طرق الإثبات في مسؤولية الطبيب الجزائية والمدنية

طرق الإثبات في مسؤولية الطبيب الجزائية والمدنية

في مستهل الحديث عن هذا الموضوع الهام ونقطة البداية التي ينبغي أن ننطلق منها، أنه قد تزايدت في الآونة الأخيرة الدعاوى ضد أخطاء الأطباء رغم ما قد يحيط الخطأ الطبي من صعوبات في وسائل وطرق إثباته، إلا أننا لا يمكن أن نغض الطرف عن حصيلة هذه الأخطاء الطبية من أبرياء ومرضى ووفيات من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية والذين وضعوا ثقتهم في بعض الأطباء، لكنهم ذهبوا ضحية تهور أو سوء تقدير أو ضعف كفاءة، فضاعت حقوقهم بسبب العجز عن إثبات الخطأ الطبي في العديد من الحالات.

وتطبيقاً لقواعد الإثبات في الدعاوى الجزائية، فإن النيابة العامة يقع على عاتقها عبء إثبات عناصر الجريمة، أما دعوى المسؤولية المدنية الطبية فإنها تحتاج من المريض المضرور إثبات الخطأ الطبي وهو أمر ليس باليسير، لاسيما أن الأعمال الطبية تمتاز بكونها أعمال فنية لا يفهمها الشخص العادي أو المريض.

أولاً: عبء إثبات الخطأ الطبي:

ثانياً: التخفيف من تحمل المريض لعبء الإثبات:

ثالثاً: اختلاف الخطأ في مسؤولية الطبيب الجزائية عن المسؤولية المدنية:

رابعاً: إثبات الأخطاء المتصلة بالإنسانية الطبية:

خامساً: إثبات الأخطاء ذات الطبيعة الفنية:

سادساً: دور الخبرة في إثبات الخطأ الطبي:

سابعاً: الصعوبات المرتبطة بعبء الإثبات:

ثامناً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن طرق الإثبات في مسؤولية الطبيب:

أولاً: عبء إثبات الخطأ الطبي:

القاعدة العامة أن المدعى عليه عبء الإثبات، ومن ثم فإن عبء إثبات الخطأ الطبي يقع على عاتق المريض المضرور، فيلتزم بإثبات الخطأ الطبي، والضرر الذي أصابه، وتوافر علاقة السببية بينهما، حتى تتكامل بذلك أركان المسؤولية، ويحق له الحصول على التعويض، وهي كلها وقائع مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات بما فيها البينة والقرائن.

وتجدر الإشارة إلى أن طبيعة الالتزام في المسؤولية الطبية تؤثر في تحديد المكلف بالإثبات وذلك على النحو التالي:

١- عبء إثبات الالتزام ببذل عناية:

إن التزام الطبيب بعلاج المريض يعد كأصل التزام ببذل عناية، ولا يكفي لقيام مسؤولية الطبيب إثبات الخطأ الطبي وحده، بل ينبغي على المريض إثبات كلاً من الضرر وعلاقة السببية بين خطأ الطبيب والضرر الذي أصيب به، وعلى المريض أن يثبت أن الطبيب لم يقم ببذل العناية المطلوبة منه أثناء العلاج، وذلك عن طريق إثبات إهمال الطبيب وانحرافه عن أصول المهنة، فلا يكفي إثبات المريض عدم تحقق النتيجة من العلاج لقيام مسؤولية الطبيب، بل يجب عليه إثبات إخلال الطبيب بالتزاماته المتمثلة في عدم بذله العناية المفروضة عليه.

وتفسيراً لذلك فالطبيب غير ملزم بتحقيق نتيجة شفاء المريض وضمان سلامته من مخاطر العمل الطبي، فهو يقوم ببذل العناية المعتادة مثل أي طبيب مثله، فإذا ادعى المريض أن الطبيب قد أخل بالتزاماته، وأنه قصر أو أهمل في تنفيذ التزامه، فعليه أن يقوم بإثبات ذلك، وإلا فلا ضمان على الطبيب.

