الحماية الجنائية للطفل المحضون

الحماية الجنائية للطفل المحضون 

إن مرحلة الطفولة هي مرحلة غاية في الحساسية والخطورة، لأن فيها يتشّكل وعي وفكر وشخصية الإنسان، ولا شك بأن المشرع قد أعطى اهتماماً بالغاً بتلك المرحلة العمرية، عن طريق إفرّاد حماية مدنية وجنائية للطفل ولمرحلة الحداثة العمرية بكافة جوانبها، وحماية إجرائية في عدة مواضع بالقوانين والدستور، لذلك نجد أن المشرع حينما أناط بالجميع حماية الطفل؛ أناط بالمجتمع ومؤسسات الدولة والأفراد تقديم الرعاية الكاملة له والكافية التي تجعل منه فرداً فعالاً يساعد في بناء وتدعيم ركائز المجتمع داخل البلاد، وهديا بما سلف؛ نتعرض لموضوع الحماية الجنائية للطفل المحضون في التشريع الأردني على النحو التالي:

أولا: مدلول ومفهوم الحضانة في الفقه والقانون:

ثانيا: مدلول ومفهوم الحماية الجنائية للطفل المحضون:

ثالثا: الحماية الجنائية للطفل المحضون في التشريع الأردني:

 

أولا: مدلول ومفهوم الحضانة في الفقه والقانون:

لا شك بأن الطفل يحتاج إلى الرعاية والاهتمام لا سيما في بداية حياته، نظرا لعدم قدرته على الاعتناء بنفسه في كافة الجوانب الحياتية، لذلك فالحضانة هي الإطار الذي يحفظ الطفل ويراعي ويدبر كافة شؤونه وجوانبه واحتياجاته، ولكن يجب التفرقة بين بعض المفاهيم والمصطلحات الهامة قبل أن نتعرض لموضوع الحضانة، لعل أبرز تلك المفاهيم هو ماهية الطفل ذاته، ومتى يعتبر طفلاً في وجهة نظر الفقه والشريعة والقانون، ومن ثم نتعرض للضوابط العامة للحضانة مع التعرض لتعريفها، حتى ندرك التصور الصحيح للأمور فيما يخص الحضانة والحماية الجنائية المفردة لها:

1- ماهية مفهوم الطفل المحضون:

يعرف المحضون فقها: ” بأنه ذلك الطفل الصغير الذي لا يقدر على القيام بأموره لعجزه عن النظر لنفسه والقيام بحوائجه، وجعل المشرع ولاية ذلك إلى من هو أشفق عليه “.[1]

وعرفه بعض الباحثين بأنه: ” كل شخص قاصر تثبت له الحضانة من جراء طلاق أو وفاة، سواء كان هذا القاصر بسبب صغر سنه أو ضعف عقله “.[2]

أما على الصعيد الدولي فقد عرفت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م في المادة الأولى منها الطفل بأنه: ” يعني الطفل كلّ إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه “، وعليه حتى يكون الشخص طفلا يجب أن يكون أولا غير بالغ سن الثامنة عشر، وألا يكون القانون الوطني يحدد سنا للرشد أقلّ من ذلك.[3]

ولمّا كان الأمر كذلك، وكانت التعريفات التي تصف المحضون تفيد بأنه ولا بد أن يحصل ذلك المحضون على الرعاية اللازمة، والاهتمام في كافة جوانب الحياة، مما يجعلنا نتعرض لمفهوم الحضانة على النحو التالي:

2- مفهوم الحضانة:

اهتم فقهاء القانون وكذلك علماء الشريعة الإسلامية بتعريف الحضانة على نحو مفصل، ذلك لما لها من مكانة وأهمية بالغة في المجتمع، وقد شدد الإسلام على فكرة القوامة والرعاية والمسؤولية الناتجة عنهما، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه”.[4]

