انقضاء الدعوى الجزائية

انقضاء الدعوى الجزائية

إن مصير أي دعوى سواءً كانت مدنية أو جزائية هو الانقضاء وكف يد المحكمة عن النظر فيها، إلا أنه هناك عدة طرق لانقضاء الدعاوى القضائية، وسنتعرف في هذا المقال على طرق انقضاء الدعوى الجزائية بشكل عام سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته، مع الإشارة إلى أنه تم الكتابة عن كل طريق تنقضي به الدعوى الجزائية بشكل مفصل وذلك على شكل مقالات منفصلة يحمل كل منها عنوان لطرق انقضاء الدعوى الجزائية، وسنبدأ الحديث عن طرق انقضاء الدعوى الجزائية على النحو التالي:

جدول المحتويات

المقصود بالدعوى الجزائية

السند القانوني لانقضاء الدعوى الجزائية في القانون الأردني

الحكم البات هو الطريق الطبيعي لانقضاء الدعوى الجزائية

أسباب انقضاء الدعوى الجزائية

السند القانوني لأسباب انقضاء الدعوى الجزائية

 

المقصود بالدعوى الجزائية

هي مجموعة من الإجراءات التي تستهدف غاية معينة، وهي الفصل في الخصومة عن طريق الجهة القضائية المختصة [1]، فالدعوى الجزائية تتميز عن غيرها من حيث موضوعها وهو الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني، ومن حيث الجهة القضائية الناظرة فيها وهي المحاكم الجزائية ذات الاختصاص العام والخاص.

السند القانوني لانقضاء الدعوى الجزائية في القانون الأردني

نص المادة 331 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تحدثت عن الطريق الطبيعي لإنهاء أو انقضاء الدعوى الجزائية بصدور حكم بات في الدعوى، حيث جاء في نص المادة سابقة الذكر ما يلي:

ما لم يكن هنالك نص آخر تنقضي الدعوى الجزائية بالنسبة للشخص المرفوعة عليه والوقائع المسندة فيها اليه بصدور حكم نهائي فيها بالبراءة أو عدم المسؤولية أو الإسقاط أو بالإدانة.

وعليه فإن الطريق الطبيعي لانقضاء الدعوى الجزائية هو بصدور حكم بات في الدعوى وبغض النظر عن نتيجة هذا الحكم.

إلا أن هناك أسباب قد تطرأ على الدعوى أثناء النظر فيها أو حتى قبل رفعها إلى المحكمة، فتنقضي بها الدعوى قبل أن تصل إلى غايتها، وقد أطلق البعض عليها أسباب السقوط تمييزاً لها عن السبب الطبيعي لانقضاء الدعوى الجزائية وهو صدور حكم بات فيها [2].

الحكم البات هو الطريق الطبيعي لانقضاء الدعوى الجزائية

هو الحكم الذي يصدر عن المحكمة المختصة بشكل قطعي بحيث لا يجوز إثارة الدعوى من جديد أمام القضاء لسبق الفصل فيها، ويصدر الحكم البات بعد أن يستنفذ جميع طرق الطعن فيه، أو فوات ميعاد الطعن فيه، وبصدوره يوضع حد للنزاع، ويكتسب حجية الأمر المقضي به، والحكم البات هو دفع بقوة الشيء المحكوم فيه في المسائل الجنائية لذلك هو من الدفوع المتعلقة بالنظام العام.

شروط انقضاء الدعوى الجزائية بالحكم البات

إن هذه الشروط تتعلق بالحكم البات ولا بد من توافرها لكي يصح الدفع بسبق صدور حكم قطعي تنقضي به الدعوى الجزائية، وهذه الشروط هي:

 1_ أن يكون الحكم باتاً في موضوع الدعوى

إن إجراءات الدعوى الجزائية قد تنطوي على تقديم العديد من الطلبات التي لا تفصل في موضوع الدعوى مثل طلب عدم الاختصاص وطلب الحكم بعدم قبول الدعوى، فهذه الطلبات عندما تصدر أحكام فيها فإن هذه الأحكام تعد غير فاصلة في موضوع الدعوى وإن كانت تخرج الدعوى من حوزة القضاء، إلا أنها لا تفصل بالنزاع.

