التحكيم الإلكتروني في منازعات التجارة الدولية
يُعد التحكيم أحد أهم الوسائل التي يمكن من خلالها اللجوء إلى تسوية المنازعات التي تنشأ عن العلاقات التعاقدية بين الأشخاص، ويتجلى دور التحكيم كوسيلة لتسوية المناعات في مجال المعاملات التجارية نظراً لما تتطلبه تلك المعاملات من سرعة سواء في الإبرام أو في إنهاء المنازعات الناشئة عنها، وبالتالي عادة ما يلجأ التجار إلى التحكيم لتسوية النازعات الناشئة بينهم نظراً لما يتسم به التحكيم من سرعة في إنهاء تلك المنازعات بخلاف القضاء النظامي الذي يتخلله بطء سير الإجراءات واتسامه بالروتينية في العديد من الأحيان.
ولقد تطور التحكيم وأصبح مواكباً للتطورات التي طرأت على المجتمع خصوصاً في مجال تقنية المعلومات وأصبح من الممكن أن يتم اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني لفض المنازعات الناشئة عن العلاقات التعاقدية بين التجار.
فالتطورات التي طرأت على الوسائل الإلكترونية لم تعد قاصرة فقط على مجرد إبرام العقود وإتمام المعاملات، بل أصبح من الممكن كذلك أن يتم حل المنازعات الناشئة عن تلك المعاملات بصورة إلكترونية وهو ما يوفر السرعة في إنهاء المنازعات فضلاً عن تكلفته الاقتصادية وحفاظه على السرية، وغير ذلك من الأمور التي تتوافق والأعمال التجارية العادية منها أو الإلكترونية.
أولاً: ماهية التحكيم الإلكتروني:
ثانياً: مزايا ومعوقات ومخاطر اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني:
ثالثاً: صور اتفاق التحكيم الإلكتروني:
رابعاً: أركان اتفاق التحكيم الإلكتروني:
خامساً: هيئة التحكيم الإلكتروني:
سادساً: إجراءات التحكيم الإلكتروني:
أولاً: ماهية التحكيم الإلكتروني:
بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلى أنه لا يوجد ثمة تلازم حتمي بين التجارة الإلكترونية والتحكيم الإلكتروني، حيث يمكن اللجوء إلى حل المنازعات عن طريق التحكيم الإلكتروني سواء نشأت تلك المنازعات عن أعمال التجارة الإلكترونية أو التجارة العادية بصورتها التقليدية.
وبالتالي يمكن تعريف التحكيم الإلكتروني بأنه: “اتفاق أطراف علاقة قانونية على إخضاع المنازعة التي نشأت أو ستنشأ مستقبلاً من علاقات تجارية إلكترونية كانت أم عادية إلى محكمين للفصل في النزاع بإجراءات إلكترونية وإصدار حكم ملزم لها”.[1]
ثانياً: مزايا ومعوقات ومخاطر اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني:
1- مزايا التحكيم الإلكتروني:
لا يخلو التحكيم الإلكتروني في مزايا، ويمكن إجمال أهم المزايا التي يتسم بها فيما يلي:[2]
أ- إمكانية إنهاء النزاعات وعرضها على محكمين دون التواجد في ذات المكان وهو ما يوفر الجهد والوقت والنفقات.
ب- الاتصال بشكل توافقي، حيث لا يشترط لعرض النزاع على محكمين بصورة إلكترونية تحقق اتصال أطراف النزاع في ذات الوقت، بل يمكن إرسال الرسائل واسترجاعها في أوقات مختلفة.
ج- تسهيل عملية استخدام المعلومات المخزنة وهو ما يسهل على المحكمين التمكن من الفصل في النزاع بعد تدقيق الأدلة التي تم عرضها عليهم.
د- عدم خضوع التحكيم الإلكتروني لقاعدة العلانية التي تخضع لها المنازعات التي تُعرض على المحاكم النظامية وهو ما يُحافظ على السرية والتي تعتبر من قوام وأسس المعاملات التجارية.