وهديا بما سلف فإن تعريف الحضانة عند علماء الاصطلاح هو كالتالي: “حفظ صغير ونحوه عما يضره، وتربيته بعمل مصالحه البدنية والمعنوية، أو هي تربية الطفل ورعايته والقيام بكل مستلزمات حياته، منـذ ولادته إلى أن يصبح مميزا وقـادرا عـلى الاستغناء عـن خدمات أمه في قضاء حاجاته الضرورية “.[5] 

وأيضا هي: ” تربية الولد لمن له حق الحضانة، أو هي تربية وحفـظ من لا يسـتقل بأمور نفسه عما يؤذيه لعدم تمييزه، كطفل وكبير مجنون، وذلك برعاية شؤونه، وتدبير طعامه وملبسه ونومه، وتنظيفه وغسله، وغسل ثيابه في سن معينة ونحوها “.[6]

ولم يُعرف المشرع الأردني الحضانة في قانون الأحوال الشخصية، ولكنه أرسى مبدأ الحماية الجنائية للطفل المشمول بالحضانة في العديد من المواضع داخل مواد القوانين، وللحضانة عدة ضوابط والتزامات على شخص الحاضن وكذلك اختيار الحاضن وخلافة، نتعرض لتلك الضوابط على النحو التالي:

3- الضوابط العامة للحضانة:

لا شك بأن التشريعات الوضعية والشريعة الإسلامية قد اهتموا بمسألة الحضانة وإرساء ضوابطها، لما لها من أهمية بالغة؛ وتأثير شديد على الطفل المحضون، فقد اهتمت الشريعة الإسلامية بوضع ضوابط معينة لشخص الحاضن، وجعلت للأم والأب أدوار محددة أثناء الحضانة، ولا شك بأن الحضانة هي أمر مشترك بين الوالدين، كلا منهم يتقاسم عملية الرعاية للطفل المحضون، ولكن هناك اتجاه يرى بأن الأم هي التي أناط بها الشّارع – سبحانه وتعالي – الحضانة، واستندوا على ذلك في العديد من الآيات القرآنية التي نزلت في تلك المسألة، والتي حددت للأم مسؤوليات ومهام معينة منذ بداية الولادة وحتى أن يبلغ الطفل أشده، فيقول الحق – سبحانه وتعالى –  في كتابة الكريم: ” وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ “،[7]  فيكون الدور الأكبر لعملية الحضانة للطفل المحضون واقعا على عاتق الأم، بينما ذهب اتجاه الآخر من علماء الإسلام على أن الحضانة هي عملية مشتركة ومسؤولية تنقسم بين الأب والأم في رعاية هذا الصغير، حيث أن لكل منهم له دوره؛ فالأم هي التي تهتم بالرضاعة وتهتم برعاية وتنشئه الطفل، والأب يهتم بتلبية احتياجاته والتواجد معه وتقديم الدعم النفسي والمادي له في كافة أوجه مناحي الحياة.

أما فيما يخص القوانين الوضعية وخاصة التشريعات الأردنية؛ فقد نصت صراحة على أحقية الأم في حضانة الطفل الصغير، وإذا لم تسمح الظروف بأن تكون الأم هي الحاضنة فتذهب الحضانة مباشرة إلى أم الأم ومن ثم إلى أم الأب ومن ثم إلى الأب، وذلك لاعتبارات عدة؛ منها أن المرأة هي التي تستطيع أن تعتني بالطفل وتقدم له الرعاية والدعم المناسبين منذ أن يتم ولادته وحتى يبلغ أشده، وذلك بسبب طبيعتها وفطرتها التي فطرها الله عليها، فلا يستطيع الرجل أن يقدم الرعاية التي تقدمها المرأة للطفل الصغير على نحو المناسب، فيرجع ذلك إلى الطبيعة التي خلق الله سبحانه وتعالى بها الأنثى وميزها عن الرجل في عدة نواحي خاصة في تربية والاهتمام بالأبناء.

ولقد نصت المادة (١٧٠) من قانون الأحوال الشخصية الأردني على: ” الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفرقة ثم بعد الأم ينتقل الحق لأمها، ثم لأم الأب، ثم للأب، ثم للمحكمة أن تقرر بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية “.