وهي لا تعد أن تكون قرارات تنظم إجراءات النزاع وتهيئ المحكمة للفصل فيه، وهذه الأحكام لا تحوز قوة إنهاء الدعوى الجزائية، لأن الأحكام التي تنهي هذه الدعوى هي تلك الفاصلة في موضوع النزاع والتي اكتسبت الدرجة القطعية[3].

2_ وحدة الموضوع أو وحدة السبب الذي رفعت من أجله الدعوى الجزائية الصادر فيها حكم بات

ونقصد بهذا الشرط وحدة الواقعة، والتي تعني أن الواقعة المرفوعة أمام المحكمة والمطلوب محاكمة المتهم من أجلها هي ذات الواقعة التي صدر حكم قطعي فيها، والمعروف أن الحكم القطعي يكتسب حجية الأمر المقضي به فلا يجوز الطعن فيه ولا عرض ذات موضوعه على القضاء من جديد.

3_ وحدة أطراف الدعوى

إن الحكم الجزائي البات في الدعوى بصدوره تنقضي الدعوى الجزائية بالنسبة لأطرافه أي بالنسبة للخصوم، وليس بالنسبة للغير، فهو حجة على أطرافه وليس حجة على الغير، ولتحقق وحدة الخصوم لا بد من توافر الشروط التالي وهي:

1_ وحدة الادعاء وهذا الشرط يفترض أنه متحقق دائماً، فالدعوى التي حركها أحد أعضاء النيابة العامة وصدر حكم بات فيها قد انقضت بالنسبة للمجتمع بموجب هذا الحكم البات، وليس لأحد بعد ذلك أن يدعي تمثيل المجتمع فيها [4].

2_ وحدة المتهم وهو المدعي عليه في الدعوى الجزائية التي صدر فيها حكم بات وهو نفسه المتهم في الدعوى الجديدة حتى يمكنه الدفع بسبق صدور حكم بات.

أسباب انقضاء الدعوى الجزائية

بعد أن تعرفنا على الطريق الطبيعي لانقضاء الدعوى الجزائية، لا بد من أن نتعرف على الأسباب الأخرى لانقضاء الدعوى الجزائية والتي تسمى بأسباب سقوط الدعوى الجزائية وهي:

1_ وفاة المشتكى عليه.

2_ التقادم.

3_ العفو العام.

4_ التنازل عن الشكوى وإسقاط الحق الشخصي.

5_ الصلح وصفح الفريق المتضرر.

وتنقسم هذه الأسباب إلى قسمين أسبا انقضاء عامة وأسباب انقضاء خاصة، فأسباب الانقضاء العامة للدعوى الجزائية هي الحكم البات ووفاة المشتكى عليه والتقادم والعفو العام، أما الأسباب الخاصة لانقضاء الدعوى الجزائية هي التنازل عن الشكوى وإسقاط الحق الشخصي والصلح وصفح الفريق المتضرر.

السند القانوني لأسباب انقضاء الدعوى الجزائية

نص كل من المواد التالية والتي وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وهي:

1_ نص المادة 335 والتي تحدث فيها المشرع عن سقوط دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي.

2_ نص المادة 336 والتي جاءت بالحديث عن سقوط الدعوى الجزائية بالوفاة.

3_ نص المادة 337 والتي تضمنت الحديث عن سقوط الدعوى لجزائية بالعفو العام.

4_ نصوص كل من المواد 338 و339 و340، حيث تضمنت هذه المواد أحكام سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم.

أيضاً المواد القانونية التي تحدثت عن الصلح وصفح الفريق المتضرر والتي جاءت في قانون العقوبات الأردني، حيث تضمن الفقرة 4 من المادة 47 الحديث عن صفح الفريق المتضرر كأحد أسباب سقوط دعوى الحق الشخصي الذي تبعاً له تسقط دعوى الحق العام، والمادة 52 و53 تضمنت شروط صفح الفريق المتضرر.

ويمكنك الاطلاع على هذه في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وقانون العقوبات الأردني.

