الاختصاص الموسع لمحكمة أمن الدولة

الاختصاص الموسع لمحكمة أمن الدولة بموجب قانون منع الإرهاب

محكمة أمن الدولة محكمة استثنائية أقر لها المشرع الأردني اختصاص نوعيًا محددًا حيث تختص بنظر مجموعة محددة من الجرائم أما أن يكون هذا التحديد حصري بنصوص واضحة وإما أن يكون مندرج تحت مفهوم العمل الإرهابي، ومن ضمن الجرائم الداخلة في اختصاص محكمة أمن الدولة الجرائم الدارجة بقانون منع الإرهاب، وفي هذا المقال سنناقش أثر دخول قانون منع الإرهاب ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة على النطاق النوعي للمحكمة، وسيكون ذلك العرض من خلال النقاط الآتية:

أولًا: سند اختصاص محكمة أمن الدولة بجرائم منع الإرهاب

ثانيًا: مفهوم العمل الإرهابي

ثالثًا: بيان التوسع في الاختصاص لمحكمة أمن الدولة

رابعًا: التعقيب على التوسع بموجب القانون

خامسًا: تطبيقات قضائية

سادسًا: خاتمة

أولًا: سند اختصاص محكمة أمن الدولة بجرائم منع الإرهاب

كما بينا في مقدمة المقال أن محكمة أمن الدولة محكمة استثنائية والجرائم الداخلة ضمن قانون منع الإرهاب تدخل ضن اختصاصها، والسند في ذلك نصت المادة (3/3) من قانون محكمة أمن الدولة حيث نصت على (أ‌. على الرغم مما ورد في أي قانون آخر تختص محكمة امن الدولة بالنظر في الجرائم المبينة أدناه التي تقع خلافاً لأحكام القوانين التالية أو ما يطرأ عليها من تعديل يتعلق بهذه الجرائم أو ما يحل محلها من قوانين :3- جرائم الإرهاب المنصوص عليها في المواد من (147) إلى (149) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته وجرائم الإرهاب الواقعة خلافاً لأحكام قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (46) لسنة 2007 وتعديلاته.)، وكذلك نص المادة (8) من قانون منع الإرهاب والتي نصت على ( تختص محكمة امن الدولة بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون.).

ثانيًا: مفهوم العمل الإرهابي

يُفهم الإرهاب عمومًا على أنه يشير إلى أعمال العنف التي تستهدف المدنيين سعياً وراء أهداف سياسية أو أيديولوجية. من الناحية القانونية، وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يعتمد بعد  تعريف شامل للإرهاب والإعلانات القائمة والقرارات والعالمية تحدد المعاهدات “القطاعية” المتعلقة بجوانب محددة منها أفعالًا معينة والعناصر المركزية. في عام 1994، إعلان الجمعية العامة بشأن التدابير للقضاء على الإرهاب الدولي، المنصوص عليها في قرارها 49/60، أن الإرهاب يشمل “الأعمال الإجرامية التي يُقصد منها أو يقصد منها الاستفزاز حالة من الرعب لدى عامة الناس أو مجموعة من الأشخاص أو خاصة الأشخاص لأغراض سياسية “وأن مثل هذه الأعمال” تتم بأي حال من الأحوال غير مبرر مهما كانت الاعتبارات السياسية والفلسفية، الطبيعة الأيديولوجية أو العرقية أو الأثنية أو الدينية أو أي طبيعة أخرى يمكن التذرع بها لتبريرها [1]“. ومن خلال الأسطر القادمة سنحاول بيان مدى توسع الاختصاص لمحكمة أمن الدولة بموجب اختصاصها بنظر الجرائم المجرمة بموجب قانون منع الإرهاب.