وكذلك نصت المادة (١٧٠) من ذات القانون على:” أ- يشترط في مستحق الحضانة أن يكون بالغا عاقلا سليماً من الأمراض المعدية الخطيرة أمينا على المحضين قادرا على تربيته وصيانته ديناً وخلقاً وصحة وألا يضيع المحضون عنده لانشغاله عنه وألا يسكنه في بيت مبغضيه أو من يؤذيه وألا يكون مرتداً.

ب- مع مراعاة ما جاء في الفقرة (أ) من هذه المادة يشترط في مستحق الحضانة إذا كان من النساء ألا تكون متزوجة بغير محرم من الصغير. ج- يشترط أن يكون الحاضن ذا رحم محرم للمحضون حال اختلاف الجنس”.

وكذلك المواد (١٧٢) و(١٧٣) وما يليهم فقد نظموا بعض الضوابط في استحقاق الحضانة، وكذلك في سقوط الحق في الحضانة، وحالات الإنفاق وحالات السفر خارج البلاد بالطفل المحضون، وحالات الضم والمشاهدة والتي تقّر قواعد زمان المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب والاتصال والتواصل مع المحضين في حال كون أن الأب والأم منفصلين، وغيرها من الضوابط الأخرى التي رآها المشرع الأردني حتى يضمن للطفل المحضون أفضل رعاية ممكنة.

ولقد أفرد المشرع حماية جنائية لمن يخالف تلك القواعد والضوابط التي وضعها في القانون وعاقب عليها بعقوبات قد تصل إلى الحبس وسنتعرض إلى تلك المواد التي تتناول موضوع الحماية الجنائية للطفل المحضون لاحقا بهذا المقال، لكن قبل ذلك سوف نتعرف لمدلول ومفهوم الحماية الجنائية للطفل المحضون وكذلك بعض صور الحماية الجنائية لهذا الطفل حتى نستطيع أن ندرك تصور تلك الحماية بشكل سليم:

ثانيا: مدلول ومفهوم الحماية الجنائية للطفل المحضون:

لقد اهتمت التشريعات والقوانين الوضعية وكذلك الاتفاقات الدولية بإرساء مبدأ الحماية الجنائية للطفل المحضون لاسيما أن ذلك الأمر هو أمر بالغ الأهمية كما سلف وأن أشرنا إلى ذلك، فقد انصبت جهود فقهاء القانون والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني على إحاطة الطفل المحضون بالحماية اللازمة له، ذلك أن هذا الطفل هو الطرف الأضعف في المجتمع، وقبل أن نسترسل فيه قواعد وضوابط الحماية الجنائية للطفل كان لابد وأن نتعرض إلى مفهوم تلك الحماية وكذلك بعض الأمثلة وبعض صور الحماية الجنائية للطفل المحضون على النحو التالي ذكره:

1- مفهوم الحماية الجنائية للطفل:

إن مدلول الحماية القانونية عند رجال القانون تعني: ” منع الأشخاص من الاعتداء على حقوق بعضهم البعض بموجب أحكام قواعد قانونية، فالحماية تختلف من نوع لآخر تبعا لاختلاف الحقوق المحمية، فقد تكون الحماية متعلقة بالحقوق المدنية أو الجنائية أو غيرها”.[8]

كما نعني بالحماية الجنائية في مجال هذه الدراسة مجموعة الوسائل التي يقررها المشرع الجنائي لحماية حقوق الطفل الضحية (المجني عليه) من جانب، وحقوق الحدث الجانح أو المعرض للخطر المعنوي من جانب آخر.[9]

ولعل أبرز أنواع الحماية التي أفردها المشرع للطفل في الشق الجنائي هو ما يتعلق بالعقوبات المقررة حال الاعتداء على هذا الطفل، فيجعل من بعض العقوبات الخاصة بالجرائم الواقعة عليه؛ والذي يكون فيها هو المجني عليه مشددة ومغلظة، ويقر لها قواعد غير التي يتم التعامل بها في الأوضاع العادية التي يكون فيها المجني عليه هو شخص بالغ راشد، وأيضا هناك حالة أخرى أحاط المشرع بها الطفل بالحماية الجنائية؛ وهي حالة أن يكون الطفل هو الجاني في الواقعة الإجرامية.