2- معوقات التحكيم الإلكتروني:
أ- الأهلية:
حيث تشرط القوانين ضرورة توافر الأهلية سواء في المتنازعين أو في هيئة التحكيم، ويُمثل التحقق من أهلية هؤلاء الأشخاص تحدياً للتحكيم الإلكتروني، حيث إن جميع هؤلاء الأشخاص يتعاملون من وراء الأجهزة الإلكترونية وهو ما يجعل مهمة التحقق من أهلية الأشخاص تكتنفها العديد من الصعوبات ويعتريها العديد من المخاطر والتي يأتي على رأسها إمكانية تعرض حكم التحكيم إلى البطلان إذا اتضح أن أحد الأطراف أو أحد أعضاء هيئة التحكم كان ناقصاً للأهلية القانونية.
والواقع أنه يمكن التغلب على تلك العقبة من خلال إنشاء مواقع تكون متخصصة في التحقق من هوية أطراف العلاقة التحكيمية والكشف عن هويتهم، بحيث إذا امتنع أحد الأشخاص عن الإفصاح عن هويته فيتم حرمانه من المضي في إجراءات التحكيم، وهذا – بلا شك – يضفي على العلاقة التحكيمية نوع من المصداقية والطمأنينة.
ب- ضمان سرية العملية التحكيمية:
تُعد سرية التحكيم أحد أهم السمات التي يتسم بها التحكيم بصفة عامة سواء في صورته التقليدية أم الإلكترونية، إلا أن تلك السرية تكون عرضة للانتهاك في ظل التحكيم الإلكتروني بسبب إمكانية اختراق النظم المعلوماتية من قبل المتطفلين المحترفين لعمليات الاختراق الغير قانوني وهو ما يعرض معلومات أطراف التحكيم إلى السرقة ويجعلها عُرضة للنشر على الملاْ.
3- مخاطر اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني:
تعدد مخاطر اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني والتي تتمثل فيما يلي:
أ- عدم مواكبة النظم القانونية الحالية للتطور السريع الحاصل في مجال التجارة الإلكترونية:
فالنظم القانونية – في العديد من الأحيان – ما تتسم بالجمود النسبي، حيث يكون تدخل المشرعين لوضع قواعد قانونية تتوائم مع التطورات التي تطرأ على المجتمع بطيء نسبياً وهو ما قد يُعرض حكم التحكيم الإلكتروني إلى عدم الاعتراف به من قبل بعض الدول إذا كان قانونها الداخلي لا يعترف بهذه الصورة من التحكيم.
ب- عدم قبول المستخدم لشرط التحكيم قبولاً واضحاً:
ذلك أن المستهلك والذي يقوم بإجراء معاملاته عبر مواقع التجارة الإلكترونية عادة ما يفتقر إلى الخبرة التي تمكنه في دراسة شرط التحكيم حتى يكون على بينة من أمره في قبوله أو رفضه، فقبول مثل هذا الشرط يسلب منه حق اللجوء إلى قاضيه النظامي حال حدوث نزاع بينه وبين الطرف الأخر في العلاقة القانونية التي قام بإبرامها.
ج- الخشية من عدم حيدة ونزاهة الهيئة التحكيمية:
حيث إنه من الصعب الحكم على هيئة التحكيم فيما يتعلق بمدى نزاهتها وحيدتها، حيث يكون التحكيم الإلكتروني بوسائل الاتصال عن بعد وهو ما يعيق التمكن من بيان مدى نزاهة المحكمين وحيدتهم، فمن المتصور أن يكون لتلك الهيئة معاملات مالية سابقة مع أحد الأطراف غير معلنة وبالتالي فإن ذلك من شأنه أن يؤثر في نزاهتهم ويؤدي إلى ميلهم لطرف على حساب الآخر.