2- عبء إثبات الالتزام بتحقيق نتيجة:

هناك بعض الحالات الطبية تكون فيه النتائج مؤكدة، ولذلك فإن هذه الأعمال يصبح فيها التزام الطبيب استثناءً التزام بتحقيق نتيجة، فتقوم مسؤولية الطبيب في هذه الحالات على أساس الخطأ المفترض الذى لا يقبل إثبات العكس، حيث يكتفى المريض بأن يثبت وجود التزام طبى بينه وبين الطبيب، فيقع على عاتق الطبيب عبء الإثبات ولا يمكنه التخلص من المسؤولية، إلا إذا أثبت وجود القوة القاهرة، أو خطأ الغير أو خطأ المريض نفسه، ومن أمثلة الحالات التي يكون فيها التزام الطبيب تحقيق نتيجة ( استعمال الأدوات والأجهزة الطبية وعمليات نقل الدم وإعمال جراحة التجميل).

ثانياً: التخفيف من تحمل المريض لعبء الإثبات:

من المسلم به أن المريض يواجه صعوبات جمة بالنسبة لتحمل عبء الإثبات، لذلك فإن القضاء يقوم بمحاولات عديدة للتخفيف من عبء الإثبات المكلف به المريض، ومن ضمن هذه المحاولات القضائية ما يلي:

1- التزام الطبيب بإعلام المريض:

يجب على الطبيب تبصير المريض بكل جوانب العملية قبل إجرائها، حتى يكون رضاء المريض بالعمل الطبي مستنير وواعى، وإذا لم يتم إعلامه بشكل واضح فإن ذلك يستوجب مسؤولية الطبيب، وبذلك يلقى القضاء عبء إثبات حصول إعلام المريض وتبصيره بالمخاطر المحتملة للعمل الطبي على عاتق الطبيب، فيجب عليه أن يقيم الدليل على قيامه بتنفيذ هذا الالتزام.

2- التوسع في التزام الطبيب بتحقيق النتيجة:

إن عبء الإثبات في حالة العلاج بالمعنى التقليدي يلقى على عاتق المريض المضرور، ولكن القضاء يتوسع في التزام الطبيب بتحقيق نتيجة عبء الإثبات، ويشمل هذا التوسع التزامات متعلقة بالواجبات الطبية الإنسانية، وكذلك الواجبات الطبية الفنية، فبالنسبة للواجبات الطبية الإنسانية تتمثل في عدم إفشاء أسرار المرضى، وحصول الطبيب على رضا المريض بالعلاج، وهي التزامات بتحقيق نتيجة، لخلوها من عنصر الاحتمال.

أما الواجبات التقنية والفنية فأكثرها واجبات نتيجة، ومن هذه الأعمال ما يلي:

أ- التركيبات الصناعية: ترتب على التقدم التقني الطبي ظهور بعض الأجهزة الصناعية التعويضية والبديلة عن بعض أجزاء جسم الإنسان التي تلفت أو ضعفت مثل الأسنان والأطراف الصناعية، وفى تركيب هذه الأعضاء الصناعية يلتزم الطبيب ببذل عناية حتى تكون هذه الأعضاء الصناعية فعالة في تعويض النقص الموجود لدى المريض.

ولا تقوم مسؤولية إلا إذا أثبت المريض أن هناك إهمال أو تقصير من جانب الطبيب، أما بالنسبة لمدى سلامة العضو الصناعي وجودته ومناسبته لجسم المريض، فهي أمور ذات طبيعة تنقية، فالطبيب يلتزم فيها بتحقيق نتيجة، وتقوم مسئوليته في حال إذا كان العضو الصناعي رديء الصنع، ولا يتفق مع حجم الجسم، أو سبب ضرر للمريض.

ب- التحاليل الطبية المخبرية: ترتب أيضاً بسبب التقدم التقني الطبي في مجال التحاليل الطبية أن أصبح عنصر الاحتمال فيها شبه معدوم لذا فقد اعتبر القضاء التزام الطبيب القائم بتحليل الدم هو التزام بتحقيق نتيجة واضحة ومحددة، ومن ثم إذا قصر الطبيب الذي قام بالتحليل فإن خطأه يفترض، ويعفى المريض من إثبات هذا الخطأ، ولا مناص أمام الطبيب للتخلص من المسؤولية سوى إثبات السبب الأجنبي أو القوة القاهرة.