وفاة المشتكى عليه

لقد سبق وأن تحدثنا في مقال سابق عن سقوط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه، ومن خلال هذا المقال سنستذكر أهم المعلومات المتعلقة بسقوط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه.

أن وفاة المشتكى عليه سبب عام لانقضاء الدعوى الجزائية، حيث أنه لا يجوز السير في إجراءات الدعوى ضد شخص ميت، ووفاة المشتكى عليه قد تحدث قبل رفع الدعوى الجزائية عليه وعندها تصدر النيابة العامة قراراً بإسقاط هذه الدعوى، أما إذا حدثت الوفاة بعد رفع الدعوى الجزائية فينظر إلى ما إذا كان قد صدر حكم في الدعوى أم لا، فإن كان قد صدر حكم بات  في الدعوى فلا أثر لوفاة المشتكى عليه على الدعوى الجزائية لأنها قد انقضت بصدور حكم بات، إلا أن لوفاة المشتكى عليه أثر في إسقاط العقوبة عنه ، أما إذا كان الحكم الذي صدر لم يكتسب الدرجة القطعية وقد توفي المشتكى عليه خلال المدة المسموح بها بالطعن فالحكم فيمحى الحكم ويعتبر كأن لم يكن وتسقط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه ويعد بريئاً .

التقادم

هو مضي فترة من الزمن يحددها القانون من تاريخ وقوع الجريمة دون أن يتخذ خلالها أي إجراء من إجراءات الدعوى، مما يترتب عليه انقضاء هذه الدعوى [5]، ويعد التقادم من الأسباب العامة لانقضاء الدعوى الجزائية، فبمضي المدة المحددة بالقانون يسقط حق المجتمع في الملاحقة وفي السير في الدعوى التي هي السبيل الوحيد لتقرير الإدانة والحكم بالعقوبة، فإذا ما اغلق هذا السبيل، أصبح من المستحيل هدم قرينة البراءة التي يستفيد منها المتهم، مما يستحيل معه تقرير الإدانة والنطق بالعقوبة، ونقصد هنا بالتقادم تقادم الدعوى وليس تقادم العقوبة.

مدة تقادم الدعوى الجزائية

عشر سنوات في الجنايات، وثلاث سنوات في الجنح، وسنة واحدة في المخالفات، إذا لم تتم الملاحقة بشأن أي من هذه الجرائم خلال تلك المدد، تسقط الدعوى الجزائية بالتقادم.

 

العفو العام عن الجريمة

يقصد بالعفو العام هو إزالة الصفة الجرمية بأثر رجعي عن فعل أو أفعال يجرمها قانون العقوبات، وذلك من خلال نص قانوني صادر عن السلطة التشريعية، فيصبح هذا الفعل كما لو كان مباحاً، فالعفو العام سبب من أسباب انقضاء دعوى الحق العام، لأنه يزيل حالة الإجرام من أساسها، فإذا صدر العفو العام قبل تحريك دعوى الحق العام تقرر النيابة العامة إسقاط دعوى الحق العام، أما إذا رفعت دعوى الحق العام وبعد رفعها صدر العفو العام  قبل صدور حكم مبرم فيها ، فيجب على المحكمة التي تنظر الدعوى أن تصدر حكماً بسقوط هذه الدعوى بالعفو العام، أما إذا صدر حكم بالإدانة عند صدور العفو العام ، فإن هذا الحكم ينمحي وتسقط نتيجة لذلك كل عقوبة أصلية كانت أم فرعية[6]، ولا بد من أن نشير إلى أن العفو العام لا يؤثر على دعوى الحق الشخصي والحكم للمدعي بالحق الشخصي وبالإلزامات المدنية .

وسقوط الدعوى الجزائية بالعفو العام هو أمر متعلق بالنظام العام، فتقضي المحكمة بإسقاط دعوى الحق العام، إذا صدر عفو عام، من تلقاء نفسها، ولا يملك المدعي عليه أن يطالب باستمرار نظرها أمام القضاء حتى تثبت براءته [7].

