فقدان أصول الأحكام الجزائية
إن الأحكام القضائية سواءً كانت جزائية أم مدنية ففي مجملها هي تعبير عن إرادة القانون وعن إرادة الدولة وسيادتها في الحفاظ على النظام العام، فأصل الأحكام القضائية يصدر عن السلطة القضائية في الدولة ، فالمحاكم القضائية وعلى اختلاف أنواعها ودرجاتها هي صاحبة الاختصاص الأصيل والوحيد بإصدار الأحكام القضائية، فالحكم القضائي الذي يصدر عن تلك المحاكم القضائية هو بمثابة سند تنفيذي قابل لتنفيذ مضمونه فوراً وفقاً لأحكام القانون، فهو يفصل في النزاع، وينهي الجدل القانوني بين أطراف الخصومة بفرض إرادة المشرع التي تُرجمت على شكل حكم القضائي يلزم أطراف الخصومة بالنتيجة الصادرة فيه ما دام استنفذ أطراف الدعوى جميع طرق الطعن بالحكم.
لكن ماذا لو صدر حكم قضائي ثُم فقد هذا الأصل وإن كان هذا الأمر مستبعد نوعاً ما مع التقدم التكنولوجي الحديث والوسائل التكنولوجية المستخدمة في حفظ وأرشفت ليس فقط الأحكام القضائية وإنما كل ورقة من أوراق الدعوى القضائية، لكن قد يحدث وإن يفقد أصل الحكم القضائي لسبب ما، فما هو المقصود بالحكم القضائي؟، وما هي الأسباب التي قد تؤدي إلى فقدان أصول الأحكام القضائية؟، وكيف عالج المشرع الأردني هذه المسألة، كل ذلك وأكثر سنتحدث عنه في هذا المقال، مستندين في ذلك إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.
جدول المحتويات
أسباب فقدان أصول الأحكام القضائية
كيف عالج المشرع الأردني فقدان أصول الأحكام القضائية
الأحكام القانونية المعالجة لمشكلة فقدان أصول الأحكام القضائية
عدم وجود صورة مصدقة عن أصل الحكم
المقصود بالحكم القضائي
إن للحكم معنيان الأول الحكم من حيث وظيفته، وهو السلطة المعترف بها للدولة في حل النزاعات التي قد تنشأ بين أفراد المجتمع، أو بين الدولة نفسها والأفراد، أما المعنى الثاني فيصف الحكم بأنه القرار الصادر عن الدولة والتي تمارس فيه سلطتها في وضع حل للنزاعات من خلال جهة منوط بها القيام بهذه المهمة، وهذه الجهة هي المحاكم التي ومن خلال قراراتها تعبر عن إرادة الدولة[1]، ويُعرف الحكم على أنه نطق لازم وعلني يصدر عن المحكمة ويفصل في خصومة مطروحة أمامها طبقاً للقانون [2]، وعليه فإن الحكم القضائي هو قرار صادر عن جهة قضائية وهي المحكمة يفصل في منازعة معينة ، فيحل النزاع وينهي الخصومة وبصدوره ترفع يد المحكمة عن القضية، وبمضمونه يلزم أطراف الدعوى.
ما هو الشي الذي يميز الحكم القضائي عن غيره من القرارات أو الأوامر التي تصدر عن النيابة العامة مثلاً؟
ما يميز الحكم القضائي هو أنه أولا ينهي الخصومة، وثانياً بأنه صادر عن المحكمة ، وثالثاً بأنه نطق لاوم علني ، فالنطق بالحكم من شروط صحة الحكم ويقصد به تلاوة الحكم شفوياً في جلسة علنية . فإن انتفاء العلانية عند النطق بالحكم يرتب بطلانه وهذا أهم ما يميز الحكم القضائي عن غيره من القرارات والأحكام.
أصل الحكم القضائي
أصل الحكم القضائي يكمن في طريقة ترجمته لشي مادي ملموس، ويبدأ ذلك بتحرير الحكم وتوقيعه.
تحرير الحكم وتوقيعه
الحكم القضائي يجب أن تتم كتابته وأن يتم التوقيع عليه من قبل جميع قضاة الحكم وأن يحفظ بعد النطق به في السجل الخاص بالأحكام، وعليه فإن أصول الأحكام القضائية توجد في السجل الخاص بالأحكام التي بدورها تحفظ أصل الحكم والأوراق القضائية المتعلقة به.
الحكمة من وجوب تحرير الحكم وتوقيعه
إن الحكمة من وجوب تحرير الحكم وتوقيعه وحفظه هي حتى يمكن إثبات صدور هذا الحكم، وحتى يمكن تنفيذه، فإذا لم يتم تحرير الحكم على الصورة المبينة في القانون، فإنه سيتعذر إثباته والاحتجاج به، مما يستحيل معه تنفيذه، إذ يعتبر عندئذ منعدم الوجوب أصلاً، وهنا تكمن خطورة فقدان أصول الأحكام القضائية[3] .
مسودة الحكم وأصل الحكم
هل من الممكن أن تحل مسودة الحكم محل أصل الحكم في حال فقدانه، مسودة الحكم ما هي إلا مشروع لأصل الحكم وبتالي هي لا تحتوي على شروط صحة الحكم وأهمها توقيع الحكم، فبتالي هي ورقة يمكن التعديل عليها ، ولا تنشئ ولا تكسب أي طرق حق من الحقوق ولا يمكن الاحتجاج بها ولا الطعن فيها، فكل هذه الأشياء تكتسب بموجب النسخة الأصلية لقرار الحكم المكتوب والموقع من قبل الهيئة الحاكمة التي أصدرته.
