مسؤولية طبيب التخدير المدنية والجزائية

مسؤولية طبيب التخدير المدنية والجزائية

إن مهمة التخدير والإنعاش أصبحت تخصصاً مستقلاً ومعترفاً به قانوناً في جميع دول العالم، بعد أن كانت في الماضي مجرد عمل يعهد به إلى هيئة التمريض، إن لم يقم به الجراح بنفسه، ومما لا شك فيه أن هذا التخصص العلمي قد ترتب عليه ظهور نوع جديد من المسؤولية الطبية الخاصة بالأخطاء الناجمة عن التخدير، سواء في شقها المدني أو شقها الجزائي، فأضحى موضوع المسؤولية عن فعل التخدير من المواضيع الهامة التي تحتاج لمزيد من الأبحاث والمقالات القانونية والعلمية .

فالتخدير ببساطة هو فقدان الإحساس في سائر الجسم مع فقدان الوعى، ويكون بعدة طرق إما استنشاقا أو حقناً أو بلعاً، وهو علم كبير يستند دارسه إلى عدد من العلوم الضرورية، وهو فن لأنه يتم بطريقة احترافية عالية، لذلك فإن الدور الذى يقوم به طبيب التخدير هو دور هام للغاية في العمليات الجراحية، بل المدة التي يلازم فيها المريض أطول من تلك التي يقضيها معه الجراح، سواء قبل الجراحة أو أثنائها أو بعدها، لذا سنتناول في هذا المقال الهام مسؤولية طبيب التخدير المدنية والجزائية عن أخطائه الناجمة عن عملية التخدير، وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: تكييف المسؤولية المدنية لطبيب التخدير:

ثانياً: نطاق المسؤولية المدنية لطبيب التخدير:

ثالثاً: أركان المسؤولية المدنية لطبيب التخدير وآثارها:

رابعاً: أركان المسؤولية الجزائية الطبية لطبيب التخدير وطبيعتها:

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن مسؤولية طبيب التخدير:

أولاً: تكييف المسؤولية المدنية لطبيب التخدير:

1- المسؤولية التقصيرية لطبيب التخدير:

يمكن تعريف المسؤولية التقصيرية بصفة عامة بأنها: ( مؤاخذة الإنسان عن أخطائه الضارة، وإلزامه بتعويض الضرر الذى أصاب الغير )، وتعرف أيضاً بأنها: ( التزام الشخص بتعويض الضرر الذي سببه لشخص آخر نتيجة إخلاله بالتزام يقع عليه فإذا كان هذا الالتزام مصدره العقد كانت المسؤولية عقدية، وإذا كان مصدره العمل الغير مشروع كانت المسؤولية تقصيرية)،[1]  وترتيباً على ما تقدم تكون مسؤولية طبيب التخدير تقصيرية كلما انعدمت الرابطة العقدية بينه وبين المريض الذى أصابه ضرر، أي إذا لم يوجد بينهما عقد، وكذلك تعد مسؤولية تقصيرية إذا وجد بين طبيب التخدير والمريض عقد لكنه باطل، أو كان الضرر الذى لحق بالمريض خارج عن العقد المبرم بينه وبين طبيب التخدير، ففي كل هذه الحالات تطبق أحكام المسؤولية التقصيرية عن العمل غير المشروع، وليس أحكام المسؤولية العقدية، وسوف نتناول هذه الحالات بشيء من التفصيل فيما يلي:[2]

أ- الضرر الواقع خارج العقد:

ويقصد بهذا الضرر ما يتسبب فيه طبيب التخدير للمريض نتيجة تصرف أحدثه الأول للأخير وكان غير متصل بنطاق العقد الذى يرتبط به مع المريض، أو عندما يحدث ضرر بسبب طبيب التخدير ولكن لشخص آخر لا يوجد بينه وبين طبيب التخدير أي رابطة عقدية، وتوجد عدة أمثلة على الضرر الواقع خارج العقد مثل: ( الضرر الذى يلحق بالمريض على أثر تزحلقه وسقوطه على الأرض، وذلك بعد الانتهاء من العملية الجراحية، وثبت أن ذلك يرجع لعدم إفاقة المريض بشكل كامل واستعادته لوعيه من جراء عملية التخدير)،  ففي هذه الحالة يكون الضرر الذى أصاب المريض كان بسبب خطأ التخدير ولكنه ضرر خارج عن نطاق العقد .