وأهمية التعرض لتعريف العمل الإرهابي ضمن الحديث عن توسع اختصاص محكمة امن الدولة بموجب جرائم منع الإرهاب هي إيضاح الصورة للقارئ حول العلة من هذا التوسع، ومن خلال التعريفات السابقة للعمل الإرهابي يمكنا أن نحدد أثنين من المبادئ التي تحدد دخول بعض الجرائم دون غيرها ضمن نطاق جرائم منع الإرهاب وهما:

أ- الاستهداف

حيث أنه بمطالعة الجرائم الداخلة ضمن قانون منع الإرهاب نجد أنها جميعها تكون نتيجتها الإجرامية تمس عددًا من المجني عليهم سواء كان الاعتداء عليهم دون تمييز أو كان الاعتداء بسبب اعتناقهم أفكار معينة.

ب- الخطورة الإجرامية

ونجد ذلك كون تلك الجرائم لها خطورة إجرامية خاصة كونها تهدد الكيان السياسي أو الاقتصادي أو الأمني للدولة، لذا لزم أن تضع التشريعات المتباينة قوانين صارمه لمواجهة تلك الجرائم سواء أكانت ضمن نصوص قانون العقوبات أو ضمن قانون منفصل كما نناقش في هذا المقال وفقًا للتشريع الأردني.

ثالثًا: بيان التوسع في الاختصاص لمحكمة أمن الدولة

الاختصاص النوعي للمحاكم يحدد بواسطة مواد قانونية ثابته، ولبيان مدى توسع محكمة أمن الدولة في الاختصاص بموجب تناولها لقانون منع الإرهاب يمكن أن نحددها بواسطة المواد القانونية والتي هي السند القانوني لاختصاص المحكمة، وحيث نظمت المادة (3) من قانون منع الإرهاب الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، وسنناقش تلك الأسباب المؤدية لتوسع المحكمة في اختصاص المحكمة من خلال العناصر الآتية:

1- مصطلح “العمل الإرهابي” في القانون

نصت المادة (3/أ) من قانون منع الإرهاب على (مع مراعاة أحكام قانون العقوبات أو أي قانون آخر ، تعتبر الأعمال التالية في حكم الأعمال الإرهابية المحظورة: ‌أ. القيام بأي وسيلة مباشرة أو غير مباشرة بتقديم الأموال أو جمعها أو تدبيرها بقصد استخدامها لارتكاب عمل إرهابي أو تمويل الإرهابيين سواء وقع العمل أو لم يقع داخل المملكة أو خارجها متعلق بمواطنيها أو مصالحها.)

نجد أن الفقرة (أ) من المادة (3) قد رتبت العاقب لكل من يتعامل في الأموال إذا كان الغاية من هذه التعاملات مساعدة القائمين على الأعمال الإرهابية، فنجد أن المعيار المميز لعنصر التجريم في هذه المادة هو العمل الإرهابي.

وبمطالعة المادة (2) من قانون منع الإرهاب الأردني نجد أنها قد عرفت العمل الإرهابي حيث نص على (العمل الإرهابي: كل عمل مقصود أو التهديد به أو الامتناع عنه أياً كانت بواعثه وأغراضه أو وسائله يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إحداث فتنة إذا كان من شأن ذلك الإخلال بالنظام العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الأملاك الخاصة أو المرافق الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو احتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية أو الاقتصادية للخطر أو إرغام سلطة شرعية أو منظمة دولية أو إقليمية على القيام بأي عمل أو الامتناع عنه أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو الأنظمة.)

  ومن الوهلة الأولى نجد أن تعريف العمل الإرهابي الوارد بالمادة سالفة البيان قد جاء به العديد من المصطلحات الفضفاضة التي قد يدخل تحتها كثيرًا من الجرائم دون ضوابط محددة، ولعل ذلك هو ما جعل للمحكمة اختصاص موسع بموجب قانون منع الإرهاب، وعلى سبيل المثال لا الحصر سنناقش ذلك من خلال تطبيق عملي للوقوف على مدى تأثير المصطلحات الفضفاضة بتعريف العمل الإرهابي على توسع نطاق محكمة أمن الدولة.