فلقد أقر المشرع قواعد قانونية معينة ومحددة يحاسب بها الطفل أو الحدث على أي جرائم قد صدرت منه بشكل مخفف، ذلك لعدم أهلية الطفل الأهلية الكاملة التي توجب العقاب الكامل مثلما يكون في الحالات العادية، فنجد أن المشرع قد أحاط الطفل بتلك الضمانات والحماية في الناحية العقابية، وقد أحطه أيضا في الناحية الإجرائية للسير والحكم في الدعوى الجنائية المتعلقة بهذا الطفل.

وخلاصة القول يمكننا تعريف الحماية الجنائية المفردة للطفل المحضون بأنها تلك القواعد الاستثنائية والخاصة التي أقرها وافردها المشرع لحماية هذا الطفل، ونردف بعض الأمثلة والصور على أنواع تلك الحماية سواء على مستوى التشريعات أو الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية الخاصة بهذا الموضوع على النحو التالي:

2- صور الحماية الجنائية للطفل:

لقد اهتم العديد من فقهاء القانون والحقوقيين بفكرة حماية الطفل حماية جنائية، وذلك باعتباره الطرف الأضعف والأحق لإفراد تلك الحماية، فنشأت العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الشأن، وانعقدت المؤتمرات الدولية التي نادت بحماية هذا الطفل، كذلك التشريعات الإقليمية التي تمت بإفراد تلك الحماية له، فعلى الصعيد الدولي نجد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 قد أقر الحماية اللازمة للطفل، فجاءت الفقرة الثانية من (المادة 25) والتي أقرت للأمومة والطفولة الحق في الرعاية والمساعدة.[10]

ومن الصور الأخرى أيضا لإفراد الحماية للطفل هو إعلان حقوق الطفل الصادر في نوفمبر عام 1959م، والذي شدد على أن الطفل هو الطرف الضعيف الذي يستحق الرعاية من جميع أفراد ومؤسسات المجتمع، وأيضا أرسى على عدم التفرقة بين طفل وآخر؛ وشدد على توفير بيئة صالحة للطفل لكي يمارس فيها طفولته دون أن يتعرض لأي شيء قد يضره.

أيضا وفي ذات الإطار الدولي نجد أن منظمة اليونيسيف عملت على إرساء مبدأ الحماية الجنائية والمدنية للطفل، فيم لعبت منظمة العمل الدولية دوراً هاما في حماية الطفل التي أرسلت عدم استغلال الأطفال في سوق العمل، وحددت سن مناسب لكي يبدأ من عنده الحد الأدنى الذي يكون فيه الشخص مؤهل للالتحاق بسوق العمل.

ولا شك بأننا نجد تلك الصورة من الحماية الجنائية في جميع نصوص التشريعات العربية، ونجد بأنها قد أحاطت الطفل بسياج تشريعي يمنع الاعتداء عليه سواء كان اعتداء بدنيا أو نفسيا، فعلى سبيل في التشريعات الجزائرية قد أرست حقوقا للطفل مثل الحق في التعليم المجاني، وأحاطت الطفل بحماية جنائية لمنع الاعتداء عليه أو الإخلال بحقوقه كطفل داخل المجتمع، ولا شك بأننا سوف نتحدث بشيء من التفصيل في النقطة التالية بهذا المقال عن الحماية الجنائية التي أفردها المشرع الأردني للطفل على النحو التالي ذكره.

