مسؤولية الجراح عن العمليات الجراحية
لما كانت العمليات الجراحية من اخطر أنواع العلاج الطبي الذي قد يتداوى به الإنسان، نظرا لجسامة الأضرار التي قد تنتج عن الخطأ الطبي الجراحي، فقد قرر المشرع مسئولية الطبيب الجراحي عن فعله الخاطئ إذا نتج عنه ضررا بالمريض، سواء مسئوليته المدنية أو الجنائية إذا نتج عن الفعل وفاة المريض، والغاية التي ابتغاها الشارع من ذلك هو أن يجتهد الطبيب في أداء دوره متقيدا بما تفرضه عليه الأصول والثوابت العلمية لمهنة وملتزما بما تفرضه واجبات الحيطة والحذر حتى يدفع عنه أي مسئولية، والطبيب الجراح لا يكون مسئولا إلا في حالة وقوع خطأ طبي من قبله ولذلك سوف نبدأ مقالنا بالوقوف على ماهية الخطأ الطبي الجراحي وصوره ثم نتطرق إلى مسئولية الطبيب الجراح وشروطها وأنواعها على النحو الاتي:
أولا: ماهية الخطأ الطبي الجراحي:
ثانياً: مراحل الخطأ الطبي الجراحي:
ثالثاً: صور الخطأ الطبي الجراحي:
خامساً: شروط تحق مسئولية الطبيب الجراح:
سادسا: الأثر المترتب على تحقق المسئولية المدنية والجنائية على الطبيب الجراح:
سابعا: أحكام محكمة التمييز بخصوص مسئولية الجراح عن العمليات الجراحية:
أولا: ماهية الخطأ الطبي الجراحي:
لا تتوفر المسئولية المدنية أو المسئولية الجنائية على الطبيب الجراح إلا في حالة وقوع خطا طبي جراحي منه، لذلك فنرى من المهم الوقوف أولا على تعريف مفهوم ماهية الخطأ الطبي الجراحي ودرجة الخطأ الطبي الجراحي ومعايير ذلك الخطأ على النحو الآتي:
1- تعريف الخطأ الطبي:
يعرف الخطأ في الفقه القانوني بعدة تعريفات منها: أن تتجه إرادة الشخص إلى القيام بسلوك خطير مع قعوده عما هو واجب عليه من التدبر والاحتياط .[1]
ويعرفه بعض الفقه بأنه: هو كل سلوك ينم عن إخلال الشخص بواجب الاحتياط والحذر الذي يقرره القانون، أو الأصول العلمية أو الفنية أو الخبرة الإنسانية، ويترتب على هذا السلوك الخاطئ نتيجة إجرامية كان من الممكن تجنبها ودرئها.[2]
وعلى ذلك فيمكن تعريف الخطأ الطبي بأنه: (ما يقع من الطبيب من انحراف عن السلوك المألوف طبيا وما يجب عليه من اتخاذ الحيطة والاحتراز والتبصر).
كما يعرف بأنه: ( تقصير في مسلك الطبيب لا يقع من طبيب متصف باليقظة والحيطة والحذر إذا وجد في نفس ظروف وحالة الطبيب الذي وقع منه الخطأ ).[3]
2- تعريف الجراحة:
الجراحة هي: (صناعة ينظر بها في تعريف أحوال بدن الإنسان من جهة يعرض لظاهره من أنواع التفرق في مواضع مخصوصة وما يلزمه غايتها إعادة العضو إلى الحالة الطبيعية الخاصة به )[4]، وقد وجه البعض انتقادات إلى هذا التعريف المقوض لعلم الجراحة إذ قصر معنى الجراحة على العمليات الجراحية الظاهرة فقط، دون التي تكون بداخل الجسد في أماكن تحتاج إلى فتحها للوصول إلى محل العملية الجراحية.
وللجراحة تعريف آخر أكثر دقة وحداثة ويتفق مع ما آل إليه هذا العلم من تقدم إذ تعرف بأنها: (عمل جراحي مقصود من علاج عاهة، أو رد تمزق ،أو إفراغ صديد ،أو نزع عضو مريض ،أو شاذ ).[5]
والجراحة الطبية الحديثة تنقسم إلى نوعين من الجراحة على حسب درجة خطورتها:
جراحات بسيطة: هي العمليات الجراحة التي لا تشكل خطرا على حياة الإنسان وغالبا ما يتم تخدير المريض فيها بتخدير موضعي للجزء محل العملية الجراحية.