توقيع أصل الحكم القضائي
إن توقيع القضاة على الحكم القضائي الصادر عنهم هو ما يكسب الحكم القضائي الأصل، فإن خلا الحكم من التوقيع اعتبر ورقة لا وجود قانوني لها بما تتضمنه، فقد قضت محكمة التمييز في حكم لها على أنه :
لما كان رئيس المحكمة قد وقع صفحات الحكم عدا الصفحة الأخيرة المتضمنة باقي أسبابه ومنطوقه فإن هذه الصفحة تكون مشوبة بالبطلان مما يستتبع حتماً بطلان الحكم ذاته [4].
أسباب فقدان أصول الأحكام القضائية
نصت المادة 319 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على الأسباب التي قد تُفقد أصول الأحكام وهي :
ضياع أصول الأحكام أو تعرضها للتلف لأي سبب من الممكن أن يتلف الأوراق كالحريق أو بالمياه كحدوث سيل أو أسباب غير عادية أو تمت سرقتها .
كيف عالج المشرع الأردني فقدان أصول الأحكام القضائية
قبل الخوض في الحديث عن رأي المشرع الأردني بفقدان أصول الأحكام القضائية وكيف عالج مشكلة فقد الحكم، لا بد أن نذكر أن المشرع الأردني قد أشار في المادة 319 أن الأحكام القانونية التي عالج بها مشكلة فقد الحكم القضائي تنطبق على أصول الأحكام الصادرة في دعاوى الجناية، أو الجنحة، أو الأوراق المتعلقة بتحقيقات ،أو محاكمات لم تقترن بنتيجة بعد، فقد جاء بنص المادة 319 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ما يلي :
إذا فقدت أصول الأحكام الصادرة في دعاوى الجناية، أو الجنحة، أو الأوراق المتعلقة بتحقيقات ،أو محاكمات لم تقترن بنتيجة بعد أو إذا أتلفت بالحريق أو السيل أو بأسباب غير عادية أو سرقت وتعذر إعادة تنظيمها تطبق القواعد المنصوص عليها في المواد التالي
وعليه نجد أن المشرع قد وضع شرطاُ لتطبيق الأحكام التي سنأتي على ذكرها لعلاج مشكلة فقدان أصول الأحكام القضائية وهو تعذر أو استحالة إعادة تنظيم هذه الأحكام .
الأحكام القانونية المعالجة لمشكلة فقدان أصول الأحكام القضائية
نص المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية على أحكام قانونية تنظم وتعالج مشكلة فقدان أصول الأحكام القضائية، وذلك في كل من المواد 319 وقد سبق وأن تحدثنا عنها فقد جاءت متضمنه لأسباب فقدان أصول الأحكام التي يأخذ بها القانون وهي أسباب بمجملها غير عادية، وسنتناول الحديث عن كل من المادة 320 والمادة 221 لنتعرف على الأحكام المعالجة لهذا المشكلة القانونية .
وجود خلاصة الحكم
أحد الحلول التي طرحها المشرع الأردني لحل مشكلة فقدان أصول الأحكام القضائية هو عن طريق خلاصة الحكم، فوجود خلاصة الحكم أو نسخة مصدقة عنها أو محوسبة بطريقة قانونية تعد بديل قانوني عن اصل الحكم المفقود أي تعد بمثابة أصل الحكم وتحل محل أصل الحكم ، أيضا في حال وجدت خلاصة الحكم بأشكالها السابقة لدى شخص عادي أو موظف رسمي فيأمر رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم بتسليمها إلى قلم المحكمة، ولهؤلاء الأشخاص الحصول على صورة مجانية عن هذه الخلاصة، وبذلك يبرئ الأمر بتسليم الخلاصة أو النسخة ذمة الشخص الموجودة لديه تجاه ذوي العلاقة بها، وذلك سنداً لنص المادة 320 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .
والسؤال الذي يثور ما الذي يميز خلاصة الحكم لكي يعتد بها القانون بمثابة أصل للحكم عند فقدان أصل الحكم ؟
هي عرض مجمل لوقائع الدعوى ثم طلبات الخصوم وخلاصة موجزه لدفوعهم ودفاعهم الجوهري ورأى النيابة ثم ذكر بعد ذلك أسباب الحكم ومنطوقه، بحيث تشمل الخلاصة جميع ما ذكر في الحكم، ولكن بشكل مختصر مقتضب .
عدم وجود صورة مصدقة عن أصل الحكم
ما هو الرأي القانوني في حال فقدان أصل الحكم والنسخة المصدقة عنه، هذه الحالة نصت عليها المادة 320 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وفي هذه الحالة إذا وجد قرار الظن أو الاتهام، فيتم استكمال إجراءات المحاكمة استنادا لهذا القرار ويصدر حكم جديد في الدعوى الجزائية، أما في حالة لم يتم العثور حتى على قرار الاتهام أو قرار الظن فتتم إعادة المحاكمة ابتداء مما فقد من الأوراق أي بالعودة إلى المعاملات الموجودة واستكمال ما فقد منها.
إعداد المحامية : ليلى خالد.
[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ، الطبعة السادسة، 2021، ص 527.
[2] د رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980، ص 750.
[3] د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار ومطابع الشعب، القاهرة، 1988، ص 449.
[4] تمييز جزاء رقم 322/94، مجلة نقابة المحامين، ج 1 ، ص 128.