ج- استخدام الأدوات والأجهزة الطبية: من المسلم به أن الطبيب أثناء إجراء العمل الطبي سواء بالعلاج أو العمليات الجراحية يقوم باستخدام أجهزة ومعدات مما يلقى التزامات على عاتقه بألا يعرض سلامة المريض لأى ضرر جراء استعمال تلك الأدوات والأجهزة الطبية، وإلا تحققت مسؤولية الطبيب عن الأضرار التي تسببها هذه الأجهزة الطبية للمريض، حتى لو نشأ الضرر في هذه الحالة نتيجة وجود عيب أو عطل بها، وبالتالي فهذا الالتزام هو التزام بتحقيق نتيجة، ومن ثم تعين على الطبيب استخدام أدوات وأجهزة طبية سليمة لا تحدث أضرار بالمريض.

د- عمليات الحقن: يلتزم الطبيب بعدم حدوث ضرر للمريض من المادة المحقونة، وعدم الإضرار بسلامة المريض بعد عملية الحقن، وهو التزام بتحقيق نتيجة، فإذا قصر الطبيب في التزامه يعفى المريض من إثبات هذا الخطأ وتقوم مسؤولية الطبيب.

هـ – التطعيمات: بالنسبة للتطعيمات الإجبارية فإن الأضرار التي تترتب عليها تؤدى إلى قيام مسؤولية الدولة، لأنها هي المكلفة بضمان سلامة المواطن في هذا المجال، ومن ثم فإن التزامها بعدم حدوث أضرار للشخص الذي أخذ التطعيم الإجباري هو ليس التزام ببذل عناية، بل التزام بتحقيق نتيجة، ترتب على الإخلال به قيام مسئوليتها.

ثالثاً: اختلاف الخطأ في مسؤولية الطبيب الجزائية عن المسؤولية المدنية:

مما لا شك فيه أن مسؤولية الطبيب المدنية لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات مسئوليته الجزائية، فلكي تتحقق مسؤولية الطبيب الجزائية يجب أن يكون الخطأ المسند إليه على درجة معينة من الجسامة أو التعمد، أي أن يشكل مسلك الطبيب المعالج خطأ جسيما، بينما يكفي لقيام مسؤولية الطبيب المدنية أن ينسب إليه الإهمال أو التقصير وقلة الاحتراز.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال مساواة كلا من الخطأين الجزائي والمدني في سلوك الطبيب حيث إن لكل مسؤولية منهما هدفها الخاص، ولا يمكن أن يقاس شدة الخطأ في كل منهما بنفس الطريقة، فالتعويض المدني يتمثل الغاية منه في جبر الضرر الذي أحدثه الخطأ الطبي للمضرور وذلك بتعويضه بصورة عادلة ولو كان مصدره ضعيفا، في حين يستهدف المشرع من العقاب الجزائي تحقيق الردع بنوعيه العام والخاص بإدانة المتهم عما سببه من اضطراب في المجتمع.

 ومن ثم كان من المنطقي أن يكون الخطأ في المسؤولية الجزائية على قدر كبير من الأهمية فلا تتحقق المسؤولية الجزائية للطبيب بمجرد توافر الخطأ العادي بينما الأمر على خلاف ذلك في المسؤولية المدنية للطبيب الذي لا يشترط لقيامها جسامة الخطأ.

وغني عن البيان أن مسؤولية الطبيب الجزائية لا تقتصر على مجرد الأفعال الخاطئة التي تثير مسؤولية الطبيب عن الأفعال الغير عمدية، حيث أن الطبيب يسأل عن جريمة عمدية حال تحقق أركانها، وهذا ما تؤكده محكمة استئناف عمان في حكمها رقم 18335 لسنة 2019 والتي قضت فيه بأن: ( أن مسؤولية الطبيب الجزائية تقوم ويُسأل عن جريمة مقصودة إذا توافرت أركانها وهي الركن المادي وهو اتجاه إرادته إلى إتيان الفعل المكون لهذه الجريمة وان يكون عالماً بخطورة فعله وإرادة النتيجة فينبغي ثبوت إرادة النتيجة والتي تميز الجريمة المقصودة عن غير المقصودة وكذلك علاقة السببية وهنا يجب توافر القصد الجرمي حيث تنعدم الجريمة بانعدام رابطة السببية).