جراحات خطيرة: وهي الجراحات التي تشكل خطرا على حياة المريض وعادة ما تتم على عضو حيوي من أعضاء جسم المريض وقد تتم بعد تخدير المريض تخديرا كليا أو جزئيا على حسب ما تقتضيه الأصول العلمية في مثل هذه العمليات الجراحية.[6]
ثانياً: مراحل الخطأ الطبي الجراحي:
يواجه الطبيب الجراح أثناء الإعداد للعملية الجراحية وأثناء أداء العملية الجراحية وحتى بعد الانتهاء منها وفترة مراقبة العملية لحين تمام نجاحها صعوبات ومخاطر كثيرة، تستلزم أن يكون الطبيب الجراح على قدر كبير من الوعي والحيطة والحذر مع إلمام بما تفترضه الأصول العلمية في مجال جراحته وأحدث الدراسات والأبحاث بشأن العملية الجراحية التي يتولى القيام بها خاصة مع ما تمثله العمليات الجراحية من خطورة بالغة على حياة المريض والذي هو محل الحماية، وبالتالي فقد يقع الخطأ الطبي من الجراح في خلال المراحل الثلاثة السابق ذكرها سواء مرحلة الإعداد للعملية الجراحية، أو مرحلة التنفيذ أو مرحلة الملاحظة والعناية وهذا ما سنتطرق إليه على التفصيل الآتي:
1- خطأ الطبيب الجراح في مرحلة الإعداد للعملية وقبل البدء فيها:
وهي المرحلة التي يجب على الطبيب فيها دراسة الملف الطبي للمريض والوقوف على تاريخه المرضي إلى جانب قيامه بإجراء التحاليل والفحوصات الطبية المبدئية، للوقوف على حالة المريض قبل البدء في إجراءات العملية وهي ما يطلق عليها الفحوصات التمهيدية، ثم الانتقال المرحلة التالية وهي مرحلة فحص وتحليل المكان محل العملية الجراحية العملية، ويتمثل خطأ الطبيب الجراح في هذه المرحلة في إهماله أو تغاضيه عن إجراء الفحوصات الطبية اللازمة أو عدم تأكده من سلامة أعضاء المريض الحيوية وما قد يترتب على ذلك من خطر بالغ على حياة المريض، أو أن يتجاهل الطبيب الجراح التاريخ المرضي للمريض أو توصيات الطبيب المعالج بخصوص حالة المريض الذي سيخضع للعملية الجراحية.[7]
2- خطأ الطبيب الجراح أثناء أداء العملية الجراحية:
وفي هذه المرحلة يجب عل الطبيب أن يكون ماهرا في أداء عمله بالقدر الذي تطلبه المهنة وبالقدر الذي يجعل المريض في حالة رضا بعد العملية على ما قام به الطبيب من عمل ماهر، فالطبيب يلتزم بأن يكون حذرا وألا يصدر منه أي إهمال أو تقصير أو رعونه أثناء أدائه للعملية الجراحية، بحيث يكون أدائه في الجراحة يساوي ويكافئ أداء أقرانه من الأطباء الجراحين الذي يتساوى معهم في نفس الدرجة العملية وفي ذات الظروف، غاية ما في الأمر أن يثبت الطبيب أنه بذل العناية والجهد اللازمين وأن أدائه للعملية الجراحية قد تم موافقا للأصول العملية لعلم الجراحة، وبالتالي يكون الطبيب الجراح مخطئا كلما ثبت أنه لما يلتزم بالاشتراطات والمعايير التي تقررها الأصول العلمية لأهل المهنة وأنه قد اخل بالثقة والطمأنينة التي وضعها فيه المريض.
3- خطأ الطبيب الجراح بعد إجراء العملية:
إذ أن الأصول العلمية تفرض على الطبيب الجراح أن يقف على المريض بعد الانتهاء من العملية الجراحية سواء في مرحلة خياطة جرح العملية، أو في مرحلة العناية والملاحظة بعد العملية، وقررت الأحكام القضائية أن ترك الطبيب لأحد تلامذته للقيام بخياطة جرح العملية بعد الانتهاء منها والذي تسبب بضرر للمريض خطئا يستوجب مسائلة الطبيب، كما أن الطبيب الجراح قد يعرض نفسه للمسائلة إذا أغفل معاينة حالة المريض بعد الانتهاء من العملية، أو لم يقم بتعيين شخص يكون دوره معاينة وملاحظة حالة المريض بعد الانتهاء من العملية الجراحية.