ب- بطلان العقد:

إن عقد العلاج الطبي يخضع للقواعد العامة التي تنظم العقود، فيلزم لصحته توافر جميع الأركان والشروط المتعلقة بالعقد، من إيجاب وقبول وأن تكون الإرادة سليمة خالية من عيوب الرضا كالإكراه والغلط، وأن يكون المحل والسبب مشروعين، فإذا استجمع العقد كل أركانه وشرائطه فإنه ينتج ويرتب آثاره.

أما اذا تخلف أحد أركانه أو أحد شروط صحته فإن العقد يقع باطلاً، حتى لو تم العمل الطبي، ولا يرتب أية التزامات، وتكون المسؤولية عندئذ تقصيرية وليست عقدية، فمن المسلم به أن من شروط صحة عقد العلاج الطبي وكذلك عملية التخدير الحصول على الرضاء المسبق للمريض قبل القيام بالتدخل الطبي، فإن تم العمل الطبي وكذلك عملية التخدير دون الحصول على رضاء المريض فإن تخلف هذا الرضا يجعل طبيب التخدير مسئولاً ويتحمل تبعة الأضرار التي قد تصيب المريض من جراء عملية التخدير، ومسئوليته عن ذلك تصبح تقصيرية لبطلان عقد العلاج الطبي.

وتجدر الإشارة إلى أنه توجد حالات لا يلزم فيها الحصول على رضاء المريض للقيام بالعمل الجراحي وعملية التخدير، وذلك إذا كان في حالة لا يستطيع معها أن يعبر عن رضائه، فيكتفي برضاء ذويه أو ممثله القانوني إذا لم يكن المريض كامل الأهلية، بل وأحياناً لا يشترط أخذ رضاء المريض ولا ذويه إذا كان في حالة تستدعى إجراء جراحة عاجلة وتم نقله إلى المستشفى، ولم يتواجد أحد معه من أقاربه، أما في غير هذه الحالات فرضاء المريض لا غنى عنه للقيام بالعمل الطبي ولصحة العقد وإلا كانت مسؤولية طبيب التخدير مسؤولية تقصيرية.

ولعله من المفيد أن نؤكد على أنه يلزم لصحة العمل الطبي أن يكون غرضه معالجة المريض، وأن يتبع أصول المهنة الطبية، فإذا خالف الطبيب ذلك فإنه يسأل مدنياً، ومن ثم لا يدخل في عداد العمل الطبي إجراء تجارب طبية على الإنسان، فإذا قام طبيب التخدير بعملية التخدير لمريض لإجراء عملية أو تجربة عملية خطيرة له لا تحتاج إليها حالته الصحية، فإن العقد يقع باطلاً، والعمل الطبي في هذه الحالة يعد غير مشروع، ومخالفاً للنظام العام والآداب، ويسأل طبيب التخدير مسؤولية تقصيرية .

ج- حالة غياب العقد:

إذا قام طبيب التخدير بعمله دون وجود عقد بينه وبين المريض، كانت مسؤولية طبيب التخدير تقصيرية، كحالة الشخص الذي يصاب بحادث في طريق عام ويفقد وعيه، فيتدخل المارة لإنقاذه ونلقه للمستشفى، ويحتاج لإجراء جراحة عاجلة، فعندئذ يقوم الطبيب الجراح وطبيب التخدير بإجراء عمل جراحي يتطلب تخديره ويتم ذلك دون اتفاق بين المريض وطبيب التخدير، لوجود حالة ضرورة فتصبح مسؤولية طبيب التخدير في هذه الحالة تقصيرية لانعدام العقد.