إن القضاء النظامي هو صاحب الاختصاص في جرائم السطو، إذا كان مرتكبه شخصا مدنیا، فهي عبارة عن عمليات سرقة بالظرف المشدد، ولا تشكل أعمالا إرهابية، فهي لیست من اختصاص محكمة أمن الدولة، أما إذا ارتكبت من خلال تشكيل عصابة منظمة فهي من اختصاص محكمة أمن الدولة، والتحقیقات هي التي تحدد ذلك، وتقدر عقوبة السطو وفق القانون بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات وقد تصل العقوبة فیها إلى 15 عاماً.[2]

وهذا ما نجده أنسب للتطبيق وهو المعمول به ببعض التشريعات إلا أننا نجد أن المشرع الأردني قد خرج عن ذلك حيث جاء بالحكم رقم 2216 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2021-10-05 والذي جاء به :

من حيث التطبيقات القانونية:

إن قيام المتهم باستخدام وسائل التخفي ودخوله إلى إحدى المؤسسات الاقتصادية والمالية الهامة وهي إحدى فروع بنك الاتحاد والتي هي مؤسسة مصرفية تتعامل بالنقد بشكل يومي وبأعداد كبيرة من الناس ويرتادها المئات من الأشخاص بشكل يومي وهي محط ثقة مالية للمواطنين بإيداع نقودهم وأموالهم فيها طلباً للأمان وإن قيام المتهم وبالشكل الذي أوردناه بالذهاب إلى هذه المؤسسة والتعدي على كل الإجراءات الأمنية وإثارة الرعب والفزع وإرهاب الناس المرتادين للمؤسسة وزعزعت الاستقرار الاقتصادي فإن كل هــــذه الأفعال ارتكبها المتهم بوعي وإرادة وبقصد منه لإيقاع الجريمة على النحو الذي عرفه القانون وبغض النظر عن الدافع الشخصي بسبب الحصول على المال فإن ذلك كله يشكل جناية القيام بعمل مقصود من شأنه تعريض سلامة المجتمع واقتصاده للخطر وإثارة الرعب والإخلال بالنظام العام خلافاً لأحكام المادة (2) وبدلالة المادة (7/ط) من قانون منع الإرهاب.

كما أن قيام المتهم بأخذ النقود من موظفة البنك تحت التهديد بالسلاح والعنف فإنه يشكل أيضاً جناية السرقة بحدود المادة (401/1/3) من قانون العقوبات وحيث إن القرار المميز قد استعرض أركان وعناصر الجنايتين وتوصل للتجريم بهما كما أسلفنا فإنه قد أصاب صحيح القانون في التطبيقات القانونية على واقعة الدعوى وإن أسباب الطعن في هذا الشأن لا ترد على القرار المميز ويتعين ردها ونؤيده في ذلك.

من حيث العقوبة:-

نجد أن العقوبة المفروضة هي العقوبة المقررة حسب القانون ولا يوجد ما يلزم محكمة الموضوع بتبرير مقدار العقوبة وعدم الحكم بالحد الأدنى فهي ضمن صلاحياتها التقديرية في تقدير العقاب وتحقيق الردع والتناسب مع جسامة الضرر ولذلك نؤيد القرار المميز في ذلك.

وحيث جاء القرار المميز مستوفياً لشروطه القانونية جميعها واقعة وتسبيباً وعقوبة ولا يوجد أي عيب من العيوب التي تستدعي نقضه بموجب المادة (274) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ولا ترد عليه أسباب الطعن مما يتعين تأييده.

ومن خلال هذا التطبيق نجد أن تعريف العمل الإرهابي وبما جاء به من عبارات فضفاضه قد جعل محكمة أمن الدولة مختصة بنظر جريمة السرقة الواقعة بالبنك رغم وجود نص ينظمها بقانون العقوبات بالمحكمة النظامية.