ثالثا: الحماية الجنائية للطفل المحضون في التشريع الأردني:

إن الحماية الجنائية للطفل عرفناها من قبل بأنها مجموعة الوسائل التي يقرها المشرع الجنائي لحماية حقوق الطفل، وتعرضنا أيضا للصور الخاصة بالحماية الجنائية، سواء في الإطار الدولي أو على الصعيد العربي داخل التشريعات العربية، أو حتى الحماية التي فرضتها الشريعة الإسلامية.

ولما كان الأمر كذلك، وكانت الحماية تعني سن التشريعات التي من شأنها الحفاظ على سلامة الطفل المحضون، فإن المشرع الأردني قد اهتم اهتماماً بالغاً بسن قوانين خاصة، من شأنها حماية الطفل المحضون من أي خطر قد يلحق به، ونتعرض في هذا المقام إلى نوعين من أنواع الجرائم التي تصدى لها المشرع الأردني كنوع من أنواع الحماية الجنائية التي أفردها للطفل المحضون وذلك على النحو التالي ذكره:

1- جريمة التعدي على حراسة القاصر:[11]

تعتبر التعدي على حراسة القاصر من أشد الجرائم التي تصدى لها المشرع الأردني وذلك لحماية الطفل وحماية الحضانة التي أقرت له بقوة القانون، فقد نصت المادة (291) من قانون العقوبات المعدل على أنه “أ. من خطف أو أبعد قاصرا لم يكمل الثامنة عشرة من عمره ولو برضاه بقصد نزعه من سلطة من له عليه حق الولاية أو الحراسة، عوقب بالحبس من شهر إلى سنتين وبالغرامة من ثلاثين ديناراً إلى مائة دينار.
ب. وتكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من خمسين إلى مائتي دينار إذا لم يكن القاصر قد أكمل الثانية عشرة من عمره.”

ويتضح لدينا من المادة سالفة البيان أن الركن المادي لتلك الجريمة يتمثل في السلوك الإجرامي لإبعاد القاصر عن وصيه أو وليه القانوني، وخطفه حتى لو كان ذلك برضاء الطفل، ويتمثل الركن المعنوي لتلك الجريمة بتوافر القصد الجنائي المتمثل في علم وإرادة الجاني، فيكون علمه بتلك الجريمة وأبعادها، وتكون إرادته الآثمة متجهة إلى تنفيذ تلك الجريمة، وهي نزع هذا القاصر الغير مدرك والغير ناضج من وصيه أو الولي عليه الموكل بذلك على النحو الذي أقره القانون، وقد نصت (المادة 291) في فقرتها الثانية من قانون العقوبات على ” وإذا كان القاصر قد خطف أو ابعد بالحيلة أو القوة كانت العقوبة الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات “.

ويعد تصدى المشرع الأردني لتلك الجريمة من أحد أهم صور الحماية الجنائية التي أوردها المشرع للطفل المحضون والمشمول بحضانة وصيه أو وليه على النحو الذي أقره القانون، لاسيما أنه قد جعل ظرفا مشددا للعقوبة في المادة (291) على النحو سالف البيان، فكل ذلك يعد من أهم صور إحاطة ذلك الصغير بالحماية القانونية المقررة له.

وهناك أيضا مثال آخر واضح على إفراد الحماية القانونية والجنائية للطفل المحضون من قبل المشرع الأردني يتمثل في جريمة عدم تسليم الطفل المحضون، سوف نتعرف على تلك الصورة من الحماية على النحو التالي ذكره:

2- جريمة عدم تسليم الطفل المحضون:

نصت (المادة 15) من قانون التنفيذ الشرعي الأردني على: “أ‌. على الرغم مما ورد في المادتين (13) و(14) من هذا القانون، يجوز حبس المحكوم عليه، إلى حين إذعانه، عند الامتناع عن تسليم الصغير أو عدم الالتزام بتنفيذ حكم الرؤية أو الاستزارة أو الاصطحاب وذلك بناء على طلب المحكوم له.

ب‌. يبقى للمحكوم له بحضانة الصغير صراحة أو ضمناً حق المثابرة على التنفيذ إذا أخذ المحكوم عليه الصغير وأثبت المحكوم له لدى رئيس التنفيذ أن الصغير تحت يد المحكوم عليه.