2- المسؤولية العقدية لطبيب التخدير:

تعرف المسؤولية العقدية بأنها واجب تعويض الضرر الذي نتج عنه إخلال بالتزام عقدي، ولا تقوم إلا بوجود عقد أنشئ التزاماً، وتم الإخلال بهذا الالتزام، ومن ثم فإن مسؤولية طبيب التخدير تجاه المريض في حالة وجود اتفاق بينه وبين المريض إنما هي مسؤولية تعاقدية، مصدرها العقد وذلك استناداً للحجج الآتية:

أ- الرابطة العقدية:

هناك من الفقهاء من يرى أنه في حالات الضرورة والاستعجال وحاجة المريض لتدخل جراحي بشأن عاجل، تكون أيضا مسؤولية طبيب التخدير عقدية، لأنه يعتبر في حالة إيجاب دائم موجه للجمهور، بما لديه من مؤهلات علمية، وإمكانيات فنية، بالإضافة إلى انتسابه إلى عضوية نقابة الأطباء .

ب- خدمات الطبيب قابلة للتقدير المادي:

إذا لم تقدر في عقد العلاج الطبي، فإنه يسهل تقدير ما يقابل خدمات طبيب التخدير من أتعاب حسب ما يقوم به من عمل، يتفق وقواعد مهنة الطب وبغرض العلاج.

ج- طبيعة المهن الطبية:

إن المريض عندما يذهب للطبيب يعلم أن الطبيب سوف يبذل ما يلزم من العناية حسب قواعد المهن الطبية والعلمية والفنية لمزاولة مهنة الطب، لذا فإن العلاقة بينه وبين المريض لا تخرج عن كونها علاقة تعاقدية وليست تقصيرية، وإذا أهمل الطبيب بالالتزام بالعناية بالمريض تتحقق ضده المسؤولية العقدية.

واستخلاصاً لما سبق ووفقاً للقواعد العامة التي تقوم عليها المسؤولية المدنية، فبمجرد قبول طبيب التخدير العلاج للمريض بناء على طلب الأخير أو من ينوب عنه فإن خطأ الطبيب الذي يصيب المريض بضرر يعد إخلالاً بالتزامه في العقد ومن ثم إلى قيام المسؤولية التعاقدية الطبية، ويستوجب التعويض.

ثانياً: نطاق المسؤولية المدنية لطبيب التخدير:

1- مسؤولية طبيب التخدير عن فعله الشخصي:

مما لا شك فيه أن طبيب التخدير مسئول عن مراعاة المريض أثناء قيام الطبيب الجراح بالعملية الجراحية مما يستتبع ضرورة أن يكون طبيب التخدير شخص مؤهل فهو المسئول عن اختيار المخدر المناسب للعملية وإعطاء المريض الكمية المناسبة منه حسب عمره وجنسه، وإجراء الفحوص الكلية اللازمة للتأكد من سلامته قبل إجراء العملية، وكل ذلك على قدر كبير من الأهمية لتحديد المسؤولية عن في حالة وفاة المريض وهل التخدير تم بشكل سليم أم لا.

ويجب على طبيب التخدير أن يستعد أثناء العملية بجميع وسائل الإسعاف، ومراقبة حالة المريض حتى استفاقته من العملية، لمنع وقوع حادث يسبب أضرار للمريض، ولقد اتجه الفقه والقضاء إلى مسؤولية طبيب التخدير وحده عن الأضرار التي تحدث بسبب فعل التخدير لأنه طبيب متخصص، وبسبب تعقد فنون التخدير، فالطبيب الجراح لا يكون مسئول عن الأخطاء التي يرتكبها طبيب التخدير، فلا توجد تبعية لأحدهما على الآخر .