وقولنا في ضرورة ضبط المصطلحات القانونية لا يعني البته التقليل من خطورة الفعل بل نقول أنه يمكن تشديد العقوبة مع الابقاء على حق المتهم في نظر دعواه أمام محكمة نظامية عادية لا محكمة استثنائية “محكمة أمن الدولة”.

2- التعدد الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة بموجب القانون

إن السبب الثاني من أسباب التوسع لمحكمة أمن الدولة في الاختصاص بموجب قانون منع الإرهاب أن قانون منع الإرهاب قد شمل العديد من الجرائم، فعلى الرغم أن جميعها تدور في فلك واحد ” الخطورة الإجرامية للعمل الإرهابي ” إلا أن المشرع الأردني قد عدد مجموعة من الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة بموجب قانون منع الإرهاب.

وفي ذلك نصت المادة (3) من قانون منع الإرهاب الأردني على:

مع مراعاة أحكام قانون العقوبات أو أي قانون آخر ، تعتبر الأعمال التالية في حكم الأعمال الإرهابية المحظورة :

‌أ. القيام بأي وسيلة مباشرة أو غير مباشرة بتقديم الأموال أو جمعها أو تدبيرها بقصد استخدامها لارتكاب عمل إرهابي أو تمويل الإرهابيين سواء وقع العمل أو لم يقع داخل المملكة أو خارجها متعلق بمواطنيها أو مصالحها .

‌ب. القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكر صلاتها بدولة أجنبية أو تعرض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم .

‌ج. الالتحاق أو محاولة الالتحاق بأي جماعات مسلحة أو تنظيمات إرهابية أو تجنيد أو محاولة تجنيد أشخاص للالتحاق بها أو تدريبهم لهذه الغاية سواء داخل المملكة أو خارجها .

‌د. تأسيس جمعية أو الانتساب إليها أو لأي جماعة أو تنظيم أو جمعية أو ممارسة أي منها لأي عمل بقصد ارتكاب أعمال إرهابية في المملكة أو ضد مواطنيها أو مصالحها في الخارج .

ه. استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة نشر أو إعلام أو إنشاء موقع إلكتروني لتسهيل القيام بأعمال إرهابية او دعم لجماعة أو تنظيم أو جمعية تقوم بأعمال إرهابية أو الترويج لأفكارها أو تمويلها أو القيام بأي عمل من شأنه تعريض الأردنيين أو ممتلكاتهم لخطر أعمال عدائية أو انتقامية تقع عليهم .

و‌. حيازة أو إحراز أو صنع أو استيراد أو تصدير أو نقل أو بيع أو تسيلم مادة مفرقعة أو سامة أو كيمياوية أو جرثومية أو إشعاعية أو ملتهبة أو حارقة أو ما هو في حكم هذه المواد أو أسلحة أو ذخائر أو التعامل بأي منها على أي وجه بقصد استخدامها للقيام بأعمال إرهابية أو على وجه غير مشروع .

ز‌. الاعتداء على حياة الملك أو حريته أو الملكة أو ولي العهد أو احد أوصياء العرش .

ح‌. كل فعل يقترف بقصد إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور أو منعها من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور أو تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة .

ط . تشكيل عصابة بقصد سلب المارة والتعدي على الأشخاص أو الأموال أو ارتكاب أي عمل آخر من أعمال اللصوصية .

رابعًا: التعقيب على التوسع بموجب القانون

إن أهم ما يميز القاعدة القانونية هو التجريد بحيث من المفترض ألا تطبق وفق أهواء أحد أو أن يكون الهدف من تطبيقها النيل من أحد بشخصه، وفي نطاق تعقيبنا على توسع اختصاص محكمة أمن الدولة بموجب قانون منع الإرهاب سنتناول جانبين في هذا القانون أحدهما إيجابيًا والأخر سلبي.

