أساليب عمل اليونسترال
تضطلع اليونسترال بتحديث القانون التجاري الدولي ليصبح هناك نوعاً من التناسق الدولي بين القوانين الوطنية فيما يتعلق بالقواعد السارية على المُعاملات التجارية، الأمر الذي يكون له بالغ الأثر على انسياب التجارة الدولية وازدهارها، وفي سبيل ذلك تلجأ اليونسترال إلى آليات تهدف إلى مساعدتها في إنجاز هدفها الذي أنشأت من أجل تحقيقه سواء تمثلت في وسائل تشريعية أو أساليب تعاقدية أو توضيحية ، وأساليب عمل اليونسترال وهو ما سيكون محل مقالنا الحالي.
أولاً: الأساليب التشريعية:
تتمثل تلك الأساليب التشريعية فيما يصدر عن اليونسترال من اتفاقيات أو قوانين نموذجية أو أدلة تشريعية وأحكام نموذجية:
1- الاتفاقيات:
الاتفاقية الدولية هي كل اتفاق دولي مكتوب يبرم بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي العام يستهدف ترتيب آثار قانونية معينة طبقاً للقانون الدولي العام[1]، وهذه الاتفاقيات تدخل حيز النفاذ بقبول الأعضاء الأطراف الالتزام النهائي بها سواء تمثل ذلك في التصديق، أو القبول، أو الانضمام، أو تبادل الوثائق.
ويكون الهدف المبتغى وراء إبرام معاهدات دولية تتعلق بالتجارة الدولية هو العمل على توحيد قواعد التجارة الدولية بين الدول التي تنتمي إلى نظم قانونية مختلفة لعمل نوع من التناسق بين تلك القواعد على الصعيد الدولي، لذلك حرصت اليونسترال على أن تكون القواعد محل تلك الاتفاقيات على درجة من المرونة مستهدفة بذلك الوصول إلى الغرض المنشود، وتتجسد تلك المرونة في إمكانية إبداء التحفظات على المعاهدات الدولية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية في حدود القدر المسموح به وبما لا يخل بالغرض الأساسي لموضوع المعاهدة، فضلاً عن إمكانية إصدار إعلانات توفيقية تمكن الدول من الالتزام بالمعاهدة باستثناء الجزء الذي وردت عليه تحفظات.
ومن ضمن الاتفاقيات التي أعدتها اليونسترال ما يلي:
أ- اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع:
الغرض من هذه الاتفاقية يكمن في توفير نظام حديث وموحد ومصنف بشأن إبرام عقود البيع الدولي للبضائع[2]، فهذا النوع من الاتفاقيات يعمل على إضفاء الطابع اليقيني على عمليات التبادل التجاري، فضلاً عن أنه يساعد على خفض تكاليف المعاملات التي تعد أحد عقبات انسياب التجارة الدولية.
فعقود البيع تمثل الدعامة الأساسية للتجارة الدولية في كافة بلدان العالم على اختلاف ما تنتمي إليه من أنظمة قانونية، لذلك كانت تلك الاتفاقية التي تستهدف تطبيق أحكام موحدة لعقود البيوع التجارية بين أطراف العلاقة القانونية.
ب- اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وإنفاذها:
لا يمكن إنكار الدور الجوهري المتنامي للتحكيم الدولي كوسيلة لفض المنازعات التجارية الدولية، فقلما يلجأ المتنازعين إلى الجهات القضائية نظراً لما تتخذه إجراءات التقاضي من وقت وجهد أمام الجهات القضائية الرسمية، لذلك عنيت اليونسترال بوضع معايير تشريعية موحدة للانطباق على النزاعات التحكيمية بين الأطراف المتنازعة فضلاً عن إلزام هؤلاء الأطراف بالاعتراف بإلزامية الأحكام التحكيمية والعمل على تنفيذها.