2- مسؤولية طبيب التخدير في إطار الفريق الطبي:

يرى بعض الفقه أن التعاون بين الطبيب الجراح وطبيب التخدير يؤدى إلى اعتبارهما مسئولان في حالة حدوث ضرر بسبب التخدير، وتكون مسئوليتهما متساوية على أساس أن هناك تكاملاً بين عمل كل منهما، فيشتركان في إعداد المريض للعملية الجراحية، والفحص السابق للمريض، واختيار طريقة التخدير وتحديد الوقت المحتمل الذي سوف تستغرقه العملية الجراحية، لأن الهدف من هذا التعاون المخلص هو مصلحة المريض.

ويشترط لقيام المسؤولية العقدية عن فعل الفريق الطبي أن يكون هناك عقد صحيح بين الطبيب وبين المريض، وأن يتولى غير المدين تنفيذ العقد بناء على اتفاق كاتفاق الجراح مع طبيب التخدير، وينبغي الإشارة إلى أن اشتراك الجراح وأحد أعضاء فريقه الطبي في المسؤولية هو الحل الأمثل للمريض حتى يتجنب البحث عن مرتكب الخطأ الطبي داخل الفريق الطبي وهو أمر ليس باليسير أما إذا كان تكوين الفريق الطبي من قبل الطبيب المعالج بسبب ضرورات العمل ففي هذه الحالة سيبقى الطبيب مسئول مسؤولية مدنية عن كل خطأ طبى ثابت في حقه وأضر بالمريض وكذلك باقي أعضاء الفريق الطبي.

ويلاحظ أنه في الحالة التي يشترك فيها عدد من الأطباء في إحداث الضرر بالمريض، ولم يرتبط المريض مع أي منهم بعقد طبي، تكون المسؤولية التقصيرية على أساس مسؤولية المتبوع عن فعل التابع، وفقاً للمادة (288/ب) من القانون المدني الأردني، فالمريض لا يهمه إلا أن يتم تنفيذ الالتزام بواسطة من اختار من الجراحين ولا يهتم بمن يستعين بهم الجراح من مساعدين .

3- مسؤولية طبيب التخدير عن فعل الأجهزة والأدوات المستخدمة في التخدير:

غنى عن البيان أن طبيب التخدير يستعين أثناء عملية التخدير بأجهزة وأدوات كثيرة ليقوم بعمله، ومن ثم فأي ضرر يلحق بالمريض من جراء استعمال هذه الأدوات يسأل عنه طبيب التخدير، حيث أن المشرع الأردني قد ساير المشرع المصري في أن طبيب التخدير له سلطة على الشيء في استعماله وتوجيهه والرقابة عليه، وأن الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة يسأل عن أضرارها حارسها، وهو التزام بنتيجة، فلا يعفى الطبيب من المسؤولية حتى لو كان العيب الموجود في الآلة يرجع إلى صنعها ويصعب كشفه، ولا يستطيع طبيب التخدير أن يدفع عنه المسؤولية إلا بإقامة الدليل على أن الأضرار التي وقعت كانت لسبب أجنبي لا يد له فيه كانفجار جهاز التخدير، مما أدى إلى وفاة المريض ولا يعرف سبب الانفجار مثلا.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن طبيب التخدير مسئول عن الأشياء التي تحت حراسته إذا كان يباشر سيطرة فعلية عليها لحسابه الخاص، أما لو كان يعمل في المستشفى العام فلا يعتبر حارساً لأدوات التخدير بالمستشفى، بل تسأل المستشفى عن الأضرار الناشئة عن هذه الأشياء، دون حاجة لإثبات الخطأ فالخطأ مفترض.

ثالثاً: أركان المسؤولية المدنية لطبيب التخدير وآثارها:

1- خطأ طبيب التخدير:

ويتمثل هذا الخطأ في إخلال طبيب التخدير بالالتزامات التي يفرضها عليه العقد الطبي، أو إخلال بالواجبات المفروضة عليه قانوناً، إذا لم يوجد بينه وبين المريض عقد طبى، أي خروج عن أصول وقواعد مهنة الطب مما ترتب عليه أضرار للمريض، وقد يكون خطأ طبيب التخدير خطأ عادى، لا علاقة له بالأصول الفنية لمهنة الطب، كأن يجرى عملية التخدير وهو في حالة سكر، وقد يكون خطأ فنياً كأن يعطى المريض جرعة تخدير تزيد عن الحد المسموح به فيصيبه بأضرار، ولا يميز الفقه والقضاء الحديث بين نوعى الخطأ المشار إليهما فكلاهما يعد خطأ طبياً يستوجب التعويض.

