شهود النيابة أمام محكمة الجنايات

شهود النيابة أمام محكمة الجنايات

إن شهادة الشهود من أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية ويقصد بها تقرير الإنسان شفاهة عما رأه أو أدركه بإحدى حواسه في الواقعة التي يشهد عليها، وهذه الشهادة قد تكون شهادة رؤية أو شهادة سمعية أو حسية تبعاً لإدراك الشاهد الذي يدلي بها[1]، وتنقسم هذه الشهادة بين شهود النيابة العامة وشهود الدفاع، وشهادة الشهود تتم على مرحلتين مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة، وسنتناول في هذا المقال الحديث عن شهود النيابة العامة أمام محكمة الجنايات، وذلك سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات

دعوة الشهود أمام محكمة الجنايات

الإجراءات التي تسبق الاستماع إلى شهود النيابة العامة

متى تقرر محكمة الجنايات الاستماع إلى شهود النيابة العامة؟

أصول سماع شهادة الشهود أمام محكمة الجنايات

إجراءات سماع شهود النيابة العامة أمام محكمة الجنايات

الصعوبات التي قد تعترض الشاهد عند أدائه للشهادة

 

دعوة الشهود أمام محكمة الجنايات

إن دعوة الشهود أمام محكمة الجنايات تختلف عنها في مرحلة التحقيق الابتدائي، حيث أنه في مرحلة التحقيق للمدعي العام كامل ومطلق الحرية في دعوة من يرى أن شهادته ضرورية أمامه فله أن يدعو أي شاهد ومن تلقاء نفسه، إلا أن هذا الأمر لا يجوز في القضايا الجنائية إلا في حال كان  المتهم أو محاميه قد تبلغ إشعارا باسم الشاهد الذي يراد استدعاؤه، وذلك سنداً لكل من المواد 207 و217 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فقد جاء في نص المادة 207 أنه يبلغ المدعي العام صورة عن قرار الاتهام ولائحة الاتهام وقائمة بأسماء الشهود للمتهم قبل يوم المحاكمة بسبعة أيام على الأقل، وجاء بنص المادة 217 أنه لا يجوز للنيابة والمدعي الشخصي استدعاء أي شخص للشهادة لم يرد اسمه في قائمة أسماء الشهود ما لم يكن المتهم أو محاميه قد تبلغ إشعارا باسم الشاهد الذي يراد استدعاؤه.

المحكمة، إلا أن للمحكمة أثناء نظر في الدعوى الجزائية أن تستدعي من تلقاء نفسها أي شخص لاستماع أقواله كشاهد إذا رأت أن ذلك يساعد على إظهار الحقيقة، ولها إصدار مذكرة إحضار إذا دعت الضرورة لذلك، ولها أيضاً أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى [2].

أيهما أسبق في استماع المحكمة إليه شهود النيابة العامة أم شهود المتهم؟

تستمع المحكمة أولاً لشهود النيابة العامة ومن ثم لشهود المتهم، وذلك عندما تقرر المحكمة الاستماع لشهود الإثبات، فكلا الشهود سواءً كانوا شهود النيابة العامة أم شهود المتهم هم شهود إثبات في الدعوى، وذلك سنداَ لنص المادة 223 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيها: بعد سماع شهود النيابة والمدعي الشخصي يستمع الى شهود المتهم بما يتفق مع أحكام المادة (232) من هذا القانون.

الإجراءات التي تسبق الاستماع إلى شهود النيابة العامة

عند مثول المتهم أمام المحكمة تسأله المحكمة عن اسم وعمره وشهرته ومهنته ومحل إقامته وولادته وإذا كان متزوج أم لا وهل سبق وأن صدر بحقه حكم أم لا، وينبه رئيس المتهم أن يصغي إلى كل ما سيتلى عليه، ويأمر كاتب المحكمة بتلاوة قرار الظن وقرار الاتهام ولائحة الاتهام وقائمة بأسماء الشهود والضبوط والوثائق الأخرى، وبعد ذلك يلخص رئيس المحكمة للمتهم مآل التهمة الموجهة إليه ويوعز إليه بأن ينتبه إلى الأدلة التي سترد بحقه [3]، وهذه هي أصول المحاكمة أمام محكمة الجنايات.