وهذه الاتفاقية ترمي إلى جعل محاكم الدول الأطراف تعترف بتلك الأحكام التحكيمية مما يتعين على جهات القضاء الرسمية أن تقضي بعدم قبولها للدعوى التي ورد بشأنها اتفاق تحكيم بين الأطراف المتنازعة.
ويكون تطبيق تلك الاتفاقية سارياً على قرارات التحكيم المحلية أو الدولية التي تُعقد بشأن نزاع يتخلله عنصر أجنبي.
2- القوانين النموذجية:
تعد القوانين النموذجية أداة تهدف إلى تحديث القوانين الوطنية والعمل على تناسقها على الصعيد الدولي، وتُعد القوانين النموذجية أيسر في قبولها من الاتفاقيات الدولية ذلك أن القوانين النموذجية تتسم بالمرونة مما يجعل التفاوض بشأن تلك القوانين أمراً يسيراً حيث إنه من الممكن إدخال تعديلات عليها لتصبح متوائمة مع القوانين المحلية.
وقد أرفقت القوانين النموذجية التي أنجزتها اليونسترال مؤخراً بنص “دليل اشتراع” يقدم معلومات خلفية ومعلومات إيضاحية أخرى لمساعدة الحكومات والمشرعين على استخدام نص القانون[3]، وأدلة الاشتراعي تتضمن معلومات تساعد الدول على النظر في ماهية أحكام القانون النموذجي التي قد يتعين تغييرها لمراعاة ظروف وطنية معينة، فضلاً عن أنه تتضمن – أيضا – معلومات متعلقة بمناقشات الفريق العامل التي تتصل بالسياسة العامة.
وتقوم اليونسترال باعتماد تلك القوانين النموذجية في دورتها السنوية وذلك على عكس الاتفاقيات الدولية التي تُعقد في مؤتمر دبلوماسي، ولذلك فإن التكلفة المتطلبة لإعداد النموذج أقل من تلك المتطلبة لإعداد الاتفاقيات، باستثناء تلك الاتفاقيات التي تعتمد من جانب الجمعية العامة التي تقوم بدور المؤتمر الدبلوماسي في هذه الحالة.
ومن أمثلة القوانين النموذجية التي أعدتها اليونسترال ما يلي:
أ- قانون اليونسترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود مع دليل الاشتراعي والتفسير:
يهدف هذا القانون النموذجي إلى توفير آليات فعالة لمعالجة حالات الإعسار عبر الحدود وذلك لتحقيق الأهداف التالية:
- إقامة تعاون بين المحاكم والسلطات المختصة الأخرى المنتمية إلى الدولة الأجنبية التي يوجد بها حالات للإعسار العابر للحدود.
- العمل على إدارة حالة الإعسار إدارة مُثلى لكفالة حماية مصالح الدائنين وكافة الأشخاص المعنين.
- توفير حماية لقيم أصول المدين والعمل على زيادة فيمتها إلى أقصى حد.
- العمل على إنقاذ المؤسسات المالية المُتعثرة مالياً مما يكون له أثر على حماية الاستثمار والحفاظ على فرص العمالة.
ب- قانون اليونسترال النموذجي للتوفيق التجاري الدولي مع دليل إسراعه واستعماله:
تم اعتماد هذا القانون من قبل اليونسترال عام 2002 وهو قانون يقدم قواعد موحدة تتعلق بعمليات التوفيق للتشجيع على اللجوء إليه لتوفير أكبر قدر من اليقين القانوني المُفتقر إليه لغياب الأحكام التنظيمية، ويتناول هذا القانون الجوانب الإجرائية للتوفيق والاتصال بين بين الموفق والأطراف الأخرى، وكذلك يتعلق بسرية الأدلة ومقبوليتها.
وهذه الطريقة المستخدمة في تسوية النزاع يكون لها قدر من الفائدة فيما يتعلق بتقليل الحالات التي يترتب على النزاع فيها إنهاء العلاقات التجارية وتيسير إدارة المعاملات الدولية بين الأطراف التجارية والعمل على تحقيق العدالة من جابت الدول.