ويتكون ركن الخطأ في المسؤولية التقصيرية من ركن مادي ويتمثل في الانحراف والتعدي وركن آخر معنوي وهو الإدراك والتمييز، والمشرع الأردني يقيم المسؤولية على أساس الضرر، وليس الخطأ وبالتالي فإن الفعل الذي يؤدى إلى الضرر بذاته هو الذي يستوجب التعويض، حتى لو كان محدث الضرر غير مدرك، فالمعيار الذي يقاس به خطأ طبيب التخدير هو معيار موضوعي، وهو سلوك طبيب آخر معتاد من نفس المستوى .

وتتعدد صور خطأ طبيب التخدير فمنها : الخطأ في الإعلام، أي عدم إعلام المريض بشكل واضح بكل جوانب عملية التخدير حتى يكون رضاء المريض مستنير، وبالتالي بأنه يجب على طبيب التخدير مراجعة خطر التخدير مع مريضه بعد إعلامه بنتائج فحوصات ما قبل التخدير، للحصول على الرضا المستنير قبل مباشرة عملية التخدير .

وقد أشارت المادة (5) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 إلى أنه: ( يجب على مقدم الخدمة تأدية عمله وفقاً لما تفتضيه أخلاقيات المهنة ووقتها وأمانتها ووفقاً للأصول العلمية المتعارف عليها وبما يحقق العناية اللازمة لنفسه أو لغيره ومن دون تمييز بين المرضى والالتزام بالتشريعات المعمول بها ).

2- الضرر وعلاقة السببية:

لا يخفى عن الفطنة أنه إذا انتفى الضرر فلا تقبل دعوى المسؤولية المدنية، والضرر هو ما يصيب المضرور في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له، وبقع عبء إثباته على المضرور، وينقسم الضرر إلى الأقسام الآتية:

أ- الضرر المستقبلي:

وهو الضرر الذي تحقق سببه لكن تراخت آثاره إلى المستقبل سواء كلها أو بعضها، والمشرع الأردني منح القاضي سلطة تقدير التعويض عنه، وإن لم يتمكن القاضي من تقدير التعويض عنه بشكل نهائي يحتفظ للمضرور بالحق في المطالبة بالتعويض عنه خلال مدة معينة تبعاً للظروف.

ب- الضرر الاحتمالي:

وهو ضرر مفترض قد يقع وقد لا يقع، ولا يقبل القضاء الأردني التعويض عنه قبل حدوثه، لأنه يختلف عن الضرر المستقبلي الذي هو محقق الوقوع.

ج- تفويت الفرصة:

كحرمان المريض من الحياة نتيجة خطأ الطبيب، والقضاء الأردني جرى على التعويض على فوات الفرصة إذا كانت حقيقة وجدية.

والضرر الذي يصيب المضرور من جراء خطأ طبيب التخدير قد يكون ضرراً أصلى (جسدي) أي ضرر مادي في جسده وقد يكون ضرراً تابعاُ مادياً يتمثل في تعطل قدرته على الكسب وكذلك نفقات العلاج، ويجب أن يشمل التعويض ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب، فالعامل الذي يُصاب بعاهة مستديمة نتيجة خطأ طبيب التخدير يستطيع أن يطالب بتعويض عن الأضرار التي وقعت فعلاً من جراء عجزه عن العمل في الحال، وكذلك تعويض عن الخسارة التي تلحقه نتيجة عجزه عن الكسب ويشمل كل ما كان سيربحه من عمله في المستقبل.