د- الإخلال بحقوق الدفاع:
فالتحكيم الإلكتروني لا يطبق فكرة روح القانون ولا يعتد فيه – عادة – بالمرافعات، الأمر الذي يؤثر على حقوق الدفاع ويؤدي إلى إهدارها في العديد من الأحيان.
ثالثاً: صور اتفاق التحكيم الإلكتروني:
اتفاق التحكيم بصفة عامة يعني إسناد الفصل في المنازعات الناشئة بين الأشخاص إلى هيئة تحكيمية تتولى الفصل فيها بحكم ملزم للطرفين، فإذا كان التحكيم إلكترونياً فإن الاتفاق ينصب على إسناد النظر في المنازعات إلى هيئة تحكيم إلكترونية سواء أكان الاتفاق قد تم بصورة تقليدية بإفراغه في محرر عادي أم بواسطة اتفاق إلكتروني.
وبمطالعة أحكام قانون التحكيم الأردني سنجد أن المشرع اشترط وجوب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً سواء اتخذ صورة شرط أو مشارطة، وأجاز المشرع الأردني للطرفين أن يكون الاتفاق بينهم قد تم بصورة إلكترونية، وهو ما يتضح من خلال ما ورد (بالمادة 10/1) من قانون التحكيم والتي نصت على أن: (يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا وإلا كان باطلا، ويكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف، أو في صورة مخاطبات أو مراسلات ورقية أو إلكترونية أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة الثابت تسلمها والتي تعد بمثابة سجل للاتفاق).
واتفاق التحكيم قد يتخذ أحد الصور التالية:
1- شرط التحكيم:
وهو الشرط الذي يوجد في العقد المنشئ للعلاقة القانونية، بمقتضاه يتم الاتفاق على إسناد المنازعات التي يحتمل نشوئها إلى هيئة تحكيم إلكترونية تتولى الفصل في النزاع بحكم ملزم لكلا الطرفين.
فشرط التحكيم إذن يتم وضعه في العقد قبل حدوث ثمة نزاع، وكأنه إجراء تحوطي لبيان الوسيلة التي من خلالها سيتم حل المنازعات التي قد تنشأ في المستقبل.
2- مشارطة التحكيم:
إذا وقع نزاع بين الأفراد بعد نشأة العلاقة القانونية وتم الاتفاق على أن يكون نظر هذا النزاع ووضع حل له من خلال هيئة تحكيم، فإننا في تلك الحالة نكون بصدد مشارطة التحكيم، وبالتالي فإن المشارطة هي الاتفاق على إسناد المنازعات التي نشأت بالفعل إلى هيئة تحكيم تتولى الفصل فيها.
3- شرط التحكيم بالإحالة:
في تلك الحالة يكون الاتفاق على إسناد النزاع إلى هيئة تحكيمية وارد في عقد مستقل بذاته تتضمن النص على أن تكون النزاعات الناشئة عن عقد – معين يتم الإشارة له على وجه الدقة – من اختصاص هيئة تحكيم يتم تعيينها.
وفي هذا الصدد تنص (المادة 7/2) من القانون النموذجي الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي على أن: (تعتبر الإشارة في عقد ما إلى مستند يشتمل على شرط التحكيم بمثابة اتفاق تحكيم، شريطة أن يكون العقد مكتوباً وأن تكون الإشارة قد وردت بحيث تجعل ذلك الشرط جزء لا يتجزأ من العقد).
وهذا ما قررته (المادة 10/ب) من قانون التحكيم الأردني والتي نصت على أن: (تعد في حكم الاتفاق المكتوب كل إشارة أو إحالة في العقد الأصلي بين الطرفين إلى وثيقة أخرى كعقد نموذجي أو اتفاقية دولية تتضمن شرط تحكيم ما لم يستبعده الطرفان صراحة).