ثالثاً: صور الخطأ الطبي الجراحي:
نصت (المادة 343) من قانون العقوبات الأردني على بعض صور الخطأ الذي قد يتسبب في وفاة الشخص دون أن يكون هناك تعمد لإحداث تلك النتيجة وهي جريمة القتل الخطأ والتي قد يكون المتهم فيها أيضا الطبيب الجراح إذا كانت صورة الخطأ الطبي الذي وقع منه أثناء أدائه عمله هي احدى الصور المذكورة في (المادة 343) من قانون العقوبات حيث نصت على: (من سبب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة اشهر إلى ثلاث سنوات).
ولا شك أن تلك الصور جاءت عامة بحيث يمكن وقوعها في أي عمل ومنها العمل الطبي وبالتالي يمكن أن تقع من الطبيب الجراح أثناء أداء عمله وتتحقق بها مسئولية سواء المدنية أو الجنائية، وتلك الصور تتمثل فيما يلي:
1- الإهمال:
وهو يحدث كل ما امتنع الطبيب عن أداء فعل كان يجب القيام به،[8]أو هو قعود الطبيب عن اتخاذ الاحتياطات التي تفرضها واجبات لحيطة والحذر والتي كان من شأن الالتزام بها توقي وقوع النتيجة الإجرامية.[9]
وللإهمال الطبي عدة ركائز يجب توافرها حتى يمكن التثبت من وقوع إهمال طبي من الجراح:
- أن توجد علاقة مهنية بين الطبيب والمريض يلتزم فيها الطبيب بعلاج المريض.
- أن يقع الطبيب في خطأ عدم الالتزام بما يفرضه عليه الواجب المهني.
- أن ينتج عن هذا الإهمال من الطبيب حدوث ضرر جسدي أو مادي أو معنوي للمريض.
2- قلة الاحتراز:
والمقصود بها أن الجاني وهو هنا الطبيب الجراح قد قام بفعل كان يجب عليه الامتناع عنه وهو يدل على عدم تبصره بعاقبة فعله.[10]
ففي هذه الحالة يقوم الطبيب الجراح بفعل شيء أثناء الجراحة وهو يعلم أنه قد ينتج عن فعله هذا ضررا للمريض إلا أن ذلك لا يجعله يتراجع عنه، غير مبالي بما قد تنتهي إليه الأمور، مثل عدم تثبت الطبيب الجراح من كون المريض التزم بعدم تناول الأطعمة قبل إجراء العملية الجراحية وأدى عدم احترازه من ذلك إلى وفاة المريض نتيجة تقيئه وهو تحت تأثير البنج مما يدل على أن الطبيب الجراح كان قليل الاحتراز ولم يأخذ بما تفرضه عليه الأصول العلمية من واجب الاحتياط والحذر.
3- عدم مراعاة الوانين والأنظمة:
وهي حالة مستقلة تتحقق كلما خالف الطبيب أثناء أدائه عمله لما تفرضه القوانين والأنظمة والقواعد الآمرة بشكل عام، وجوهر هذا الخطأ هو القيام بسلوك كان يجب الامتناع عن القيام به.
واستعمال لفظ القوانين والأنظمة هنا سببه شمول جميع النصوص التي يقصد منها الحفاظ على الأمن والنظام والصحة العامة،[11]مثل عدم حصول الجراح على التراخيص والشهادات اللازمة التي قررها القانون أو قررتها اللوائح لإجراء العمليات الجراحية .
رابعاً: طبيعة مسئولية الجراح:
بعد أن تطرقنا إلى الخطأ الطبي الجراحي ومفهومه وشروطه وصوره فسنتطرق إلى ما يترتب على الخطأ الطبي الجراحي من مسئولية سواء كانت مسئولية مدنية أو جنائية:
1- أنواع المسئولية:
أ- مسئولية مدنية:
هي مسائلة الإنسان عن تبعات أفعاله سواء كانا أفعال إيجابية أو أفعال سلبية بامتناعه عن القيام بفعل معين.