وهناك أيضاً الضرر المعنوي وهو الآلام النفسية التي تصيب المضرور، وللمضرورة المطالبة بالتعويض عنه رغم صعوبة تقديره مادياً، والضرر الذي يصدر عن طبيب التخدير قد لا يصيب فقط المريض، بل قد يمتد لذوي المريض، ويكون أيضاً مادياً أو معنوياً كزوجته وأولاده ووالديه الذين كان يعولهم ولم يعد الأن يستطيع الإعالة بسبب العجز الذي حدث له نتيجة الخطأ الطبي، وبالنسبة لعلاقة السببية فلابد من توافرها بين نشاط الطبيب الخاطئ والضرر الذي أصاب المريض.

آثار توافر شروط دعوى المسؤولية وإخلال طبيب التخدير بالتزاماته:

بعد التأكد من وجود أركان المسؤولية الطبية وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما، يكون طبيب التخدير ملتزماً بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمضرور، وتخضع دعوى التعويض للأحكام العامة في المسؤولية المدنية.

رابعاً: أركان المسؤولية الجزائية الطبية لطبيب التخدير وطبيعتها:

إن المسؤولية الطبية بصفة عامة ينبغي أن يتوافر فيها ثلاثة أركان:

حدوث خطأ من الطبيب المعالج، وحدوث ضرر بالمريض، ووجود رابطة سببية بين خطأ الطبيب وضرر المريض بأن يكون ضرر المريض نتيجة خطأ الطبيب، ويجب توافر هذه الأركان، أيضاً حتى تقام المسؤولية الطبية الجزائية لطبيب التخدير، بحيث إذا قام طبيب التخدير بإجراء عملية تخدير لم يراع فيها الأصول والقواعد والأنظمة القانونية، أو أن يقوم بها بإهمال أو برعونة وقلة احتراز، فإنه بذلك يتوافر الركن الأول من أركان المسؤولية الجزائية وهو الخطأ، وينبغي أن ينتج عن ذلك ضرر للمريض وهو الركن الثاني من أركان المسؤولية، وأخيراً يجب على المريض أن يثبت أن الضرر الذى أصابه كان نتيجة خطأ طبيب التخدير، فتكتمل بذلك كافة أركان المسؤولية الجزائية لطبيب التخدير.[3]

أما بالنسبة لطبيعة الأخطاء الطبية التي يرتكبها طبيب التخدير فإنها متنوعة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع :

1- أخطاء طبيب التخدير قبل إجراء العملية الجراحية:

لعله من المفيد أن نؤكد أن هناك أخطاء قد تكون قاتلة تودي بحياة المريض قبل إجرائه للعملية الجراحية ويتحمل مسئوليتها طبيب التخدير، ويحدث ذلك عندما يقوم بإعطاء المريض جرعة زائدة من أدوية التخدير مما تؤدى إلى إزهاق روح المريض، أو قد يسهو طبيب التخدير عن تخدير المريض بأن تكون معدته فارغة من الطعام ولا يتأكد من ذلك قبل إجراء التخدير، وهنا قد تثور الإشكالية حول من هو المسئول في هذه الحالة الأخيرة عن وفاة المريض بهذه الصورة الخاطئة، هل هو الطبيب الجراح أم طبيب التخدير؟

2- أخطاء طبيب التخدير أثناء العملية الجراحية :

إذا كانت زيادة جرعة التخدير عن الحدود المسموح بها طبياً قاتلة، فأيضاً إعطاء المريض جرعة قليلة من مادة التخدير قد تودى بحياة المريض أيضاً أثناء العملية الجراحية، لذا فإن طبيب التخدير مسئول عن إعطاء المريض الجرعة الآمنة مع مراقبته أثناء العملية الجراحية، لإبقائه تحت درجة لا وعى، وإلا سوف يعانى المريض من الألم الشديد وشبه الشلل الكامل، وعدم القدرة على الحركة والتعبير عن ألمه، وبسبب الوعى أثناء التخدير قد يعانى المريض أيضا  من مشاكل نفسيه باقي حياته، تتمثل فيه اضطرابات النوم والقلق والذعر والخوف الشديد من الأطباء، وكل هذه الأمور يسأل عنها طبيب التخدير.