استقلال اتفاق التحكيم:
قد يحدث أن يتمسك أحد أطراف العلاقة التجارية الدولية ببطلان العقد المبرم بينهم والمتضمن اتفاق التحكيم، وفي هذا الصدد يُثار تساؤل عمن هي الجهة المختصة بنظر دعوى البطلان: هل يكون الاختصاص لهيئة التحكيم الإلكتروني التي تم الاتفاق عليها أم يكون لجهات القضاء النظامي المختصة حسب قواعد فض التنازع في الاختصاص القضائي الدولي؟
استقر القضاء الفرنسي على أن اتفاق التحكيم يُعد بذاته عقداً منفصلاً سواء أكان في صورة شرط، أم مشارطة، أم اتفاق مستقل، واعتبره القضاء الفرنسي بمنأى عن كل ما قد يطرأ على العقد المبرم بين الطرفين ويؤدي إلى بطلانه أو فسخه، وهذا ما أكدت عليه محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 7 مايو عام 1963.
وهذا أيضاً ما أكده المشرع المصري والذي اعتبر شرط التحكيم يُمثل اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، ولا يترتب على بطلان العقد أ فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه العقد طالما كان شرط التحكيم صحيحاً في ذاته.
ولم يخرج المشرع الأردني عن تلك القاعدة ورسخ فكرة استقلال شرط التحكيم بموجب ما ورد (بالمادة 22) من قانون التحكيم والتي نصت على أن: (يعد شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى، ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي إثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته).
رابعاً: أركان اتفاق التحكيم الإلكتروني:
1- التراضي على اتفاق التحكيم:
يثير التراضي على اتفاق التحكيم الإلكتروني في مجال التجارة الدولية إشكالية هامة تتعلق بداية بمكان وزمان انعقاد اتفاق التحكيم، ذلك أن هذا الاتفاق عادة ما يتم بصورة إلكترونية بين طرفين مختلفي الجنسية يفصل بينهم نطاق مكاني وعادة ما يفصل بينهم – أيضا – نطاق زماني، حيث لا يجتمعان في مجلس عقد حقيقي.
وبداية يتعين الإشارة إلى أن القانون الواجب التطبيق على وجود التراضي وسلامته والوقت الذي تنتج فيه الإرادة أثرها القانوني هو القانون المُطبق على اتفاق التحكيم ذاته، ولما كان هذا الاتفاق يتسم بالاستقلالية فإن القانون الواجب التطبيق عليه هو قانون العقد، والمقصود بقانون العقد هنا هو القانون المطبق على اتفاق التحكيم وليس على العقد الأصلي الذي أسند حل المنازعات الناشئة عنه إلى التحكيم.
ولما كان هذا الاتفاق في نطاق التجارة الدولية فعادة ما يتخلله عنصر أجنبي مما يعني أن القانون الواجب التطبيق عليه هو القانون الذي تشير إليه قواعد الإسناد، حيث يطبق على هذا الاتفاق من الناحية الموضوعية القانون الذي تخيره الطرفان، فإن أغفلا الاتفاق على أن قانون بعينه هو الحاكم لاتفاق التحكيم لترتب على ذلك خضوعهم لقواعد الإسناد الواردة في قانون الدولة التي يجري التحكيم فيها.
ففي القانون الأردني – مثلاً – تنص (المادة 20) من القانون المدني على أن: (يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطناً فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد. هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك)، ومن ثم يتضح أنه في حالة إغفال القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم فإن القانون الأردني يخضعه لقانون الموطن المشترك للمتعاقدين إن اتحدا موطناً، فإن كان لكل منهما موطن مختلف فإن القانون الواجب التطبيق هو قانون الدولة التي أبرم فيها العقد.
