النظر في الطعن بالتمييز والحكم فيه

النظر في الطعن بالتمييز والحكم فيه

إن الطعن بالتمييز من طرق الطعن غير العادية التي يلجأ إليها الخصوم عند توافر أحد أسباب الطعن التي نص عليها المشرع في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961، والتي تدور جميعها حول مخالفة الإجراءات القانونية المتبعة في الحكم الجزائي، وقد سبق وأن تعرفنا في مقالات سابقة على الأحكام والقرارات التي يجوز الطعن بها بالتمييز، وعلى أسباب الطعن بالتمييز، وعلى إجراءات الطعن بالتمييز في الحكم الجزائي، وسنتعرف في هذا المقال على النظر في الطعن بالتمييز من قبل محكمة التمييز والحكم فيه، سنداً لنص المادة 280 إلى المادة 289 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

جدول المحتويات

النظر في الطعن بالتمييز  في الحكم الجزائي من الناحية الشكلية

النظر في الطعن بالتمييز في الحكم الجزائي من الناحية الموضوعية

التقيد بصفة الخصم الطاعن

التقيد بأسباب الطعن المقدمة في الميعاد

التقيد بالجزء المطعون فيه من الحكم

الحكم في الطعن بالتمييز

تصحيح محكمة التمييز للحكم المطعون فيه

الطعن بالتمييز للمرة الثانية

 النظر في الطعن بالتمييز في الحكم الجزائي من الناحية الشكلية  

نص المشرع الأردني في المادة 279 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على الأصول القانونية الشكلية  المتعبة للنظر في الطعن بالتمييز في الأحكام الجزائية، وهي تدقيق محكمة التمييز في إضبارة التمييز، فتنظر في الاستدعاء المقدم من الطاعن فتقرر رد الاستدعاء شكلاً إذا كانت الشرائط الشكلية للاستدعاء ناقصة أو قدم الاستدعاء ممن ليس له الحق في تقديمه أو قدم بعد إنتهاء الميعاد القانوني، أو كان من الأحكام والقرارات التي لا يجوز الطعن فيها بالتمييز، أما إذا كان الاستدعاء مقبول شكلاً، فلا حاجة لإصدار قرار خاص بذلك،  وتنتقل المحكمة للنظر في التمييز من الناحية الموضوعية .

النظر في الطعن بالتمييز في الحكم الجزائي من الناحية الموضوعية

بعد قبول استدعاء الطعن بالحكم بالتمييزمن الناحية الشكلية تنتقل المحكمة إلى النظر في الطعن من الناحية الموضوعية، وينصب تركز المحكمة على ثلاثة نقاط وهي :

1_ أسباب الطعن بالتمييز.

2_ صفة الخصم الطاعن.

3_ الجزء المطعون فيه من الحكم.

 وتعد هذه النقاط الثلاثة بمثابة قيود على محكمة التمييز التقييد بها عند نظر الطعن بالتمييز ،وسنتناول الحديث عن كل نقطة من هذه النقاط بصورة تفصيلية.

التقيد بصفة الخصم الطاعن

إن التقييد بصفة الخصم الطاعن يعني أن ينصرف إثر الطعن بالحكم على الجهة أو الخصم الطاعن في الحكم بالتمييز، وهذا مبدأ عام، فالطعن وما قد ينجم عنه من نقض للحكم المطعون فيه لا ينتج أثره، ولا يستفيد منه إلا الخصم الطاعن ولا ينصرف أثره إلى غيره من الخصوم الذين لم يطعنوا بالحكم[1] .

الإستثناءات على مبدأ التقيد بصفة الطاعن

أولاً : امتداد إثر الطعن بالحكم على جميع المحكوم عليهم

نص المشرع الأردني في المادة 285/3 على استثناء على مبدأ التقيد بصفة الطاعن، أي استثناءاً على الأصل يمتد أثر الطعن بالحكم إلى غير الطاعن، وهذا الاستثناء هو إتصال الاسباب التي بني عليها النقض بغير المحكوم عليهم معه في الدعوى، وتقدم بالطعن أحد هؤلاء المحكوم عليهم، فهنا أثر الطعن بالحكم يمتد إليهم جميعاً ولو أن الطعن بالتمييز قدم من أحدهم فقط، وفي حال نقض الحكم تتم محاكمة جميع المحكوم عليهم من جديد مع مراعاة مبدأ عدم إضرار طاعن بطعنه.