كذلك من الأخطاء الشائعة أثناء العملية الخطأ في إدخال أنبوب إلى القصبة الهوائية لمساعدة المريض على التنفس الصحيح مما يؤدى إلى جرح المريض في الرقبة، وأيضاً يسأل طبيب التخدير إذا أهمل في مراقبة العمليات الحيوية لطبيب التخدير (النبض وضغط الدم والحرارة والتنفس)، وغير ذلك من الأمور التي قد يسهو عنها وتعتبر خطأ طبي يسأل عنه طبيب التخدير.

3- أخطاء طبيب التخدير بعد العملية الجراحية:

إن التزام طبيب التخدير بالحرص والاهتمام بعمله لا يتوقف عند مجرد إجراء العملية الجراحية، بل يمتد التزامه بالعناية بالمريض بعد إجرائها حتى لا يحدث مضاعفات للمريض، وهذه العناية الطبية هي التزام على طبيب التخدير يتعين عليه القيام بها حتى يفيق المريض من التخدير، ومن آثار العملية، وبناء عليه ينبغي ألا يترك المريض حتى يسترد وعيه، ويلتزم بمراقبته بصورة دائمة حتى لا يتعرض المريض للإغماء أو يصاب بالشلل بسبب التخدير .

ومن مضاعفات التخدير التي لا يفوتنا أن ننوه عنها نقص الأكسجين الحاد ولفترة طويلة، بحيث إذا لم يتم إنعاش المريض خلال بضع دقائق في هذه الحالة، تتوقف التغذية الدموية للمخ، وإذا لم يفقد المريض حياته فإنه يدخل في حالة غيبوبة دائمة، وتوجد بعض الإحصاءات التي تشير إلى أن واحداً من أصل ألف مريض يفقد حياته نتيجة تأثير المخدر، في حين تعود الأسباب الأخرى للجراحة وتأثيرها.

ولما كانت مخاطر التخدير العام أكثر من مخاطر الموضوعي، فعادة ما يختار المريض التخدير الموضوعي لتجنب حدوث مضاعفات التخدير العام، لكن لابد من الإشارة إلى أن كل منها له مضاعفاته، فالتخدير العام تشمل مضاعفاته الدوار والتقيؤ أو الشعور بالألم في الحلق بسبب الأنبوب الذى كان موجود فيه، وأحياناً تكسر الأسنان، وكذلك فإن التخدير الموضوعي تشمل مضاعفاته الصداع وجرح العصب لدى حقن المخدر، وبالنسبة لمضاعفات التخدير النصفي فتتمثل بالإصابة بالشلل، لكن يلاحظ أنه مع تقدم وتطور تقنيات طب التخدير فإن معظم هذه المضاعفات أصبحت نادرة الحدوث .

ولا يخفى عن الفطنة أن طبيب التخدير لم يعد مختصاً فقط بأعمال التخدير وإعداد المريض وتحضيره للعملية، بل أصبح أيضاً مختصاً بمشاكل الإفاقة والإنعاش قبل وبعد العمل الجراحي، لذا أصبح من الضرورة أن يكون له مساعديه، وبالتالي يسأل عن أخطائهم إذا كان المساعد غير كفؤ أو بسبب التقصير في الإشراف عليه.

ولقد أشار قانون العقوبات الأردني إلى الخطأ الذي يؤدى إلى تحمل المسؤولية الجزائية بصفة عامة في المواد 343 و344، أما القوانين الخاصة التي تختص بالمسؤولية الجزائية الواقعة على طبيب التخدير، فأهمها هو قانون الصحة العامة رقم 47 لسنة 2008 حيث نصت في (المادة 5/أ) على أنه: (تشمل المهن الطبية والصحية مزاولة أي من الأعمال التالية: الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض والتخدير والأشعة ومعالجة النطق والسمع).