ولكن ما هو قانون الدولة التي يُعد العقد قد أبرم فيها؟ هل هو قانون الدولة التي يوجب فيها الموجب أم القابل؟
الواقع أن المشرع الأردني في تلك الحالة قد اعتنق نظرية صدور القبول، واعتبر أن العقد قد انعقد في الزمان والمكان اللذين صدر فيهما القبول، وهو ما تقرر بموجب (المادة 101) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (إذا كان المتعاقدان لا يضمهما حين العقد مجلس واحد يعتبر التعاقد قد تم في المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك). وهذا على خلاف المُطبق في القانون المصري، والذي يعتد بمكان العلم بالقبول فيما يتعلق بمكان وزمان انعقاد العقد، حيث يكون العقد منعقداً في المكان والزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول.[3]
2- وثيقة التحكيم الإلكتروني:
يشترط المشرع الأردني – كما ذكرنا سابقاً – ضرورة أن يُفرغ اتفاق التحكيم في وثيقة مكتوبة سواء اتخذت صورة الكتابة التقليدية أم الإلكترونية، وهذا هو المتبع في الغالب الأعم من التشريعات المقارنة، بل ولم تخرج الاتفاقيات الدولية عن تلك القاعدة، فمثلاً نجد أن اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام المحكمين وتنفيذها الصادرة عام 1958 قد تطلبت ضرورة كتابة اتفاقية التحكيم سواء في صلب العقد أو من خلال الخطابات والبرقيات أو الرسائل المتبادلة.
3- التوقيع على وثيقة التحكيم:
غني عن البيان أن المحرر الذي يفتقد التوقيع عليه يتجرد من كل قيمة قانونية وأقصى ما يمكن الاستفادة منه أن يُعتبد به كمبدأ ثبوت بالكتابة إذا توافرت له شروط معينة، ومن ثم فينبغي حتى نكون بصدد اتفاق تحكيم مكتوب أن يكون هذا الاتفاق موقعاً عليه من قبل طرفيه.
ونحن إذ بصدد التحكيم الإلكتروني في عقود التجارة الدولية فسيكون جل اهتمامنا بالحديث عن التوقيع الإلكتروني على اتفاق التحكم والذي عادة ما يتم بصورة إلكترونية بين طرفين لا يجمعهم مجلس عقد واحد.
التوقيع الإلكتروني على اتفاق التحكيم:
عرفت (المادة 2/أ) من قانون الأمم المتحدة النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية لعام 2001 التوقيع الإلكتروني بأنه: (بيانات في شكل إلكتروني مدرجة في رسالة بيانات أو مضافة إليها أو مرتبطة بها منطقياً يجوز أن تستخدم لتعيين هوية الموقع بالنسبة لرسالة البيانات، ولبيان موافقة الموقع على المعلومات الواردة في رسالة البيانات).
وتعرفه (المادة الثانية) من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني بأنه: (البيانات التي تتخذ شكل حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو أي وسيلة أخرى مماثلة في السجل الإلكتروني، أو تكون مضافة عليه أو مرتبطة به بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع وانفراده باستخدامه وتمييزه عن غيره).
وهذا التوقيع إما أن يتخذ صورة التوقيع الرقمي والذي يُعد عبارة عن مجموعة من الأرقام يتم تركيبها لتكون كوداً يعبر عن توقيع صاحب الشأن، أو أن يتخذ صورة التوقيع البيومتري والذي يعتمد على التحقق من شخصية المتعامل من خلال بعض الصفات الشخصية الخاصة به مثل البصمة الشخصية أو مسح العين البشرية أو نبرة الصوت، أو أن يكون في صورة التوقيع بالقلم الإلكتروني أو بصمة الإصبع التي يتم قراءتها إلكترونياً.
خامساً: هيئة التحكيم الإلكتروني:
غني عن البيان أن تشكيل هيئة التحكيم قد يتم إما عن طريق تسمية المحكمين باتفاق الأطراف، أو أن يتم اختيار هيئة تحكيم دون اختيار الأفراد المكونين لها وذلك بالاعتماد على لوائح هيئة من هيئات التحكيم، أو أن يقوم كل طرف بتسمية محكم على أن يقوم المحكمين الواقع عليهم الاختيار باختيار المحكم الثالث المكون للهيئة التحكيمية.