متى تقرر محكمة الجنايات الاستماع إلى شهود النيابة العامة؟

بعد أن يتلو الكاتب قرار الظن وقرار الاتهام ولائحة الاتهام وأسماء الشهود والضبوط والوثائق الأخرى، يقوم ممثل النيابة العامة بتوضيح وقائع الدعوى، كما يقوم المدعي الشخصي أو وكيله بتوضيح شكواه، وبعدئذ يسأل رئيس المحكمة المتهم عن التهمة المسندة إليه، فإذا أنكر المتهم التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه، تشرع المحكمة في الاستماع إلى شهود الإثبات [4]، وذلك سنداً لنص المادة 216 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيه أنه  إذا انكر المتهم التهمة أو رفض الإجابة أو لم تقنع المحكمة باعترافه بها أو كان الجرم معاقبا عليه بالإعدام تشرع – المحكمة – في الاستماع الى شهود الإثبات، وعليه فإن المحكمة تقرر الاستماع إلى شهود النيابة العامة في ثلاث حالات وهي :

1_ إذا كان الجرم معاقب عليه بالإعدام.

2_ إذا أنكر المتهم التهمة المنسوبة إليه.

3_ إذا رفض المتهم الإجابة على السؤال الموجه إليه من المحكمة.

أصول سماع شهادة الشهود أمام محكمة الجنايات

1_ أداء الشهادة يجب أن يكون منفرداً.

2_ يجب عدم الخلط بين الشهود قبل أداء الشهادة، ولذلك لرئيس المحكمة أن يتخذ من التدابير الأزمة لمنع اختلاط الشهود ببعضهم البعض قبل أداء الشهادة.

3_ حلف الشاهد القسم القانوني قبل سماع شهادته.

4_ الشاهد لا يبرح قاعة المحاكمة ما لم يأذن له رئيس المحكمة بذلك، فللمحكمة إدخال وإخراج الشهود من المحاكمة على حده أو مع بعضهم البعض عند استعادة شهادتهم.

إجراءات سماع شهود النيابة العامة أمام محكمة الجنايات

تنم دعوة الشاهد لأداء شهادته، وعند مثوله أمام المحكمة يسأله رئيس المحكمة عن اسم وعمره ومهنته وموطنه، وإن كان على معرفة مسبقة بالمتهم أو هناك درجة قرابة بينه وبين أحد الخصوم، وأن كان في خدمة أحدهم أما لا، ثم يطلب منه رئيس المحكمة حلف اليمين القانونية، فإذا رفض أن يحلف للمحكمة ألا تأخذ بشهادته، وفي حال نسي الشاهد بعض الوقائع أثناء أدائه للشهادة للمحكمة أن تتلو عليه جزء من شهادته التي تلاها في التحقيق فيما يخص الواقعة محل النسيان، ويتم تدوين شهادة الشاهد وما تم من استجواب ومناقشة واعتراضات في محضر الجلسة، سنداً لنص المادة 221من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيها :

3_ يدون في الضبوط جميع ما يرد أثناء الاستجواب والمناقشة وكذلك الاعتراضات التي تثار أثناء المحاكمة.

الأسئلة التي توجه من رئيس محكمة الجنايات لشهود النيابة العامة بعد الانتهاء من سماع شهادتهم؟

تسأل المحكمة شاهد النيابة العامة الذي دُعي لإثبات التهمة على المتهم إن كان المتهم الحاضر هو المقصود، ومن ثم تسأل المحكمة المتهم عن طعنه بالشاهد، وإن كان له اعتراض على شهادته ومن ثم تسمح للمتهم أو محاميه أن يوجه أي سؤال للشاهد بواسطة المحكمة، وللمتهم سؤال أي شاهد بما فيهم المشتكي في حال دُعي كشاهد، وللمحكمة أن تطرح على الشاهد أي سؤال ترى أنه ضروري لاستظهار الحقيقة، سنداً لنص المادة 221 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيها:

1_بعد فراغ المحكمة من سماع شهادة الشاهد، يجوز للمتهم أو محاميه أن يوجه بواسطة المحكمة أي سؤال الى كل شاهد دعي لإثبات التهمة بما في ذلك المشتكي إذا دعي كشاهد، ويجوز للنيابة أن توجه مثل هذه الأسئلة في المسائل التي أثيرت.