وجاء في (المادة 62) من القانون سالف البيان أنه : (مع مراعاة حجم الضرر الصحي وتكرار المخالفة وأي عقوبة أشد وردت في أي تشريع آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد عن 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين كل من : المتسبب في إحداث ضرر على الصحة العامة ناجم عن سوء تداول المواد الكيماوية).

كذلك أشار القانون إلى مهنة التخدير بشكل خاص في نص (المادة 5) حيث نصت على أن: (يحظر على الطبيب القيام بأي عمل أو تقديم نصيحة من شأنها إضعاف مقاومة الأشخاص الجسدية أو العقلية إلا في الحالات التي يقتضيها العلاج الطبي كالتخدير مثلاً).

خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن مسؤولية طبيب التخدير:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1172 لسنة 2018 ما يلي:

حيث تبين فيما بعد أنه تم إعطاء تخدير للمتوفاة رنا من شخصٍ غير مختص بالتخدير وليس طبيب تخدير حيث وجدت نسبة التخدير (40%) في جسم المتوفاة حيث تبين بأن المدعى عليه الثالث الدكتور …. قد ارتكب خطأ جسيماً وهو قيامه بعملية الولادة بواسطة الملقط وعدم متابعة الحالة المرضية بشكل مباشر وعدم وضع الجنين تحت المراقبة ومتابعة حالة الولادة للمتوفاة ……. وعدم قيامه بإجراء عملية قيصرية فورية لتجنب انفجار الرحم ونقص الأوكسجين عند الجنين وأنه وبنتيجة هذا الخطأ الجسيم والإهمال من جانب الدكتور فقد نتج عنه وفاة المرحومة ….. وجنينها وذلك بسبب الإهمال وقلة الاحتراز ما يعني توافر أركان المسؤولية التقصيرية كما هو ثابت من خلال البينات الخطية والمتمثلة بالمبرز (م/1) و (م ع/1) وملف القضية التحقيقية رقم (696/2009) والقضية الجزائية رقم (164/2011) والملف الطبي للمتوفاة والتقارير الطبية المبرزة في هذه الدعوى.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3919 لسنة 2014 ما يلي:

إذا توصل الخبراء أمام محكمة الاستئناف وبتقريرهم الذى اعتمدته إلى عدم وجود علاقة سببية بين مضاعفة الاسترواح الضاغط وإجراءات التخدير، وأن طبيب التخدير الذى اشترك بالعملية الجراحية هو طبيب في برنامج إفاقة معترف به من المجلس الطبي الأردني ووزارة الصحة وأنه لا يعطى المريض التخدير إلا بمعرفة أخصائي التخدير المسئول عنه، وأنه قام أثناء العملية بما هو مطلوب منه وبما يمكن عمله ولو كان أخصائي التخدير موجوداً لما عمل أكثر من ذلك وأن الإجراءات الطبية كانت حسب الأصول الطبية المتعارف عليها ولا يوجد خطأ طبي في إجراءات التخدير، وحيث أن محكمة الاستئناف وبصفتها محكمة موضوع أخذت بما ورد بكتاب نقابة الأطباء الأردنية وما ورد بتقرير الخبرة الذي أكد عدم وجود أي خطأ ارتكبه طبيب التخدير بما لها من صلاحية في وزن البينة عملاً بأحكام المادة 1/34 من قانون البينات ، فيكون ما توصلت له محكمة الاستئناف له أصله الثابت في الأوراق وموافقا للقانون.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص323.

[2] انظر نجاح خورشيد، المسئولية المدنية لطبيب التخدير، دراسة مقارنة، ٢٠٢٠، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط، ص12.

[3] انظر المعايطة ، تماضر أمين، المسئولية الجزائية لطبيب التخدير في القانون الأردني، ٢٠١٥، رسالة جامعية ص٦٨.

Scroll to Top