التنازل

إن التنازل الذي يسقط دعوى الحق العام هو التنازل عن الشكوى ممن يملك تقديمها، أو ممن يمثله قانوناً ، فإذا تعدد المجني عليهم، فالتنازل الذي يسقط دعوى الحق العام يجب أن يصدر عنهم جميعاً، فإن صدر عن بعضهم وامتنع الآخرون  عن التنازل عن شكواهم، فلا آثر للتنازل  على دعوى الحق العام ولا يمنع ذلك من السير في إجراءات الدعوى، ويجب أن يكون التنازل واضحاً وصريحاً وغير معلق على شرط حتى يحدث أثره في إسقاط دعوى الحق العام ، والتنازل كالعفو العام تنقضي به الدعوى الجزائية، فإذا تم التنازل قبل تحريك الدعوى الجزائية يمتنع على النيابة العامة تحريك الدعوى الجزائية، أما إذا تم التنازل بعد تحريك الدعوى الجزائية تسقط الدعوى الجزائية بالتنازل ، ويعد هذا الإسقاط من النظام العام الذي يترتب عليه أن تحكم المحكمة بالإسقاط من تلقاء نفسها ، ويجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

الصلح وصفح الفريق المتضرر

يقصد بالصلح هو اتفاق الأطراف المتنازعة على إنهاء الخصومة وحل النزاع القائم بينهما.

ويقصد بالصفح هو تنازل المتضرر من الجريمة عن حقه الشخصي في الجرائم التي تتطلب لتحريكها تقديم ادعاء بالحق الشخصي، والصفح يوقف إقامة الدعوى إذا كانت إقامة الدعوى تتوقف على اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي، فصفح الفريق المتضرر يسقط بموجبه دعوى الحق العام، والصفح لا يعلق على شرط وأن صدر عن أحد المحكوم عليهم يشمل الآخرين، ولا يعتد به إذا تعدد المدعون بالحق الشخصي ما لم يصدر عنهم جميعاً.

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بانقضاء الدعوى الجزائية

الحكم رقم 2583 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: انقضاء الدعوى الجزائية بالعفو العام.

نجد أن شمول الدعوى الجزائية بأحكام قانون العفو العام يعني انقضاء الدعوى الجزائية وأنه لا يجوز البحث بالتهمة المسندة للمشتكى عليه من حيث نسبتها إلى فاعلها من عدمه الأمر الذي يتعين معه رد الطعن التمييزي المقدم من المميز.

الحكم رقم 3759 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: انقضاء الدعوى الجزائية بالتقادم.

وحيث إن القرار الصادر عن مدعي عام الرمثا في القضية التحقيقية رقم 609/2018 والمتضمن إسقاط دعوى الحق العام لعلة التقادم والمصدق من قبل النائب العام إربد وحيث إن إسقاط دعوى الحق العام للتقادم هو أحد أسباب انقضاء الدعوى الجزائية مما يؤدي إلى سقوط الجريمة وبالتالي سقوط دعوى الحق العام وسقوط مسؤولية المتهم عن الجريمة المرتكبة ولا يجوز مساءلته عنها هذا وسلطة النيابة العامة في عدم السير في دعوى الحق العام إذا تبين لها أن هناك سبباً مسقطاً للجريمة وبالتالي مسقطاً لدعوى الحق العام.

الحكم رقم 3012 لسنة 2021 – بداية عمان بصفتها الاستئنافية: انقضاء الدعوى الجزائية بصفح الفريق المتضرر.

فإن محكمتنا تبدي أنه في مثل حالة الدعوى هذه ولكون دعوى الحق العام تسقط بإسقاط الحق الشخصي (صفح الفريق المتضرر) فلا مجال للبحث في الإدانة أو البراءة لأن انقضاء الدعوى الجزائية بزوال سببها من النظام العام وبالتالي فإن أسباب الاستئناف لا تنال من القرار.

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 279.

[2] د. عوض محمد عوض، المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1999.

[3] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 282.

[4] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1988.

[5] د. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 195.

[6] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 311.

[7] د. فوزية عبد الستار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، دار النهضة العربية، بيروت، 1975.

Scroll to Top