رابعاً: إثبات الأخطاء المتصلة بالإنسانية الطبية:

بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلى تحقق مسؤولية الأطباء عن كل أخطائهم، فيسأل الطبيب عن خطئه الفني أو المهني الجسيم واليسير، كما يسأل عن خطئه العادي، لأن النصوص القانونية التي رتبت مسؤولية المخطئ عن خطئه لم تفرق بين أنواع الخطأ، وهذا أيضاً ما سار عليه القضاء، وتماشياً مع ذلك فإن مسؤولية الطبيب الجنائية تقوم عن كل خطأ ثابت في حقه على وجه اليقين، سواء كان الخطأ فنياً أو مادياً جسيماً كان أم يسيراً، وذلك وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية غير العمدية.

وغنى عن البيان أن إباحة عمل الطبيب تتوقف على أن يكون ما يجريه الطبيب مطابقاً للأصول العلمية المقررة، فإن خالفها أو قصر في اتباعها أو أهمل تحققت مسئوليته الجنائية، حسب تعمده الفعل أو تقصيره وعدم تحرزه في القيام به، حيث يجب على الطبيب أن يلتزم تجاه المريض ببذل العناية وإلا يسأل عن أخطائه حتى لو كانت يسيره.

وجدير بالذكر أن المقصود بالأخطاء المتصلة بالإنسانية الطبية هي تلك المخالفات التي لا صلة لها بالأصول الفنية لمهنة الطب، ومن أهم تلك الأخطاء ما يلي:

1- ممارسة العمل الطبي دون ترخيص من الجهة الحكومية المختصة، وكذلك من يحصل على ترخيص بطرق غير مشروعة، أو يستعمل وسيلة دعائية تجعل الجمهور يعتقد أنه أهل لمزاولة عمل طبي، وأيضاً من ينتحل لقب يطلق على مزاولي مهنة الطب.

2- وكذلك امتناع الطبيب والذي يعلم أن مريضاً في حالة خطرة عن علاجه وتقديم المساعدة الممكنة، ومن أمثلة ذلك: امتناع الطبيب عن استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض معرض لخطر الموت، أو امتناع الطبيب عن التدخل العلاجي في حال انفجار الزائدة الدودية.

3- تخلف رضاء المريض بالعلاج يعد من الأخطاء الطبية التي تستوجب مسؤولية المريض، ولا يجوز مطلقاً للطبيب أن يتدخل لعلاج المريض إلا بعد حصوله على موافقة المريض إذا كان لديه أهلية، فإذا كان ناقص الأهلية فيجب إذن من يمثله قانوناً، ولابد أن يصدر رضاء المريض بعد أن يبين له الطبيب تشخيص مرضه ومدى خطورته ونتائج التدخل الطبي، وهو ما يطلق عليه التزام الطبيب بالإعلام والتبصير، ويستثنى من ضرورة الحصول على رضاء المريض بالعلاج الحالات الخطرة أو الضرورية.[1]

4- إفشاء أسرار المريض، حيث يقع على عاتق الطبيب التزام بألا يفشى سر مريضه، سواء كان هذا السر قد عرفه من خلال ممارسة عمله الطبي، أو أفضى به المريض إليه، وإذا أخل الطبيب بذلك وتحققت مسئوليته ما لم يفعل ذلك لضرورة الإبلاغ عن مريض مرض معد.

5- إجراء العلاج لغير الشفاء: يجب أن يكون غرض الطبيب من العمل الطبي غرض مشروع. وهو علاج المريض، أما إذا تجاوز الطبيب في عمله ذلك الغرض، وكان هدفه من عمله الطبي إجراء تجارب طبية على المريض مثلاً، فإنه يكون قد ارتكب خطأ يستوجب المسؤولية، وكذلك إذا قام بقطع إصبع المريض بناء على طلبه، لكي يعفى من أداء الخدمة العسكرية، فيسأل الطبيب لأن الباعث الذي يبتغيه من عمله ليس شفاء المريض، أو تحقيق مصلحة مشروعة، بل أمر مخالف للنظام العام.