والحكمة من هذا الاستثناء هو رفع الخطأ والعمل على تناسق الأحكام وتحقيق مبدأ العدالة[2] .

ثانياً: تقديم الطعن من النيابة العامة

في حال قُدم الطعن من النيابة العامة فإن أثره على يقتصر على النيابة العامة وإنما ينصرف على جميع المحكوم عليهم في الدعوى الجزائية، وبغض النظر عما إذا كان الطعن في الحكم من مصلحتهم أو ضدهم ، فتقديم الطعن من قبل النيابة العامة يبطل مفعول مبدأ التقيد بصفة الطاعن.

التقيد بأسباب الطعن المقدمة في الميعاد

أن أي أسباب يرى الطاعن أنها سبباً لتمييز الحكم لا بد من النص عليها في استدعاء التمييز، فلا يجوز إبداء أي سبب جدبد فيما بعد، فأسباب التمييز تنحصر بالأسباب التي يتم إبداؤها في الميعاد وفي استدعاء التمييز، أي لا يجوز أبداء أسباب جديدة أمام محكمة التمييز، والتقييد بأسباب الطعن يعني أنه أولاً لا يجوز إبداء أسباب جديدة بعد قوات ميعاد التمييز، ولا يجوز للمحكمة أن تنظر من تلقاء نفسها في أسباب لم يوردها الطاعن في طعنه.

الإستثناءات على التقيد في نقض الحكم بالأسباب التي قدمها الطاعن

إن قاعدة التقيد بأسباب الطعن التي يقدمها الطاعن قاعدة غير مطلقة، فقد أجاز المشرع لمحكمة التمييز أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها، ودون التقيد بأسباب الطعن المقدمة من المحكوم عليه، وذلك في حالات معينة نص عليها في المادة 280/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وهذه الحالات هي :

1_ إذا كان الحكم مبني على مخالفة القانون أو أخطأت محكمة الموضوع في تأويله أو تطبيقه

في هذه الحالة إذا تبين لمحكمة التمييز أن محكمة الموضوع قد خالفت القانون أو أخطأت في تطبيقه أو تأويله في حكمها المطعون فيه، فقد أجاز المشرع لمحكمة التمييز أن تنقض الحكم، كما هو الحال حين تحكم محكمة الموضوع بعقوبتين من أجل جريمتين مرتبطتين ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فيجوز لمحكمة التمييز تصحيح الحكم على الرغم من أنه لم يتم الاستناد غلى هذا السبب من أسباب الطعن [3].

2_ إذا كان الحكم مخالفاً لقواعد تشكيل المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه

قصد المشرع في هذه الحالة أن يكون الحكم المطعون فيه صادراً عن محكمة لم تكن مشكلة تشكيل قانوني، ففي هذه الحالة لمحكمة التمييز أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها ولو لم يطعن به أحد الطاعنين، كان يصدر الحكم عن اثنين من القضاة في حين أن الأصل القانوني أو التشكيل القانوني أن يصدر الحكم عن ثلاثة قضاة .

3_ إذا كان الحكم قد وقع في مخالفة قواعد الاختصاص

إن قواعد الاختصاص من النظام العام الذي لا يجوز مخالفتها أو الإتفاق على مخالفتها، ويجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل الدعوى ولأول مرة أمام محكمة التمييز، وللمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها.

وتشمل قواعد الاختصاص جميع أنواعها الشخصي والنوعي والمكاني [4].

4_ صدور قانون جديد يسري على الواقعة

هذه الحالة هي تطبيق لمبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم وهي متعلقة أيضاً بالنظام العام، فإذا صدر قانون جديد لاحق على صدور الحكم المطعون فيه، وكان هذا القانون ينطبق على واقعة الدعوى، وكان أصلح للمتهم من القانون القديم الذي طبق على واقعة الدعوى، فإن محكمة التمييز تنقض الحكم بناء على السبب الذي لم يستند إليه الطاعن في طعنه[5] .