وفيما يتعلق باختيار هيئة التحكيم الإلكتروني فيمكن عرض النماذج الأبرز التي اهتمت بذلك النوع من التحكيم وعلى وجه الخصوص في مجال التجارة الدولية:
1- التحكيم الصادر من المنظمة العالمية للملكية الفكرية والأدبية (Wipo):
لا يمكن إنكار الدور البالغ الذي تلعبه منظمة الوايبو في مجال التجارة الإلكترونية، فلقد كان لهذه المنظمة العديد من الإسهامات التي أدت إلى تطور التجارة الإلكترونية الدولية، ويأتي مؤخراً على رأس تلك الإسهامات الترسيخ لفكرة التحكيم الإلكتروني في منازعات التجارة الدولية الإلكترونية.
حيث تتم إجراءات التحكيم الإلكتروني وفقاً لمنظمة الوايبو أمام لجان تحقيق إدارية تتضمن خبراء دوليين في مجال التجارة الإلكترونية خاصة في المليكة الأدبية وأسماء الدومين، ويمكن من خلال هذا النظام التغلب على العديد من الصعوبات، حيث يسمح هذا النظام للأطراف بحرية اختيار القانون الواجب التطبيق، كما أنه يتضمن وحدو في الجزاء رغم اختلاف الجنسيات.[4]
2- نظام القاضي الافتراضي:
نظام القاضي الافتراضي هو نظام أمريكي تم إنشاؤه عام 1966 من قبل أساتذة مركز القانون وأمن المعلومات، حيث بموجب هذا النظام يتم تجميع الخبراء المتخصصين في شتى المجالات وعلى رأس تلك المجالات التجارة الإلكترونية الدولية ويقوم القاضي الافتراضي بالتحاور مع المتنازعين ويفصل في النزاع في خلال 72 ساعة منذ اللحظة التي يُعرض فيها عليه النزاع.
ويكون الاتصال بالقاضي الافتراضي من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية والتي تتمثل عادة في البريد الإلكتروني، حيث بموجب ذلك يتم عرض تفاصيل النزاع على القاضي الافتراضي والذي يمثل مجموعة من الخبراء من ذوي التخصص ويكون دورهم المنوط بهم وضع الحل الأمثل للنزاع في أسرع وقت مع الاحتفاظ بسرية المعلومات التي عُرضت عليهم.
3- نظام المحاكم الافتراضية:
نشأت المحكمة الافتراضية في كلية الحقوق بجامعة مونتريال بكندا عام 1996، حيث يتبلور الدور المنوط بها في وضع حلول للمنازعات التي تُعرض عليها بصورة إلكترونية، حيث تختص تلك المحكمة بالمنازعات التي تُعرض عليها وتتعلق بمناحي التجارة الدولية سواء المتعلقة بحقوق المؤلف أو التجارة الإلكترونية أو المنافسة الغير مشروعة وغيرها من المجالات التي قد يحدث فيها منازعات في التجارة الدولية.
ويكون عرض النزاع على تلك المحكمة من خلال الدخول على الموقع الخاص بها ويقوم ذوي الشأن بملء نموذج إلكتروني وتحديد كلمة مرور شخصية له، على أن يقوم القائمين على الموقع بفحص مدى إمكانية قبول طلب التحكيم.
فإذا قُبل طلب التحكيم يُعين حقل خاص بالقضية المعروضة على المحكمة لا يسمح بالدخول إليه إلا لذوي الشأن القائم بينهم النزاع، بل ولا يكون لهؤلاء الدخول إلا للأجزاء التي تتعلق بكل طرف فيهم فقط وذلك لتوفير أقصى درجات الحفاظ على سرية معلومات الأطراف المتنازعة.