2_ وللمحكمة أيضا أن تستوضح الشاهد عن كل ما تعتبره مساعداً على ظهور الحقيقة.

الصعوبات التي قد تعترض الشاهد عند أدائه للشهادة

عدم قدرته على التكلم باللغة العربية هي إحدى الأمور التي قد تعترض الشاهد عند أدائه لشهادته، وقد عالج المشرع هذا الأمر بالنص على تعيين مترجم للغة التي يتحدث بها الشاهد، فما هي الشروط القانونية التي يجب أن تتوافر في هذا المترجم؟

1_ يجب ألا يقل عمره عن الثمانية عشرة سنة.

2_ يجب تحليفه اليمين القانونية بأن يترجم فيما بينهم وبين المحكمة بصدق وأمانة، سنداً لنص المادة 227 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

3_ يجب ألا يكون الترجمان من الشهود أو من أعضاء المحكمة الناظرة في الدعوى، حتى لو رضي المتهم وممثل النيابة العامة، سنداً لنص المادة 229 من ذات القانون.

وفي حال عدم توافر إحدى أو كلا الشروط للمتهم وللنيابة العامة أن تطلب إبطال ورد الترجمان، سنداً لنص المادة 228 من ذات القانون حيث جاء فيها:

يسوغ للمتهم وممثل النيابة أن يطلب رد الترجمان المعين على أن يبديا الأسباب الموجبة لذلك وتفصل المحكمة في الأمر.

أيضا من الصعوبات التي قد تعترض شهود النيابة العامة حالة الشاهد الأصم أو الأبكم، وهنا لا بد من التفرقة بين الشاهد الأصم أو الأبكم الذي لا يعرف الكتابة والذي يعرف الكتابة فإذا كان لا يعرف الكتابة عين الرئيس للترجمة بينه وبين المحكمة من اعتاد مخاطبته أو مخاطبة أمثاله بالإشارة أو بالوسائل الفنية الأخرى، سنداً لنص المادة 230 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أما اذا كان الأبكم الأصم من الشهود أو المتهمين يعرف الكتابة فيسطر كاتب المحكمة الأسئلة والملاحظات ويسلمها اليه فيجيب عليها خطياً ، ويتولى الكاتب جميع ذلك في الجلسة.

هل يجوز تلاوة شهادة شاهد النيابة العامة أمام محكمة الجنايات؟

نعم يجوز للمحكمة أن تأمر بتلاوة الشهادة التي أعطيت بعد حلف اليمين في التحقيق الابتدائي إذا قبل المشتكى عليه أو وكيله ذلك، كما تتلى أقوال الشاهد السابقة، ويأمر الرئيس كاتب المحكمة بتدوين ما يظهر بينها وبين شهادته من الزيادة والنقصان أو التغيير والتباين، بعد أن يستوضح منه عن سبب ذلك، سنداً لنص المادة 219 حيث جاء فيها:

  1. تتلى أقوال الشاهد السابقة ، ويأمر الرئيس كاتب المحكمة بتدوين ما يظهر بينها وبين شهادته من الزيادة والنقصان أو التغيير والتباين ، بعد أن يستوضح منه عن سبب ذلك.
  2. للمحكمة أن تأمر بتلاوة الشهادة التي أعطيت بعد حلف اليمين في التحقيق الابتدائي اذا وافق المشتكى عليه أو وكيله على ذلك.

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بشهود النيابة أمام محكمة الجنايات

الحكم رقم 4287 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: تلاوة شهادة شاهدي النيابة العامة

من أسباب التمييز:

أخطأت محكمة أمن الدولة في بناء حكمها على شهادة شاهدي النيابة لدى المدعي العام من خلال تلاوة شهادة شاهدي النيابة العامة دون السماح أو إعطاء الفرصة للمميز بمناقشتهم حيث نصت المادة (219/6) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على ضرورة موافقة المشتكى عليه أو وكيله على تلاوة شهادة شهود النيابة.