التقيد بالجزء المطعون فيه من الحكم

على محكمة التمييز عن النظر في الحكم المطعون فيه أن ينصب تركيزها على الجزء المطعون فيه في الحكم فقط لا غير، فلا يجوز لمحكمة التمييز أن تنظر وتفصل في أجزاء من الحكم لم يتناولها الطعن، وفي حال نظرت بما لم يطلبه الطاعنين، فيكون حكمها حائزاً لقوة الأمر المقضي به، وذلك سنداً لنص المادة 285/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها: لا ينقض من الحكم الا ما كان متعلقاً بالاسباب التي بني عليها النقض ما لم تكن التجزئة غير ممكنة.

فإذا كان الحكم صادراً في عدة تهم، وطعن فيه من جانب المحكوم عليه أو من جانب النيابة العامة، بالنسبة لبعض هذه التهم فقط، اقتصر النقض على التهم المطعون فيها وحدها، ويكون الحكم فيما يتعلق بقضائه في التهم الأخرى التي لم يتناولها الطعن حائزاً لقوة الأمر المقضي به[6]

 وبالاستناد إلى ذات المادة نجد أن المشرع قد وضع شرط  على التقيد بالجزء المطعون فيه من الحكم وهو أن يكون الحكم قابلاً للتجزئة أما في حال لم يكن الحكم قابلاً للتجزئة، فإن الحكم ينقض بالنسبة لكل ما قضى به ، ومثال على ذلك حين يقدم المدعى عليه للمحاكمة عن تهمتي الزور واستعمال محرر مزور، ثم يقضى استئنافاً بإدانته بالجريمة الأولى وبراءته في الثانية، فإذا طعنت النيابة العامة بطريق التمييز  في حكم البراءة، فإنه يكون على محكمة التمييز في هذه الحالة أن تقضي بنقض الحكم في التهمتين معاً إذا ما قبلت طعن النيابة، لأن الجريمتين مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً لا يقبل التجزئة، إلى الحد الذي يجعل الفصل في إحداهما متوقفاً على الفصل في الأخرى[7].

الحكم في الطعن بالتمييز

إن الدعوى الجزائية تمر بمراحل عند عرضها على محكمة التمييز، وتتمثل هذه المراحل بمرحلة أولى وهي قانونية ومرحلة ثانية وهي موضوعية أو واقعية[8]، ففي المرحلة القانونية تنظر المحكمة مدى توافر الشروط الشكلية في إستدعاء التمييز وبناءً على ذلك إما تؤيد الحكم المطعون به أو تقرر نقضه وقبوله شكلاً، أما المرحلة الثانية وهي الموضوعية فتتمثل بالنظر في موضوع الطعن وتدقيق الحكم المطعون فيه والبت في طلب النقض بالرد أو القبول بعد تدقيق أسباب الطعن.

قرار المحكمة برد استدعاء الطعن بالتمييز

تقرر محكمة التمييز رد استدعاء التمييز إذا وجدت أنه ات يوجد سبباً للنقض، وأنه الحكم المطعون فيه موافقاً للأصول والقانون، وعليه يصبح الحكم مبرماً أي قطعياً بحق الجهة الطاعنه، وذلك سنداً لنص المادة 286 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والذي جاء فيه يترتب على رد استدعاء التمييز صيرورة الحكم المميز مبرماً بحق مقدمه ، ولا يجوز له باي حال ان يميزه مرة ثانية .

قرار المحكمة بقبول أسباب الطعن

إذا قبلت محكمة التمييز أسباب النقض، أو وجدت له سبباً من تلقاء نفسها، فإنها تقضي بنقض الحكم كلياً أو جزئياً، وتأمر بإعادة الأوراق إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المنقوض لتحكم في الدعوى من جديد .