وعلى ذلك يمكن تعريف مسئولية الطبيب الجراح بأنها: “مسئولية الطبيب الجراح عن أفعاله التي يرتكبها أو يمتنع عنها أثناء أدائه للعملية الجراحية، أو في أي مرحلة منها وتنبأ هذه الأخطاء عن قعود الجراح القيام بما تفرضه عليه القواعد والأصول العلمية لعلم الجراحة والتي أدت إلى الإضرار بالمريض في جسده أو ماله أو نفسه”.
والمسئولية المدنية قد تكون مسئولية تعاقدية وهي تتحقق كلما وجد إخلال بالتزام ناتج عن عقد بين الطبيب الجراح والمريض، وقد تكون المسئولية تقصيرية وهي تتحقق كلما حدث إخلال ليس مصدره العقد بل مصدره الواجب أو القانون.
ب- المسئولية الجنائية:
وهي معاقبة الشخص عن أفعاله الضارة التي تشير إلى ارتكابه جريمة قرر لها القانون عقوبة محددة، وقد عرفت أيضا المسئولية الجنائية بأنها تحمل الشخص لتبعات أفعالة الإجرامية.
2- مسئولية الطبيب الجراح عن خطأه الشخصي:
يرى بعض الفقه أن مسئولية الطبيب الجراح لا تقوم إلا عن خطأه الشخصي فقط، وبالتالي لا يمكن مسائلة الطبيب الجراح إلا عن الأفعال الخاطئة التي ارتكبها بنفسه، ولا يمكن قيام المسئولية الطبية للجراح مثلا عن الأعمال التحضيرية التي تسبق العملية الجراحية إذ أنه لا يشارك بها وبالتالي تمتنع مسائلته عنها، حيث أن الطبيب ملزم ببذل العناية والجهد اللازمين وأن يأخذ بما تفرضه واجبات الحيطة والحذر أثناء أداء العملية الجراحية متقيدا بما قررته الأصول العلمية المتفق عليها في مجال علم الجراحة، وبالتالي إذا كان الضرر الذي لحق بالمريض ينبئ عن قعود أو إغفال الطبيب الجراح لتلك الالتزامات تحققت المسئولية المدنية والجنائية على حسب الأحوال في حق الطبيب الجراح باعتبار أن الضرر الذي لحق بالمريض ناتجا عن فعله الشخصي .
كما قد يسال الطبيب عن الفعل باعتباره فعلا شخصيا دون أن يكون الطبيب الجراح قد ارتكبه بنفسه وذلك في حالتين:
الحالة الأولى: أن يوجه الطبيب الجراح أحد مساعديه أثناء الجراحة بالقيام بعمل جراحي ويكون العمل غير صحيح من الناحية الطبية مما ترتب عليه إصابة المريض بضرر، ففي هذه الحالة يكون الطبيب الجراح مسئولا مسئولية شخصية عن فعل مساعده باعتبار أن فعل المساعد لم يكن إلا بناء على توجيه الطبيب الجراح.
الحالة الثانية : أن يوجه الطبيب الجراح أحد مساعديه للقيام بعمل جراحي أثناء العملية الجراحية وأن يكون توجيه الطبيب صحيحا، إلا أن المساعد لم يؤديه بطريقة صحيحة مما نتج عنه ضررا قد لحق بالمريض، وفي هذه الحالة أيضا يمكن مسائلة الطبيب الجراحي باعتباره قد أهمل في مراقبة مساعده أو لم يكن حاضرا أثناء قيام المساعد بتنفيذ توجيهات.[12]
خامساً: شروط تحق مسئولية الطبيب الجراح:
لا تختلف شروط تحقق المسئولية المدنية للطبيب الجراح عن غيرها من المسئولية المدنية من حيث وقوع خطأ وأن ينتج عن الخطأ ضررا وان تتوفر علاقة السببية بين الخطأ والضرر
1- الخطأ الطبي:
وقد سبق أن أشرنا إليه بأنه: (ما يقع من الطبيب من انحراف عن السلوك المألوف طبيا وما يجب عليه من أخذه الحيطة والاحتراز والتبصر)، وبالتالي يشترط لقيام المسئولية المدنية أن يكون فعل الطبيب ينبئ عن ارتكابه خطئا فإذا كان فعل الطبيب الجراح من حيث الأصل لا يعتبر خطئا بشكل عام أو خطئا طبيا بشكل خاص فلا يمكن مباشرة دعوى المسئولية في مواجهته.