وعن الأسباب جميعها والتي تدور حول تخطئة القرار المميز من حيث وزن البينات وتلاوة شهادة الشهود بموجب المادة (219/6) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتطبيق القانوني على واقعة الدعوى وعدم تعليل القرار بشكل سليم.

وفي ذلك نجد أن محكمتنا في هذه الدعوى محكمة موضوع بموجب المادة (9) من قانون محكمة أمن الدولة وبتدقيق أوراقها نجد ما يلي:

  1. من حيث الواقعة الجرمية:

نجد أن محكمة أمن الدولة قد أحاطت بواقعة الدعوى وبناء على موافقة المتهم تمت تلاوة شهادة شاهدي النيابة العامة المأخوذة لدى المدعي العام كونه لا يرغب بالمناقشة بالإضافة أخذها باعترافه أمامها عن التهمة الثانية واعترافه بالواقعة والحيازة في إفادته الشرطية ومن خلال الضبط المنظم بالواقعة وهي تسليم المتهم لشاهد النيابة حبتين ونصف من حبوب البنتاجون المخدرة مقابل مبلغ (3) دنانير والفحص المخبري للمواد المخدرة ومن خلال هذه البينات استخلصت محكمة أمن الدولة الواقعة الجرمية الثابتة.

وحيث إن المادة (219/6) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أجازت لمحكمة الموضوع تلاوة شهادة شاهد النيابة الذي تم الاستماع لشهادته لدى المدعي العام تحت القسم القانوني متى ما وافق المتهم على ذلك لعدم رغبته بالمناقشة فإن هذا الإجراء موافق للقانون وإن الأخذ بالشهادة كدليل إثبات لا يخالف القانون وهي بينة قانونية منتجة لآثارها ولا يرد القول بأن المتهم يجهل الإجراءات وموافقته على التلاوة لم تكن معبرة عن علم ودراية بل إن ما يرد من قول له في المحاكمة هو قول معتبر ويؤخذ به متى كان الأمر متروكاً لاختياره بشأن البينات .

لذلك فإن القرار المميز قد أصاب صحيح القانون في واقعته وفي اعتماده على أقوال الشهود وكذلك الضبط المطابق لأحكام المادة (151) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وكذلك الاعتراف أمام الضابطة العدلية الموافق لأحكام المادتين 100 و159 من القانون ذاته.

وعليه فإننا نؤيد القرار المميز في هذا الشأن ولا ترد عليه أسباب الطعن ويتعين ردها.

الحكم رقم 4128 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: لمحكمة الجنايات استبعاد شهادة شهود النيابة العامة.

وعن الأسباب جميعها والتي تدور حول تخطئة القرار المميز باستبعاد شهادات شهود النيابة العامة ومن حيث النتيجة التي توصل إليها وعدم التعليل والتسبيب بشكل وافٍ.

وفي ذلك نجد أن محكمة الجنايات الكبرى وبصفتها محكمة موضوع وبموجب صلاحياتها التقديرية في وزن أدلة الدعوى استناداً إلى المادة (147/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي سبيل تكوين قناعتها الوجدانية فقد استعرضت الواقعة المدعى بها واستعرضت أدلة الدعوى وناقشت شهادات الشهود في كافة المراحل وأيدت عدم اقتناعها في هذه الشهادات لوجود تناقضات جوهرية أشارت إليها في القرار المميز وحيث نجد أن مبررات وتسبيب عدم الاقتناع واستبعاد الشهادات جاء سائغاً ومقبولاً وله أصل ثابت في الدعوى ولا نجد مبرراً للتدخل في هذه القناعة طالما جاءت مستساغة وموافقة لواقع الدعوى وأوراقها، وبذلك فإن أسباب الطعن لا ترد على القرار المميز ويتعين ردها .

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998، ص 246.

[2] سنداً للمادة 226 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيها:

للمحكمة أثناء النظر في الدعوى أن تستدعي من تلقاء نفسها أي شخص لاستماع أقواله كشاهد إذا رات أن ذلك يساعد على إظهار الحقيقة، ولها إصدار مذكرة إحضار إذا دعت الضرورة لذلك، ولها أيضا أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، 2021، ص 511.

[4] المرجع السابق ، ص 512.

Scroll to Top