خامساً: إثبات الأخطاء ذات الطبيعة الفنية:

المقصود بالأخطاء الطبية الفنية هي الأخطاء التي يخرج فيها الطبيب على الأصول الثابتة، والقواعد المتعارف عليها نظرياً وعملياً بين الأطباء، والصادرة من جهة معتبرة مثل الجهات المختصة بالأبحاث الطبية، ويشهد أهل الخبرة بكفاءتها، والتي يجب أن يلم بها كل طبيب وقت قيامه العمل الطبي، وبالتالي فإن الخطأ الفني هو الانحراف عن الأصول والقواعد التي تحكم مهنة الطب.

ولقد استقر القضاء على أنه لا يشترط أن يكون الخطأ جسيم حتى تتحقق مسؤولية الطبيب عن عمله الفني، حيث يكفي أن يكون خطأ محققاً، وتتنوع صور الخطأ الطبي إلى عدة صور:

1- الإهمال: كترك الطبيب الجراح في جوف طفل أثناء عملية جراحية إحدى ضمادات ثلاثة استعملها في العملية، فتتحقق مسئوليته لأنه لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لتفادى نسيان هذه الضمادة في جوف الطفل.

2- الرعونة: كقيام جراح بإجراء عملية جراحية للمريض في الفخذ الأيمن بدلاً من الأيسر، بينما لو كان قد راجع الملف الخاص بالمريض لعرف الفخذ المطلوب إجراء الجراحة فيه، وبالتالي كان في استطاعته تجنب الوقوع في هذا الخطأ لو راعى الحيطة والحذر والعناية المطلوبة.

3- عدم الاحتراز: وذلك عندما يجازف الجراح بإجراء عملية خطيرة ولغير ضرورة عاجلة، ويجب على القاضي أن يتثبت من وجود خطأ الطبيب، وأن يكون ثابتاً ثبوتاً كافياً، وأن يعتمد في إثبات ذلك على أدلة الإثبات القانونية ومنها:

  • الإقرار: وهو أقوى الأدلة وهو حجة كاملة يثبت القاضي حكمه استناداً إليه.
  • الشهادة: مثل شهادة طبيب آخر أو ممرض أو مساعد على تقصير أو إهمال الطبيب في إجراء طبي ما، أما إثبات مخالفة الأصول العملية فلا يكون إلا من إخلال الخبرة الفنية.
  • المستندات الخطية والتقارير الموجودة في سجلات المستشفيات، بشرط أن يكون لها حماية خاصة، وأن يحافظ عليها من العبث.

سادساً: دور الخبرة في إثبات الخطأ الطبي:

إن الخبرة لها أهمية كبيرة في إثبات الخطأ الطبي، وتعد أحد أهم الوسائل في إثبات المسؤولية الجزائية والمدنية للطبيب، وذلك على الرغم من أن القاضي غير ملزم بالأخذ بتقرير الخبير، وله سلطة واسعة في تقييمها، ويمكن ألا يتقيد بالنتائج التي توصل إليها الخبير، ويمكن للقاضي أن يرفض الاستناد في حكمه إلى تقرير الخبير إن لم يجد فيه ما كان يريد استيضاحه، ويجوز أن تأخذ المحكمة برأي مخالف لرأى الخبير إذا رأت أن استنتاجاته غير صحيحة ومخالفة للواقع، أو متناقضة مع الوثائق المقدمة كدليل في الدعوى، غير أنه ينبغي على القاضي في هذه الحالات تسبب استبعاد نتائج الخبرة.

وتقتصر مهمة الخبير على إبداء الرأي في المسائل الفنية والتي تساعد القاضي في استنباط الخطأ الطبي، وحتى إذا كان لآراء الخبراء تأثير كبير على قرارات القضاة، لكن القاضي يستقل وحده بالتكييف القانوني لسلوك الطبيب، وقد يقدر القاضي أن رأى الخبير ظاهر الفساد، أو يتعارض مع وقائع أخرى أكثر إقناعاً من الناحية القانونية فلا يلتزم به.