2- الضرر:
هو ما يصيب الإنسان في جسده أو ماله أو نفسه ويؤدي إلى فوات مصلحة معتبرة قانونا وشرعا، وهذا الضرر يكون له عدة صور وهي:
الضرر الجسدي وهو الذي يصيب الإنسان في جسمه فيؤدي إلى زوال منفعة عضو، أو تقليل منفعته أو تشويه جسد أو تأثير على الصحة الجسدية بشكل عام وقد يصل الضرر الجسدي إلى وفاة المضرور.
والضرر المالي والذي يؤدي إلى تكبد المريض المال من أجل معالجة خطأ الطبيب الجراح، والضرر النفسي وهو ما يصيب المريض في شعوره من هم وحزن نتيجة ما لحق به من ضرر نتيجة الفعل الخاطئ من الطبيب.
وتوافر الضرر في أي صورة من صورة بشكل منفرد أو باجتماع صوره الثلاثة إلى جانب وقوع الخطأ وعلاقة السببية بينهما يحتم مسئولية الطبيب والزامه بالتعويض عن هذا الضرر، إلا أنه يشترط في الضرر أن يكون قد وقع بالفعل أو من المحتم وقوعه في المستقبل.
ولا يكفي مجرد الادعاء بوقوعه حيث يجب على المضرور إثبات وقوعه فعلا، كما يجب أن يكون الضرر مباشرا وشخصيا بأن يكون فعل الطبيب الجراح هو السبب المباشر لحصول الضرر وأن يصيب الضرر مصلحة وحقا مشروعا وهو في هذه الحالة جسد المريض، فيجب أن يكون الضرر قد لحق بجسد المريض لأنه هو محل الحماية المشروعة .
3- توافر علاقة السببية بين فعل الطبيب الخاطئ والضرر الذي لحق بالمريض:
يجب أن تكون هناك رابطة وعلاقة سببية بين فعل الطبيب الخاطئ وما أصاب المريض من ضرر، فلا يكفي مجرد وقوع الخطأ والضرر بل يشترط أن يكونا مترابطين برابطة سببية أصلها أن السبب نتج عن فعل المسبب، وبحيث يكون فعل الطبيب الجراح هو الذي أدى بداهة إلى الضرر الذي لحق بالمريض.
وإثبات وجود العلاقة السببية في العمليات الجراحية مسألة شديدة الصعوبة بسبب تداخل الأسباب أو تعرض جسد المريض لعدة أخطاء في مراحل مختلفة، كذلك الحالة الصحية والفسيولوجية للمريض، إلا أن ذلك لا يعني عدم مسائلة الطبيب الجراح بل يمكن مسائلته كلما تم الوقوف يقينا على ارتكابه خطأ تسبب في الضرر الذي لحق بالمريض.
سادسا: الأثر المترتب على تحقق المسئولية المدنية والجنائية على الطبيب الجراح
1- تحقق المسئولية المدنية على الطبيب الجراح:
يجوز للمضرور أن يقيم دعوى المسئولية المدنية ضد الطبيب الجراح طالما ثبت أن الضرر الذي لحق به ناتجا عن فعله الخاطئ، ومفاد دعوى المسئولية المدنية أن المضرور يطالب المخطئ بأن يدفع له التعويض الجابر للضر الذي لحق به سواء كان ضررا جسديا فقط أو ضررا ماديا ومعنويا، ويخضع تقدير التعويض وأسبابه لسلطة القضاء بحيث يكون للقاضي الحق في تعديل قيمة التعويض حتى يكون مكافئا للضرر وجابرا له.
2- تحقق المسئولية الجنائية على الطبيب الجراح:
تتحقق المسئولية الجنائية في مواجهة الطبيب الجراح بصفته كلما ثبت أن فعله الخاطئ أدى إلى وفاة المريض وكان فعله ذلك ينم على عدم احترازه أو الهمالة أو مخالفته للقوانين والأنظمة واللوائح مع انتفاء القصد الجنائي لدى الطبيب وذلك طبقا لنص (الماد 343) من قانون العقوبات الأردني والتي تنص على أن: (من سبب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة اشهر إلى ثلاث سنوات)، فكلما كان فعل الطبيب الجراح ينبئ عن إهمال أو قلة احتراز أو مخالفة للقوانين واللوائح وأدى هذا الفعل إلى نتيجة مفادها وفاة المريض جاز تحريك الدعوى الجنائية في مواجهته تطبيقا لنص المادة 343 من قانون العقوبات الأردني.