1- الجانب الإيجابي

 الرأي عندنا أن الجانب الإيجابي في التوسع بموجب قانون منع الإرهاب هو أن القانون في المادة الثالثة منه قد مجموعة من الجرائم الخطيرة والتي رأى فيها من الخطورة أن تدخل ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة، وما نراه إيجابيًا في هذا الشأن أن الطبيعة الاستثنائية لمحكمة أمن الدولة من حيث طبيعة الإجرائية وطرق الطعن توجب أن يكون اختصاصها في أضيق الحدود.

2- الجانب السلبي

أما ما نراه سلبيًا في هذا النطاق أن المادة (3/أ) من قانون منع الإرهاب قد اعتمدت في التجريم على مفهوم ” العمل الإرهابي ” كما بينا ودون تحديد ضوابط معينة تحكم تحديد الجرائم التي تعد ضمن الأعمال الإرهابية وهو ما يعد غير منطقيًا ما الطبيعة الاستثنائية للمحكمة كما بينا.

والرأي عندنا أن تعريف العمل الإجرامي لابد أن يكون منحصرًا على الأفعال المحدد حصرًا بموجب نصوص القانون فيمكن تعريف العمل الإرهابي أنه ” العمل أو الامتناع عن عمل أو التسهيل أو الاشتراك أو التستر على أي من الأفعال المحددة حصرًا بالقانون كأعمال إرهابية”.

ولعل مرجعنا في ذلك الشريعة الإسلامية الغراء حيث شرعت لكل شكل من أِشكال الأفعال الإجرامية جزاء، مثال حد قطع اليد كجزاء للسرقة، والعين بالعين كقاعدة للقصاص في الجرائم بين الأفراد، كل ذلك دون مغالاة في العقوبة، ونجد الشريعة الإسلامية حين تعاملت مع جريمة الحرابة والتي يعتبر مردفًا لها الأن مصطلح الإرهاب حاليًا حددتها حصرًا نظرًا لعقوبتها الغليظة.

قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)[3]، ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» بمحاربة المسلمين «ويسعون في الأرض فسادا» بقطع الطريق «أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف» أي أيديهم اليمنى واليسرى «أو يُنفوا من الأرض» أو لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره «ذلك» الجزاء المذكور «لهم خزي» ذل «في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم» هو عذاب النار[4]، مما يبين لنا أن الإسلام كان حريصًا في تطبيق الحدود الخاصة بالحرابة لتكون متناسبة مع الأفعال المختلفة فيها ذاتها فليست على درجة واحدة من الشدة، فهو لم يحدد فقط بل درج العقوبة حسب نوع الفعل المصنف تحت مسمى “الحرابة”.

خامسًا: تطبيقات قضائية

الحكم  رقم 1524 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية لصادر بتاريخ 2018-05-28

طبقت محكمة أمن الدولة القانون على الوقائع التي توصلت إليها فوجدت:

أولاً: بالنسبة للتهمة الأولى المسندة للمتهم وهي جناية التهديد بالقيام بأعمال إرهابية خلافاً لأحكام المادتين 2و7/ط من قانون منع الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته:

إن ما قام به المتهم من أفعال تمثلت بعقده العزم على تنفيذ عمل إرهابي على الساحة الأردنية نصرة لتنظيم داعش الإرهابي وهو قتل أحد ضباط الأمن الوقائي في منطقة مليح في مأدبا في أول أيام عيد الأضحى وقيامه لهذه الغاية بالتخطيط لتنفيذ هذا العمل بأن أخذ يستفسر عن تحركات هذا الضابط من أقاربه ومعارفه بهدف رصد تحركاته وتنفيذ عملية القتل واتجاه إرادته الحرة الواعية إلى تنفيذ هذا العمل الإرهابي إلا أنه وبسبب عدم تمكنه من تأمين السلاح اللازم لتنفيذ عملية القتل قام بتأجيل العملية إلى يوم آخر إلا أن إلقاء القبض عليه حال دون قيامه بذلك، فإن هذه الأفعال تشكل كافة أركان وعناصر التهمة الأولى المسندة إليه وهي جناية التهديد بالقيام بأعمال إرهابية مما يقتضي معه تجريمه بهذه التهمة.