الحكم المنقوض

على محكمة الموضوع اتباع النقض عند عودة الحكم منقوض إليها من محكمة التمييز، وذلك في حال كان الرد لعدم الاختصاص أو لسقوط الدعوى بالتقادم أو لمانع قانوني يحول دون السير بها، سنداً لنص المادة 288 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والذي جاء فيها على المحكمة اتباع النقض اذا كان حكمها المنقوض متضمناً رد الدعوى لعدم الاختصاص او لسقوطها بالتقادم او لمانع قانوني يحول دون السير بها، ويتم ارسال صورة طبق الأصل عن الحكم برد التمييز إلى رئيس النيابة العامة خلال أسبوع من صدوره لتحال إلى النائب العام لدى المحكمة التي أصدرت الحكم المميز.

تصحيح محكمة التمييز للحكم المطعون فيه

تقبل محكمة التمييز بالطعن بالحكم موضوعاً، ولكنها لا تنقضه، بل تصححه إذا وجدت أن العقوبة المحكوم بها مبررة، سنداً لنص المادة 282 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها إذا اشتملت أسباب الحكم على خطا في القانون او وقع خطا في ذكر النص القانوني او في وصف الجريمة او في صفة المحكوم عليه وكانت العقوبة المحكوم بها هي المقررة في القانون للجريمة بحسب الوقائع المثبتة في الحكم تصحح محكمة التمييز الخطا الذي وقع وترد التمييز بالنتيجة.

الطعن بالتمييز للمرة الثانية

قد يحدث أن تصر محكمة الموضوع على قرارها المنقوض وذلك في غير الأحوال التي يجوز لها ذلك ، فإذا تم الطعن بالحكم مرة ثانية ولذات أسباب الطعن المقدمة المرة الأولى التي قبلتها محكمة التمييز ونقضت الحكم لأجلها، ففي هذه الحالة يجوز للمحكمة أن تعيد القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم فيها،وعندئذ يترتب عليها أن تمتثل لقرار النقض، وللمحكمة أن تفصل في الدعوى بنفسها وبالوجه الذي تراه مناسباً للعدل والقانون، وفي هذه الحالة تصبح محكمة التمييز محكمة موضوع  وتقوم بالإجراءات والأصول العادية للمحاكمة،ولها أن تحكم بالحكم الذي تراه مناسباً إن كان بالبراءة أو الإدانة أو عدم المسؤولية، فتصدر المحكمة حكمها بالاستناد إلى الأوراق والبينات الموجودة في ملف القضية دون دعوة الخصوم، ويكون الحكم الصادر في الموضوع عن محكمة التمييز قطعياً وغير قابل للطعن بطبيعة الحال.

من إجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بالنظر في الطعن بالتمييز والحكم فيه

الحكم رقم 3166 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: الطعن بالتمييز للمرة الثانية لا يقبل إلا إذا نقضت محكمة التمييز الطعن الأول أما إذا قضت برده فيصبح قطعياً لا يقبل الطعن فيه من جديد

بتاريخ 7/3/2021 قدم المميز / علي محمد عمر الزيادي بوساطة وكيله المحامي د. إبراهيم الجزازي هذا التمييز للمرة الثانية للطعن في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف رقم (45611/2014) الصادر بتاريخ.21/12/2014

ودون حاجة للرد على أسباب التمييز 

نجد أنه سبق للمميز وأن طعن في القرار المميز / الحكم الاستئنافي رقم (45611/2014) تمييزاً لدى محكمة التمييز التي أصدرت قرارها رقم (630/2015) تاريخ 26/8/2015 قضت فيه برد التمييز المقدم من المميز وتأييد القرار المطعون فيه.

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، 2021، ص 645.

[2] د. سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجزائية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1997، ص 810؟

[3] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائي، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988، ص 647.

[4] د. حسن جوخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى، 1993، ص 312.

[5] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، 2021، ص 647.

[6] د. عمر سعيد رمضان، أصول المحاكمات الجزائية في التشريع اللبناني، 1971، ص 616.

[7] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2021، ص 648.

[8] د. عمر سعيد رمضان، مرجع سابق، ص 616.

Scroll to Top