سابعا: أحكام محكمة التمييز بخصوص مسئولية الجراح عن العمليات الجراحية:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4211 لسنة 2019 ما يلي:
إذا كان الطعن الاستئنافي تعرض للخبرتين معاً فلا ضير إن ردت محكمة الاستئناف على ذلك ما دام أنها عالجت الأسباب التي تعرضت للخبرة الطبية وحيث أن الخبرة الفنية الطبية تمت بمعرفة ثلاثة من أطباء الاختصاص في الطب الشرعي والجراحة العامة والأمراض الباطنية وأن الخبراء بعد أن تفهموا المهمة الموكولة إليهم بشكل صحيح وسليم استعرضوا ملف الدعوى البدائية الحقوقية وصورة عن الملف الطبي العائد للمتوفاة الصادر عن مستشفى …… وقائمة بأسماء الأطباء والممرضين والفنيين وتقرير اللجنة الفنية المكلفة بكتاب مدير مستشفى …… وصورة عن نموذج تحويل مريض يعود للمتوفاة صادر عن مستشفى …… وصورة عن الملف الطبي العائد للمتوفاة الصادر عن مستشفى …..
حيث قام الخبراء بتحليل تسلسل الأحداث الطبية وتوصلوا إلى أن وجــود كميات من السوائل بشكل حر في البطن مؤشر لوجود نزف أو تسريب سوائل من الأحشاء الداخلية في البطن مما يتطلب إعادة النظر من قبل الاختصاص المعالج بوجود مضاعفات للعملية الأولى وعلمياً حالة كهذه بحاجة لتداخل جراحي لإعادة فتح البطن واستكشافه واستصلاح المسبب وقد بين الخبراء أن التأخير في عمل هذا الإجراء ساهم في إحداث مضاعفات وأن هذه المضاعفات كافية لإحداث الوفاة ولما كان الأمر كذلك فإن مسؤولية الطبيب الجراح الذي قام بإجراء العملية ورغم وجود هذه المضاعفات لم يتدخل لعلاجها بالسرعة اللازمة التي تفتضيها أصول الفن لمثل حالة المتوفاة مما ينبغي القول أن مسؤوليته تغدو قائمة أما بخصوص الكادر الطبي فإن تحميل المستشفى مسؤولية ما آلت إليه حالة المريضة وهي الوفاة تكون كافية ومن ثم لا مجال لتحميل الممرض الذي قام بقياس ضغط المتوفاة أو من قدم حبة علاج أو أعطى الجراح أدوات جراحية أثناء قيامه بالعملية ويكفي أن يتحمل هذه المسؤولية الجراح الذي قام بالعملية وتابع حالة المتوفاة والمرفق الصحي – المستشفى – الذي يعمل فيه.
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] محمود القبلاوي، المسؤولية الجنائية للطبيب، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2004م، ص17.
[2] فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، 2003م، ص462.
[3] المري، خالد علي جابر، المسؤولية المدنية للفريق الطبي بين الشريعة الإسلامية والقانون الكويتي، أطروحة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2013، ص 50.
[4] أبو الفرح ابن القف، العمدة في الجراحة، ج1 ط.1؛ حيدر آباد: مجلس دائرة المعارف العثمانية، د. ت ص4.
[5] محمد بن محمد المختار الشنقيطي، حكم الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، مكتبة الصحابة، جدة، الطبعة الثانية، 1415هـ، 1994م، ص 39.
[6] أحمد محمد كنعان، الموسوعة الطبية الفقهية، ط.2؛ بيروت: دار النفائس، 1420هـ، 2000م، ص 234،235
[7] كريم عشوش، العقد الطبي، الجزائر، دار هومة، 2007م، ص184.
[8] معوض عبد التواب، الوسيط في شرح جرائم القتل والإصابة الخطأ، المرجع السابق، ص39.
[9] يوسف جمعة، المسؤولية الجنائية عن أخطاء الأطباء، منشورات الحلبي عام 2003، ص81.
[10] فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام، المرجع السابق، ص469.
[11] فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام، المرجع السابق، ص472.
[12] منير رياض حنا، الخطأ الطبي الجراحي، ط1، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2008م، ص 251.