ثانياً: بالنسبة للتهمة الثانية المسندة للمتهم وهي جناية الترويج لأفكار جماعة إرهابية خلافاً لأحكام المادتين 3/ه و7/ج من قانون الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته:

إن ما قام به المتهم من أفعال تمثلت بكونه من مؤيدي تنظيم داعش الإرهابي من السابق وسبق وأن تمت محاكمته أمام هذه المحكمة وبعد إنهاء مدة محكوميته قيامه بمتابعة أخبار وإصدارات تنظيم داعش الإرهابي من خلال صفحته الشخصية عبر تطبيق الفيس بوك والتي تحمل اسم (خالد عرمان البريزات) عبر شبكة الإنترنت ومن خلالها تواصله مع أحد قادة هذا التنظيم الإرهابي وتبادله معه أخبار وإنجازات هذا التنظيم الإرهابي في سوريا ومن ثم قيامه بالحديث أمام أصدقائه ومعارفه وجيرانه بالكلام عن أفكار هذا التنظيم الإرهابي ومحاولة إقناعهم بمشروعية هذا التنظيم الإرهابي وبأنه على حق وأنه يطبق الشريعة الإسلامية بهدف كسب المزيد من المتعاطفين والمناصرين لهذا التنظيم الإرهابي على الساحة الأردنية واتجاه إرادته الحرة الواعية إلى ذلك، فإن هذه الأفعال تعد ترويجاً لأفكار تنظيم إرهابي وأنها تشكل كافة أركان وعناصر التهمة الثانية المسندة إليه مما يقتضي تجريمه بها.

ثالثاً: بالنسبة للتهمة الثالثة المسندة للمتهم وهي جناية محاولة الالتحاق بجماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية خلافاً لأحكام المادتين 3/ج و 7/ج من قانون الإرهاب رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته.

وبالنظر لهذا التطبيق سنلاحظ أهمية ما أشرنا إليه من أهمية تحديد الجرائم المختصة محكمة أمن الدولة بنظرها، حيث أنزلت محكمة الموضوع مواد قانونية واضحة محددة على وقائع ثابته، فلا يكون الأمر محض تقدير للمحكمة، حيث أن توسيع نطاق الاختصاص لمحكمة أمن الدولة بهذا الشكل يعد مقبولا لأنه يخضع لرقابة السلطة التشريعية المصدرة للقوانين.

سادسًا: خاتمة

في هذا المقال تحدثنا عن النطاق الموسع لمحكمة أمن الدولة بموجب قانون منع الإرهاب، وبينا أن القانون قد وسع من نطاق المحكمة بموجب نصوص القانون، ولقد بينا الرأي في تلك التوسعة حيث قسمناها إلى توسعة وتقرير ايجابي لبعض الجرائم وجعلها ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة والجانب الاخر السلبي في عدم وضع تعريف محدد للعمل الإرهابي وهو ما يعد مجال لاستغلال ضعاف الضمائر لتلك النصوص الفضفاضة.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1]   Office of the United Nations High Commissioner for Human Right, Human Rights, Terrorism and Counter-terrorism, Fact Sheet No. 32, P5

[2] أ/ مصطفى علي سالم خليفات، باحث دكتوراه، قسم علم الاجتماع، تخصص علم الجريمة، التعاطف مع الجناة وأثره على جرائم السطو المسلح من وجهة نظر العاملين في مديرية الأمن العام، مجلة كلیة التربية، جامعة الأزهر، العدد: (186 ،الجزء الثالث) أبريل لسنة 2020م، صـ849

[3] سورة المائدة، الآية 33

[4] تفسير الجلالين الميسر،2003، صـ113

Scroll to Top