ويشترط في تقرير الخبير أن يكون واضحاً لا يشوبه الغموض أو عدم الدقة، وأن يثبت خطأ الطبيب على وجه الجزم واليقين، أما إذا صرح مثلا بأنه يحتمل وقوع الضرر بسبب خطأ طبي، فهذا التصريح لا يكفي للتعويل عليه لإثارة مسؤولية الطبيب.

والواقع العملي يكشف أن القضاة غالباً ما يتجنبون تقرير الخبراء في مسائل المسؤولية الطبية، بسبب الشك الذي يحوم حول التقرير، وما قد يعتريه من انحياز لمصلحة الأطباء، واحتمال تعاطف الخبير مع زميله، وللقاضي كما أشارنا حرية في تقدير الخبرة غير أن هذه الحرية ليست مطلقة إنما محدودة.

فالقاضي عندما يريد إثبات الخطأ الطبي عن طريق الخبرة يحترم قاعدتين أساسيتين:

القاعدة الأولى فنية: تدخل في اختصاص الخبير، حيث يقوم الخبير على المستوى الفني بالبحث عن كل سلوك يشكل خطأ، إذ يلتزم بمهمته المتمثلة في دراسة الوقائع المادية في إطار المعطيات الفنية، وفى هذه المسائل الخبير يفرض نفسه، ولا يختص بها القاضي، أما القاعدة الثانية فهي قانونية: تدخل في اختصاص القاضي حيث يتمتع بسلطة تقديرية تجاه تقرير الخبير، فله أن يأخذ به أو لا يأخذ، فالتقرير لا يعدو سوى أن يكون عنصر من عناصر الإثبات التي تخضع لسلطة القاضي.[2]

سابعاً: الصعوبات المرتبطة بعبء الإثبات:

١- في مجال الممارسة الطبية :

حرى بنا أن نؤكد على أن طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض هي علاقة غير متكافئة، فأحد أطرافها وهو المريض يعاني من علة ويأمل في معونة الطبيب له في مواجهة ما يعانيه من آلام، ومن ثم يرى أنه الملاذ الأخير الذي يلجأ إليه، الأمر الذي يصعب معه، بل قد يستحيل حصول المريض على دليل من الطبيب.[3]

كما يزيد الأمور تعقيداً وصعوبة في الإثبات أيضاً بالنسبة للمريض، ما يواجه به عادة من التضامن بين زملاء المهنة الواحدة، وكما ذكرنا سابقاً أن الخبرة القضائية قد لا تنصف المريض، لأن الخبير هو في النهاية زميل للطبيب المخطئ، وإذا افترضنا أن الخبير قد يكون محايداً، فقد يلاقى أيضاً العديد من الصعوبات في إثبات الخطأ الطبي، لأن معظم خيوط المسؤولية الطبية تكون في حوزة الطبيب المشكوك في خطئه، فهو الذي يمتلك كافة الملفات الطبية للمريض، ويستطيع العبث بها كيفما يشاء لإبعاد أي دليل قد يؤدى إلى إدانته.

2- الصعوبات المتعلقة بالخطأ الطبي:

إن الخطأ الطبي يتميز بالتعقيد العلمي، كما أنه له طبيعة خاصة، وذلك إذا كان ذو طبيعة فنية، وغالباً ما يكون المريض جاهلاً بتفاصيل وتقنيات العمل الطبي، مما يجعل إثباته صعباً، وتظهر تلك الصعوبة بسبب أن الخطأ الطبي نفسه واقعة سلبية، وإثبات الواقعة السلبية أمر ليس باليسير، لأن الواقعة السلبية هي العدم.

فإثبات الواقعة السلبية يعنى إثبات عدم حوادث الواقعة، ومن المؤكد أن هذا الأمر في غاية الصعوبة خاصة أن الواقعة السلبية ليس لها أي مظهر خارجي.

3- مخاطر الإثبات:

تتمثل مخاطر الإثبات في أنه إذا تعذر المريض في إثبات ما يدعيه، وذلك لعدم اقتناع القاضي بما قنعه من أدلة، فإنه لن يكون أمام القاضي سوى رفض الدعوى لعدم كفاية الأدلة، أو لأن الأدلة غير مؤكدة، فمن المتعارف عليه في القانون الجنائي أن الشك يفسر لمصلحة المتهم، وأن الأحكام القضائية الجنائية لا تبنى على الشك وإنما تبنى على الجزم واليقين.