سادساً: إجراءات التحكيم الإلكتروني:
لا يمكن إنكار ما للتحكيم الإلكتروني من أهمية بالغة وعلى وجه الخصوص في نطاق التجارة الدولية نظراً لما يوفره من مميزات عديدة تحقق مصلحة لجميع الأطراف المتنازعة، إلا أن تلك الصورة من التحكيم تثير العديد من الإشكاليات القانونية والتي تحتاج إلى تدخل تشريعي دولي لوضع الحلول القانونية لها والتي من شأنها أن ترسخ لتلك الفكرة وتعمل على تطويرها لتؤتي ثمارها وتنتج فاعليتها في إنهاء المنازعات خصوصاً المتعلقة بالتجارة الدولية.
وفي نطاق الحديث عن إجراءات التحكيم الإلكتروني يتجلى لنا أن الإشكاليات المتعلقة بإجراءات هذا النوع من التحكيم تتعلق بالنطاق المكاني والزماني له:
1- النطاق المكاني لإجراءات التحكيم الإلكتروني:
بمطالعة أحكام التشريعات المقارنة يتجلى لنا أن المشرعين يتركون المجال رحباً أمام أطراف النزاع لاختيار المكان الذي تنعقد فيه هيئة التحكيم، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 27) من قانون التحكيم والتي نصت على أن: (لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم في المملكة أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى وملائمة المكان لأطرافها، ولا يحول ذلك دون أن تجتمع هيئة التحكيم في أي مكان تراه مناسبا للقيام بأي إجراء من إجراءات التحكيم كسماع اطراف النزاع أو الشهود أو الخبراء أو الاطلاع على مستندات أو معاينة بضاعة أو أموال أو إجراء مداولة بين أعضائها أو غير ذلك).
والواقع أنه فيما يتعلق بالتحكيم الإلكتروني فلا يوجد حاجة إلى تحديد مكان هيئة التحكيم، لأن تحديد مكانها لن يؤثر على مصلحة الأطراف حيث يكون لهم التواصل مع هيئة التحكيم بصورة إلكترونية مهما اختلفت أماكن تواجدهم.
ولكن أهمية تحديد مكان هيئة التحكيم تتجلى في القانون الواجب تطبيقه على عملية التحكيم ذاتها، حيث إن التحكيم يحكمه القانون الساري في الدولة التي يُجرى فيها، بحيث يكون لقضاء تلك الدولة بسط رقابته على إجراءات التحكيم التي اتبعها المحكمين أثناء سير الدعوى لبيان مدى التزامهم بالحفاظ على حقوق الدفاع وعدم مخالفتهم للقواعد الآمرة التي نص عليها المشرع.
ففي القانون الأردني نجد (المادة 3/1) من قانون التحكيم نصت على أن: (مع مراعاة أحكام الاتفاقيات الدولية النافذة في المملكة تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم اتفاقي، يكون مقره في المملكة وعلى كل تحكيم يتم الاتفاق على إخضاعه لهذا القانون، سواء تعلق بنزاع مدني أو تجاري بين أطراف أشخاص القانون العام أو القانون الخاص وأياً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع، عقدية أو غير عقدية).
فمن خلال مطالعة النص السابق يتبين أن التحكيم يخضع للقانون الأردني في حالتين وهما:
- أن يكون مقر هيئة التحكيم في المملكة الأردنية.
- أن يتفق الأطراف على أن يخضع التحكيم الذي يتم خارج المملكة الأردنية إلى القانون الأردني.
وهذا الأمر يمثل إشكالية بالغة الأهمية، بالغة الصعوبة في إيجاد الحل القانوني لها، حيث أين يكون مكان انعقاد هيئة التحكيم؟ فقد تُشكل هيئة التحكيم الإلكتروني من ثلاثة محكمين يكون كل منهم في دولة تختلف عن الأخر، فلأي قانون دولة من تلك الدول يخضع التحكيم؟
الواقع أنه للإجابة على هذا التساؤل ذهب البعض إلى إخضاع التحكيم لقانون مقدم الخدمة، والبعض الأخر ارتأى عدم أهمية تحديد مكان انعقاد الهيئة نظراً لأن الإجراءات تتم عبر الشبكة الافتراضية (الإنترنت ).[5]
غير أنه يمكن القول إنه فيما يتعلق بالتحكيم المؤسسي فيمكن أن يكون مكان التحكيم هو المقر الذي توجد في مؤسسة التحكيم، أما إذا كان المحكمين منتمين لأكثر من دولة فيكون العبرة بالموطن القانون للمحكم وليس بمكانه الجغرافي، لأن هذا المكان قد يتغير أثناء سريان الخصومة التحكيمية.
