16/5/1938 و 4/6/ 1945- مجموعة القواعد ج 4 رقم 222 ص 230.

[11] د. السعيد مصطفى السعيد، الأحكام العامة في قانون العقوبات، ط 1953، ص 185.

[12] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام، رقم 183 ص 178.

[13] د محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام، رقم 183 ص 180.

Scroll to Top