ثامناً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن طرق الإثبات في مسؤولية الطبيب:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 968 لسنة 2007 ما يلي:

الخطأ الطبي مسألة فنية متخصصة ولا يمكن تقرير مسؤولية الطبيب إلا إذا أجرت المحكمة خبرة فنية بمعرفة أطباء ذوي الدراية والمعرفة. وإذا أجرت محكمة الاستئناف الخبرة بمعرفة ثلاثة أطباء خلصوا في تقريرهم إلى أن الإهمال والتقصير وقلة الاحتراز من خلال :

أولاً:- أن سبب الضرر الذي لحق (بالمدعية) كان ناتجاً عن فقدان السالاين (الماء والملح) من الجهاز وهذا عائد إلى جهاز تكبير الثدي (وكان من الحكمة بعد العملية أن يقوم الطبيب المعالج بالتعامل مع المشكلة من حيث استبدال الجهاز وإجـراء العملية الجراحية اللازمة خاصة وأن الشركـات المزودة للجهاز تقوم عادة بتعويض الأجهزة عند حدوث ذلك).

 ثانياً:- أنه نتيجة للمضاعفات الجراحية فقد لحق ضرر وتشوه بجفن العين اليسرى وكان على المدعى عليه أن يقوم بما يلزم لإصلاح هذه المضاعفات. وحيث أن الطبيب لا يمكن أن يكون رجل فن وتقنية فقط لأن طبيعة الفن تجعل منه أيضاً رجل رأي لإسداء النصح والمشورة بقصد الحفاظ على صحة مريضه وحمايته، إذ أن المريض هو الطرف الضعيف الذي سلم أمور جسمه لرعاية وعناية الطبيب، ولذلك فهو يضع نفسه في كثير من الأحيان تحت رحمة الطبيب وأن مدى سلطة الطبيب هذه وحجمها يقابلها التزامات خاصة لحماية المريض وإرشاده وهي واجبات خارجة عن نطاق التقنية الطبية بمعناها الضيق.

وأن مسؤولية الطبيب المدنية لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات المسؤولية الجزائية، إذ أنه وإن تطلبت المسائلة الجزائية درجة الخطأ الجسيم أو التعمد في مسلك الطبيب المعالج فإن المسؤولية المدنية يكفي لقيامها الإهمال أو التقصير وقلة الاحتراز. وإن المبدأ القائل بأن الالتزام المهني على الطبيب لا يفرض عليه تحقيق غاية وإنما هو مطالب ببذل العنايـة، فإن هذا المبدأ لا يتعارض مع مسئوليته على الوجه السالف الذكر. مما يؤيد الاتجاه الفقهي بتأييد التوجه القضائي الهادف إلى نبذ نظرية مساواة الخطأين ـ الجزائي والمدني ـ في سلوك الطبيب، ذلك أن لكل من هذين الخطأين هدفه الخاص به، ولا يجوز استعمالها والنظر إليهما بنفس المقاييس من الشدة.

وبالتالي فإن المسؤولية الجزائية لا تتحقق لمجرد الخطأ العادي بخلاف المسؤولية الطبية المدنية. وما دام أن الخبراء ـ في تقريرهم ومناقشتهم من المحكمة ـ خلصوا إلى أن إهمالاً أو قلة احتراز أو تقصير كانت من سمات سلوك المدعى عليه في رحلته العلاجية مع المدعية، فإن القدر من الإخلال يكفي لتثريب مسؤولية المدعى عليه ـ المميز ضده ـ عن الأضرار التي لحقت بالمدعية ، وبالتالي تقرير التعويض عنها.

 إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر د/سعيد سالم عبد الله، وسائل الإثبات في الخطأ الطبي، المجلة القانونية، مجلة متخصصة في الدارسات والبحوث القانونية، ص ١٠3.

[2] أنظر علي عصام غصن، الخطأ الطبي، 2006، ص 100.

[3] انظر ارجيلوس، رحاب الحمادي شريف، عبء إثبات الخطأ في المجال الطبي، دفاتر السياسة والقانون، ٢٠١٨ العدد١٩، ص ٨٢٣.

Scroll to Top