ج- قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي:
تم اعتماد هذا القانون عام 1985 والذي يهدف إلى مساعدة الدول في إصلاح وتحديث قوانينها التي تتعلق بإجراءات التحكيم وذلك لمراعاة الاحتياجات الخاصة بالتحكيم الدولي، حيث إن هذا القانون يشمل جميع مراحل التحكيم ابتداء من اتفاق التحكيم مروراً بتكوين الهيئة وولايتها وطرق تدخل المحكمة وصولاً إلى إنفاذ حكم التحكيم.
3- الأدلة والتوصيات التشريعية والأحكام النموذجية:
أ- الأدلة والتوصيات التشريعية:
تستخدم التوصيات التشريعية في الحالات التي يتعذر فيها وضع قاعدة أو نص تشريعي موحد في صورة اتفاقية أو نموذج، حيث تكون التوصيات التشريعية واسعة التبيان في حلول مسائل معينة حيث لا نكون بصدد نص موحد وإنما بصدد مجموعة من المبادئ في صورة توصيات تشريعية.
ولكن نشير إلى ضرورة ألا تقتصر التوصيات على إيراد أهداف عامة وإنما يجب أن تتسم بنوع من التحديد والصرامة حتى ولو انطوت على حزمة حلول تشريعية لمسألة معينة، ونذكر أن إلى التوصيات التي صدرت عن اليونسترال كانت عام 1985 وذلك لتنشيط الأحكام التشريعية المتعلقة بالقيمة القانونية للسجلات الحاسوبية.
وكذلك أيضاً دليل اليونسترال التشريعي لقانون الإعسار والذي صدر عنها عام 2004 وكان يهدف إلى المساعدة على إنشاء نظم قانونية تكفل وضع حلول للضائقة المالية التي قد يمر بيها المدينين والذي كان من المتعين استخدامه كمرجع للسلطات التي تشرع في تعديل أنظمتها الداخلية المتعلقة بتلك المسألة.
ب- الأحكام النموذجية:
تهدف الأحكام النموذجية إلى توحيد وتحديث النظم القانونية القائمة حيث تستخدم في إنشاء اتفاقيات مستقبلية أو تنقيح اتفاقيات قائمة بالفعل، ومن الأحكام النموذجية التي صاغتها اليونسترال الحكم النموذجي الذي ينص على وحدة حسابية عالمية ذات قيمة ثابتة تستخدم على وجه الخصوص فيما يتعلق بالنقل الدولي وكان اعتمادها لهذا الحكم النموذجي عام 1982.
ومن صور الأحكام النموذجية التي استخدمت لتنقيح اتفاقيات قائمة الأحكام التي استخدمتها لتصحيح مبلغ وارد في اتفاقية دولية حيث تم تعديل بند نموذجي يتعلق بمؤشر الأسعار وقاعدة إجرائية نموذجية تتعلق بحد المسئولية، وفي عام 2003 تم اعتماد حكم تشريعي من قبل اليونسترال يتعلق بمشاريع البنية التحتية الممولة من القطاع الخاص.
ج- وضع الصيغ النهائية للنصوص التشريعية:
بعدما يقوم أحد الأفرقة المختصة بإعداد نص اتفاقية أو قانون نموذجي فإن ذلك يعرض على اليونسترال لتتولى النظر فيه أثناء دورتها السنوية، وفي حالات الاقتضاء يكون النص ملحق به تعليق توضيحي بشأن ماورد به لمساعدة اليونسترال والحكومات في مداولاتها بشأن هذا النص، وأيضاً عادة ما يكون معلق على النص الذي أعده الفريق العامل من الحكومات والمنظمات الدولية المهتمة للتعليق عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن إذا كان النص المعني هو نص اتفاقية فلا يجوز لليونسترال اعتماده إلا بعد عرضه على الجمعية العامة أولاً وذلك للتوصل إلى وضع صيغة نهائية للنص واعتمادها وفتح باب الالتزام بها، أما لو كان النص متعلق بقانون نموذجي أو دليل تشريعي فإن اليونسترال هي من تتولى وضع الصيغة النهائية وإضفاء الصفة الرسمية عليه.