ويتضح لدينا أن الركن المادي لتلك الجريمة يتمثل في الفعل والسلوك السلبي عن تسليم الطفلة المشمول بحضانة من له الحق في تلك الحضانة والمقرة بقوة القانون أو بحكم قضائي، والركن المعنوي هو اتجاه قصد ونية مرتكب تلك الجريمة إلى الامتناع العمد عن تسليم الطفل لمن له حق الحضانة، ولقد أردف فقهاء القانون تعريفا لتلك الجريمة بأنها: ” تعد جريمة الامتناع عن تسليم الطفل المحضون من الجرائم الواقعة على نظام الأسرة، وهي جريمة ذات علاقة بين الأب والأم أو أي شخص آخر لا يقوم على تسليم الطفل المحضون الذي قضى في شأن حضانته بحكم نهائي إلى من له الحق في المطالبة به”،[12] فإذا وقعت تلك الجريمة فيقوم الشخص الذي له حق الحضانة بالإبلاغ عن هذا الامتناع عن طريق محضر رسمي وخاص من محكمة التنفيذ المختصة، وبعد ذلك يعاقب الجاني على تلك الجريمة في حق هذا الطفل المشمول بالحضانة.

ولا شك بأن ذلك التجريم يأتي أيضا في سياق اتجاه المشرع الأردني في إفراد الحماية الجنائية للطفل المحضون، لا سيما أن تلك الجريمة تُهدد أمن وسلامة الطفل إذ يقع تحت وطأة شخص غير مسؤول أو غير أمين عليه، فيمثل خطرا وتهديدا على أمنه وسلامته، حيث إنه غير ناضج ولا يدري عواقب الأمور والخطر الذي قد يحدق به، فكان لا بد من أفراد الحماية القانونية الجنائية لهذا الطفل لحفظ أمنه وسلامته.

إعداد/ عماد محمد.

[1] محمد العليوى ناصر، الحضانة بين الشريعة والقانون، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2010، ص 122.

[2] زكية حميدو، مصلحة المحضون في القوانين المغاربية للأسرة، دراسة مقارنة، شهادة دكتورة في القانون الخاص، 2005، كلية الحقوق جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، ص 50.

[3] حمو بن إبراهيم فخار، الحماية الجنائية للطفل في التشريع الجزائري والقانون المقارن، رسالة لنيل دكتوراه علوم في الحقوق تخصص قانون جنائي، ص26.

[4] أخرجه البخاري (2554).

[5] ابن جزي، القوانين الفقهية، نشر دار الكتاب العربي، ص ٢٢٤.

[6] د. عبد الله إدريس أبو بكر ميغا، حق القريب الحاضن في المحضين ووسائل تنفيذه، 1436هـ، ص 15.

[7] سورة البقرة، الآية 233.

[8] مصطفى الناير المترول، الحماية القانونية للحقوق الفنية والأدبية في السودان – دراسة مقارنة-، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد التاسع، فبراير 2007م، ص 18.

[9] حمو بن إبراهيم فخار، الحماية الجنائية للطفل في التشريع الجزائري والقانون المقارن، رسالة لنيل دكتوراه علوم في الحقوق تخصص قانون جنائي، ص35.

[10]  حمو بن إبراهيم فخار، الحماية الجنائية للطفل في التشريع الجزائري والقانون المقارن، رسالة لنيل دكتوراه علوم في الحقوق تخصص قانون جنائي، ص45.

[11] لمزيد من التفاصيل حول تلك الجريمة أنظر المقال المنشور على موقع حُماة الحق بعنوان ” جريمة التعدي على حراسة القاصر “، والمتاح على الرابط التالي: https://jordan-lawyer.com/2021/05/24/%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b5%d8%b1/

[12] عبد الرحمن خلقي، محاضرات في قانون الإجراءات الجزائية، دار الهدى، الجزائر ،2010 ص 12.

Scroll to Top