والواقع وفي ظل عدم وجود رأي قاطع لحل تلك الإشكالية فيمكن القول بأن الأطراف – وقبل بدء الخصومة التحكيمية الإلكترونية – عليهم الاتفاق على إخضاع عملية التحكيم ذاتها إلى قانون بعينه لتلافي إشكالية تحديد هذا القانون فيما بعد.
2- النطاق الزماني لإجراءات التحكيم الإلكتروني:
لا يخفى عن الفطنة ما للمواعيد من أهمية بالغة في تحديد الوقت الذي يتخذ فيه الإجراء أو الوقت الذي تم بالفعل فيه اتخاذ الإجراء وما يكون لذلك من آثار قانونية، فهناك إجراءات يكون لها وقت مُعين يتعن اتخاذها خلاله وإلا سقط الحق في اتخاذ ذلك الإجراء.
وفيما يتعلق بالتحكيم في صورته التقليدية فعادة ما تبدأ إجراءاته منذ اللحظة التي يكتمل فيها تشكيل هيئة التحكيم، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك، ولا يختلف الأمر كثيراً فيما يتعلق بالتحكيم الإلكتروني، حيث بمطالعة برامج تحكيم المحكمة الافتراضية يتجلى لنا أن إجراءات التحكيم تبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها الاتفاق على تعيين محكم مختص بنظر النزاع.
3- الإعلانات والتبليغات والإخطارات:
يكون للأطراف الحرية الكاملة في تحديد الكيفية التي يتم بها إرسال الإعلانات والتكليفات والإخطارات، وأياً كانت الطريقة التي سيتم اختيارها فإنه يلزم أن يتحقق فيها إمكانية تقديم الدليل على حصول إرسال الإخطار أو الإعلان سواء تم من خلال خطاب موصى عليه بعلم الوصول، أو برقية، أو رسالة بريدية، أو بريد إلكتروني، أو غيرها من وسائل الإرسال والتي تمكن من التحقق من حصول الإرسال بالفعل.
4- انعقاد الجلسات:
لا تثير فكرة انعقاد الجلسات في التحكيم الإلكتروني في منازعات التجارة الدولية ثمة مشكلة، حيث يمكن أن يكون الانعقاد من خلال وسائل الاتصال المرئية والمسموعة، أو من خلال الانعقاد الافتراضي الغير متعاصر والذي يعتمد على إرسال الرسائل وتخزينها ومعاودة قراءتها.[6]
إعداد/ أحمد منصور.
[1] حسين شحادة الحسين، التحكيم الإلكتروني في منازعات التجارة الدولية: دراسة في إطار القانون التجاري الدولي والسوري، 2018، ص 124.
[2] أنظر د. عصام عبد الفتاح مطر، التحكيم الإلكتروني، 2009، دار الجامعة الجديدة، ص 53.
[3] أنظر الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص 48، 49.
[4] د. عصام عبد الفتاح مطر، مرجع سابق، ص 165. وانظر مقال منشور على موقع محامي الأردن – حماة الحق – بعنوان محامي إنترنت.
[5] أنظر صلاح الدين دكداك، التحكيم الإلكتروني، 2014، مجلة الفقه والقانون، ص 17.
[6] أنظر في ذلك مسعود داود، دور التحكيم الإلكتروني في تسوية منازعات التجارة الدولية، 2017، ص 67 وما بعدها.