ثانياً: الأساليب التعاقدية:
1- ماهية الأساليب التعاقدية:
لدى صياغة العقود ثمة مسائل يمكن تسويتها بالرجوع إلى بند معياري أو موحد أو إلى مجموعة بنود أو قواعد[4]، وهذه القواعد من شأنها أن تحدد المسائل التي يتعين على الأطراف تناولها أو أن تقدم حلولاً دولية معترف بها في بعض المسائل.
2- أمثلة على النصوص التعاقدية التي أعدتها اليونسترال:
أ- قواعد اليونسترال للتحكيم:
اعتمدت اليونسترال في دورتها الثالثة والأربعين قواعد التحكيم بصيغتها المنقحة عام 2010 حيث سُلم بأن تنقيح قواعد التحكيم بصورة تصبح متوافقة لجميع البلدان التي تنتمي لمختلف النظم هو أمر من شأنه أن يسهم في تهيئة علاقات اقتصادية دولية متوائمة، فقواعد التحكيم تستخدم في طائفة واسعة من المنازعات الدولية بين الأطراف التجارية على مختلف القطاعات التي تنتمي إليها.
ب- قواعد اليونسترال للتوفيق:
تم إقرار تلك القواعد في الدورة الثالثة عشر لليونسترال وكان ذلك تعريباً عن إدراك قيمة التوفيق في تسوية النزاعات الناشئة في العلاقات التجارية الدولية والذي يهدف – أي التوفيق –إلى وضع حلول مرضية للأطراف المتنازعة مما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الأطراف.
ثالثا: الأساليب الإيضاحية:
1- الأدلة القانونية:
في بعض الحالات قد لا يكون من الملائم أن يتم وضع قواعد معيارية أو نموذجية، ففي مثل هذه الحالات يكون اللجوء إلى وضع أدلة قانونية تتولى تقديم توضيحات فيما يتعلق بصياغة العقود التي تتسم بالتعقيد – مثل عقود تشييد المنشآت – وسبب اتسام بعض العقود بالتعقيد راجع إلى الافتقار إلى الخبرة الاختصاصية أو المراجع الخاصة بذلك.
وجديراً بالذكر أن الدليل القانوني لا يلزم أن يكون مقتصراً على صياغة العقود، بل قد يشتمل على مناقشة مسائل من اهتمام المشرعين المختصين بوضع اللوائح التنظيمية، وذلك مثل دليل اليونسترال القانوني بشأن التحولات الإلكترونية للأموال والذي وضع عام 1986.
2- أدلة الممارسة العملية:
تستهدف هذه الأدلة القضاة وممارسي المهن القانونية، فهي أدلة تقدم معلومات عن الجوانب العملية في مسألة معينة وذلك مثلاً كدليل الممارسة العملية بشأن الإعسار عابر الحدود الذي وضع عام 2009 والذي كان يقدم معلومات عملية فيما يتعلق بقضايا الإعسار العابر للحدود.
3- الإعلانات التفسيرية:
يعد الإعلان مثال على النصوص الإيضاحية الذي يستخدم في تفسير نص لوضع معنى موحد له، ويكون اللجوء إلى الإعلانات التفسيرية عندما يكون تم تفسير نص على نحو يؤدي إلى نتائج مغايرة لغرض النص مما يترتب عليه إثارة مشاكل تقنية كبيرة.
————————
[1] الدكتور محمد السعيد الدقاق، الدكتور إبراهيم أحمد خليفة – القانون الدولي العام – دار المطبوعات الجامعية – 2009 – ص40.
[2] درقة سعاد – لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي – 2013/2014 – ص 40.
[3] درقة سعاد – لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي – 2013/2014 – ص 42.
[4] درقة سعاد – لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي – 2013/2014 – ص 48.
إعداد/ أحمد منصور.

